هل هنالك "موسيقى إيرانية"؟ يحملنا هذا التساؤل مباشرة إلى تساؤل مقارب: وهل هنالك "موسيقى عربية"؟ وبداخل كل منهما، هل يمكن الحديث عن "موسيقى كلاسيكية"؟ أليس هذا أيضًا استبطانًا لتحقيب أوروبي أصلًا؟ ولئن فضلنا الكلام عن الموسيقى "العالمة"، أو التقليدية، سنجد أنفسنا أمام معضلات كثيرة حول تعريفها، وقدمها الحقيقي لا الأسطوري، وعلاقتها بموسيقات أخرى كثيرة.
في 2010، نشر جان دورينغ (باحث فرنسي من مواليد 1947) وهو من أهم المتخصصين في مجال الموسيقى في إيران وآسيا الوسطى، كتابه "موسيقات إيران"[1]، مشددًا على الجمع (بعد كتاب له سنة 1984 يعتمد صيغة المفرد) إذ لم يعد بالإمكان الاكتفاء بموسيقى "الرديف" في المدن الكبرى كموسيقى "عالمة" savante وتهميش الموسيقات الأخرى من المساحات الأذرية والبلوشية والكردية والاوزبكية وسواها، وهي في حد ذاتها تتطلب لإتقانها جهدًا وزمنًا يجعلها أيضًا موسيقى "عالمة". وهو في عمله هذا يستعيد ويعدّل ويغني أعماله السابقة عن هذا الموضوع.
يُصدّر دورينغ هذا العمل بمقدمة طويلة عن عودته المتخيلة إلى طهران بعد انقطاع طويل، وما شهده هناك. فيلفتنا ما يتردد فيه من أسئلة وإشكاليات نرى لها تشابهات كثيرة مع مجالنا الموسيقي أيضًا، خاصة في بلاد الشام ومصر. إذن يمكن عبر هذا المرور بطهران أن نسائل أنفسنا أيضًا وأن نلاحظ التقاطعات والاختلافات بين المشهد هناك والمشهد هنا.
فكما في طهران، لدينا أسئلة عما يفترض أن يكون "موسيقانا العالمة"، أو المعقدة أو "الكلاسيكية" أو الرفيعة أيًّا كانت الصفة التي نفضلها، وعن موقعها من المشهد الموسيقي اليوم، وما يعتريها ويعتري آلاتها ومؤديها واقتصادها من تغيرات بسبب التقنيات الحديثة، وعما تحمله حقيقة من موروث تاريخي وما وصلنا منه بالفعل ـ لا بحسب أساطيرنا، فضلًا عما يميز موسيقا"نا" عن موسيقات الجوار. وتاليًا، إذا ما حاولنا إجابة موضوعية عن مثل هذه التساؤلات، فأي مستقبل يظل لمثل هذه الموروثات الموسيقية البديعة الجمال؟
عن موقع الموسيقى "العالمة" حاضرًا
في الأصل، كان التعدد. فإلى جانب موسيقى البلاط، تنوع الحضور الموسيقي حتى في المدن الإيرانية الكبرى (أي بغض النظر عن التنوع الهائل في الموسيقات الكردية والبلوشية والأذرية وموسيقات سواها من الأقوام داخل حدود إيران اليوم). فتنضوي تحت ذلك المشهد المتنوع أشكال كثيرة من الموسيقات الدينية والشعبية والكلاسيكية والتجارية وموسيقى الزرخانه (وهو نادٍ رياضي تمارس فيه الرياضة على وقع الموسيقى والغناء). ولئن كان المشهد الموسيقي اليوم أكثر انفتاحًا على التنوع الداخلي، فهو أيضًا ينفتح، بحسب دورينغ، على بعض الثقافات المجاورة لإيران. لكن خلافًا للماضي، فهو ليس انفتاحًا على العرب والأتراك، بل على الأذريين والطاجيك والاويغور، وإلى حد ما على الموسيقى الهندية، بحسب قوله.
لكن إلى جانب ذلك، وجد دورينغ نفسه عائدًا إلى بلد شهد التغيرات الأعنف والأسرع في تاريخه بين نهاية السبعينيات (والثورة الخمينية) ومطلع الألفية الثانية. وهذه الثورة أيضًا أثرت على مسار ما يسميه تحديدًا "الموسيقى الفارسية" (وهي بالنسبة لدورينغ "درة تاج" الموسيقات الإيرانية)، وعلى الحضور الموسيقي عموماً في البلاد.
فالثورة، والحكم الذي نتج عنها، دعما في بعض الأوقات الأناشيد والموسيقات الحماسية، وجرت إقامة مهرجانات موسيقية ضخمة شملت موسيقات الأطراف غير الفارسية. لكن في الوقت نفسه قاما بمنع ما اعتبر موسيقى مفسدة أو محرضة للشهوات، وبالتالي معظم الإنتاج السائد في الإذاعة والتسجيلات قبلها. وفي بعض الأحيان عارضت السلطات بيع الآلات الموسيقية إلى خارج البلاد!
كما ان الثورة قطعت تطور الموسيقيين من مواليد الستينيات، أي الجيل الذي يسمى بالجيل الضائع. فضلًا عن ذلك، حاول الحكم منع التسجيلات القادمة من لوس أنجلوس، عاصمة الشتات الإيراني، حيث استمرت الموسيقى الممنوعة ونجحت باستمرار في التسرب عائدة إلى طهران حيث لا يتردد الباعة من الاقتراب من الزبون المحتمل عارضين عليه الموسيقى "اللوس أنجلسية" (وهي نوع من موسيقى البوب العالقة في زمن ما قبل الثورة)! بالمقابل، لم تكن السلطات تنزعج من الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية (ربما لأنها اعتبرتها "مملة"، يقول دورينغ)! أما طهران، التي تضاعف عدد سكانها في جيل واحد من أربعة إلى خمسة عشر مليونًا، فإن هذا عنى هجرة ريفية كثيفة إلى ضواحيها، بدأ بعض الأبناء منها بالظهور والغناء الذي يحمل ملامح هذه الهجرة وهذه الضواحي.
وتشابه الأحوال التي يصفها بالأحوال في مصر وبلاد الشام. فهذا التعدد في الأشكال والأنماط الموسيقية موجود أيضًا (من البوب إلى الراب والإلكترو والفيوجين، والمهرجانات الطالعة من هوامش القاهرة، والغناء الديني بأشكاله الكثيرة، ومحاولات إحياء الموسيقى النهضوية أو الخديوية في مصر، والغناء الريفي والجبلي، والصوفي الصعيدي، والطنبورة، وما تبقى من الموسيقى الكلثومية والوهابية والرحبانية ثم انتاج الخمسينيات والستينيات بأجمعه، والموسيقات الغربية.. الخ).
بل إن التشابه في الأحوال مفاجئ كما في حديثه مثلًا عن أثر الميكروفون وتقنيات التسجيل في تغيير الذوق، بما في ذلك التفكك السريع لفرق موسيقية تسجل على تراكات منفصلة فيتحلل الشعور الإيقاعي القديم بما فيه من تفاعل بين العازفين، وكذلك الاستعمال المكثف للصدى، وهو ما يجرح الآذان خصوصًا في التسجيلات القرآنية في مصر.
وكذلك نتشابه في البحث عن تصنيع آلات موسيقية مناسبة للميكروفونات. والتمييز بين سيتار ميكروفوني وسيتار "مجلسي"، يذكرنا أيضًا بالتفاوت في أصوات الأعواد حاليًا. ونتماثل لجهة غلاء أسعار الآلات والمضاربة عليها.
ونتشابه أيضًا في محاولات تنويط كل شيء حتى الارتجالات (ولدينا نماذج مشابهة في لبنان مثلًا لتنويط التقاسيم لعازفين مشهورين)، والتعويض عن التعمق الموسيقي والبحث عن الطرب ("الحال" بالاصطلاح الفارسي الذي يتفادى قدر الإمكان التماثل مع العربية) بالاستعراض والسرعة والإبهار وزعم التجديد الذي ليس إلا استسهالًا في تناول جوانب تقليدية، أو من موسيقات يجهلها السامع.
في خضم كل ذلك، تتعدد الأساليب والموجات الموسيقية الموجودة داخل البلاد. صدر كتاب دورينغ قبل نحو عقدٍ ونصف، ولسنا نعرف بالضبط ما الحال عليه الآن في ظل الانتشار الأوسع للإنترنت وللعوالم الرقمية. لكن من الواضح أن قدرة السلطات على الضبط كانت محدودة، وأن التعدد كان أقوى دائمًا. أما عندنا، فإن السلطات الحكومية عمومًا لم تكن معنية كثيرًا بالمنع وبالتالي لم تنشأ فعلًا موسيقى "مهجرية"، ما عدا بعض اللحظات العابرة حين حاول أحد وزراء الداخلية في لبنان منع ما اعتبره موسيقى "عَبَدة الشيطان"، أو محاولات النقيب هاني شاكر منع موسيقى المهرجانات في مصر. وسرعان ما تم تجاوز كل ذلك. إلا أن نوعًا من سلطة الخطاب النقدي الشائع ظلت تصِمُ الموسيقات المختلفة عن "الزمن الجميل" (وهو مرادف اللوس أنجلسية عندنا) بالانحدار وتحملها مشاكل المجتمع وآفاته، دون أن تفلح في منع انتشارها بقوة التجديد واستعمال الوسائط الأحدث في التواصل.
