الساعة الثالثة والنصف فجرًا. القاهرة نائمة، وحي الزمالك يغرق في صمت الليل الثقيل. في الشقة رقم 131 بالطابق الثاني من العقار 23 في شارع محمد مظهر، تختلط روائح لا تجتمع عادة في مكان واحد: رائحة الدم، رائحة عطر فاخر ما زال يفوح من فستان أسود أنيق. وتحت كل هذا، رائحة الفراغ الذي تتركه الأحلام المكسورة.
هنا، على الأرضية الرخامية الباردة، تستلقي ذكرى محمد الدالي. المطربة التي امتلكت صوتًا قادرًا على تحريك الجبال، وقد تحولت إلى جسد مثقوب بست وعشرين رصاصة. ترتدي ملابس السهرة، كأنها عادت للتو من حفلة لم تكتمل، أو ربما في طريقها إلى حفلة لن تصل إليها أبدًا.
بجانبها، زوجها أيمن السويدي، رجل الأعمال الذي وعدها بالأمان، يرقد بطلقة واحدة حاسمة تحت ذقنه. وفي الصالة، على الأرائك الفاخرة المتشربة بالدم، جثتان أخريان: مدير أعماله عمرو الخولي وزوجته خديجة، ضحيتان جانبيتان في مسرحية لم يكتبا سطرًا فيها.
الرواية الرسمية جاهزة، مكتوبة بسرعة كأنها معدة سلفًا في أحد المكاتب المكيفة بعيدًا عن رائحة الدم: شجار زوجي، غيرة، كحول، قتل، ثم انتحار. قضية أُغلقت قبل أن تُفتح. لكن في مدينة مثل القاهرة، مدينة تبتلع الأسرار وتهضمها ثم تلفظها في هيئة همسات على مقاهي المدينة، هذه ليست النهاية. بل مجرد بداية لأسئلة أكبر بكثير.
لم تكن مجرد مطربة قتلتها غيرة زوجها، بل تقاطع خطير بين الفن والمال والسلطة. أغنية جميلة غُنيت على حافة بركان على وشك الانفجار. لذلك، لا يمكن أن نبدأ من الشقة 131، بل من الأماكن التي صنعتها وشكلتها وابتلعتها في النهاية، يجب أن نعود إلى الفراغ الأول.
من صالة المهرجان إلى قفص الحب
ذلك الفراغ بدأ قبل عقود، في منطقة وادي الليل قرب العاصمة تونس، عندما توفي والدها محمد الدالي. الرجل الذي كان أكبر داعم لها في مجتمع محافظ، الدرع الذي يحمي موهبتها من نظرات الاستنكار وألسنة القيل والقال. عندما رحل، ترك خلفه فجوة وجرحًا غائرًا قضت ذكرى بقية حياتها القصيرة تحاول ملأه.
في تونس الثمانينيات، التي تعيش على إرث بورقيبة الحداثي وتستعد لدخول حقبة زين العابدين بن علي، النظام الجديد مهتم بتقديم واجهة ثقافية نشطة. مهرجان الأغنية التونسية فرصة ذهبية للمواهب الشابة، حيث وقفت ذكرى، وبصوتها الذي يحمل شجنًا تونسيًا خالصًا، غنت "حبيبي طمّن فؤادي". فازت بالمركز الثالث، لكنها فازت بما هو أهم: قلوب التونسيين.
لكن تحت هذا النجاح المبكر، جرح عميق. والدها، الذي كان يجلس في الصف الأول في كل حفلة، والذي كان يصفق لها بحماس أكبر من أي معجب، رحل مبكرًا. ترك خلفه فتاة في السابعة عشرة، موهوبة ووحيدة، تواجه عالمًا لا يرحم النساء، خصوصًا اللواتي يخترن طريق الفن.
