خمسون عامًا تكون قد مضت على وفاة فريد الأطرش بانقضاء هذا العام، احتفظ فيها بشعبيته وحضوره البارز على خارطة الغناء القديم، إن صح أن نصف غناء حقبته بالقديم، في أمة عرف غناؤها التسجيل الصوتي منذ أواخر القرن التاسع عشر.
المتعصبون لفريد يرونه المطرب الأكبر والموسيقار الأعظم وعازف العود الأهم، وسِواهم لا يخالفون في أنّه مطرب كبير وملحن عظيم وأحد أهم عازفي العود في تاريخ الآلة، وهو في كل الأحوال أحد أهم أركان الغناء الطربي بحضوره مُطربًا ومُلحنًا، والذي عززه حضوره الدائم نجمًا سينمائيًا لأكثر من ثلاثين سنة، ليُصبح عطفُ اسمه على أسماء أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم صيغةً نحويةً منطقيةً بلُغة الجمهور، ولغة الصحافة الفنية والإعلام، وإن احتفظت لغة النقد وخواصّ السمّيعة بجدل كبير حول التفاصيل، ينتهي بكل ما بين آرائه مِن تفاوت إلى أن فريد ملحن كبير ومطرب عظيم.
ولد فريد بن فهد الأطرش بقرية (القريّا) بمحافظة السويداء جنوبي سورية، لأب كان مِن وُجهاء آل الأطرش أعيان جبل الدروز، وأم لبنانية (علياء المنذر) كانت صاحبة صوت جميل، وتجيد العزف على العود. وكان فريد ثاني أبنائهما بعد (فؤاد). وبعد مولده، سافرت الأسرة مع والده إلى تركيا حيث عُين حاكمًا لقضاء (ديمرجي)، وأثناء عودتهم وُلدَت (أسمهان) في السفينة، فسمّاها أبوها (بحرية)، لكنّ أمها اختارت لها اسم (آمال)، قبل أن يُسميها الفن (أسمهان).
كان فريد يقول إنه من مواليد عام 1917، لكنّ سنة ميلاده بقيَت دومًا متأرجحة في كتابات مَن كتبوا عنه، فكان هذا التاريخ يتزحزح أحيانًا إلى 1915 و1914، وأحيانًا إلى ما وراء ذلك، لكن تبقى هذه التواريخ الوسيطة أشدّ منطقية مِن سواها. وفي عام 1922، ثارت العشائر الدرزية على الاحتلال الفرنسي بسبب اعتقالهم لأدهم خنجر الصعيبي، من بيت سلطان باشا الأطرش، بتهمة محاولة اغتيال القائد غورو، فانبعثت القوات الفرنسية تقصف (القريّا) وتدمر بيوتها، وشارك فهد في الثورة، فهربت علياء المنذر بأولادها الثلاثة إلى بيروت، وهناك احترفت الغناء حينًا.
لكن بعدها بعامين، بلغتها الأخبار أن الفرنسيين يترصدون زوجها لاشتراكه في الثورة، وأنهم عازمون على اعتقالها وأولادها لإجباره على تسليم نفسه، فقررت الفرار بأولادها، وركبوا السيارة إلى حيفا، التي استقلوا منها القطار إلى القاهرة، ليبدأ فريد رحلة المعاناة والفن والمجد.
البدايات الصعبة وعُقدة الاضطهاد
في القاهرة، استأجرت الأسرة غرفتين بحي "باب البحر"، وعملت الأم بالخياطة حينًا لتغطية نفقات الأسرة، وألحقت أولادها بالمدرسة الفرنسية بالخرنفش تحت اسم مستعار: فؤاد وفريد كوسا. وهناك، أظهر فريد صوته الجميل ومواهبه في الغناء، ولسوء حظه رآه سوري كان صديقًا للعائلة فلم يكتفِ بالثناء عليه حتى صرّح بأصله العائلي وكشفَ سره، ففُصل من المدرسة.
