قبل بداية العام الدراسي عام 2022، انطلقت الشابة الإيرانية مهسا أميني، في رحلة سياحية بالقرب من طهران، إلا أن تلك الجولة كانت نهايتها مأساوية، إذ اشتبكت الفتاة مع عناصر من شرطة الأخلاق، أودوا بحياتها بعد طرق رأسها بِغلظةٍ، لم تحتمل الشابة المسكينة بأس قوتّها ولا بطشها.
هكذا طالعتنا وكالات الأنباء عن الحادث، الذي توارت أخباره بعد ذلك، تحت طائلة التعسّف الرقابي، إلا أن ما ثبتُ حينها هو وصول المظاهرات والاحتجاجات لدرجة الغليان، وقابلية الانفجار بين لحظة وأخرى.
وتلك الأوضاع المُستعر فورانها، تُمثل المحاور الرئيسية لأهمّ إنتاجات السينما الإيرانية خلال عام 2024، إذ تتسرّب تلك الإحداثيات السياسية بطريقة ما إلى النسيج الداخلي للسرد، بما يُبطن الرؤية العامة بنبرة ثورية لا تقبل الشك أو التأويل، وفي هذا الإطار يُمكن ملاحظة أن موضوع كلّ من الفيلمين "كعكتي المفضلة" أو (My Favorite Cake) سيناريو وإخراج مريم مقدم وبهتاش صناعي ها، وفيلم "بذرة التين المقدس" ()، سيناريو وإخراج فنان السينما الإيراني محمد رسولوف، يشق دون مواربة قدرًا ولو يسيرًا من الحصار المفروض سلفًا على السينما الإيرانية.
ومن ثم تبدو المقدمة السابقة تمهيدًا لابدّ منه، للوصول إلى ما يقبع وراء المشهد العام، الذي لا تكتمل مفاهيم قراءته إلا بتداخل الزوايا الداخلية والخارجية كذلك؛ فالحقيقة أن هذا المدّ الثوري، رافقته موجةٌ أخرى، تستلهم هذا الواقع وتُحيله إلى ما هو أعمق؛ فالمعتاد عن سينما تلك المنطقة من العالم، هو الاكتفاء الذاتي بالطرح الأخلاقي والفكري، الذي لا يخلو من البُعد الإنساني، الذي يحمل بين طياته مفاتيح مشتركة للتلقي والإندماج مع مضمونه، لكن أن يُطعّم هذا المضمون بالأفكار المغايرة عن المألوف، فهنا تكمن الجرأة والمفارقة في نفس الآن.
تُرى ما هي ملامح تلك الجرأة الفنية؟ وهل هي صادقة حقًا؟ أم أنها لا تعدو أكثر من كونها انتشاءً باللحظة؟
في هذه المساحة نسعى إلى تفكيك وقراءة ما تيسر من أفكار تلك التجارب السينمائية، عَبر وضع كلاهما على كفتي الميزان، ودراسة أرضيات الإتفاق وبواعث الإختلاف بين كل تجربة وأخرى، والتي تستحق بالتأكيد الوقوف عندهما، ولو بالتأمل المستحق للجديد المختلف.
أضواء ومهرجانات
ومن أجل الوصول إلى إجابات يقينية عن التساؤلات السابقة، يُمكننا بداية السردية من الخلف، ثم العودة مُجددًا إلى الأبواب الأولى للحكاية، فالبداية من الدورة الـ74 من مهرجان برلين السينمائي 2024، والذي شهدت فعالياته العرض الأول لفيلم "كعكتي المفضلة"، والذي نجح في جذب ردود أفعال واسعة الصدى نقديًا كانت أو سياسية، كفلت له الفوز بجائزة الاتحاد الدولي للنقاد، وذلك بعد تَعذّر حضور مخرجي العمل، على خلفية قرار منعهما من السفر، ومصادرة الأمن الإيراني للأقراص الصلبة التي تتضمن مشاهد من العمل، الذي كان ما يزال قيد الإنجاز آنذاك.
وهذا ما تكرّر سياقه –وإن كان بأسلوب أكثر عدوانية- مع المخرج محمد رسولوف، قبل عرض فيلمه "بذرة التين المقدس" في الدورة الـ77 من مهرجان كان السينمائي، والذي نجح في اقتناص جائزة لجنة التحكيم الكبرى، إذ لم يحقق تقديرًا مستحقًا فحسب، لكن وجّه صفعةً ثقيلة الوطأة على وجه النظام الإيراني، الذي أصدر بحقه أحكامًا بالسجن تصل مدتها إلى خمس سنوات، بالإضافة إلى عقوبة الجلد، وذلك لخطورته على الأمن القومي، بحسب التصريحات الرسمية، لكن ما يُثير الدهشة بالفعل، هو نجاح رسولوف في الفرار من تلك القبضة قبل الموعد الرسمي لبدء فعاليات المهرجان.