كل خطوة خطتها، وكل أغنية غنتها، وكل علاقة دخلتها، في جوهرها صرخة طفلة يتيمة تبحث عن الأمان المفقود، عن اليد التي تربت على كتفها وتقول لها: "لا تخافي، أنا هنا". لكن العالم الذي خرجت إليه لم يحمل حنانًا أبويًا. عالم من الذئاب، يرتدون أحيانًا ثياب العشاق، وأحيانًا أخرى عباءات الزعماء. رأوا في صوتها كنزًا، وفي وحدتها فرصة.
عبد الرحمن العيادي لم يكن مجرد ملحن في عيني ذكرى الشابة، بل ربما رأت فيه الأب البديل، الحامي، الموجه. الرجل الأكبر سنًا والأكثر خبرة، الذي يفهم موسيقاها ويقدر موهبتها. تعاونا في أكثر من ثلاثين أغنية على مدى عقد كامل. أغاني مثل "لمن يا هوى" و"يا غايب عن عيني" حملت كل براءة تلك المرحلة.
لكن العلاقة تحولت من التعاون الفني إلى الارتباط العاطفي، ومن الارتباط العاطفي إلى شيء أشبه بالسيطرة. العيادي بدأ يرى في ذكرى ملكيته الخاصة. أراد أن يكون الملحن الوحيد لها، أن يحتكر صوتها، أن يقرر متى تغني وماذا تغني ولمن تغني. بالنسبة له، ربما كان هذا حبًا، لكن بالنسبة لها، تحول إلى سجن ذهبي.
الفتاة التي فقدت والدها وتبحث عن الحماية، وجدت نفسها في قفص آخر. قفص مذهب ومريح، لكنه يبقى قفصًا. والطائر، مهما أحب قفصه، يحتاج في النهاية إلى أن يطير.
الانفصال عام 1990 لم يكن مجرد نهاية علاقة عاطفية، بل كان إعلان استقلال. ذكرى الشابة تقول للعالم: صوتي لا يُحتكر، موهبتي لا تُقيد، أنا أكبر من أن أكون ملكًا لرجل واحد. لكن هذا الاستقلال جاء بثمن. فقدت الحماية، فقدت الاستقرار، وأصبحت وحيدة مرة أخرى.
انضمت إلى فرقة "زخارف عربية" في محاولة لإيجاد انتماء جديد، عائلة فنية تحميها وتحتويها. لكن طموحها أكبر من حدود تونس. تريد أن تكون صوتًا عربيًا، لا مجرد صوت تونسي. فحزمت حقائبها، وغادرت الوطن، باحثة عن فضاء أرحب، وربما عن أب يعوضها خسارة رجلين.
منبر القائد وصوت المطربة: عندما يغني العقيد
ليبيا في أوائل التسعينيات عالم مختلف تمامًا. إذا كانت تونس دولة بوليسية مهذبة، فإن ليبيا دولة بوليسية جامحة. معمر القذافي لا يحكم فقط، بل يحلم ويهذي ويخطط لتغيير العالم. في خيمته البدوية، يستقبل الوفود ويلقي الخطابات ويؤلف الأغاني. نعم، يؤلف الأغاني. فالعقيد ليس مجرد حاكم، بل شاعر وفيلسوف ومنظر، على الأقل في عقله.
هنا، للمرة الأولى في حياتها، تشعر ذكرى بالانتماء إلى شيء أكبر منها. ليس مجرد رجل يحبها ويحميها، بل نظام كامل، دولة بأكملها تتبناها. القذافي، الذي يقدم نفسه كـ"الأب القائد" للأمة، يرى في صوتها أداة لتجسيد أحلامه وغضبه. بالنسبة لذكرى، القادمة من خيبة أمل عاطفية وبحث مستمر عن الحماية، هذا الاحتواء الرسمي مغرٍ. دولة بأكملها تفتح لها ذراعيها، وزعيم يرى فيها صوتًا يعبر عن رؤيته للعالم.
تحول صوتها من الرجاء إلى الغضب. أغانيها الليبية مثل ألبوم "نفسي عزيزة"، الذي لحنه محمد حسن، ملحن القذافي الخاص، تحمل قوة مختلفة، فيها تحدٍ وكبرياء. بدأت تبني درعًا حول روحها الجريحة، درعًا من الكلمات القوية والألحان الحادة.
