في إحدى المناسبات العائلية، رأيت امرأة حجّالة لأول مرة. وجدت النساء يتدافعن بقوة نحو الشبّاك لمشاهدة تلك المرأة الراقصة التي، في أغلب الأحوال، لا تمتلك مقومات الجسد المثالي، مثلها مثل كل الحجّالات اللواتي لم يكنّ رشيقات وأنيقات بكعوب عالية، ولا بتسريحة شعر جذابة، بل ممتلئات يرتدين الزي الشعبي الليبي مع تغطية كاملة للوجه.
ترقص الحجّالة فقط للرجال الذين يقفون في صفٍ واحد، ويصفقون بتناغم وحرارة على وقع أغاني "الشتاوة"، مثل: "الخاطر فيه ثلاث وصايف.. مجروح وغاوى ومرايف/ امرايف للغالي نمشيله.. ارياف العمية للتكحيلة/ عليهم ريفتي يا عين.. غوالي غابوا قلنا وين/ اريافي كي ارياف المديون.. على عشرة يقتل ويخون". يسمى هؤلاء الرجال بـ"الكشّاكين"، وهم أشخاص احترفوا تقديم فن "الكِشكْ" الشعبي الذي يعتمد على التصفيق الحار على وقع ترديد "الشتاوة".
في تعريفه لـ"الحجّالات"، يقول الباحث الأمازيغي إيهاب ازطاف إنهن نساء بدويات متزوجات يرافقن الكشّاكة، ويتمايلن على إيقاع التصفيق بهدف إثارة الفتيان من حولهن. ويُظهِر انتماؤهن إلى البدو أن هذا النوع من الرقص الشعبي يرتبط حصرًا بالعرب، على اعتبار أن الانتماء إلى البدو يشير إلى أصولهن العربية.
تؤدي الحجّالة هذه المهنة مقابل المال، وتعد مهنتها جزءًا من الفلكلور الليبي المتنوع إذ يمتد تاريخ هذه التقاليد إلى قرون عديدة، وقد تطورت على مدار تاريخ طويل من التبادل الثقافي والاجتماعي بين القبائل العربية، وتعتبر جزءًا من المناسبات الاجتماعية المختلفة. ومع ذلك، ورغم أهميتهن، بقيت هؤلاء النساء في منطقة الظل بسبب النظام الذكوري، ولذلك يعد تغطية الوجه جزءًا من تقليد اجتماعي يرفض الحجّالة، وفي الوقت ذاته يستمتع بما تقدمه!
وهؤلاء النساء - الحجّالة، الدرباكة، الزمزامة - هُنّ من يمنحن العرس الليبي بهجته لدرجة أن الكثير من النساء قد لا يذهبن إلى العرس إن لم تكن تلك المرأة المبهجة حاضرة فيه. وفي المقابل، قد تذهب كل بنات العائلة إلى عرس ما بسبب وجودها فيه.
جندريًا، هل يمكن اعتبار تلك النظرة الدونية التي تلتصق بالدرباكة والزمزامة والحجالة عنفًا اجتماعيًا، وانتهاكًا لحقوق الإنسان في ممارسة ما يروق له طالما أنه لا يعتدي على حرية الآخرين؟ تقول الناشطة الحقوقية حنين بوشوشة: "المعاهدات الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين لم تُفرق بين أي من المهن، على العكس تمامًا أعطى المزيد من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. في اعتقادي أن تلك النظرة الدونية لصانعات الفرح والبهجة تنبع من الفكر الجمعي للمجتمع الليبي وانتشار الطبقية وكيفية نشأة الأدوار الاجتماعية فيه، وسيطرة الفكر الأبوي. فهذا الفكر ما يصنع معايير المجتمع الليبي التي باتت مصابة بخلل".
الغناء الشعبي في ليبيا جزء من تراث عبّر عن القيم الثقافية لمختلف الفئات الشعبية في البلاد، ورسم صورًا متعددة عن الممارسات الاجتماعية داخلها. ولم تكن النساء بعيدات عن الغناء الشعبي بل كن مؤديات له في المناسبات الاجتماعية، مثل الأفراح، والختان، والحج، وأعياد الميلاد. وكان لهن دور في تشكيل ملامح الأغنية الشعبية بروح وصوت نسائي.