تُرى ما الذي تحتوي عليه هذه الأفلاميثير غضب السلطة؟
تُمثّل حكاية السيدة ماهين (ليلي فرهاديور) البالغة من العمر سبعين عامًا، ومُعاناتها مع وحدتها المؤرقة، التي تدفعها إلى البحث عن شريك يؤنس عالمها الجاف، جوهر فيلم "كعكتي المفضلة"، وفي المقابل في فيلم "بذرة التين المقدس" نتورط تدريجيًا مع المحقق والقاضي إيمان (ميساج زاره)، في رحلة بحثه عن سلاحه الضائع، بما يُهدد مستقبله المهني.
قد يبدو مما سبق ذكره، أن كلا الفيلمين، لا يشوبهما شائبة النقد أو توجيه سهام الإدانة للسلطات الحاكمة، لكن توليف تلك السرديات، وتغليفهما بالنبرة السياسية، ومن قبل ومن بعد إرفاق بعض التلميحات والإشارات الواضحة والمطمورة في نفس الآن، نحو السياق المجتمعي المُكبّل هو الأخر بقيود الأفكار البالية، ساهم بدرجة مؤكّدة في إشعال غضب النظام، الذي لا يرى في تلك الأفلام، سوى تدنيس ثوب السلطة الأبيض المُنزه عن الهوى.
مشاهد متعددة لمدينة واحدة
في المشاهد الأولى من فيلم "كعكتي المفضلة"، يُزيح السرد اللثام عن النمط المعيشي لبطلته العجوز الوحيدة، صحيح أن مشاهده الخارجية والكاشفة عن ما يدور في صلب الشارع ضئيلة الحجم، مقارنة بالمشاهد الداخلية، وذلك تَبعًا لمتطلبات الحكاية، لكن الإحساس بما يدور في الخارج واضحٍ جلّي، إذ تتناثر الكلمات الدالّة على ما يدور في الأجواء علانية على لسان أبطاله، فالإحساس بالقهر وكبت الحرّيات، يدفع بطلته إلى محاولة كسر هذا الإطار الزجاجي المفروض عليها، سواءً بالقول المُحرض عن واجب مواجهة وإزاحة هذا الطوق الأخلاقي المزعوم، والمقارنة المتواصلة بين ذكريات العهد السابق والزمن الحالي، وبالتالي فاختيار الأبطال في تلك الفئة العمرية المتقدّمة سنًا يحوي بين طياته فعل مقاومة، إذ ما تزال لدى الشخصيات ذاكرة حيّة ما تزال تنبض بقبسات من الماضي، وفي الإمساك بتلابيب ما مضى، مجابهة مأساوية الواقع.
أما "بذرة التين المقدس"، يُقدم الشخصية الرئيسية إيمان الذي يتصادف ترقيه الوظيفي إلى درجة محقّق ثوري، مع تصاعد الاحتجاجات، وما يقابلها من اتساع مطرد للقبضة الأمنية، ومن ثم يُشيّد الفيلم عالمه السردي القائم على الإفصاح المباشر عن ما يدور في أجواء تلك المدينة المضطربة بالحِراك الثوري؛ فالمظاهرات ينفرط عقدها، ومع تشعبها المتزايد فإنها تصل تأثيراتها بالفعل إلى حدود منزل البطل، بالتأكيد لا يحتوي نسيج الفيلم على مشاهد مُعاد تصويرها للاحتجاجات، ومن ثم لجأ الإخراج إلى إرفاق الدرامي بالوثائقي؛ فالمشاهد الحقيقية للمظاهرات والانتهاكات الشُرطية، مُدمجة بداخل العمل ذاته، فما تراه الشخصيات، ما هو إلا واقعٌ صادقُ المحتوى، يكشف عن المسكوت عنه ويدفع كذلك عجلة السرد للأمام.
ومن ثم يُمكن القول إنّ البيئة العامة للأحداث في كلا الفيلمين متماثلة، إلا أن إحداهما تشبثت بالتواري والإفصاح بالإشارة، بينما عَمد الفيلم الأخر إلى جرأة البوح والقول، وعلى الرغم من التباين الظاهري بين عالمي الفيلمين، إلا أنهما يقدما الواقع ذاته، مهما تعدّدت صوره؛ فالحقيقة أنّنا أمام صور متعددة لمكان واحد.