واضطُرت الأم لإلحاق أولادها بمدرسة أخرى، كما أنّ دخلها من الخياطة لم يعُد يكفي حاجات الأسرة، فقررت استغلال صوتها بممارسة الغناء في الحفلات، وأصر ولداها فؤاد وفريد على اصطحابها، وهناك احتكّ فريد لأول مرة بالوسط الموسيقي القاهري، وصقل ما كان تلقّنه بالسماع مِن أمه من قواعد الغناء والعزف. وبعد فترة، قرر الصَّبيّان ألا تعمل أمهما، وأن يكفياها مؤونة العمل، فاتجه فؤاد إلى عيادة طبيب أسنان لتعلم صناعته والعمل عنده، واتجه فريد للعمل في محلات "بلانشي" للقماش بحي الموسكي.
لكنه لم ينس الغناء والعزف، ولم يكن لينسى وهو يعيش في كنف أم تغني وتعزف، وقد عرف الطريق إلى صالات الغناء في القاهرة. وحمل له الحظ هدية أخرى، فاستمع إليه شيخ العروبة أحمد زكي باشا (1867 - 1934)، والذي كان صديقًا لسلطان باشا الأطرش، ويبدو أنه اهتمّ بأمره لهذه الصداقة، وكتب له كتاب توصية إلى مصطفى بك رضا عميد معهد الموسيقى الملكي، الذي ألحقه بالمعهد طالبًا.
وفي المعهد، بدأ رحلة تلقي علوم الموسيقى، ودرس على يد رياض السنباطي (1906 - 1981)، الذي أعجب بعزفه وأثنى عليه، ونصحه بالخروج إلى الجمهور. في هذه الفترة تعرف على الملحن والعازف فريد غصن والتقى في بيته بالمطرب الشهير إبراهيم حمودة الذي طلبه عوّادًا في فرقته، فكانت أول مواجهة رسمية مع الجمهور. وبعدها بقليل، التحق بكازينو بديعة مصابني، الذي كان أشبه بأكاديمية تخرّج فيها عدد كبير من نجوم التلحين والغناء والعزف والاستعراض. بدأ فريد في كازينو بديعة عازفًا ومغنيًا مع الكورس، ثم طلبت منه الغناء منفردًا، وكانت إذا رضيت عنه أجزلت مكافأته وأحسنت معاملته، وإذا أسندت إليه أدوارًا لا تناسبه ورفضها، حسمَت من راتبه وأساءت معاملته.
كما مارس الغناء في الإذاعات الأهلية كمحط، مثل راديو فاروق لصاحبها إلياس شقال، وظل يستهلك نفسه بين الدراسة في المدرسة، وفي المعهد، والعمل في كازينو بديعة، والغناء في الإذاعات الأهلية، والعمل في محل "بلانشي" إلى أن استهلكه الجهد، وأتى عليه امتحان الغناء في المعهد وهو مريض، وحاول إقناع اللجنة بتأجيل امتحانه، إلا أنه فشل واضطر للغناء وهو مريض، وكانت النتيجة الحتمية هي الرسوب وخطاب فصل من المعهد.
غرق فريد في بحار اليأس قبل أن يأتيه خطاب آخر يقلب حزنه فرحًا. كان الخطاب هذه المرة من مدير الإذاعة الحكومية التي افتُتحت حديثًا يدعوه فيها لمقابلته. ذهب فريد إلى الإذاعة وهناك استقبله الموسيقار مدحت عاصم (1909 - 1989) الذي كان قد استمع إليه يعزف العود في المعهد وأعجب بعزفه، وعرض عليه أن يعزف العود في الإذاعة مرة في الأسبوع، فقبل فريد على الفور، لكنه ظل مُصرًا على الوصول إلى الميكروفون مغنيًا ليثأر لكرامته من أساتذة المعهد الذين رفضوا تأجيل امتحانه وأسقطوه في الغناء، فعرض الأمر على مدحت عاصم، الذي وافق بشرط أن يجتاز اختبار الغناء أولًا، وكانت المفاجأة أن لجنة الاختبار تضم أعضاء من الذين أسقطوه في المعهد، لكن فريد اجتاز الاختبار هذه المرة واستردّ اعترافهم بموهبته، وثأر لكرامته الفنية، وأصبح مطربًا باعتراف الجميع.
هذه الصعوبات التي عاناها فريد في بداياته أورثته شعورًا قارًا بالاضطهاد، نما معه رغم مجد السنوات اللاحقة وشهرتها، وكثيرًا ما غذى أصدقاؤه هذا الشعور ليورّطوه بطيبة قلبه في مقارنات غير متوازنة يخرج منها خاسرًا، فينسب خسارته إلى اضطهاد الوسط الفني أو وشايات الحاقدين.