لكن الأغنية التي حددت مصيرها جاءت في سياق أزمة سياسية كبرى. عام 1992، بعد حادثة لوكربي وفرض الحظر الجوي على ليبيا، حاول القذافي كسر الحصار بإرسال طائرتي حجاج إلى جدة. رفضت السعودية هبوطهما، فقام القذافي بمناورته الشهيرة بتحويل مسارهما نحو القدس. في خضم هذا الصراع مع الملك فهد، احتاج القذافي إلى سلاح فني. صاغ بنفسه قصيدة حادة، ونسبها لابن عمه الشاعر علي الكيلاني.
عندما طُلب منها أن تغني "مين يجرأ يقول"، لم تملك ذكرى خيار الرفض. كيف للابنة أن ترفض طلب الأب الذي احتواها؟ غنت بصوتها القوي عبر أثير الإذاعة الليبية:
"بننصحكم حجّوا للبابا والفاتيكان، أسهل من مكة والكعبة وأكثر أمان... مكة حاميها حراميها".
"قلت لهم مكة جدّي فاتحها بالسيف، قالوا لي الغربي يحميها وأنتَ مجرد ضيف".
الكلمات طعنة مباشرة في قلب الشرعية الدينية والسياسية لآل سعود. لكنها أيضًا خطيئة أبدية. لاحقًا، عندما تغيرت الرياح السياسية، تصالح القذافي مع السعوديين. في زيارته الشهيرة للمملكة عام 2000، اصطحب معه علي الكيلاني كبادرة حسن نية. تم سحب الأغنية، وأصبحت من المحرمات.
لكن الإنترنت لم ينسَ، وذاكرة الأجهزة الأمنية كذلك لا تنسى. تُركت ذكرى وحدها في العراء، تحمل وزر أغنية تبرأ منها الجميع. مرة أخرى، الأب الذي وعدها بالحماية يتخلى عنها عندما تصبح عبئًا سياسيًا.
قاهرة الأحلام والكوابيس: من الإستوديو إلى صالونات الحكم
وصلت ذكرى إلى القاهرة في منتصف التسعينيات، وهي تحمل جراحها السياسية والعاطفية. القاهرة، عاصمة الفن العربي، المدينة التي تصنع النجوم وتكسرهم بنفس السهولة. هنا وجدت في الموسيقار هاني مهنا رجلًا يؤمن بموهبتها دون أن يحاول احتكارها.
ألبوم "وحياتي عندك" عام 1995 شهادة ميلادها كنجمة عربية. ثم جاء ألبوم "الأسامي" عام 1997 ليرسخ مكانتها في قلوب الجمهور العربي. أغنية "الأسامي" بمثابة تذكرة عبور إلى المشرق العربي: "الأسامي هي هي.. والقلوب اتغيرت". كأنها تلخص خيباتها في الرجال والأنظمة. أداؤها في هذه الأغنية يحمل مرارة وحكمة لم تأتِ إلا من تجارب مؤلمة. صوتها يرتجف قليلًا عند كلمة "اتغيرت"، كأنه يحمل ذكرى كل من خذلها، كل من وعدها بالبقاء ثم رحل.
مصر في تلك الفترة تعيش عصر "دولة رجال الأعمال". نخبة من الأثرياء الجدد، المقربين من دوائر الحكم، سيطروا على الاقتصاد. زواج المال بالسلطة هو السمة الأبرز لتلك الحقبة، وزواج نجمات الفن بهؤلاء الأثرياء نمط شائع. الفنانة تحصل على الحماية المالية والاجتماعية، ورجل الأعمال يحصل على البريق والشهرة.