أسوار الحرية الشائكة
تتوالى أيام السيدة ماهين في دوامة مكرّرة من الوحدة، لا يكسر جدارها المصمت، إلا اجتماعات صديقاتها الشهري، أو مهاتفات أبنتها البعيدة عنها جغرافياً وإنسانياً، وفي ظلال بحثها عن ما يُلئم هذه الشرخ، تلتقي مصادفة بالسائق "فارماز" (اسماعيل مهيرابي)، وتدعوه لقضاء بعض الوقت في منزلها، وهنا يُقحمنا السرد في خضم تلك المغامرة، التي لا طائل من ورائها سوى كسر حدود المفرد والالتصاق بالمثنى، فوصول فارماز إلى المنزل والبقاء بداخله، أشبه بلعبة القط والفأر؛ فالرقابة المجتمعية والمُتمثلة في أعين الجيران الفضولية، والحصار الأمني القائم في شرطة الأخلاق، يُشكلان عائقًا ينبغي عبوره بسلام، ومن ثم يبدو لقائهما مقاومةً لتلك السطوة الخانقة، وعندها يُمكن إحالة الرغبة في الصداقة والرفقة إلى أبعاد أكثر رحابة، لتبدو أقرب إلى المواجهة والمقاومة المستترة.
وهنا يتّضح مدلول الصراع الدرامي، الذي يدور إطاره الخارجي في إناء النزاع الإنساني مع الوحدة، لكنّه في الواقع ينطلي على ما هو أعمق وأكثر إتساعًا، فالتمرّد على الجامد من القوالب الاجتماعية، يُشكّل الرؤية الحقيقية لمضمون الفيلم وجوهره، الذي يُعنى في المقام الأول بتصويب سهام النقد والإدانة إلى المجتمع، بكلّ ما يتضمنه نسيجه من سلبيات واضحة وباطنة.
للصراع وجوه كثيرة
هذا ما تطرحه الهويّة الفكرية لفيلم "كعكتي المفضلة"، في حين ينشغل "بذرة التين المقدس" بتأويل الصراع الدرامي وتصعيده إلى جبهات عدّة، ساعدت الرُقعة الزمنية للفيلم والبالغة نحو 166 دقيقة، في توليف صياغات متعددة للصراع، تُشير جميعها إلى ما يدرو في خلفية المشهد الإيراني، وقد لا نُدركه بالعين المجردة.
البداية مع الفصل الأول ومنتصف الفصل الثاني من السرد، والذي نرى من خلاله التأثيرات المضادة للتظاهرات السياسية، المُطالبة بمساحة أكثر براحاً للحريات العامة، والتي يترجمها السيناريو إلى صراع أجيال، بين الجيل الأول المحقّق إيمان وزوجته، كل منهما يلوذ بإنتماءاته الفكرية والسياسية إلى حقبة الثورة الإيرانية، وفي المقابل الجيل الأحدث عمرًا، والذي يقبع بين إطاره نجلتي المحقق ريزفان وسناء، بتوجهاتهم الفكرية المعاكسة، والتي ترى فيما يدور من نضال شعبي مشروعية وأحقية.
تنعكس هذه الخلافات، في مشاهد عدّة تكشف عن زيف الحقائق الإخبارية التي يستعرضها التلفزيون الرسمي، بينما الحقيقة بوجهها الأوحد تُطلّ من خلف شاشات الهواتف المحولة، ولا تتوقّف دائرة الصراع عند هذه النقطة فحسب؛ لكن السرد يُضيف توابل أخرى إلى الحبكة، يُمكن تلخيص محاورها في الصراع الممتد بين السلطة والفرد.
إيمان الذي يتولى مهام التحقيق مع الموقوفين خلال التظاهرات، يتعاظم إحساسة بنفوذ قوته وسطوة ذاته، وينعكس تلقائيًا هذا الخليط المتضارب من المشاعر على أسرته الصغيرة، التي تستقبل نوافذها المشرعة هتافات الثورة وأهدافها، وبالتالي يُمكن تأويل واستنباط دلالة سرقة السلاح الحكومي، إلى تراخي الإدارة الحاكمة؛ فالسلاح ما هو إلا رمز سيميائي للسلطة.
ومن ثم تبدو تيمة الحرية والتمرد هي المُسيطرة على مضمون العملين، كل منهما يُقدم رؤيته الخاصة عن الحرية المرهونة بالتمرد على المألوف والسائد، وفي المقابل لجأ الأسلوب السينمائي في كلا الفيلمين إلى التحرر من القوالب النمطية للتناول، سواء في مشاهد الممثلات حاسري غطاء الرأس، مرورًا بالتلامس بين الممثلين وبعضهم البعض، وصولًا إلى رأس هذا الثالوث ألا وهو تناول النظام السياسي بشجاعة وأريحية، وبالتالي تنكسر معايير التناول النمطية المعتاد تداولها.