وما بين غابة الأساليب والأنماط الموسيقية في مختلف "الموسيقات الإيرانية" الكثيرة، وفي ظل غياب البيئة الثقافية والرمزية بل وحتى الطبيعية التي كانت تحتضن الموسيقى "الفارسية" التي هي، بوصف دورينغ، كالمنمنات التي لا يستلذ المرء بها إلا عن كثب وفي حضور قلائل من الخلصاء، هل من موقع للموسيقى "الفارسية" الرفيعة، وريثة قرون مديدة من الحضارة، وما المقصود بها أصلًا؟
سؤال الارث التاريخي وحقيقة أثره
يبدو "موقع" هذه الموسيقى بالضرورة مرتبطًا بتمايزها عن الأخريات بكونها تمثل الموروث التاريخي للحضارة الفارسية وعلامة عظمتها. ولا يخفي دورينغ عمومًا انحيازه إلى هذه الحضارة وانجازاتها الموسيقية. ويتجلى ذلك، دون أن يصير منفرًا كبعض الغلاة الآخرين، في إصراره على نقل أقوال أساتذته عن علاقة الموسيقى هناك بالطبيعة، أو في افتراضه أن الإيقاعات الأقصر التي صارت عليها موسيقى الرديف، بعد أن خسرت إرثَها الأقدم من الضروب الإيقاعية المعقدة، هي أكثر "طبيعية" وملائمة لنبض الإنسان وتنفسه (ولو كانت احتفظت بالإيقاعات الأقدم، الأطول والأعقد لربما كان وجد تأويلات أخرى لتفخيمها). وحتى عندما يذكر أصول المدرسة العربية القديمة في مكة، فإنه ينسبها إلى عمال فرس، ويتغاضى عن الإشارات الأخرى إلى مساهمات الأروام وذوي الأصول الافريقية فيها.
ومثلما أن الترجمة الفارسية لكتاب فارمر عن تاريخ الموسيقى العربية أصبحت تحمل في إيران اسم "تاريخ الموسيقى الإيرانية"، على ما يذكر دورينغ بتهكم خفيف، فإنه أيضًا لا يتردد في نسبة عددٍ من الأسماء التاريخية المشهورة في كتاب الأغاني وغيره إلى "الإيرانيين" (ويتخلى هنا عن التركيز على "الفرس"! بينما هذه الأسماء ينسبها غيره إلى الأتراك!) مثل ابن مسجح (والبعض يقول إنه كان أسود البشرة، واستمع إلى غناء الفرس كما زار الشام ونقل عن غناء الروم أيضًا) والفارابي (المختلف على مكان ولادته بين ما هو اليوم في أفغانستان وكازاخستان وإيران) والمراغي (الإيراني بحسب الحدود الحالية) وابن سينا (المولود بالقرب من بخارى في أوزبكستان الحالية) وزرياب (المختلف على ولادته في الموصل أو في بغداد، وعلى أصله بين أن يكون فارسيًا أو كرديًا أو من بلاد السند أو إفريقيا نظراً للون بشرته) وغيرهم.
بالمقابل، ليس من الإنصاف في رأينا اعتبار هؤلاء وأمثالهم عربًا ولا أتراكًا. إنهم جميعًا من أصول متعددة ومختلفة لكنهم يتحاورون ويتناقشون أساسًا في فضاء حددته اللغة العربية، والمعطيات الغنائية في بغداد موروثة من "الحجازي القديم" (وهو أصلًا نتيجة اختلاط العرب بأقوام أخرى) وما داخله من تفكير فلسفي ورياضي يوناني ومؤثرات موسيقية من التفاعل مع ممارسين وآلات من مختلف أنحاء الإمبراطورية، ولا يعلم أحد بالضبط حدود تأثر بغداد بموروث فارسي أسبق. وقد ظل الوضع كذلك حتى سقوط بغداد. فلم يكن الفارابي (ت. 950 م.) مثلًا يناقش فلاسفة فرسًا، بل يناقش الكندي (ت. 873 م.)، ولم يبنِ عروضه للإيقاعات (في "إحصاء الإيقاعات" مثلًا) إلا على أمثلة يستقيها من المنجز البغدادي ومن التنظير اليوناني. وعند الفارابي وابن سينا لا نجد إلا إشارات بسيطة إلى الممارسات الفارسية. وكذلك الأمر عند الأرموي (ت. 1294 م.) الذي يناقش الفارابي ويعتمد على المدرسة البغدادية، ويكتفي بإشارات قليلة إلى ممارسات فارسية (مثل ضرب الفاخته الإيقاعي والمقدمات العزفية الآلية المسماة بالطرائق، وهي ما سيغدو لاحقًا البشروات ـ أو البشارف ـ الآلية، وهي غير تلك المغناة[2]).
بل إن الكتابات بالفارسية عن النظريات الموسيقية لم تبدأ فعليًّا قبل قطب الدين الشيرازي (ت. 1310 م.) أي بعد نحو أربعة قرون ونيف على كتابات الكندي بالعربية. أما المراغي (ت. 1435 م.) فلم يصلنا حقًا شيء من ألحانه (برغم زعم الأتراك، الخاطئ بحسب دورينغ وفيلدمان، ورغم محاولة الإيرانيين مؤخرًا الأخذ عنهم بزعم هذه النسبة وإرجاعها إلى الموسيقى الفارسية). وقد ظلت كتابات المراغي النظرية ضئيلة التأثير، خارج الفضاء الفارسي عمومًا، فما انتشر وتعرض للدرس والشرح كان أساسًا أدوار الأرموي. ويبالغ دورينغ في رأينا في أثر المراغي في تركيا (حيث اختراع النسب المزعوم كان متأخرًا في نهاية القرن السابع عشر، في محاولة اختراع صلة بقديم أسطوري، وذلك بالضبط بسبب حدوث طفرة أسلوبية تركية وانقطاع عن التأثير الفارسي الأقدم[3])، ويبالغ خصوصًا في شأن دوره في مصر.
فما نعرفه عن أثر المراغي في مصر بالغ الضآلة. إذ نعرف أن حمام البديوي السيلكوني، المدفون في القاهرة، كان تلميذًا لابن عبد القادر المراغي، وكان أستاذًا لعلي بن عبيد الله السيلكوني (وهو ربما قضى فترة من حياته في الشام) إلا أن رسالة السيلكوني علي بن عبيد الله نفسها المحفوظة في ألمانيا تدلنا على وجود مدرستين في مصر، وعلى اختلافات في التناول وفي القطع المغناة بين ما هو "للأستادين" (على ما يقول ويقصد المراغي وطبقته) وبين الآخرين من المصريين والشوام والمغاربة. وباستثناء السيلكونيين هذين لم نجد حتى الآن أثرًا حقيقيًا لإنتاج المراغي في ما وصلنا من المخطوطات والكتب المصرية بعد 1500م.
ولا ينبغي الظن بأن في هذا إنكارًا لإسهام موسيقيين من الفرس في تاريخ الموسيقى في المنطقة. فلا شك أن بعض أعظم الموسيقيين في بغداد (الموصليان إبراهيم وابنه إسحاق) كانوا فرسًا بالسلالة، غير أنهما كانا متعصبين للغناء الحجازي القديم! ويُظن أن تغيير الأبعاد الموسيقية الذي حصل في الفترة ما بين الموصليين وبين الفارابي وظهور ما يسمى اصطلاحًا بأرباع الطنين إنما جرى بتأثير من بلاد ما وراء النهر وآسيا الوسطى، وربما يكون من موسيقات مصرية أقدم بقيت رواسبها في الموسيقى الشعبية قبل أن تصل إلى مجال الموسيقى البغدادية البلاطية الراقية لاحقًا (ويبدو، بحسب دورينغ أن العرب والفرس قد حافظوا على الأبعاد الأقدم بينما تحورت أكثر عند الأتراك لاحقًا في الرقن التاسع عشر والقرن العشرين). وقد سيطر الموسيقيون الفرس لفترة طويلة على المشهد الموسيقي، ويبدو ذلك حتى اليوم في عدد من المصطلحات وأسماء الأنغام التي نا تزال بالفارسية أو تدل على تلك البلاد (مثل الراست والسيكاه وأصفهان ونهوند... الخ). بل قد سيطروا أيضًا لفترة طويلة على الأداء في البلاط العثماني في إسطنبول نفسها بحسب أطروحة والتر فيلدمان[4] الذي يشير إلى انحسار هذا التأثير ابتداء فقط من القرن السابع عشر للميلاد.
