"لديّ أسباب تكفي لأصبح سيئًا.
من المؤسف أن الآخرين لا يستوعبون ذلك".
- عباس كيارستمي
هذه الومضة المكثفة و العارية التي تختزل اعترافًا بالمأساة والخذلان، كتبها شاعر السينما الإيرانية عباس كيارستمي (1940-2016) في مجموعته الشعرية الأخيرة، لا باعتبارها بيتًا من الشعر فحسب، بل كنظرة حادّة إلى الداخل: إلى هشاشة الإنسان حين يُساء فهمه، أو يُلقى به في العتمة، ليواجه مصيره .
في هذا السطر الشعري الموجز، تتجلّى روح السينما الإيرانية كما تبلورت منذ عقود: سينما لا تصرخ لكنها تفضح، لا ترفع شعارات لكنها تضع المتفرّج أمام مسؤوليته الأخلاقية. سينما لا تصور ما يحدث فقط، بل ما لا يُقال، ما تُكتم أنفاسه داخل البيوت، وفي الشوارع ما تخطه الحياة فوق جلود المعذبين.
لهذا، يبدو فيلم الحرب العالمية الثالثة (2022) للمخرج هومن سيدي استمرارًا لهذا المسار، لكنه يكشف أيضًا، وجهًا أكثر قتامة، وأكثر تمزقًا. فبينما كانت أفلام كيارستمي تبحث عن الحياة في تفاصيلها اليومية، وتمدّ جسورًا بين الشاعر والواقع، يأتي هذا الفيلم كصرخة من داخل الجسد المعذّب، كحكاية عن الخذلان حين يتكرّر، وعن العدسة حين تتحول من أداة للرؤية والكشف إلى وسيلة للانتهاك.
شكيب، بطل الفيلم الذي جسّده بمهارة فائقة الممثل محسن تنابنده، ليس مجرد رجل فقير يعيش على الهامش. إنه نسخة مجروحة من العبارة الكيارستمية: رجل يحمل في داخله ما يكفي من الأسباب للانهيار، لكن لا أحد يراه. والأسوأ أنه حين يُمنح أخيرًا دورًا في الحياة – حتى لو كان دور هتلر – يكون الثمن أثقل من أن يُحتمل.
لا يستعير فيلم "الحرب العالمية الثالثة" الحرب ليتحدث عن السياسة، بل عن الإنسان الذي يُسحق بين طبقات الصمت والاستغلال والتواطؤ. يفضح الشريط كيف يمكن للسينما، إن لم تكن يقظة، أن تتحوّل من أداة وعي إلى ساحة اغتصاب رمزي. فهو لا يُدين السلطة فحسب، بل يُراجع الفن نفسه حين يقترب بخبث من المعذّبين ليوثّق عذابهم، لا لينقذهم.
إنها سينما عن السينما حين تصبح العدسة سؤالًا أخلاقيًا قبل أن تكون أداة جمالية. من يُصور من؟ من يستغل من؟ ومتى يصبح التمثيل استمرارًا للعنف لا فضحًا له؟
إننا أمام فيلم عن السينما حين تحاكم نفسها، وعن الكاميرا حين تكون أشد قسوة من الحياة.
تحت عدسة القسوة
يبدو شكيب كائنًا خرج من قلب العتمة توًا، لا يحمل مشروعًا ولا ضوءًا، بل وجودًا خامًا هشًا، يتأرجح بين الطاعة والخوف، بين الحبّ المقموع والحياة المتآكلة. رجل فقير، لا نعرف له جذورًا، يقبل بأي عمل – حتى لو كان بناء ديكور لفيلم عن "الهولوكوست" – فقط ليحصل على لقمة، أو لحظة نوم دون مطاردة. غير أن عبث السينما، بوصفها مرآة عمياء أحيانًا، يجعله يلبس فجأة شارب "هتلر"، ويقف أمام الكاميرا، ممثلًا لا لسلطة، بل لمأساة مضاعفة.
في تلك اللحظة، لا يعود شكيب هو شكيب فقط. بل يصبح رمزًا لكل من طُلب منهم أداء دور لا يشبههم، لا يفهمونه، ولا يملكون رفاهية رفضه. العدسة تُسلّط عليه، لا لتفهمه، بل لتُعيد إنتاج قهره في صورة يمكن للمشاهد استهلاكها. يُصبح جسده فقرةً في سردية أكبر، لا تعنيه، ولا تشفق عليه.
ولعل القسوة الأشدّ لا تأتي من شخصية "المخرج" الذي اختاره للدور، بل من الكاميرا ذاتها. فكل مشهد يُعاد تصويره، كل صرخة يُطلب منه تكرارها، تتحول إلى شكل من التعذيب الفني الرمزي. هنا، لا نكون أمام عنف مباشر، بل أمام عنف تمثيلي، مغطّى بجماليات الصناعة السينمائية. انه عنف الفن في أبشع تجلياته.
هل كان "شكيب" ضحية السلطة فقط؟ أم أن الفن نفسه، حين يتعامل مع الفقر كعنصر جمالي، يصنع مأساة جديدة؟
لا يقدّم هومن سيدي إجابة، بل يدفعنا للتحديق طويلًا في الكادر، حيث تقف العدسة متهمة لا شاهدة.