مرارات الفقد والحب.. ومجد السينما
رحلة الصعود الشاقة لفريد زامنتها رحلة صعود سهلة وسريعة لشقيقته آمال (1917 أو 1919 - 1944)، فقد ورثت الشقيقة الصغرى عن أمها صوتًا آسر الجمال تحار في نبراته القلوب والعقول، عدا عما تمتعت به من جمال خلاب وأنوثة بارعة. كل هذا جعلها، منذ مرحلة مبكرة من عمرها، محط الأنظار والأسماع، فتبناها الموسيقار داود حسني (1870 - 1937) وعلّمها أصول الغناء، وسمّاها (أسمهان)، وهو اسم تلميذة له آسرة الصوت والأداء ظل يرعاها ويتعهدها بالتعليم حتى نضجت واكتملت آيتُها، فلما تمّت ماتت. وحين رأى آمال الأطرش، أدرك فيها مَشابهَ من تلميذته الراحلة فأسبغ عليها اسمها.
شقّت أسمهان طريقها بسرعة وسجلت عدة أسطوانات في مطلع الثلاثينيات، قبل أن تتزوج ابن عمها حسن الأطرش وترجع إلى الجبل، ثم تعود إلى القاهرة مرة ثانية لتخطو خطوات أوسع في مجدها الفني، وينفذ الموسيقار محمد القصبجي (1892 - 1966)، عبر صوتها، كثيرًا من أفكاره التجديدية في الغناء العربي. ويمكننا القول إن أسمهان كانت بداية نمط جديد من الغناء النسائي بعيد عن الخلفية المشيخية وتراث الإنشاد الديني، كما هو بعيد بالقدر نفسه عن غناء العوالم والراقصات.
خلال هذه الحقبة الثانية من عمر أسمهان، منحت شقيقها فريد فُرصًا فارقة للصعود معها، وملازمتها ملحنًا وعازفًا، وجعلته زميلًا في صوتها لكبار الملحنين الذين لحنوا لها، مثل محمد القصبجي ورياض السنباطي وزكريا أحمد وعبد الوهاب. كما شاركها بطولة فيلمهما الأول "انتصار الشباب" عام 1941 ولحّن أغانيه. كما لحّن لها في هذه الحقبة عددًا من أجمل أغانيها، أشهرها "رجعت لك يا حبيبي"، و"عليك صلاة الله وسلامه"، و"يا بدع الورد".
وحين انتقلت بعد هذا الفيلم إلى بيروت، كان فريد قد استوى على قمته واستطاع في العام التالي منفردًا تقديم فيلمه الثاني "أحلام الشباب" عام 1942. ومؤكد أنه لو لم تكن أسمهان حاضرة في مشوار فريد لكانت رحلة صعوده أشد بطئًا ومشقّة، فقد وجد نفسه في هذه الحقبة المبكرة يلحن لأحد أهم أصوات القمة، وينافس من خلاله كبار الملحنين. هذه المنافسة وسحر صوت أسمهان ارتقيا بموهبة فريد التلحينية، وجعلاه ينتج لها مجموعة تُعد من أفضل ألحانه رغم بكارة عهدها.
رجعت أسمهان إلى القاهرة في العام التالي وشرعت في تصوير فيلمها الثاني "غرام وانتقام"، وأسندت ألحانه إلى فريد بالشراكة مع القصبجي والسنباطي. لكنّ القدر لم يمهله، وفجعه في شقيقته التي غرقت في ترعة بدِلتا النيل قبل إكمال الفيلم في تموز/يوليو 1944، وفقد بموتها شقيقته الحبيبة وداعمته الأهم، وشريكة رحلته الفنية وصوت ألحانه الأعلى جمالًا وجماهيرية.