والحقيقة إن من الخطأ الظن أن الموسيقى الرفيعة كانت في وقت ما، بين عامي 1200 و1500 م، هي نفسها من تبريز إلى بغداد وإسطنبول ودمشق والقاهرة (خلافًا لما يقوله دورينغ نقلًا دون تمحيص عن نويباور). فمقارنة التنظير ووصف المقامات والممارسات، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، ما بين مصادر من بغداد (الارموي مثلًا ثم شُراحه) واختلافها عن النيشابوري ثم لاحقًا عن الشيرازي، وعن ابن كُر القاهري (وله رسالة "غاية المطلوب في الأنغام والضروب"[5]) وعن الحصكفي (من شمال سوريا)، ثم الاختلافات ما بين الصيداوي واللاذقي والشرواني مثلًا في القرن الخامس عشر، دليل كافٍ على استمرار ممارسات وتنظيرات محلية لم تستتبع إلى مركز واحد. وحقيقة الأمر، في ظننا، هي الاختلاط المستمر لكل تلك المؤثرات في كل الأماكن التي لم تكن معزولة عن بعضها طيلة الوقت، وإن مرت بفترات انعزال متقطعة[6]، ولا تعترف بحدود فاصلة، ولا يمكن لأحد أن يدعي إنه يمتلك موسيقاه كاملة خالصة نقية!
لا يقود هذا إلى محاولة التقليل بأي حالٍ من الاسهام الفارسي في موسيقات الجوار، لكنه يقود إلى وضعه في موضع نسبي وإلى محاولة الانتقال من تعظيم وتفخيم فائضين إلى دراسة أكثر موضوعية عن حدود هذا التأثير، وفي الواقع عن كيفية تحديد خطوط تلاقي وانفصال هذه الموسيقات بعضها عن بعض، كانفصالها عما وصلنا حقًّا منها.
إيران والجوار: أين تقع الحدود بين الموسيقات؟
يطرح ما سبق على الباحث سؤالًا لتحديد ما المقصود بالموسيقى، أو الموسيقات الإيرانية، وما حدود اختلافها عن الموسيقات المجاورة، كالعربية والتركية والآذرية؟
وهذا السؤال برأينا مطروح علينا أيضًا: صحيح أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين موسيقى شمال مصر بدءًا من القاهرة مرورًا بالدلتا، وموسيقى بلاد الشام، لكن هل يمكن أن نحدد ما يمكن أن يسمى بالموسيقى "العربية"؟ وأين سنصنف موسيقات الصعيد والنوبة والواحات الغربية في مصر وموسيقات الأكراد والسريان والروم في الشام، فضلًا عن التنوع الهائل في سائر البلاد المنتمية إلى جامعة الدول العربية من المغرب بتلاوينه الكثيرة وحتى عمان واليمن؟ وحتى لو اقتصرنا على الأشيع في الشام ومصر، فأين نرسم حدود الاختلاف عن الموسيقى التركية، وكيف يتركب على ذلك تاريخٌ يرتبط بالتنظيرات البغدادية الأصل، المتشبعة بالفكر الإغريقي؟ في حين أن حاضر المقام البغدادي إنما هو أكثر ارتباطًا بالموسيقى الفارسية.
يقترح دورينغ إذن عددًا من العناصر المحددة برأيه للموسيقى الفارسية، تختلف بها عن موسيقى دول الجوار العربي والتركي، منها ضيق المجال النغمي للجمل وتلاصق الدرجات فيها (الإقلال من القفزات النغمية) والاعتماد على أجناس من خمس درجات (بنتاكورد أو يسميها البعض بالعربية عقودًا) لا على الديوان أو الأوكتاف الكامل، وعلى بعض الآلات ذات الطنين المتواصل المديد (كوتر خفيض يضرب باستمرار مع الجملة التي تعزف على وتر آخرBourdon بالفرنسية أو Drone بالانجليزية)، وأهمية صيغة السؤال والجواب في بناء الجملة والتناظر (سيمترية) وتكرار الموتيفات فيها، وبساطة الضروب الإيقاعية وتناظرها عمومًا، وقِصَر الأعمال التي لا تتجاوز عمومًا خمس دقائق، وقلة "القوالب" وانحصارها في عدد قليل من الأشكال (تمهيد، أغنية، رقصة.. الخ)، وسرعة الأداء، وكثافة الزخرفة بما في ذلك على الصعيد الصوتي، والوفاء للأبعاد القديمة، وأخيرًا التقارب مع تقاليد جهوية وجُمل لحنية شعبية، لا سيما باللغة الفارسية، حتى خارج حدود إيران.
ويضيف أن ما يميزها مثلًا عن الموسيقى التركية اتساع مدى الجُمَل في هذه الأخيرة وسرعة القفزات النغمية من مساحة إلى أخرى، وكذلك الانتقال من مقام إلى آخر في حين يظل الإيرانيون وقتًا أطول في فلك المقام الواحد وينتقلون منه إلى آخر بشكل معروف سلفًا. ويضيف أن من خصائص الأسلوب الإيراني أيضاً أهمية الأداء الفردي، وبدون إيقاع، والمساحة المتروكة للارتجال الآلي الموقع، وبالتالي أولوية المؤدي المرتجل على الملحن، والاستمتاع بالمناطق الحادة في الأصوات أكثر، والأهمية الممنوحة لاحترام الشعر المغنى ووزنه وأدائه بشكل واضح بحيث لا يكون ذريعة للصوت فحسب، وأخيرًا تذوق الموسيقى الآلية وتطوير تقنيات العزف المبهرة. وتاليًا يفترض أنها تختلف عن الموسيقى العربية في بعض المسائل وخصوصًا "العزف الآلي، والزخرفة، والإيقاعات، ونبرة الآلات، والمزاج ethos".
لكننا نرى أن معظم ما يذكره ينطبق في الواقع على الموسيقى العربية الراهنة (التي تضيق فيها المساحة، وتختزل القوالب إلى "الأغنية" القصيرة السريعة، وتتكرر فيها الموتيفات البسيطة غالبًا بشكل تناظري أو بشكل سؤال وجواب، ويحاول المؤدون فيها باستمرار زيادة الزخارف الصوتية ومحاولة الإبهار بالصعود إلى المناطق الحادة في أصواتهم) لا في شكلها الموروث الأسبق[7]. أما عوامل الاختلاف القليلة المتبقية فهي بالدرجة الأولى حضور الطنين المستمر(Bourdon) عند الفرس وأولوية الغناء عند العرب على العزف الآلي (وإن كان هذا الأخير بات يأخذ مساحة أوسع من السابق، بما في ذلك محاولات العازفين للإبهار السطحي أحيانًا) وضعف الارتجال لدى المؤدين العرب المحدثين.
أما اهم هذه الاختلافات، فهي الاختلاف المفهومي لـ "الرديف" وهو قلب الموسيقى الفارسية، وهو قلب حديث الظهور نسبيًّا إذ لا تعود بدايات تشكله على الأرجح إلى ما قبل أواخر القرن الثامن عشر على أبعد تقدير، اختلافه عن تصور الأتراك والعرب لموروثهم الموسيقي ومقاماتهم.
متى ظهر الرديف؟
تعتمد الموسيقى الفارسية اليوم على مثال نموذجي هو إرث "الرديف". على أن الرديف نفسه هو علامة على الانقطاع الهائل الذي حصل للموسيقى بعد انهيار السلالة الصفوية (1722 م) والفوضى التي سبقت حكم القاجار (1789 م). هذا مع ملاحظة أن الفترة الصفوية نفسها كانت قد شهدت فترة من الانبهار الشديد بالموسيقى الأوروبية وآلاتها[8]، وربما كان ذلك احد عوامل الانحدار في الموسيقى الفارسية الذي ربما تدرج وسبق انتهاء حكم الصفويين[9].
ويبدو أن ذلك الانقطاع في استمرار تقاليد الموسيقى "الفارسية" قد سبقه أيضًا انهيار للكتابات القادرة على المقاربة النظرية للموسيقى من منتصف القرن السادس عشر تقريبًا. ونلاحظ أمرًا مشابهًا أيضًا في الكتابات العربية حيث اختفى الاهتمام النظري بانتهاء القرن الخامس عشر تقريبًا ولم تصلنا بعد ذلك إلا شذرات قليلة من التنظير، في مقابل عدد كبير من المخطوطات الجامعة لكلمات الموشحات وما يغنى، وكذلك اكتفت الموسيقى العثمانية بأعمال تصف على أحسن الأحوال السلالم المستعملة وتُدون مقطوعات، أغلبها آلي، لكنها لم تبدأ ببحث الأمر بشكل نظري حتى منتصف القرن التاسع عشر وخصوصًا مع رؤوف بك يكته مطلع القرن العشرين.