وورد في كتاب "وظيفة الأغنية الشعبية في مدينة بنغازي بليبيا: دراسة ميدانية في الانثروبولوجيا الثقافية"، لنادية عبد الفتاح الباجوري، أن: "الأغنية الشعبية تحولت إلى أداة للتعبير عن العواطف والانفعالات الجماعية داخل المجتمع، وتعد دليلًا على المشاركة الوجدانية بين الأفراد. وتمثل في مدينة بنغازي صمام الأمان للناس في أوقات ضيقهم، ووسيلة البهجة والمرح، وتعينهم على إتمام الأعمال الشاقة، وتقوم بوظيفة نفسية واجتماعية، فهي متنفس الفرد والجماعة. وتلقي الضوء على بعض المتغيرات في الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية".
معاناة النساء
تستلهم الأغنية الشعبية الليبية موضوعاتها من روح البيئة، إذ تلامس حياة المجتمع بكل تركيباته، وتعكس ذوق أفراده وقيمهم، ونمطه المعيشي وقيمه. في مدينة بنغازي، على سبيل المثال، كانت هناك العديد من الفنانات الشعبيات اليهوديات، مثل بطة وسالمة وتركية. لكن التي فاقت الجميع في شهرتها كانت بطة، أو استوري خلفون، والتي ظهرت في عشرينيات وثلاثينيات من القرن الماضي.
أما أول من أدخل الفرق النسائية الشعبية إلى البيوت البنغازية، فكانت امرأة كفيفة تسكن في زنقة تفاحة بحي سوق الحشيش، تحيي العرس لمدة ثلاثة أيام، ومن شروطها كان توفير "كاليس"، العربة المجرورة بالخيل. بعد تلك الفترة، وتحديدًا في الأربعينيات، اختفت "بطة" من المدينة ولم يعلم أي أحد شيئًا عنها منذ ذلك الوقت، ومن أغانيها: "ناخذ عالمدني ونتوب.. الغية بعد عزيز ذنوب".
أما الفنانة سالمة، فكانت حاضرة في الأفراح والأحزان معًا. كانت تقوم في المآتم بتعداد محاسن الميت بمرثيات حزينة تلهب مشاعر النساء، وتزيد من صراخهن أيضًا. كما كان حضورها مؤثرًا في الأفراح أيضًا.
بعد تلك الفترة، ظهرت مطربات شعبيات ليبيات مثل عيشة بنت بشير التي عرفت بإتقان الضرب على الدربوكة والرقص بالشمعدان، والرقص بكانون النار المليء بالجمر. وحفصة الطرابلسية، ودرمة الخادم، وفتحية خميس، وفاطمة البرعصية، ومطاري، وماريانا، أو سدينة المجريسي التي احترفت الغناء في الأعراس البنغازية، واختارت هذا الاسم الفني على اسم مطربة يونانية اسمها ماريانا كانت قد زارت بنغازي لإحياء حفل غنائي بسينما "برينتشي". وخديجة الفونشا والمعروفة باسم "الوردة الليبية". ومن أغانيها: "تعَلّى يا بحر الموجات تعلّى كيف الليبيات"، و"يا مولاي العقبة ليّا وانجيب الوردة الليبية".
ومن خلال أغنيات المناسبات الاجتماعية ترسل الفنانات الشعبيات رسائلهن الملتهبة لمعاناة جيل من السيدات، من البكاء على المرهون أو افتقاد بيت العائلة أو الشوق إلى حبيب غائب، بالإضافة إلى أغنيات أخرى عن النجاح في الدراسة، والزواج، والجمال، وأغاني على أسماء العائلات كنوع من الهيبة. وقد جسدت تلك الأغنيات الأزمات السياسية، والاقتصادية، والمرضية.
كما وثقت هذه الأغاني العنف التي تتعرض له المرأة الليبية من العائلة، مثل "خوي كبسني.. شعري بلا وشاح، في فم كبدي طريحة رفسني"، و"هذا وين نجحتي حق.. نجاحك الأول غير ورق".
أتذكر أنه كانت في بنغازي، في فترة معينة، فنانة شعبية مشهورة اختارت مجبرةً ارتداء ملابس الرجال، والتزيّن بخواتهم وسلاسلهم، بل إن تسريحة شعرها كانت أيضًا رجّاليّة، وذلك بهدف تفادي تلك النظرة الاجتماعية السيئة للفن بشكل عام، وللمرأة الفنانة بشكل خاص.