حين يتورّط الفن في تزوير الألم
ليست مشكلة "الحرب العالمية الثالثة" في كونه فيلمًا في فيلم، بل في كونه سؤالًا عن أخلاق التمثيل ذاته. الفيلم الذي يُصوَّر داخل الفيلم يدّعي تمثيل الهولوكوست، واحدة من أفظع مآسي التاريخ، لكن بطاقم عمل يجيد التزييف أكثر مما يجيد الفهم. هناك تماثيل شمعية، وديكورات مهلهلة، وكومبارس فقراء يُستخدمون كخلفية بشرية لمشهد درامي مكتوب سلفًا. وهنا، تتجلّى المفارقة القاسية: ألم حقيقي يُجسَّد عبر أدوات زائفة. لكن المفارقة الأدهى، أن شكيب – الذي لم يعش الهولوكوست – يعيش جحيمًا خاصًا به، هو جحيم الفقر والإذلال والحبّ المستحيل، والاضطرار للكذب من أجل النجاة. ومع ذلك، لا أحد يصوّره. لا أحد يمنحه بطولة. الكاميرا التي وضعته في واجهة الفيلم، كانت فقط بحاجة إلى وجهٍ يصرخ، لا إلى حياة تُفهَم. إلى صورة، لا إلى إنسان.
بهذا المعنى، يُدين الفيلم المنظومة الفنية التي تتغذى على آلام الآخرين من دون أن تمنحهم مساحة حقيقية للكلام أو التمثيل عن أنفسهم. يطرح هومن سيدي سؤالًا أخلاقيًا قاسيًا: هل يحقّ للفن أن "يستعير" المأساة ما دام عاجزًا عن تغييرها؟ وهل يكفي أن نُدين الشرّ بمجرد تجسيده، أم أن ذلك يفضي، بشكل ما، إلى إعادة إنتاجه؟
ومن خلف هزلية تمثيل الهولوكوست، يكشف الفيلم طبقة أعمق من الزيف: كيف يمكن للفن أن يتحول إلى أداة تبييض رمزي للعنف، عبر إغراقه في الإخراج والمونتاج والبكاء المعلّب؟ في هذا السياق، لا يعود شكيب ضحية فقط، بل يصبح مرآة لفن مأزوم، متردد بين رغبته في قول الحقيقة وخشيته من خسارة سلطته على الصورة.
الضحية في دور الجلاد
في هذا الفيلم لا يقف شكيب أمام الكاميرا فقط، بل أمام منظومة قاسية من الاختبار الأخلاقي، حيث يتحوّل جسده وصوته إلى مسرح لتجارب لا يملك زمامها. فهو لا يُمثّل هتلر، بل يُستَخدم كواجهة مؤقتة له، كقناع لخطاب سينمائي لا يعنيه، بل يختبئ خلفه. وما يبدو أول الأمر فرصة للخروج من قاع الفقر، يتحوّل تدريجيًا إلى فخّ رمزي، فكلما تألّق شكيب في الدور ابتعد عن نفسه وتورّط في أكاذيب أكبر، حتى حين يهمّ بالكلام لا يُسمع له صوت. هنا، تطرح السينما سؤال العدالة: من يملك الحقّ في الحكي؟ ومن يحقّ له تمثيل الضحية؟ وحين يُستدعى المهمَّشون إلى الشاشة، هل يُمنَحون وجودًا حقيقيًّا، أم فقط يُستَخدمون كحطب لإشعال الدراما؟
شكيب، الذي يبدو في البداية أشبه بطفلٍ وقع صدفة في حضن الكاميرا، يجد نفسه فجأة في قلب محاكمة غير مُعلنة: محاكمة لنواياه، لتصرفاته، لحُلمه الصغير في النجاة من الفقر، وحتى لعلاقته الغامضة بالحبّ. لكن لا يوجد قاضٍ في هذه المحاكمة، ولا محامٍ للدفاع. فقط عدسة تسجّل وتُدين، دون أن تُنصِف. الفيلم هنا لا يُدين فقط عالم السينما، بل يوسّع عدسته لتشمل مجتمعات بكاملها، تُحبّ تصوير الضعفاء، لكنها لا تتوقّف لتسألهم ماذا يريدون أو مِمَّ يعانون؟ شكيب يصرخ مرتين: مرّة داخل الفيلم المزيّف، وأخرى في حياته الواقعية. الأولى تُصوّر وتُستَخدم، والثانية تُهمل وتُنسَى. وهكذا يُثبّت الفيلم إحدى مفارقات عصرنا: أن نبحث عن العدل في الفن، لأن الواقع لا يقدّمه.
المرأة الغائبة: مجرد ظل لا غير
في خضمّ دوامة الألم والتمثيل والتهميش، لا تظهر المرأة في "الحرب العالمية الثالثة" بوصفها شخصية فاعلة بقدر ما تبدو كأثرٍ باهت، كظلٍّ يُراد الإمساك به دون جدوى. هي ليست بطلة القصة، بل ذريعة لاستمرار الخسارة.