بوفاة أسمهان، بدأ فريد رحلة جراح لازمته حتى النهاية، ولم يستطع بعدها تطوير علاقاته الفنية ليكسب من بين الأصوات الجميلة سفيرًا لألحانه، فظلت أكثر ألحانه لنفسه، وأسهم هذا في تأكيد مزاجه الغنائي عليها وصبغها بلون من التكرار، لكنه كان قد بلغ مرحلة الأمان في السينما وبات النجم الأول في عالم الفيلم الغنائي، خاصةً في الفترة التي امتدت بين توقف عبد الوهاب عن التمثيل عام 1946، وظهور أول فيلم لعبد الحليم حافظ عام 1955. خلال هذه الحقبة، تربع فريد على على قمة الفيلم الغنائي وقدم معظم روائعه السينمائية مثل "حبيب العمر" (1947)، و"بلبل أفندي" (1948)، و"عفريتة هانم" (1949)، و"آخر كدبة" (1950).
ولم يكن ينافسه في ساحة الفيلم الغنائي في هذه الحقبة إلا محمد فوزي (1918 - 1966). أما بقية الأسماء، فكانت وراءهما بكثير وأقل إنتاجًا. ورغم أن موهبة فوزي في التمثيل كانت أعلى بكثير من فريد، فإن رصيد فريد من الغناء الطربي كان أكبر، وهذا ضمن لهما خطّين متوازيين من النجاح طيلة العقد الممتد بين توقف عبد الوهاب وظهور عبد الحليم، وأسسا معًا لتقاليد الفيلم الغنائي الاستعراضي، فكانت أفلامهما متشابهةً في كثير من مكوناتها، خاصة مع وجود نفس البطلات والأبطال المشاركين والمساعدين، مثل سامية جمال، وصباح، ونور الهدى، وكاميليا، وإسماعيل ياسين، وشكوكو، وعلي الكسار.
ولأنّ كلا الرجلين، فريد وفوزي، كان خرّيج مدرسة كازينو بديعة، فقد قدما في أفلامهما عددًا كبيرًا من الاستعراضات والأوبريتات والصور الغنائية المسرحية التي صبغت الأفلام الغنائية في هذه الحقبة وصارت من لوازمها، وكانت تمثل بذرة صالحة لبعث المسرح الغنائي لو حصلت العناية بها.
وكان مِن أهم ما قدم فريد أوبريت "بساط الريح" (1949)، الذي طوّف به في غناء العالم العربي كله، وجال مِن خلال كلماته وملابسه وديكوراته بين مصر والشام والعراق وتونس، ليُصبح بفنه من أوائل دعاة الوحدة العربية.
استمرت رحلة فريد السينمائية حتى عامه الأخير 1974، ليقدم 32 فيلمًا حققت جميعها نجاحًا لافتًا، وأقبلت عليها الجماهير مِن أجل صوته وغنائه أولًا، فقد كان تمثيله في المرتبة الثانية، ويمكن القول إن السينما اختطفت فريد الملحن والمطرب، فأنتج كثيرًا من أغانيه واعتبارات السينما نصب عينيه، فاتسمت بما تمليه الضرورة السينمائية مِن قِصَر وتقيد بالموقف الدرامي، ولو أنّه - مثل أم كلثوم وعبد الوهاب - تحرر مبكرًا من السينما، لربما كان أنتج عددًا أكبر من الروائع الطربية الطويلة.
لكن يُحسب له أنه في كل إنتاجه الغنائي السينمائي لم ينفصل عن الطرب مرة واحدة، ولم يفرط في عروبة ألحانه وأصالتها مهما كانت خفة اللحن التي تقتضيها الدراما. وفي الوقت نفسه، فقد قدم عددًا كبيرًا من الروائع الطربية الخالدة التي ظل يغنيها على المسرح لعشرات السنين، وتقابل كل مرة بنفس النجاح، مثل "الربيع"، و"أول همسة"، و"نجوم الليل". كما قدم عددًا من أروع القصائد الطربية، ربما كان أشهرها "يا زهرة في خيالي"، و"عُدت يا يوم مولدي"، و"عش أنت".
خلال سنوات الأربعينيات، اشترك فريد الأطرش في أعمال كثيرة مع سامية جمال، وجمعتهما قصة حب شهيرة لم تنتهِ بالزواج لأنّ فريد فيما يبدو كان يخشى الزواج، فتركته سامية وتزوجت ممثلًا أمريكيًّا أشهر إسلامه، ليخوض قصة حب أخرى مع الراقصة ليلى الجزائرية التي ظهرت معه في فيلم "عايزة أتجوز".