ويبدو أن ذلك الانقطاع الضخم قضى بشكل شبه تام في الممارسة أيضًا على التواصل في تقليد الموسيقى الفارسية الرفيعة أو العالمة. فاختفت الإيقاعات الطويلة (حتى اليوم) والأشكال الموسيقية المعقدة الاقدم. ويرى دورينغ أن البحث عن أثار الموسيقى الفارسية من الفترة الصفوية إنما ينبغي أن يتم في تدوينات علي أفقي وديمتري كنتمير الإسطنبولية لبعض البشارف المنسوبة إلى العجم والتي هي أقرب أسلوبًا، برأيه، إلى الممارسة الإيرانية اليوم منها إلى الممارسة التركية.
في هذه المرحلة أيضًا، أي منذ القرن الثامن عشر، ضعفت العلاقات الإيرانية مع تركيا وكذلك مع العالم العربي، باستثناء العراق حيث يمكن الحديث عن تقليد عربي ـ إيراني حتى القرن الثامن عشر. وبدا للأدباء في إيران مطلع القرن التاسع عشر أن بلاد فارس لا تملك موسيقى جديرة بهذا الإسم. لكن من منتصف القرن التاسع عشر ستحدث نهضة هامة.
مع انهيار السلالة الصفوية، ربما ترك الموسيقيون البلاط القاجاري، في بداية حكم هذه السلالة، حيث لم يكن الحكام مولعين بهذه الموسيقى المعقدة. وبعضهم ربما ذهب إلى المجال الخاص أو الصوفي، فعادت الموسيقى إلى الظهور بعد قرن من الانزواء في هذين المجالين. لكن المرجح بحسب دورينغ، أن "الموسيقى الرفيعة" لم تعد تؤمّن مجالًا للعمل، فلم يتمكن المعلمون من نقلها إلى تلامذتهم، إلا فُتاتًا منها يكون سهلًا ويسمح لهم بالعمل ومن ثم بالتطور لوحدهم. من الممكن أيضًا أن ممارسي الرقص والموسيقى الخفيفة كانوا على اطلاع على بعض النواحي القريبة من مجالهم في إطار الموسيقى الرفيعة، ومن ثم دربوا تلامذة عادوا فتطوروا وجمعوا ما أمكنهم من كل من كان يملك بعض المعرفة.
ويعيد برجوادي بدايات تنظيم فكرة الدستگاه، بالشكل الذي نعرفه، إلى مطلع القرن التاسع عشر على يد أقا بابا مخمور الاصفهاني، أبرز المغنين في طهران في بلاط فاتح علي شاه (الذي حكم من 1797 إلى 1834 م.) الذي نظم الريبرتوار أو الإرث بحسب أقدم مخطوط (مجهول المؤلف، حوالي 1840 م.) وصلنا يتحدث عن اثني عشر دستگاه بوصفها نظامًا يجمع كل ما سبق من مقامات وشعب وگوشيهات. ثم في منتصف القرن التاسع عشر سيقوم علي أكبر فراهاني بجمع وتنظيم وتثبيت صيغ الدستگاه، التي سيتشكل من مضمونها إذَن "الرديف"، وهو اسم لم يظهر قبل ويعتقد بأنه مرتبط بتعليم ميرزا عبد الله. وتاليًا سيكون الرديف مستودعًا جامعًا لاحتمالات الموسيقى الفارسية[10].
ويرجح برجوادي أن الرديف لم يكن معروفًا أو مستعملًا خارج هذه الدائرة من آل فراهاني وطلابهم، وإن ميرزا عبد الله كان حريصًا على التعليم وتدريب تلامذته مما حمله ربما على انتاج صيغة ثابتة أصبحت لاحقًا المرجع الأساسي، بخاصة لآلات التار والسيتار. كما يرجح برجوادي أن عازفي الآلات الأخرى كانوا أقل اهتمامًا من عازفي التار والسيتار بمسائل قوالب الموسيقى وأطرها وتسمياتها، لهذا جاءت الصيغ المرجعية للرديف أساسًا منهم. وقد وصلت أجزاء من رديف محمد صادق خان، عازف السنطور، لأنه لم يكن حريصًا بنفس القدر على تعليم الطلاب.
يورد دورينغ أن علي أكبر من منطقة أراك، وأنه جاء إلى طهران مع قريبه آقا غلام حسين، ما يشير إلى انهما ربما من عائلة من الموسيقيين، وأنهما تفوقا على أساتذتهما لا سيما في مجال العزف الآلي والقدرة على الإبداع. أبناء علي اكبر، المتوفى مبكرًا حوالي 1857 سيتعلمون، لا من أبيهم، بل من آقا علام حسين. هكذا سيستكمل ابن علي أكبر فراهاني، ميرزا عبد الله (1845 ـ 1918) المثال النموذجي للرديف والذي وصل من خلال روايتين عنه (قهرماني وبرومند، وتسجيلات هذا الأخير متاحة على الانترنت). ووصلتنا شذرات أخرى من خلال آخرين، لا سيما من خلال الابن الآخر، حسين قولي (توفى 1915) وتلامذته. في وقت لاحق، على ما يورد برجوادي، سيتأثر المغنون بمفهوم الرديف، بعد أن كانوا يكتفون لفترة طويلة بغناء "التصانيف" أي الأعمال الملحنة وبأدائها بدون نظام محدد، وفي منتصف القرن العشرين إذن سيظهر الرديف الغنائي مع عبد الله داومي، نسجًا على الرديف الآلي. أي أن الرديف هو مجموع محفوظ (ريبرتوار) لمدرسة أو حتى لموسيقي محدد.
مفهوم الرديف واختلافه عن المقام العربي والعثماني
يتألف الرديف، بالصيغة الأكثر انتشارًا حاليًا، من سبعة من الدستگاه (بالكاف المنطوقة كالجيم القاهرية) وخمسة من الأوازات تعتبر متعلقات بها أو ثانوية بالقياس إليها. فينظر إلى كل من وصلات شور، ماهور، همايون، سيكاه، جهاركاه، نوا، وراست ـ بنجكاه على أنها دستگاه، بينما تعتبر وصلات أبو عطا، بياتي ترك، أفشار، دشتي وبيات أصفهان أنها أوازات وذلك لأن قِطَعها التكوينية متضمنة أو متعلقة بما يوجد في وصلات الدستگاه. فالأوازات في الواقع أجزاء من دستگاه يمكن بمعنى ما أداؤها منفصلة. فأواز بياتي ترك مثلًا يمكن أداؤه منفصلًا أو تضمينه في دستگاه الشور. ويلاحظ بالطبع التركيز على العدد اثني عشر رقمًا سحريًا مرتبطًا بالأبراج ومثله الرقم سبعة.
وتفتتح الدستگاهَ عمومًا قطعةٌ موقّعة تسمى دارماد أو مقدمة، وقد يسبقها ما يعتبر افتتاح الحفل وهو قطعة تسمى بيش دارماد (أي ما يسبق الدارماد، ويؤديه العازفون مجتمعين ويغلب عليه البطء). وفي الأغلب تكون المقدمة والگوشيه الأولى من سلم واحد يطلق اسمه على الدستگاه كله، فيقال مثلًا دستگاه شور (واسمه الأقدم شول) أو سيكاه، وترجع الموسيقى في آخر الدستگاه إلى نفس مبتدئها.
ويقصد بالدستگاه شكل من الوصلة، متعددة السلالم الموسيقية غالبًا، تتألف من عدد من القطع الموسيقية الإلزامية وفي بعض الأحيان الاختيارية التي تسمى گوشيه (بنفس الكاف Gūsheh). ويورد دورينغ أن دستگاه الشور قد يصل حتى 50 گوشيه، بينها 12 إلزامية فقط. والگوشيهات تتنوع في الواقع بين كونها مؤلفة بالكامل، لا سيما الموقّعة منها، أي كونها ألحانًا ثابتة، وبين كونها جملًا نمطية مرجعية يمكن استلهامها والتنويع عليها، وبين كونها إطارًا لحركة الجملة الموسيقية ضمن مدى نغمي ضيق.
فالأوازات بهذا المعنى هي نوع من گوشيه فائقة تتضمن بداخلها عددًا من الگوشيهات في إطار يسمح بأدائها وحدها، ولهذا باتت تسمى أحيانًا "شاه گوشيه". والشاه گوشيه هي ما يمكن اتخاذه أساسًا لتلحين (تصنيف) موزون موقع، لأن الگوشيهات الصغيرة أضيق من أن تسمح بذلك.
والگوشيه إذن ليس مفهومًا محددًا، فقد تكون شذرات من بقايا المقامات الأسبق (وبعض الگوشيهات لا تزال تحمل مثل هذه الأسماء مثل "حجاز" و"عراق" أو أسماء ما كان يعتبر من قبل دستگاه مستقلًا مثل زابول وروهاب)، أو تكون ألحانًا أقدم وفي بعض الأحيان من أقاليم أو شعوب مختلفة وتظل تحمل اسمها أيضاً مثل ("بياتي ـ كرد" أو "نهاوند رومي")، مثلما قد تكون نوعًا من الارتجال محكومًا بمقاربة ثابتة وقد تؤدي دورًا في الانتقال بداخل الدستگاه من جنس نغمي إلى آخر. وهي في العموم بالغة القصر.