في هذا المناخ، نسجت ذكرى شبكة علاقات معقدة. تردد في الكواليس همس وشائعات عن علاقة خاصة نشأت بينها وبين جمال مبارك، نجل الرئيس المصري آنذاك. الإشاعة ظلت في نطاق الهمس دون تأكيد رسمي، لكن مجرد ترويجها كشف المكانة التي بلغتها ذكرى: لم تعد مجرد مطربة تغني على المسرح، بل شخصية معروفة في أوساط الصفوة، لها صداقات وربما ارتباطات داخل دهاليز السياسة وأروقة رجال الأعمال.
ألبومها الأخير في مصر، "يوم ليك"، الذي صدر قبل أيام من مقتلها، يبدو الآن نبوءة مرعبة. "يوم ليك.. ويوم عليك". تغني عن تقلبات الزمن، لكنها أيضًا تصف حياتها التي تأرجحت بعنف بين قمة المجد وقاع اليأس. لم تعلم أن "اليوم الذي عليها" سيكون قاسيًا إلى هذا الحد.
في الخليج: ملكة بلا عرش، متوّجة بصوتها
الخليج في التسعينيات وبداية الألفية يعيش طفرة ثقافية واقتصادية. النفط يجلب الثروة، والثروة تجلب الرفاهية، والرفاهية تجلب الحاجة إلى الترفيه والفن. لكن هذا المجتمع المحافظ يواجه معضلة: كيف يستمتع بالفن دون أن يتنازل عن قيمه؟
الحل كان في استيراد الفنانين من الخارج. فنانون عرب، يحملون الثقافة واللغة، لكن لا يحملون العبء الاجتماعي المحلي. يمكن الاستمتاع بفنهم دون الحاجة لتبرير وجودهم في المجتمع. وذكرى، بصوتها الاستثنائي وقدرتها على إتقان اللهجات، كانت الحل المثالي.
هنا حققت ما لم تحققه أي فنانة غير خليجية. لُقبت بـ "أميرة الطرب الخليجي. ألبوماتها مثل "التلاقي" (1997)، وسلسلة "ذكرى" (1998-2003)، و"وش تبين" (2003)، حققت نجاحًا كاسحًا.
أغنية مثل "فزيت من نومي" استعراض للقوة، ليس فقط في إتقان اللهجة والمقامات الخليجية المعقدة، بل في تجسيد شخصية المرأة القوية التي تتلقى صدمة الهجر بكبرياء. "فزيت من نومي اناديلك رد الصدى عنك وجيت ادورك مشتاق لك ولهان لكن ذكرت انت وانا ما عادنا خلان". تغني عن نفسها، عن كل مرة قيل لها فيها كلمة "النهاية".
شاركت عمالقة الخليج المسرح: دويتو "ابتعد عني" مع طلال مداح، و"حلمنا الوردي" مع محمد عبده. كما غنت "يا مشغل التفكير" من كلمات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي. أصبحت سيدة المسارح الخليجية في زمنها، في فترة شهدت طفرة المهرجانات الفضائية الكبرى. باتت ذكرى حالة فريدة لمطربة جمعت الوطن العربي في حنجرتها.
لكن نجاحها في الخليج كان له ثمن آخر. المجتمع المحافظ يقبل الفنانة طالما بقيت في حدودها، طالما لم تتجاوز الخطوط الحمراء. وذكرى، بطبيعتها الصريحة وجرأتها في التعبير، كانت دائمًا على حافة هذه الخطوط.
في مهرجان الدوحة للأغنية عام 2002، أدلت بتصريح أثار زوبعة. قالت إن هجرتها والصعوبات التي واجهتها في مشوارها الفني تُذكّرها بالمعاناة التي لاقاها الرسول محمد في نشر دعوته. هذا التشبيه اعتبره البعض تجاوزًا غير مقبول، وأساء فهمه جمهور واسع على أنه مقارنة بين فنها ورسالة النبوة.
بلغ الغضب ذروته عندما أصدر أحد كبار رجال الدين السعوديين فتوى بهدر دمها عقابًا لها على ما اعتُبر إساءة للدين. الفتوى لم تكن مجرد رد فعل ديني، بل كانت رسالة سياسية واضحة: أن هناك حدودًا لا يجب تجاوزها، وأن الفنانين، مهما بلغت شهرتهم، يبقون تحت رحمة السلطة الدينية والسياسية.