لكنها كانت قصة انتقالية عَبَر من خلالها إلى قصة حبه الأشدّ وجعًا تجاه الملكة السابقة ناريمان صادق، وحين رُفض سقط صريعًا بالذبحة الصدرية عام 1954، ليبدأ رحلة أخرى من آلام الفقد والمرض، وتوالت الذبحات على فريد ليصبح أشهر مريض قلب في الوسط الفني، وتتباعد المسافات الزمنية بين حفلاته وأفلامه انصياعًا لأوامر الأطباء بالراحة، واحتفرَت وجهَهُ ملامحُ المرض والشيخوخة، فيما تأكدت ملامح الحزن التي كان يخفيها قبل ذلك بأغاني الاسكتشات المرحة والحوارات الفكاهية مع إسماعيل ياسين وشكوكو.
المطرب والملحن والإنسان.. أيهم جنى على الآخر؟
في كتاب تذكاري جماعي صدر عن فريد بعد رحيله، قال الموسيقار محمد الموجي: "على المستوى الفني فإنني أعتقد أن قيمة فريد كمطرب تأتي في الدرجة الأولى قبل قيمته كملحن". وقال أيضًا: "إنني أعتقد أن فريدًا كان يرى موهبته الصوتية من الزاوية التي أراها بها هنا، بدليل أنه لم يمانع أبدًا بل رحب في كثير من الأحيان بأن يغني بصوته من ألحان غيره، ولو كان هذا قد حدث فأعتقد أن الملحنين الآخرين كانوا سيبرزون جوانب أخرى ممتعة في صوت فريد الأطرش قد لا يكون هو قد تنبه لها".
ويقول ثالثًا: "فإنني ما زلت أكرر اعتقادي بأن استسلام فريد المطرب لفريد الملحن لفريد الإنسان جعل معظم أغانيه في النهاية تخرج حزينة بالشكل الذي لمسناه جميعًا". (فريد الأطرش بين الفن والحياة، مجموعة كُتاب، "دار المعارف" ص 105).
هذا الرأي الذي امتلك الموجي شجاعة التصريح به يفتح بابًا للجدل حول قيمة ألحان فريد الأطرش، التي لا ينكر أحد أنها كبيرة ومهمة في مسيرة الموسيقى العربية، وأنها ألحان أصيلة حافظت على عروبتها حتى النفس الأخير. لكنّ محبي فريد المتعصبين له يفتحون بابًا مقابلًا حين يرفعون فريد في قمته إلى الدرجة التي استقر عليها الرواد الأربعة الذين طوروا الموسيقى العربية بعد سيد درويش: القصبجي، وزكريا أحمد، وعبد الوهاب والسنباطي.
وتبدو ألحان فريد إذا قورنت بألحان هؤلاء واقعة في التكرار وأقل تنوعًا، رغم جمالها وأصالتها واحتفاظها بميزة الإطراب. وليس التكرار في ذاته بعيب، بل ربما وقع فيه هؤلاء وأمكن التمثيل له من ألحانهم بكثير من الأمثلة، لكنه كان أرسخ جذورًا وأظهر حضورًا عند فريد، بسبب ما تحدّث عنه الموجي من خضوع فريد المطرب لفريد الملحن، وخضوع فريد الملحن لفريد الإنسان، بما صبغ حياته مِن الحزن القارّ والأسى الطويل.
ويمكن أن نضيف لفريد عذرًا ها هنا، وهو أن انشغاله الطويل بالتمثيل في السينما، مع اعتياده قضاء معظم يومه في جلسات الأصدقاء، في بيته وفي الأندية ومضامير الخيل، هروبًا مِن وحدته وأحزانه؛ كل هذا سرق وقته وذهنه ولم يمنحه التفرغ الكافي لتطوير موسيقاه والابتعاد بألحانه الجديدة عن ألحانه السابقة، وربما كان أدل شيء على ذلك أن أنجح أغانيه التي ظل يؤديها في حفلاته حتى وفاته منتصف السبعينيات قدمها لأول مرة في الأربعينيات والخمسينيات، مثل "الربيع"، و"أول همسة"، ما يوحي بأنه لم يقدم بعدها شيئًا في قوّتها، إذا استثنينا قصيدة "عش أنت"، التي قدمها في فيلم "زمان يا حب" عام 1970.