وبهذا فإن الدستگاه يشابه أيضًا ما يعرف في العراق بالمقام البغدادي الذي يقرؤه "قارئ" المقام، ومن أشهرهم محمد القبانجي ويوسف عمر، والذي يشكل وصلة متكاملة تضم أيضًا عددًا محددًا من القطع ثابتة الترتيب مثل التحرير والقطع والأوصال والميانة والجلسة والتسليم.
يختلف الرديف بالتالي عن الإرث الموسيقي العثماني كما يختلف عما وصلنا من الموسيقات الشامية والمصرية (أي تحديدًا الموشحات المشرقية العربية القديمة)، لكونه ليس "عملًا" ولا مجموعة أعمال محددة، بل هو أقرب إلى أن يكون مستودعًا، يمتلئ بنماذج يمكن النسج على منوالها ويمكن استخدامها وتركيبها، بل ويمكن انتاج رديف أكثر تطلبًا تقنيًا (دوره عالي أو Master class level) كما فعل علي أكبر شهنازي (ابن حسين قولي وحفيد علي أكبر فراهاني). أي أن الرديف يحفظ لا بالضرورة كي يؤدى كما هو (فأحمد عبادي مثلًا، ابن ميرزا عبد الله والحفيد الآخر لعلي أكبر فراهاني، ترك الأداء على أسلوب أبيه مفضلًا الانطلاق متحررًا من القواعد التي تشرّبها ليؤدي كما يحلو له). بل الأهم من ذلك أنه يُحفظ لكونه خزان الاحتمالات النغمية والايقاعية التي يمكن للموسيقيين بالتالي أن يكتسبوها ويستخدموها ويحولوها إلى مادة أولية لأعمالهم الخاصة.
يختلف الرديف أيضًا في كونه مستعصيًا على الفهم بمنطق "المقام" العثماني، بل وحتى في رسم "سلم" له. إذ لما كان كل دستگاه مؤلفًا من عدد من الگوشيهات التي قد يكون بعضها تحولًا عن السلم الأشيع فيه فإن رسم "سلم" واحد محدد يصبح عمليًا غير ممكن. وإن حاول البعض القول بأن الرديف بأكمله يعتمد على تسع سلالم فقط[11]، إلا أن المقاربة الحالية تشدد على كون كل دستگاه في الحقيقة وصلة متعددة السلالم لا يجوز اختزالها ذلك أن تعدد السلالم هذا شرط للقول بالدستگاه، برأي دورينغ[12] ، أما الالتزام مثلاً فقط بعزف مطلع ونهاية دستگاه شور فذلك لا يعد أداء للدستگاه، بل عزفاً لگوشيه مثلًا. فضلًا عن أن الدستگاه لا يسير وفق مبدأ "السير المقامي" بالمفهوم العثماني، ولئن حاول بعض الباحثين[13] نقل مفهوم السير إلى الرديف فإن المحاولة برأينا ضعيفة، وتنتهي إلى القول بأن السير هو بداخل الگوشيه الواحدة (وهذا ليس سيرًا "مقاميًا" بل حركة الجملة، وغالبًا بداخل جنس أو عقد، أي تتراكورد أو بنتاكورد واحد، أي أربعة أو خمسة درجات موسيقية، وليس ضمن "مقام" أو سلمٍ كامل) ثم سيرًا من گوشيه إلى أخرى. وهذا، باستثناء الاستعمال المشترك لكلمة "سير"، يجعل هذا السير هنا مجرد وصف لـ"تركيب" الدستگاه من گوشيهات (بما فيها من لازم واختياري ومع العلم بأن الدستگاه عمل قاموسي مرجعي وليس "مسطرة" أو وصفة يجري التأليف عليها)، ويختلف بالتالي تمامًا عن فهم الموسيقى العثمانية الحديث للسير، أي اعتباره قاعدة للتأليف من خلال التركيز على مساحات ودرجات أساسية في المقام، وطريقًا لازمًا في التنقل بين أجناس المقام ومنه إلى أجناس عارضة والعودة.
وهذا أيضًا مختلف عن التعامل مع الأجناس في موسيقى الموشحات وموسيقى عصر الحمولي وعثمان في مصر وما يقابلها في الشام، وعن الممارسة النغمية في اداء المقرئين والمنشدين الدينيين عمومًا. فالموسيقى العربية هذه ـ في الحقيقة وباختصار لأن شرح هذا الامر مطول جدًا ـ مختلفة عن موسيقى العثمانيين في أنها لا تحترم فكرة "السير المقامي" على خلاف التنظير الحالي الخاطئ لها، ونسمع بوضوح عدم انطباق ما يعتبره المنظرون شروطًا للمقام علها إذا ما استمعنا فعلًا إلى ممارستها الفعلية (سواء في الموسيقى الدنيوية أو الدينية). فهي لا تمشي بمنطق "السير المقامي" الملزم وليست بالضرورة معلّمة بجملٍ موسيقية تقليدية[14] علامة على كل "مقام"، بل إن "المقام" فيها ليس أداة تأليف كما هو في الموسيقى العثمانية (حيث المؤلف يعتمد المسار الموروث لمقام معين)، بل كانت أداة تصنيف لجمع الموشحات والأدوار في وصلات (وبالتالي فهي تكسر رتابة تكرار نفس المسار بابتكارات كثيرة نغميًا من أجل احداث الطرب، ومثل هذه الابتكارات المفاجئة تكاد لا تنقطع في الإنشاد الديني). وهذه الشروط التي جاء بها بعض الباحثين هي في الحقيقة إسقاط غير مبرر من خليط في فهمهم بين الموسيقى العثمانية والموسيقى الفارسية على موسيقى مصر والشام التي لم يدرسوها بشكل جاد.
بأي نعت نصف هذه الموسيقى؟
بخفة دم يقول دورينغ إن الفرس لم يعرفوا أنهم يؤدون موسيقى "شفاهية" إلا حين علموا أن الأوروبيين يدونون موسيقاهم. ولم يخطر من قبل ببالهم أنهم يعزفون موسيقى "تقليدية" فقد كان في ظنهم إنهم يعزفون موسيقى "فارسية" فحسب.
وبعد أن كان الرديف نوعًا من الموسيقى "الكلاسيكية"، ربما بتأثير الفكر الأوروبي، لجأ الإيرانيون في الستينيات من القرن الماضي إلى استعمال مفردة ذات إرث ديني لنعت هذه الموسيقى: سنّة، كما يقال "سنة النبي"، بينما في آسيا الوسطى استخدم مصطلح "عنعنة" الذي يشير إلى طريقة انتقال الأحاديث النبوية. لاحقًا، ومع بروز الموسيقات الأخرى داخل إيران (كالكردية والآذرية مثلًا) ولأنها تعتمد أيضًا الانتقال والتواصل عبر سلسلة من الأساتذة والأسانيد، فإنّ نعت "السنة" لم يعد كافيًا لتمييز موسيقى الرديف عنها، ولا الإشارة إليها بأنها "أصيلة". فاستعمل البعض نعت "علمية" (أو "عالمة" بمعنى savante) وورد عند آخرين نعت "فنية" (هوناري). وكلها على ما هو واضح لا تميز الرديف تحديدًا عن الموسيقات الأخرى آنفة الذكر. بل حتى ضمن موسيقى "الرديف" الجدية ومؤديها بات من الضروري التمييز بين ما هو أقرب إلى الجدية، أو إلى السهل الاستساغة، وما هو بين هذين القطبين. وبالمثل يعترض دورينغ على احتمالات النعت بأنها موسيقى موروثة أو مدرسية أو أكاديمية أو سوى ذلك بأنها لا تغطي الحقل الدلالي المشابه لكلمات "تقليد" و"تقليدية". ذلك رغم وعيه بأن التقليد كان يعني ضمان "مسار انتقال الموسيقى" في سلسلة من العارفين بها، ربما بما يفوق حتى ضمان الموسيقى المنتقلة نفسها والتي لم تكن تتوقف عن التغير والتحور. وذلك رغم إدراكه أيضًا بأن الوقت الحالي لا يسمح بالقول بـ"أصالة" مطلقة موضوعية لتلك الموسيقى التي انقطعنا عنها ونحاول استعادتها، ولا بأصالة مطلقة ذاتية حيث لا يمكن فصل الذات عن مقتضيات الزمن واقتصاد السوق.