هذه الفتوى حولت ذكرى من نجمة محبوبة إلى شخصية مثيرة للجدل. الجمهور الذي كان يحبها انقسم بينها وضدها. والنظام الذي كان يحتضنها بدأ يتخلى عنها. مرة أخرى، وجدت نفسها وحيدة، تواجه عاصفة أكبر منها.
أيمن السويدي: الحب الذي انتهى بمذبحة
في خضم حياتها الصاخبة فنيًا واجتماعيًا، وجدت ذكرى مساحة للحب والاستقرار العاطفي مع رجل الأعمال المصري أيمن السويدي. تعرفت إليه في القاهرة، وهو ينتمي لأسرة مصرية ثرية ويدير مصنعًا لأدوات كهربائية يحمل اسم عائلته. شخصية معروفة في أوساط رجال الأعمال، واشتهر أيضًا بحياته الاجتماعية الصاخبة وزيجاته السابقة من الوسط الفني؛ فقد تزوج قبل ذكرى بالممثلة المصرية حنان ترك ثم بالراقصتين هندية ونادية، قبل أن ينفصل عنهن.
بالنسبة لذكرى، مثّل أيمن فرصة استقرار بعد سنوات من الانشغال الفني والعواصف السياسية. رجل ميسور يوفر لها دعمًا ماليًا ومعنويًا، ويفهم طبيعة عملها الفني بحكم علاقاته الواسعة في الوسط الفني. تزوجا سرًا بعقد عرفي في أغسطس 2003، ربما لاعتبارات تتعلق بإجراءات الطلاق من زوجته السابقة أو لضمان بعض الحقوق. ولم يتم توثيق الزواج رسميًا إلا قبل مأساتها بأسابيع قليلة.
رغم مظاهر الحب والانسجام في البداية، لم تكن الحياة الزوجية لذكرى وأيمن هادئة تمامًا. فارق الخلفية بين مطربة جماهيرية ورجل أعمال محافظ نوعًا ما أدى إلى توترات متزايدة. عُرف عن أيمن غيرته الشديدة، خاصة مع اضطرار زوجته للسهر والعمل وسط الفنانين ورجال الأعمال حتى ساعات متأخرة.
كما ترددت أحاديث عن مشاكل واجهها السويدي في أعماله خلال 2003؛ قيل إنه مر بضائقة مالية وتراكمت عليه الديون، إضافة إلى ضغوط من السلطة بسبب ملفات تجارية معقدة. هذه الضغوط المالية والنفسية انعكست على سلوكه، وتحولت الغيرة الطبيعية إلى شك مرضي أحيانًا، خاصة مع استمرار ذكرى في نمط حياتها الفني المعتاد.
شهد المقربون مشادات بين الاثنين بسبب تأخرها خارج المنزل أو انشغالها الدائم بالفن على حساب حياتهما الخاصة. ذكرى، التي قضت حياتها تبحث عن الأمان، وجدت نفسها مرة أخرى في علاقة تتحول تدريجيًا من الحماية إلى السيطرة، ومن الحب إلى الاختناق.
الليلة الأخيرة: غيرة، خمر، كلاشنكوف
في الساعات الأولى من فجر الجمعة 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2003، انتهت قصة ذكرى بطريقة لم يتوقعها أحد. بدأت الليلة كأي ليلة أخرى من ليالي القاهرة الصاخبة. أمضى أيمن وذكرى السهرة في أحد ملاهي النيل الليلية التي يملكها أيمن، برفقة مدير أعماله أيمن عمرو حسن صبري الخولي وزوجته خديجة صلاح الدين.
خلال السهرة، شرب أيمن كميات كبيرة من الخمر، وبدأ شجار بينه وبين ذكرى حول تأخرها المستمر خارج البيت ورغبته أن تقضي معه وقتًا أطول وتخفف من سهراتها الفنية. احتدت النقاشات، وغادرت ذكرى المكان غاضبة بصحبة صديقتها خديجة، بينما بقي أيمن مع مدير أعماله لبعض الوقت.