التهميش والنظرة الدونية التي التصقت بالفنانة الشعبية داخل العائلة والمجتمع عمومًا، أتاحت لهن - للمفارقة - مساحة من الحرية مكنتهن من التنقل خارج ضوابط وقيود مجتمعهن الذكوري. لهذا وقعت الفنانة الشعبية بين نظرتين؛ نظرة السخرية، ونظرة أخرى محفوفة بالحذر من التعامل معهن. ولذلك ينطبق عليهن المثل الشعبي الليبي "يموت الزمار وإيده تلعب".
وقد أخبرتني إحدى السيدات الكبيرات في السن، أن ابنة فنانة شعبية كانت نجمة كبيرة في مدينة بنغازي - تغنّي فقط للأغنياء بسبب المبلغ المالي الذي تطلبه، إضافةً إلى الهدايا المختلفة من السجائر والعطور، وعقد من المال حول رقبتها من أجل أن تحيي الحفلة بشكل مختلف ـ وجدت منتحرة لأنها رُفضت من قِبل أهل الرجل الذي أحبته لأنها ابنة "درباكة"، يعد الزواج منها تشويهًا لسمعة العائلة ونسب الأحفاد.
وفي هذا الصدد، أشار الكاتب والباحث في التاريخ الليبي، عبد الحكيم الطويل، إلى أن الفنانة الشعبية تعد من مشاهير المجتمع، يتقربون منها ويحاولون كسب ودها ومشاركتها حتى في أعمالها التجارية، ولها دائمًا علاقات اجتماعية وسياسية قوية متشابكة وعميقة في المجتمع بحكم حضورها حفلات اجتماعية لمختلف المستويات العائلية في طرابلس والغرب. ولهذا يتقرب منها أفراد المجتمع من الجنسين ليس فقط لسماع أغانيها، بل بحكم علاقتها بأصحاب القرار في أعلى مستويات السلطة لمساعدة في تيسير مصالحهم، وربما أشهر مثال على مدى تقاطع الزمزامة الطرابلسية بالسياسة هو الأزمة السياسية التي أصابت الزمزامة الطرابلسية فاطمة الحمصة حتى تسببت في هجرتها إلى مصر.
فنانة شعبية في السجن
في عام 2021، وعبر حوار متلفز مع "الوردة الليبية" أو "الفونشا"، قالت إنه تم استدعاؤها للتحقيق بسبب أغنية تحمل كلمات تخدش الحياء، وهي "نجيلي حمال عيوبي.. نفرشلة جفني وهذوبي"، ليتم تحريفها إلى: "نجيلي حمال عيوبي.. نفرشلة جسمي وهذوبي". وعند التحقيق، تبين أن لا علاقة لها بالمسألة، وأن أغانيها لا تحمل كلامًا غير أخلاقي، وهي لن تقبل أن تغني كلامًا يخالف عادات المجتمع الليبي.
في السياق ذاته، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي عام 2017، إثر دخول الفنانة الشعبية الحمصة للسجن، وتضاربت الأقوال حول التهمة. كما كانت ستدخل السجن مرة أخرى خلال العام الحالي لولا أنها لم تهرب خارج البلاد، وهذه المرة بسبب أغنية تحمل مفردات خادشة للحياء غنّتها في أحد الأعراس، وبُثّت على موقع "فيسبوك". تقول كلماتها: "صاحبي يجيني في داري، قدام صغاري.. صاحبي يعطيني مصروفي.. قدام صغاري".
وبحسب خبراء قانونيين، يركز النظام القانوني الليبي على المحافظة على الآداب العامة، وهناك نصوص تشريعية وقانونية واضحة وصريحة، أبرزها القانون رقم 56 لعام 1970، الذي يتعلق بحماية الآداب العامة في الأماكن العامة، وينص بشكل صريح على ضرورة فرض رقابة على كل ما يمس الحياء العام. عدا عن تشريعات أخرى، من ضمنها القانون رقم 10 لعام 1985، التي تتعلق بهذا الشأن أيضًا.