ويتصل بهذا الجدل الحديثُ عن عدم تلحينه لأم كلثوم رغم حرصه على ذلك وإلحاحه عليها فيه، والحقيقة أنّ طيبة قلبه وتلقائيته المفرطة في التعامل مع الناس جنتا عليه في هذه التجربة خصوصًا، فقد عكَس ميزان العلاقة بين المطرب والملحن، والذي يقتضي أن يكون المطرب طالبًا والملحن مطلوبًا، وظل يعرض التعاون على أم كلثوم ويلحّ عليها بشكل لا بد أنه زهّدها فيه، وجعلها ترى من عيوب ألحانه أكثر مما رأت من مزاياها.
وقد كانت أم كلثوم تبدي من الاستجابات المبدئية ما يجعله يطير فرحًا واثقًا من الظفر ببغيته، ثم يتوقف التنفيذ بعد ذلك ليعود باليأس وخيبة الأمل، ويبدو أنّ إلحاحه واندفاعه كثيرًا ما أفسدا عليه هذه المحاولات، فقد كانت أم كلثوم تؤكد على سرية هذه الاتفاقات حتى تخرج الأغنية إلى النور، وكان فريد يعجز عن كتمان السر، وفي إحدى المرات سجل اللحن مع فرقة كاملة متصورًا بهذا أنه يقنعها به، فكان ردها: "جميل بصوتك يا فريد.. ذيعه!".
وبحسب شهادة بليغ حمدي: "فإن فريد لم يعرف كيف يتعامل مع أم كلثوم"، ويحكي بليغ أن فريد اختار قصيدة الأخطل الصغير الوطنية "وردة من دمنا" ولحنها لتغنيها أم كلثوم، وأعجبت بها أم كلثوم لكنها رفضت غناءها قائلة: "ما دام فريد عاوز يلحن لي يلحن لي أغنية حفلة"، فقد فضلت الابتداء بأغنية عاطفية تصلح للمحافل ثم غناءَ الأغنية الوطنية بعد ذلك، ورفض فريد تلحين أغنية عاطفية إلا إذا غنت "وردة من دمنا" أولًا، معتبرًا رفضها إهانة له. (المرجع السابق، ص 68).
والحقيقة أن عبارتها "ما دام فريد عاوز يلحن لي" تلخص المشكلة كلها، لقد أفسد فريد التجربة على نفسه باندفاعه وإلحاحه، فإن أم كلثوم التي ترددت في الغناء لعبد الوهاب حتى تدخل الرئيس جمال عبد الناصر شخصيًا للجمع بينهما، وقبل ذلك بثلاثين عامًا ترددت في الغناء لرياض السنباطي حتى منح لحنه لمُغنٍ آخر في فيلمها محققًا به نجاحًا أكبر من نجاح أغنياتها في الفيلم، لم تكن لتغرى بالتعاون مع ملحن يُلح عليها ويعرض خدماته كل حين دون أن تبادر هي بطلب التعاون معه، أو تبدي حماسة لذلك.
هذا هو الفخ الذي سقط فيه فريد، برغم كل ما يمكن أن يقال عما اعتور ألحانه مِن تكرار وتشابه، لأنّ بعض اختيارات أم كلثوم اللحنية في سنواتها الأخيرة لم تسلم من الجدل، وأشد الكلثوميين محافظةً لا ينكرون أن فريد كان قادرًا على أن ينتج لها ألحانًا أفضل من "حب إيه"، و"ألف ليلة وليلة"، و"الحب كله".
ومع الأسف، كانت هذه التجربة مما عمّق شعور فريد بالاضطهاد، واجتمعت على هذا الشعور أسباب أخرى جعلته يقيم معظم سنواته الأخيرة في بيروت، رغم أنه ظل يصرح بأنه وزع إقامته فقط بين القاهرة وبيروت.
وبحسب الكاتب محمد بديع سربية، رئيس تحرير "الموعد اللبنانية"، فإن فريد اجتمع في ربيع عام 1967 مع مسؤول كبير بالمؤسسة العامة للسينما، لبحث إنتاج فيلم يقوم ببطولته، وحين سأله المسؤول عن أجره قال إنه لا يطلب إلا أجره المعتاد في الأفلام، خمسة وعشرين ألف جنيه، وحين سمع المسؤول الرقم تجهم وسخر قائلًا: "أمال أنا ليه درست وأخدت دكتوراه؟ مش كنت أعمل مغني زيك؟! وآخد المبلغ الكبير دا عن كل فيلم".