ولا يبعد هذا كثيرًا عن أسئلتنا المشابهة عن النعوت التي يمكن أن نطلقها على موسيقاتنا ومعضلاتنا في تصنيفها أصلًا. فإن قلنا "موسيقى النهضة" عن الموسيقى التي ظهرت في مصر في الفترة الخديوية وكان من أبرز ممثليها عبده الحمولي ومحمد عثمان، فهل يعني هذا أن ما قبلها كان موسيقى منحطة؟ علمًا بأن شواهدها (أي الموشحات) تدل على ثراء إيقاعي ونغمي وذكاء تلحيني يضارع إن لم يكن يفوق موسيقى العهد الخديوي. وإن قلنا إنها أصيلة بمعنى غير مشوبة بأثر خارجي فهذا غير دقيق تاريخيًّا، فموسيقات العرب كانت دومًا في حوار مع جيرانهم وكلها هجينة بهذا المعنى الجميل، وإن قلنا إنها "تقليدية" لكان ذلك خطأ صريحًا لأنها بالضبط بنيت على انقطاع في قوالب التلحين وأنواع الضروب الإيقاعية وارتباطها بالجمل اللحنية عن موسيقى الموشحات الأسبق. وإن قلنا إنها "فصيحة" لجانبنا دقة الفهم أصلًا، فأصل الفصاحة الإبانة ولسنا ندري عمَّ تبين هذه الموسيقى؟ ولا لِمَ قد تكون فصيحة دون سواها، وإن قصدنا أنها تتبع قواعد صارمة لوجدنا أن كل الموسيقات في الواقع تتبع قواعد محددة لها. ولئن فهم البعض أن التقليد هو من "القلادة" لا من "التقليد"[15]، أي من تمرير القلادة من جيل إلى جيل، فلسنا نرى في ذلك غير ضرورة الحفاظ على هذه "القلادة"، أي الاستمرار على نفس النهج، وهو عين "التقليد" بمعناه المُعجَمي، لأن الإخلال به سيغير القلادة تمامًا في غضون أجيال قليلة، وهو بالضبط حال التقاليد جميعًا، فاستمرارها لا يتم إلا بتغيرها المتواصل.
غير إن إيضاح مسألة العلاقة بالتقليد شرط ضروري للتفكير بمستقبل هذه الموسيقات.
حداثة التقليد وقاعدة تغيره المتواصل
يفتتح دورينغ كتابه بملاحظة فائقة الأهمية، هي أن افتراض وجود "موسيقى تقليدية" أو تقليد موسيقي مستمر ومعارض للتغير، هو افتراض أوروبي أصلًا يعتمد على إلصاق التغير والحداثة بالموسيقى الأوروبية وحدها ويُقيّم على نقيضها موسيقات الآخرين. إلا ان الأبحاث تبرهن بحسب قوله أن الثابت الوحيد في "التقاليد الموسيقية" هي نزوعها المستمر إلى التغير (ويمكن رؤية ذلك في التحول المستمر على مدى قرون عدة، بين منتصف القرن الثالث عشر ومطلع القرن العشرين على أقل تقدير، للمفاهيم والعلاقات في التنظير الموسيقي، مثل المقامات والشُّعَب والأوازات والبحور والشدود والدستگاه)! بل إن العنوان الفرعي لكتابه هو "مساءلة التقليد".
وهو يورد عمومًا أن الشفاهية وتغييرات الأذواق وتأثيرات الذاكرة ووفيات الأساتذة والإنتاجات الجديدة، تنحو عمومًا نحو وضع حد لقدرة الموسيقي الناشئ عند الإطلاع على ما سبقه بجيلين أو ثلاثة. ففي الواقع ما كان يصل إليهم من "تقليد" إنما كان أقرب إلى أن يكون معاصرًا لهم.
يعني ذلك ما أشرنا إليه من أن العمق التاريخي المفترض لهذه التقاليد ليس بالقدر المفترض، باستثناء تدوينات قليلة (أبرزها قولٌ واحد عند قطب الدين الشيرازي للحن منسوب إلى الأرموي، ولحنان دونهما المراغي والبنائي، وبعض التمارين عند الكندي والأرموي) فلا شيء يدلنا على ألحان من الموسيقى العربية أو الفارسية القديمة. بينما أقدم التدوينات الإسطنبولية ترجع إلى البولوني بوبوفسكي المعروف باسم علي أفقي، حوالي سنة 1650 م.
بالمقابل، فإن موسيقى الرديف كما ثبتت وصارت إلينا إنما بنيت على شذرات تم جمعها من أنحاء الإمبراطورية القاجارية ومحاولة نظمها في هيكل موحد في منتصف القرن التاسع عشر. وهي نفس الفترة التي شهدت فيها إسطنبول أيضًا تحديثات ضخمة لجهة التدوين والعزف وأماكن استهلاك الموسيقى وقوالب الغناء والتفكير النظري، بتأثير أوروبي مباشر أحيانًا. كما أنها عينَها الفترة التي شهدت فيها القاهرة انتقالًا من عصر الموشحات (وأقدم ما وصلنا منها لا يعود إلى ما قبل الثلث الأخير من القرن السابع عشر، ولا علاقة لها بالأندلس مطلقًا) إلى عصر الأدوار في صيغها الحمولية ـ العثمانية ارتباطًا أيضًا بالتحديث وبأشكال وأماكن جديدة من استهلاك الموسيقى، وصولًا بعدها إلى عصر المسرح الغنائي ثم الأغنية العاطفية أساسًا كما نعرفها.
بُني كل ذلك بالطبع على ترسُّبات من موروثات عصور مختلفة أنتجت الأجناس الموسيقية، والتي بتركيبها ينتج عندنا سلالم مختلفة ومقامات وانتقالات ما بينها، وأنتجت أساليبَ في التعامل مع هذه المساحات النغمية، كما توارثت عددًا من الضروب الإيقاعية التي تعرضت أيضًا لتغييرات بما في ذلك في علاقتها بالنغم والميلودي. إلا أن أيًّا من "التقاليد" الكبرى لم يستمر بدون تغييرات عميقة وانقطاعات ضخمة.
اليوم، بسبب تقنية التسجيل والتدوين، اختلفت العلاقة مع الموروث بالطبع. وعلى خلاف الموسيقيين القدماء ممن كانوا "معاصرين للتقليد"، فإنّ على الفنانين اليوم اتخاذَ موقف بالنسبة إلى "ما كان". وإذ يعقد دورينغ مقارنة مع الرسم، يشير إلى أنه لم يكن بإمكان رسامي المنمنات آخر الأمر، بعد الوصول إلى قمة هذا الفن منتصف القرن السابع عشر، إلا التحول إلى الرسم على الطريقة الأوروبية أو إلى رسم لوحات تباع في البازار للسياح، فإنه يفجر أطروحة إمكان "التطوير المستمر من الداخل"، بدون تحولات وتغييرات جذرية لا مفر منها آخر الأمر.
في إيران، ظهر في السبعينيات من القرن الماضي، أمل بالتجديد مع إنشاء مركز حفظ ونشر الموسيقى التقليدية، إلا أن هذه الآمال تبخرت، وهاجر الكثر ولم يعودوا أو عادوا متأثرين بالهارموني الغربية. أما المعلمون الكبار فأصبحوا "مدرسين" يعلمون فتاتًا من علمهم بما يكفي طلابهم للعثور على عمل. وفي هذا الإطار يبدو أن التراث أصبح متوافرًا بسهولة، لكن أحدًا لا يفهمه حقًّا على ما يقول.
ولا يبعد ذلك كثيرًا عما حصل مطلع الألفية مع انتشار التسجيلات القديمة العربية والمصرية بخاصة، للمنيلاوي وعبد الحي حلمي وسليمان أبو داود وأسمى الكمسرية وغيرهم، حيث اعتقد البعض بإمكان إعادة "إحياء" تراث "عصر النهضة" العربية هذا. غير أن هذه الأحلام تكسرت على صخرة الواقع الفعلي غالبًا لنفس الأسباب، أي إن اتاحة التراث دون فهمه وفي ظل فقد البيئة الثقافية والرمزية المرتبطة به لا تؤدي إلى أكثر من محاولات تحنيطه باسم إحيائه.
في إيران أيضًا، يتأسف دورينغ لأن محاولة البحث عن "هوية لا شرقية ولا غربية"، أنتجت محاولة استغلال موسيقات الأطراف الإيرانية (كردستان، فارس، لورستان وبدرجة أقل خراسان، مثلما حاولت الموسيقى المصرية والسورية استغلال موسيقات مناطق النوبة والجزيرة الفراتية وغيرها لإنعاش المسار الرتيب في الثمانينيات والتسعينيات) في شكل استغلال موسيقيين من "التقليد الفارسي" لجمل الموسيقات الشعبية الأخرى. هو إذن إلصاق أو تزويق، كولاج أو ماكياج، وليس هضمًا كما كان الأساتذة يفعلون لإدخال الشذرات الشعبية في الثبت الكلاسيكي على حد قوله. وهو قول إشكالي لأننا لن نعرف فعلًا متى يكون الاقتباس هضمًا ومتى يكون لصقًا إلا بالحكم على العمل المفرد نفسه بدون معيار أسبق، أي أن على هذا الاقتباس أن يثبت قابليته للعيش في داخل الأعمال لا بالنظر إلى قواعد مسبقة نفترضها. أو بحسب دورينغ، لم يعد بإمكان أحد أن "يحتكر" الأصالة، ومعايير الحكم آخر الأمر سترتبط بذوق المتلقي كما بجودة العمل والنية المفترضة التي يمكن محاولة فهمها انطلاقًا من النقد ومن فلسفة الفن.