حيرة وحصار .. شخصيات تبحث عن مخرج
حتى تكتمل الرؤية المجهرية للعمل الفنّي، ينبغي تناول الشخصيات واستعراض أزمتها الوجودية، ومدى احتكاك هذه النزاعات الداخلية، مع الواقع الخارجي المُعاش، وفي كلا الفيلمين تُعاني الشخصيات من حيرتها مثلما تعاني من الحصار، فكل من الصفتين مقترنيين ببعضهما البعض، الحيرة في كيفية التعاطي مع هذا الوضع المُلبد بغيوم الحصار الاجتماعي قبل السياسي، فكلٌّ منهما ينعكس على الآخر وينشغل به، ويتقاطع معه في حقيقة الأمر.
النموذج الأول من فيلم "كعكتي المفضلة"، حيث تواجه السيدة ماهين الوفاة المفاجئة لصديقها الجديد في منزلها، على إثر تناوله بعض الحبوب المنشطة، تُصاب حينها بالحيرة والحصار. الحيرة في كيفية التصرّف نحو هذا الوضع الغريب، والحصار من الخوف الفطري، إذا تناقلت الأخبار عنها ما يدفع للتساؤل عن كيفية مواجهتها تطرّف شرطة الأخلاق؟
أما في فيلم "بذرة التين المقدس"، لا تتضائل حيرة زوجة المحقق إيمان وابنتيه نحو البحث عن السلاح الضائع، بل تتضاعف وتستحيل إلى حصارٍ يطوّق أعناقهن، بعد أن تستحيل شخصية الأب إلى النقيض، وتنجلي صفاته الإجرامية، وكل هذا في سبيل التمسّك حتى الرمق الأخير بأهداب السلطة.
وعندئذٍ، يُمكن الوصول إلى مفتاح قراءة الفيلمين، والذي يكمن بين جدران مفردة الحرية، فكلّ من هؤلاء الشخصيات تبحث عن حريتها وخلاصها، وبالتالي يتباين مدلول الحرية من هذا الفيلم إلى ذاك، وهذا تبعًا لبنيان كل حكاية المختلف في أركانه عن الآخر.
صياغات بصرية
ومن أجل تقديم صياغة تعبيرية مقنعة ومتوافقة مع السياق الفكري؛ تُقدم اللغة البصرية السينمائية ما يكفي ويفيض من الدلالات المُعبّرة، بداية من اللجوء إلى أحجام اللقطات المتوسطة في "كعكتي المفضلة"، والتي تُسهب في وصف الحالة الشعورية للبطلة، التي جاء منزلها هو الآخر بإضاءته الصفراء الدافئة متوازيًا مع هذا الإسهاب الشعوري.
بينما في "بذرة التين المقدس"، تُسيطر الدرجات القاتمة من الألوان الممزوجة باللون الأحمر القاني على غرفة إيمان، وكذلك تتَسيد القتامة على مشاهده، في مقابل الألوان الفاتحة التي تُضيء مشاهد أبنتيه، ومن ثم نرى عَبر هذا التضاد اللوني اختلاف الأجيال من هذا إلى ذاك، وهكذا نجحت اللغة السينمائية وتحديدًا في هذا الفيلم في إضافة أبعادٍ أكثر حساسية وشاعرية على النسيج العام، خففت بطريقة أو بأخرى من سودواية الأحداث.
وفي هذا السياق يُرجى ملاحظة أن كلا الفيلمين، اشتركت جهات أوروبية عدة في تمويلهما إنتاجيًا؛ وبالتالي يُمكن تفسير هامش الحرية المرتفع منسوبه في التناول والتعبير، ومع ذلك لا ينفي هذا التنوّع الإنتاجي، هوية العملين المُنتميين كلية إلى الواقع الإيراني، الذي انطلق من أجوائه صناع الفيلمين، والذي بنظرة بانورامية على أعمارهم، نجد أن جميعهم تبلورت أفكارهم ونمت في أعقاب الثورة الإيرانية، لكن وهذا ما يُثير التأمل حقًا، أن ما يطفو على السطح دومًا ما يختلف عن تفاعلات القاع، فإذا كان هؤلاء المخرجين نضجت مواهبهم الإبداعية والفكرية في حظيرة النظام، إلا أن هذا لا ينفي أن الذاكرة السابقة للثورة ما تزال تعمل وبكفاءة واضحة لا تُخطئها العين.
وفي إطارٍ متقاربٍ يقول المخرج محمد رسولوف: "السينما أداه للتفكير والمقاومة"، وبنظرة واسعة المدى على فيلمينا، يُمكن القول إنهما عبرا حدود الجهر بالقول والتعبير، إلى ثورية الإفصاح والتحريض، وهكذا تكون السينما الخالصة، الباعثة على التأمل والتفكير أحيانًا، والثورة أحيانًا أخرى.