ولم يجد فريد بُدًّا من الرد عليه بقوة "بأنّ بوسع أي إنسان أن يكون دكتورًا في الاقتصاد، لكن ليس بوسعه أن يكون فنانًا موهوبًا". ومِن يومها قاطعته مؤسسة السينما، كما لم يعد بمقدوره أن ينتج أفلامًا لحسابه، بسبب احتكار مؤسسة السينما لسلطة الإنتاج في ظل النظام الاشتراكي. (المرجع السابق ص 80).
ولم تكن هجرته إلى بيروت متعمدة، فقد كان عائدًا من الكويت قبيل نكسة 1967، فمر ببيروت ليقضي بها أيامًا على عادته، ففوجئ بوجود عبد الوهاب وزوجته نهلة القدسي، فمدد إقامته ببيروت ليصحبهما فيها، ثم وقعت النكسة وأغلقت المطارات وتعذرت العودة، ووجد إقامته تطول، ثم شرع في إنتاج فيلم "الحب الكبير" وطلب لبطولته فاتن حمامة، التي كانت قد انتقلت في هذه السنوات للإقامة في فرنسا، ونجح الفيلم وربح فريد من ورائه، واستقر في بيروت، لكنه لم ينقطع عن زيارة القاهرة وإقامة الحفلات بها، وكان أشهرها حفلة "الربيع" التي خلدها تصوير التلفزيون في نيسان/أبريل 1970، والتي بدا فريد فيها في أعلى حالاته الطربية والمزاجية، حتى ليخيل لمن يسمعه ويشاهده أنه صغر في السن عشر سنين، وأن صوته ازداد حلاوة وطلاوة وأتى بزخارف لا يأتي بها في الاستوديوهات المغلقة.
وقد حفظت لنا عدسات التلفزيون في مصر وسورية ولبنان والكويت عددًا مهمًّا من حفلات فريد في سنواته الأخيرة، تُظهر جميعها تألق فريد على المسرح وتحرره من أعباء المرض، وشعبيته الجارفة واحتشاد الجماهير حوله وتصفيقهم له مطربًا مقتدرًا، وعازفًا على العود، في فقرة العزف المنفرد التي كان يُصدّر بها كل أغنية، والتي ربما كانت أنفس ما وصلنا مِن عزفه حين نتذكر أنه لم يسجل أسطوانات عزف منفرد. ويتجلى فريد في تقاسيمه عازفًا مقتدرًا على آلته من الناحية التقنية، لكنّ التكرار يعتاده كما يفعل بألحانه فيكرر المسالك النغمية لتقاسيمه من حفلة لأخرى، ورغم ذلك تبقى هذه المقاطع أعلى لحظات نجومية آلة العود وهي تحصد آهات جمهور المسرح منفردةً بين يدي نجم كبير.
في أعوامه الأخيرة، خاض فريد قصة حب أخيرة حاول بها الإمساك بالسعادة المفقودة. وفي عام 1974، أرهق نفسه في تصوير آخر أفلامه "نغم في حياتي"، وأحيا حفلة تحت المطر في عاليه أصيب على أثرها بالتهاب رئوي حاد، وتجمعت المياه في جسده، فسافر إلى لندن للعلاج بصحبة سكرتيرته دينيز جبور.
لكنّ الأطباء نصحوها أن ترجع به إلى بلده، فعاد إلى بيته في بيروت ليقضي ليلة قبل أن يُنقل إلى مستشفى الحايك، الذي جاد فيه بأنفاسه الأخيرة يوم 26 كانون الأول/ديسمبر 1974، ثم نُقل جثمانه إلى القاهرة ليُدفن بجوار شقيقته أسمهان حسب وصيته، ليفقد الغناء العربي واحدًا من أجمل أصواته وأفخمها، وتفقد الموسيقى العربية واحدًا من أرقّ صُناعها، ما يزال كل ذي صلة بها يستدعي أغانيه إلى اليوم، ويطرب لها، ويحبها ويحب صاحبها، وإن اختلفوا وتجادلوا على مكانته في ميزان النقد الموسيقي، لكنّ مكانته في قلوبهم تبقى عزيزة فوق أي اختلاف.