في الواقع، لم تكفَّ الموسيقات الكبرى في مناطق العرب والفرس والأتراك عن الامتزاج والتغيير، في ما بينها ومع الهند واليونان والروم، وتنقلت بين أنظمة موسيقية عديدة منها الفيثاغوري (الذي كان عليه مذهب بغداد أيام إبراهيم الموصلي وابنه) وأخرى تعتمد أبعادًا موسيقية مختلفة، وعرفت أنواعًا من التآلفات الصوتية (كالأورغانوم في الاندلس والإبدالات والمصاحبات في المشرق العربي) وتخلت عنها. وبالتالي، لا مفر من سؤال العلاقة اليوم مع الغرب وموسيقاه وما يصلح أو لا يصلح منها للعيش في بيئة الموسيقات الإقليمية، ولنا في تجارب القصبجي وعبد الوهاب وسواهما أدلة على وجود ما يصلح. وبينما تنفي بعض الأعمال التأليفية لمؤلفين دارسين للأوركسترا عن نفسها الارتباط ببيئتها فإن غيرها ربما ما زال يبحث عن إمكانية تطوير وتجديد ملائمين. يبقى أن ذلك مستحيل بدون فهم التراث الذي بات مطروحًا وملقًى علينا، وليست دراسته السطحية (أي تحنيطه معرفيًا) فهمًا حقيقيًا له. ففهم تراث انقطعت به الصلة ينبغي أن يتجاوز الحفظ إلى التفكيك والبحث عن أصوله والقواعد المضمرة فيه.
أي مستقبل لهذه الموسيقات؟
قبل العصر الحديث، كانت الموسيقى "التقليدية" في الغرب أيضًا ولقرون طويلة وليدة أيامها، على ما يقول دورينغ. كانت موضات تعبر بسرعة وأساليب المؤلفين تتغير. وحده تبلوُر مفهوم الحداثة سمح ببدء محاولات "استعادة الماضي" بحسبه. موتسارت وهايدن وبتهوفن أول من تجاوزوا عصرهم، ثم بعدهم بدأت استعادة باخ، وبعدها نشأ مسار للعودة بالزمن إلى ما قبل ذلك واكتشاف المزيد من الأعمال، منها ما يلقى شهرة هائلة، مثل "الفصول الأربعة" لفيفالدي. بالطبع، هذا أيضًا أنتج سؤال العزف والأداء، وهل ينبغي أداء عمل من عصر الباروك بأساليب الباروك (قدر ما نظن أننا نعلم عن تلك الأساليب) أم ينبغي أداؤها بحسب تقنيات وأساليب وأذواق العصر الحالي، كخلط باخ بالموسيقى الالكترونية مثلًا؟
يعتقد دورينغ أن شيئًا شبيهًا يجري في إيران، أي الرغبة بالعودة إلى زمن أسبق و"استعادة الماضي". وفي رأينا إن "استعادة الماضي" شأن مختلف جذريًا عن زعم "استمراره" أو زعم إعادة "إحيائه". فالفارق الأساسي هو، على ما يورد دورينغ، أنه بات من الممكن قبول هذا الإرث كواقع، بفضل حفظ التقنية له. وبدل إنشاء تعارض بين "الماضي والحاضر"، يمكن لهذه الأعمال الموروثة أن تحيا بمعزل عن الأحوال التي انتجتها سابقًا، وأن نجدد مقاربتها بالغوص عميقًا فيها واستدخال مؤثرات منها، كما من أماكن أخرى (يذكر مثلًا القاهرة والهند وأذربيجان وتركيا)، كي تثري محاولات فردية متعددة في انفتاح واحترام لتجارب الآخرين واختلافها، وبشرط الجدية في البحث.
يبدو ذلك قليلًا وفقيرًا بعض الشيء بالنظر إلى حجم القيمة الرمزية الملقاة على الموسيقى "القومية"، نعني القبول لها بأن تنتهي نوعًا شبه هامشي رغم هالته وسط غابة من الأنماط والأساليب الأخرى. إلا أن ذلك ربما من طبيعة زماننا، حيث تتشظى الموسيقى كما أنماط العيش في المجتمع الواحد إلى أشكال متعددة لم يعد بإمكان سلطة موحدة ولا ذوق موحد أن يحيلاها إلى شكل واحد مفروض.
قد تتبقى بعض القيمة إذا ما نظرنا إلى الإرث باعتباره مصدرًا لتغذية ممارسة حرة وإثرائها، وربما باعتباره نوعًا من سلفٍ صالحٍ لموسيقى محتملة المجيء مستقبلًا، وقد بات مجالها بالضرورة خارج المسار التجاري السريع.
تماثل التحديات واختلاف الاستجابة
تتقاطع أحوالنا، أهل هذه المنطقة المشتركة، عبر التاريخ. يتأثر قوم بجيرانهم ثم يؤثرون. ولا يمكن الجزم بحصرية امتلاك أي شعب لموسيقاه، فكلها داخلته مؤثرات متعددة. تتوازى إذًا مساراتنا، تتقاطع أحيانًا، ولكنها لا تتطابق.
ترافق ظهور الأرموي ثم شراحه، أي الملمح الأبرز للمدرسة النظامية أو المنهجية (وإن كان البعض يعيدها إلى الفارابي بالأصل)، مع اجتياح بغداد وتدميرها. لكنه أيضًا ترافق مع إشارات عديدة إلى أن هذه المدرسة لم تكن طاغية الحضور، بل متنافسة مع أشكال أخرى من التنظير والممارسة على ما يبدو من مقارنتها بكتابات ابن كر والحصكفي ثم شمس الدين الصيداوي (صاحب "الإنعام في معرفة الأنغام") مثلًا، ثم الأشكال اللاحقة من الكتابات التي ابتعدت عن التنظير الحسابي المجرد للسلالم والإيقاعات، وانتقلت إلى "وصف" حركة الجمل في الأنغام مثلما ابتكرت الإشارة إلى نقرات الإيقاع لا بألفاظ مثل تن وتنن، ولا باستعارات من علم العروض الشعري، بل بالطاع والدي (عند العرب)، أو التم والتك عند الأتراك وهو ما كان يقابله دِك وداك عند الفرس ثم دم وتك عند العرب.
كذلك توازت بأشكال مختلفة تأثرات هذه الأقوام بالتطورات التاريخية، بالاجتياحات والانقلابات وتأسيس الامبراطوريات، ثم العلاقة مع أوروبا، ونتج عن ذلك تغييرات في داخل ما سيصبح لاحقًا "التقليد". اختفت آلات عريقة، وفضل العثمانيون الناي والطنبور، بينما اهتم الفرس أكثر بالسنطور والتار والسيتار، واستمر العود عند الشوام والمصريين الآلة الأساسية.
وحتى حين حافظوا جميعًا على أسماء معينة، اختلفت مسمياتها عبر الأماكن وعبر الأزمنة (فتعددت معاني البيشرو، وانتقل النوخت الذي كان غناء مرسلًا غير موقّع ليصير اسم ضرب إيقاعي بذاته...الخ). وتفككت القوالب اللحنية القديمة (الصوت والقول والترانه وغيرها) وظهرت أشكال أخرى من "التصنيف" الفارسي، وأنماط من المربع والشرقي وأشكال عثمانية من الكار والبشرف، بينما ابتلعت تسمية الموشح معظم الإنتاج الشامي ـ المصري لقرون (مع استثناءات قليلة تظهر فيها أسماء مثل الشغل والبشراو، أحيانًا بعلاقة بعيدة مع أصل قديم).
وبالمثل، حصلت طفرة لحنية مع مطلع القرن الثامن عشر في إسطنبول، بينما كانت الموسيقى في العهد الصفوي تشهد بدايات انحدارها، ويمكن أن نفترض بالنظر لعدم وصول أي لحن لموشح أقدم من نهاية القرن السابع عشر إلينا أن الألحان الأقدم في مصر والشام كانت تنتمي إلى ذوق لحنيّ باد، وأن ما وصلنا من مطلع القرن الثامن عشر كان تعبيرًا عن تحولٍ ينبغي دراسته بدقة.
ومجددًا، ما لبث الذوق الجديد نفسه أن صار عتيقًا، على الأغلب بتأثيرات دخول الحداثة والعلاقة مع الغرب الأوروبي. فتغيرت الموسيقى العثمانية نفسها في أواسط القرن التاسع عشر، واستقدمت قواد أوركسترا أوروبيين وبدأت في التنظير لنفسها بالاعتماد على مفاهيم غربية[16]، بينما أنتجت الحداثة في مصر والشام أشكال المسرح الغنائي وقالب الدور المصري وجددت إنتاج الموشحات في حلب. بالتوازي مع هذه التحركات، في أواسط القرن التاسع عشر أيضًا، كان شاه إيران أيضاً يستقدم موسيقيين أوروبيين ويحثهم على تدوين الموسيقى الإيرانية بالنوتة الغربية وعلى نشرها[17]، كان الموسيقيون الإيرانيون في طهران يجمعون شتات ما تبقى من گوشيهات وشذرات لحنية من الذاكرة ومن أرجاء الإمبراطورية لينظموها في وصلات مرتبة تحت اسم دستگاه، ومنها سينشأ المثال النموذجي المسمى بالرديف الذي سيتثبت إطارًا ناظمًا للإيقاعات والأجناس ونقرات الآلات.