لادن المرأة التي يحبها شكيب، ليست كاملة الحضور، بل مجاز عن شيء مفقود في حياة الرجل المقهور: الحنان، الأمل، الرفقة، وربما الوطن .
حبّ شكيب لها ليس حبًّا رومانسيًا تقليديًا، بل تمسّكٌ يائس بآخر ما يمكن أن يُنقذ ما تبقّى من إنسانيته. لكنه يُقابَل بالخذلان، ليس لأن لادن تخونه، بل لأن العالم الذي يعيشان فيه لا يسمح للحبّ بأن ينجو. وفي لحظة المفترق، حين يحاول شكيب أن "يُهرّب" محبوبته الملاحقة إلى عالمه الجديد، تُغلَق الأبواب في وجهه، وتتحوّل العلاقة إلى عبء يُهدّده بفقدان كل شيء.
المرأة في هذا الفيلم ليست فقط ضحية، بل أحيانًا شاهد زور. كأن الفيلم يُخبرنا أن الحبّ في المجتمعات المُهدّدة بالقمع، لا يكون خلاصًا، بل امتدادًا للجراح.
التمثيل أداة عنف رمزية
منذ اللحظة الأولى، لا يحاول الفيلم أن يخدعنا بأنه مجرد فيلم عن فيلم. فـ"الحرب العالمية الثالثة" لا يتعامل مع التمثيل كحرفة، بل كخيانة محتملة، كصفقة رمزية بين من يملك الكاميرا ومن يُعرّى أمامها. شكيب لا يؤدي دور هتلر، بل يُجبر على أن يصير هو. لا يخوض تجربة أداء، بل يُستلب داخليًا ويُجرّد من إنسانيته تدريجيًا. ما يفعله هومن سيدي هنا هو قلب العلاقة بين الفن والواقع: فبدلًا من أن تُنقذ السينما الإنسان، تتحول إلى شريك ضمني في تعذيبه. وهو ما يفتح الباب لأسئلة قاسية: هل يمكن للفن أن يصبح سلطة؟ وهل قد تكون العدسة التي توثّق البؤس أحيانًا أكثر وحشية من الحياة نفسها؟
لا يتوقف الفيلم عند حدود تمثيل المعاناة، بل يذهب أبعد ليسائلنا: ما الفرق بين أن تصوّر فقيرًا يبكي، وأن تُجبره على البكاء؟ متى يصبح المخرج جلادًا وليس راويًا؟ وأين تقف مسؤولية الفن حين يغدو الألم هو رأس المال؟
إذن، لا يكتفي الفيلم بمحاكمة الواقع، بل يُدين أيضًا آليات إعادة تمثيله. إنه يفتح محكمة داخل المحكمة، حيث الكاميرا في قفص الاتهام، والإنسان الهش هو الشاهد والضحية في آن معًا.
حين تُحاكم السينما ذاتها
لا يسعى هومن سيدي إلى إدانة سلطة بعينها، بل إلى مساءلة تلك السلطة حين تتخفّى خلف قناع الفن نفسه. فالكاميرا هنا ليست أداة توثيق، بل مشرط، ومسرح التصوير ليس منصة حُرّية، بل ساحة اغتصاب رمزيّ، تتراكم فيها طبقات من القهر. شكيب، بكل انكساراته، ليس فقط ضحية النظام، بل أيضًا ضحية الحلم الكاذب بالانعتاق عبر الفن. وهو حين ينهار في النهاية، لا يسقط لأنه شخص سيئ، بل لأنه تعب من تقمّص ما يُطلب منه أن يكون: فقيرًا مطيعًا، عاشقًا مثاليًا، ممثلًا جيدًا، هتلرًا دون أن يفهم اللعبة. ودون أن ينتبه أحد الى محارقه الخاصة.
يُحاكم هذا الفيلم كل ما نعتبره “واقعيًا” في السينما. فحين تصبح الواقعية تواطؤًا مع العنف، فإنها تكفّ عن كونها شكلًا جماليًا، وتتحوّل إلى خيانة. وهكذا، لا يخرج المتفرّج من الفيلم بشعور المواساة أو الترفيه، بل بالحيرة: هل ما شاهدناه عمل إنساني؟ أم تجربة تعذيب سينمائية؟ هل نحن مجرد شهود؟ أم متواطئون بالصمت؟
ما يجعل هذا العمل السينمائي مفصليًا ليس قدرته على السرد فحسب، بل جرأته في تفكيك اللعبة نفسها. لا يقدّم هومن سيدي إجابات جاهزة، بل يزرع شكوكًا طويلة الأمد في معنى العدالة، وجدوى الفن، وحدود التمثيل. شكيب لا ينهزم فقط بوصفه شخصية درامية، بل بوصفه شاهدًا على انكسار الوعد السينمائي ذاته. ليجد نفسه في اعتراف شعري مأساوي:
"لديّ أسباب تكفي لأصبح سيئًا.. من المؤسف أن الآخرين لا يستوعبون ذلك".
هنا يبدو أن الفن لم يكن غافلًا، بل كان يعرف.. وربما كان، في مكان ما، متواطئًا.