عاد الزوج المخمور إلى شقته نحو الثالثة صباحًا مصطحبًا مدير أعماله، ليجد ذكرى وصديقتها ما زالتا مستيقظتين ومعهما فنانة صديقة جاءت للاطمئنان. بدا الضيق على أيمن فطرد الضيفة بحجة وجود خلاف عائلي، ثم طلب من الخدم الانصراف إلى غرفهم حتى لا يسمعوا ما سيجري.
اشتعلت المواجهة بين الزوجين على انفراد. عاتب أيمن زوجته بعنف طالبًا منها "التفرغ له كزوجة" والتوقف عن اللهو الليلي. ردّت ذكرى بحدّة أنها لن تترك فنها الذي هو عملها وشغفها، وذكّرته بأنه تزوجها وهو يعلم أنها فنانة ولن تعتزل.
في تلك الليلة المشؤومة، لم يكن الشجار مجرد خلاف على سهرة أو عمل. كان انفجارًا لكل خيباتها المتراكمة. تصرخ في وجهه، لكنها في الحقيقة تصرخ في وجه كل الرجال والأنظمة التي خذلتها. تدافع عن فنها، لأنه الشيء الوحيد الذي تبقى لها، الشيء الوحيد الذي لم يستطع أحد أن يسلبه منها.
تصاعدت حدة الخلاف وانفجر بركان الغيرة في قلب أيمن، خاصة أنه لمح إلى شكوكه بسلوكها وإلى عدم ارتياحه لعلاقة زوجته بمدير أعماله الحاضر معهما. في لحظات قليلة خرج الأمر عن السيطرة. استشاط أيمن غضبًا واندفع نحو خزانة أسلحته الخاصة في المنزل.
عاد مشهرًا مسدسين وبندقية رشاشة من طراز كلاشنكوف، وفتح نيران حقده بشكل عشوائي على الجميع. أصابت الرصاصات ذكرى أولًا لتخترق جسدها النحيل بأكثر من عشرين طلقة قاتلة في الصدر والبطن والقلب، فسقطت مضرجة بدمائها على الفور. ثم وجّه الزوج الرشاش نحو مدير أعماله عمرو وأفرغ فيه نحو ثماني عشرة رصاصة أردته قتيلًا، ولم يشفق على زوجة المدير خديجة فأطلق عليها وابلًا مماثلًا من الرصاص أردتها صريعة في الحال.
خلال ثوانٍ تحولت الشقة إلى ساحة مقتلة امتزجت فيها الدماء بأثاث المنزل الفاخر. بعد أن أباد أيمن كل من في الصالة، وضع فوهة المسدس أسفل ذقنه وأطلق رصاصة أخيرة أنهت حياته فورًا.
رُفعت الجلسة: بين الحقيقة والشائعات
على الرغم من إغلاق التحقيق رسميًا واعتبار القضية منتهية بموت الجاني، إلا أن كثيرين في العالم العربي لم يقتنعوا بهذه الرواية البسيطة. فقد أحاطت بذكرى طوال حياتها هالة من الأسرار والعلاقات السياسية، ولم يكن من السهل تصديق أن نهايتها مجرد جريمة عاطفية تقليدية.
فور انتشار خبر مقتلها، ظهرت نظريات مؤامرة عديدة تحاول فك لغز ما حدث تلك الليلة. إحدى النظريات الشائعة ربطت الجريمة بأغنية "من يجرؤ يقول" التي أدتها ذكرى في ليبيا مطلع التسعينيات. رأى أصحاب هذه النظرية أن قتل ذكرى بتلك الطريقة الوحشية ما هو إلا انتقام سياسي تأخر سنوات، دبرته جهات سعودية غاضبة من إهانتها للملك السعودي في الأغنية.