وفي منتصف القرن التاسع عشر كان النقاش يحتدم بين الشيخ العطار، أستاذ ميخائيل مشاقة، وبين عالم تركي لم يسمه مشاقة في رسالته الشهابية (1840م) حول تقسيم السلم الموسيقي (الأوكتاف) إلى 24 ربعًا. وربما لأسباب متشابهة متعلقة بالحداثة سيقوم علي نقي وزيري، المنظّر صاحب التأثير الأبرز على الموسيقى الفارسية في القرن العشرين ومدير المعهد الموسيقي (الكونسرفاتوار)، الذي بدأ بنشر دراساته في برلين سنة 1923، باعتماد السلم المقسم إلى 24 ربعًا للموسيقى الفارسية. وتتقاطع محاولات وزيري في برلين وتجارب صناعة أرغن يضم أرباع الطنين مع العازف الإيطالي بوزوني من أجل التمهيد للبوليفوني والهارموني، مع محاولات وديع صبرا اختراع بيانو يضم هذه الأرباع أيضًا. كما ستكون مسألة قسمة السلم وتحديدها بشكل رياضي أيضًا من معضلات مؤتمر الموسيقى العربية في القاهرة سنة 1932. وفي هذه الموسيقات جميعًا سيُطرح سؤال تحديث الفهم والتنظير للموسيقى، بدءًا من هاشم بك ثم رؤوف يكته، في تفاعل مع الموسيقى الأوروبية وتنظيرها ومع الموروث الإغريقي/العربي (وهو ما ينتقده البعض كما أسلفنا)، وهذه المقاربة التركية أخذها أيضًا بعض المنظرين العرب إثر ذلك، بينما كان المنظرون الفرس بدورهم يقومون باعتماد نظرة (خاطئة بحسب محمدي) إلى الرديف باجراء توازيات بين الدستگاه والسلم، ومقارنته بالماجور والمينور وبوظائف الدرجات في السلم الغربي.
فكأنما تطرح التحديات نفسها في أوقات متقاربة على الشعوب المتجاورة، وإن تفاوتت أشكال الاستجابة لها. هكذا طرح التنظير الغربي سؤال "كيف نفهم موسيقانا"، وطرحت التقنيات الجديدة، في التدوين والتسجيل، لأول مرة سؤال العلاقة مع "ما كان" وانقضى، وهو سؤال الإرث وسؤال الهوية التي ناطت بالإرث تعريفها أيضًا بينما تتعرض هي لأنواء التحديث السريع والناقص ولعداوة صريحة مع مصدر هذا التحديث العاصف نفسه!
تتجلى هذه الأنواء كما أسلفنا في أشكال كثيرة من التحديات، من العلاقة بإرث نحتفظ بتسجيلاته ولا نفهمه بعد انقطاعنا عنه، إلى الأمل وخيبته في "إحياء" تلك الفنون النبيلة دون الاعتراف أصلًا بموتها، ومرورًا بمسائل انتهاء البيئة الاجتماعية والاقتصادية وحتى الطبيعية التي كانت تحتضن هذه الفنون وتفرضها مرجعًا ومثالًا لأرقى طبقات الموسيقى.
نتقلب، مثل دورينغ، بين الأمل والخيبة، بين الاكتفاء القنوع بأن تصبح فنون نحبها ونرى جمالها تفصيلًا على هامش اجتياح الموسيقات التجارية، أو ربما على أحسن الفروض مصدرًا لإثراء إنتاج حديث، وبين الرغبة في أن يشاركنا الجميع نشوة الاستماع إليها، وبين السؤال الذي يطرحه آخر الأمر: "كيف السبيل لتنبيه الناس؟ وهل الأمر يستحق العناء؟"
قد يستحق الأمر بعض اليأس المرح، كالقول إن "أهل الذوق" سيعرفون موسيقاهم ويعرفون أهلها. لكن لو كان ذلك حقيقة، فلم نكتب جميعا؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع وإحالات:
[1] Jean During, « Musiques d’Iran, la Tradition en Question », Geuthner, 2010.
[2] انظر عن البشارف العربية المغناة مقالنا عن تلحين الاقدمين، القسم الثالث عن قوالب التلحين، في موقع "الجمهورية".
[3] Walter Feldman, The Musical “Renaissance” of Late Seventeenth Century Ottoman Turkey: Reflections on the Musical Materials of Ali Ufkî Bey (ca. 1610-1675), Hâfiz Post (d. 1694) and the “Marâghî” Repertoire, in Writing the History of “Ottoman Music”, M. Greve ed., 2015.
ولنفس الكاتب
“The Emergence of Ottoman Music and Local Modernity.”, Istanbul Research Institute, Annual of Istanbul Studies, no. 1, 2019.
[4] Walter Feldman, “Music of the Ottoman Court, Makam, Composition and the Early Ottoman Instrumental Repertoire”, Brill.
[5] Owen Wright, Music theory in Mamluk Cairo: the Ġāyat al-maṭlūb fi 'ilm al-adwār wa-'l-ḍurūb by Ibn Kurr, 2014.
[6] راجع مثلًا مقالنا عن علاقة الموسيقى العربية المشرقية بموسيقى البلاط العثماني، في موقع الجمهورية، والنظر إلى حال انعزال نسبي عن الموسيقى العثمانية في مصر وسوريا ما بين الدخول العثماني حتى منتصف القرن التاسع عشر حيث يبرز التأثير العثماني المستجد أولاً في الشام ثم في مصر.
[7] أي في فترة انتاج الموشحات خصوصًا بضروبها الإيقاعية المعقدة ومساحتها الصوتية المتسعة وجملها المركبة التي لا تمنح أهمية حقيقية لوزن الشعر المغنى بل تولد إيقاعها الخاص من تضافر وتعارض إيقاعات العروض والضرب الإيقاعي والجملة اللحنية.
[8] N. Zaker Jafari, "European Musical Instruments in Safavid Period of Iran," Journal of Fine Arts: Performing Arts & Music, (2013)
المقالة بالفارسية لكن تتوفر معها نبذة بالانجليزية تلخصها.
[9] Amir Hosein Pourjavady, “Music Making in Iran from the 15th to the Early 20th Century”, Edinburgh University Press, 2024.
[10] ويلاحظ دورينغ أن الإيرانيين والأذريين وحدهم، ضمن شعوب المشرق، من عين بالضبط "نموذجًا" موسيقيًا، إذ بحسبه فإن الرديف هو ما يسمح "بأن يتكلم المرء اللغة الموسيقية بشكل صحيح".
[11] بالمقابل، يشير دورينغ إلى مفهوم المايه المقارب للمقام بمعنى السلم، وبحيث لا يتجاوز عددها العشرين.
[12] ينظر مثلاً انتقاد محسن محمدي لكتابات باركشلي وفرحات وقبلهم وزيري، المعتمدة على تنظير أسبق أوروبي الأصل للموسيقى الفارسية. (مرجع سابق)
[13] Sina Sanayei, “The concept of melodic progression (Seyir) in Persian classical music”, rast müzikoloji dergisi · June 2023.
[14] بخلاف اشتراط بعض المنظرين مثل هذه الجمل علامة أساسية للنظام "المقامي"، مثل أسعدي وباورز وشلواح الذين يذكرهم سينا صنايعي في المصدر السابق. بينما ينطبق هذا أكثر على الموسيقى الفارسية، انظر شرح برجوادي للدستگاه في أطروحته.
[15] والأصل، بحسب لسان العرب، في جذر "قلد" معنى الضم والجمع (كأن يقلد البحر على ناس فيغرقهم، أو تقلد الحمى على المرء) ولي شيء على شيء فيتخذ شكله. ويصدق هذا على ما يمنح شكل القلادة (أي الحلية المتشكلة من لي المعدن على المعدن) كما على التقليد (ليّ المقلّد بكسر اللام على المقلّد بفتحها). والقلادة أي "ما جعل في العنق يكون للإنسان والفرس والكلب والبدنة التي تهدى ونحوها" تصبح في المجاز هي الإلزام والتقييد، إذ "قلده الأمر" أي ألزمه إياه.
[16] ينظر نقد لهذا التوجه في
Okan Murat Öztürk, “How was the traditional makam theory westernized for the sake of modernization?”, Ankara Music and Fine Arts University, Department of Musicology, Ankara, Turkey, Rast Müzikoloji Dergisi, 2018.
[17] ينظر مثلًا إقامة ألفرد جان باتيسيت لومير في إيران من 1868 وحتى وفاته عام 1907، حيث قاد فرقًا موسيقية عسكرية ونشر عدداً من المؤلفات التي تحتوي على أوازات وتصانيف وداستكاهات مع توزيعها للبيانو. (محسن محمدي، مرجع سابق).