نظرية أخرى أكثر خطورة ظهرت بعد سقوط النظام المصري في 2011، حين خرج شقيق ذكرى محمد الدالي باتهام صريح يوجّه أصابع الاتهام إلى جمال مبارك نجل الرئيس السابق. فجّر الشقيق ما وصفه بـ"قنبلة إعلامية" معلنًا أن العائلة تمتلك أدلة دامغة على تورط جمال في قتل أخته. ادعى أن جمال تربطه علاقة بذكرى، وأن الأجهزة الأمنية في عهدي مبارك وبن علي تواطأت لطمس معالم الجريمة وإلصاقها بالزوج ككبش فداء.
كما أشار إلى أن تحليل الطب الشرعي بيّن أن أيمن السويدي لم يكن مخمورًا كما زُعم، فهو يعاني قرحة بالمعدة تمنعه من الإفراط في الشراب، ما يعني أنه أقدم على فعلته بوعي - لو صح أنه الفاعل - أو ربما أنه لم يكن الفاعل أصلًا.
هذه الاتهامات، رغم عدم إثباتها قضائيًا، تركت علامات استفهام كبيرة حول الرواية الرسمية للجريمة، وأبقت لغز مقتل ذكرى مفتوحًا في ذاكرة الجمهور العربي.
بحثًا عن الأمان: ثلاث سلطات وامرأة واحدة
لم تكن قصة ذكرى مجرد حكاية مطربة قتلها زوجها في نوبة غيرة، بل قصة امرأة موهوبة وُلدت في عالم يحكمه الرجال، عالم لا يسمح للمرأة أن تكون إلا ما يريدها الرجل أن تكون. منذ اللحظة الأولى التي فقدت فيها والدها، أصبحت ذكرى سلعة تُتداول بين الرجال، كل منهم يريد أن يمتلكها بطريقته الخاصة.
كل رجل وعدها بالحب والاحتواء، لكن كل منهم أراد في النهاية أن يقتطع جزءًا من روحها، أن يأخذ قطعة من كيانها، حتى لم يتبقَ منها شيء سوى صوت جميل محاط بالخوف والوحدة. المجتمع العربي، بكل تعقيداته السياسية والاجتماعية، تعامل مع ذكرى كما يتعامل مع كل امرأة تجرؤ على أن تكون مختلفة، على أن تمتلك موهبة تجعلها تتفوق على الرجال في مجالهم. أحبوها عندما غنت لهم، وتبرأوا منها عندما أصبحت عبئًا. احتفوا بها عندما جلبت لهم الشهرة، وتخلوا عنها عندما جلبت لهم المتاعب.
وفي النهاية، في شقة بالزمالك، واجهت ذكرى آخر رجل في حياتها، الرجل الذي وعدها بالحب والأمان. لكن حتى هذا الرجل، عندما شعر أنه لا يستطيع السيطرة عليها كاملة، عندما أدرك أنها لن تتخلى عن فنها من أجله، لجأ إلى العنف الأخير. لم يستطع أن يمتلكها حية، فقرر أن يدمرها.
ذكرى لم تمت في تلك الليلة فقط. لقد ماتت ببطء، على مدى سنوات، في كل مرة اضطرت فيها أن تساوم على حريتها مقابل الحماية، في كل مرة اضطرت فيها أن تقبل بشروط الرجال لتستطيع أن تغني. ماتت في كل مرة قيل لها فيها أن موهبتها ليست ملكها، أن صوتها يجب أن يخدم أجندة غيرها، أن حريتها ثمن باهظ لا يستحق الدفع.
وربما، في كل مرة نسمع فيها أغنية لذكرى، نتذكر أن وراء هذا الصوت الجميل امرأة دفعت ثمنًا باهظًا لتغني بحرية. امرأة تقاذفها الرجال كالكرة، كل منهم يريد أن يسجل هدفًا في مرماها، حتى لم يتبقَ منها في النهاية سوى ذكرى أغنية، وجسد مثقوب بالرصاص، وسؤال يتردد إلى الأبد: ماذا لو تُركت ذكرى تغني بحرية، دون أن يحاول أحد أن يمتلكها؟