زمزامة مودرن
في المنطقة الغربية من ليبيا، عبّرت أغاني الزمزامات عن علاقة المرأة بالرجل، بما يشمل الحب، والفراق، والخيانة، والانتقام، والدعاء بالمرض والهلاك: "يا لي حازك يا تفاحة.. حاز القفل مع مفتاحه"، و"لا تبكي، لا تقولي أمي.. حصلتيه ولد متسمي"، و"مش خسارة فيك الليرة.. يا مولاة العين كبيرة". بل إن الأمر شمل حتى وباء كورونا: "سلم تطعيمة غالينا، حتى كورونا ما تجينا".
يعود وجود الزمزامات، وفق عبد الحكيم الطويل، إلى عهد الدولة الليبية الأولى، ما بين عامي 1711 - 1835، إذ ذُكرن تحت مسمى "زمزامات" في عدة أماكن من الجزأين الأول والثاني من يوميات تاجر القصر (السراي) الطرابلسي حسن الفقيه حسن.
تعود أقدم الإشارات إلى يوم الأحد 1827/10/28 (اليومية 659 في الجزء الأول)، أي منذ نحو 200 عام على الأقل، وإلى يوم الإثنين 12/01/1829 (اليومية 807 من الجزء ذاته). كما تضمنت إحدى اليوميات وصفًا لمكونات وجبة قدمت لهن، تتكون من الرز واللحم والخبز والبرتقال والشراب و"العِرَاقِي"، على اسم دولة العراق، وهو عصير مُسكر يُقطرونه من التمر المتوفر بكثرة في ليبيا، لكنه لم يعد متداولًا بهذا الاسم في طرابلس.
ولم يكن حديث الفقيه حسن عنهن، كما يوضح الطويل، يوحي بأنهن حالة طارئة مستحدثة في المجتمع. ولأنه لم يكن يذكر في مذكراته إلا المشاهير وكبار القوم من ساسة وتجّار وأفراد من العائلة الحاكمة، على اعتبار أنه كان من ممولي القصر الحاكم، فإن حديثه عن الزمزامات يشير إلى أنهن كن يحظين بمكانة عالية في عصره.
ويتابع: "إن كلمة زمزامة ليست بذيئة في أصلها كما يتبادر لذهن البعض وإنما هي كلمة عربية فصيحة، حيث يقال زَمْزَمَ المُغَنِّي أي ترنَّم ودَندن! غير أنها فيما بعد صارت من ألفاظ الحط من قدر النساء والرجال على السواء في بعض الجدالات الخلافية ضمن سياق الفكر الذكوري الذي يرى المرأة دائماً أقل شأن منه".
أما تفسير عدم زواج بعضهن على أنه عقوبة من المجتمع لهن ورفضًا أو نفورًا منهن، فإنه ليس قاعدة شاملة. فقد تزوجت بعضهن، واستمرت المهنة عبر أجيالهن، حيث ورثتها بناتهن وحفيداتهن. ومن أغاني الزمزامات التي تعلي من مكانة الأب والأبن في العائلة: "لا تضربوني لا تقولوا سابت.. سلم ولد باباي وأمي جابت".
وبعد أن كانت الزمزامة تحيي العرس برفقة من السيدات، أدخلت بعضهن نمطًا جديدًا على اللعبة، فأصبحت الزمزامة تقف على المسرح بملابس مودرن، ولولا إصرار بعض العائلات على وجود الزمزامة بشكلها التقليدي، لكانت هذه المهنة في طريقها للاختفاء.
وخلال العرس، يمكن أن تدور حرب حامية الوطيس بين أهل العريس وأهل العروس من خلال أغاني يتبادلها الطرفين، مثلًا "الغالي جبنا له سماعة والكلمة توصل في ساعة"، "يا مبروك عليه الشيخة وافتكينا من تكشيخه".
ويشير عبد الحكيم الطويل، إلى أن كلمات أغاني الزمزامات تهتم بالعشق شبه الصريح بين الذكر والأنثى بأسلوب بسيط جدًا، أو أنها تجهز العروسة لحياتها الجديدة مع حكايا العشق السري قبل الزواج. لكنني لاحظت بأن أغاني الزمزامات غير منفصلة أبدًا عن عصرها بل إنها مواكبة له – خصوصًا مع حياة طبقات المجتمع البسيطة - بل وبشكل مدهش حتى مع الحراك الفني العالمي، إذ أتذكر جيدًا أن إحدى أغانيهن كانت تذكر الممثل الهوليودي توم كروز بصفته نموذجًا للوسامة الذكورية في إحدى قصصهن الغنائية.
وأضاف: "الفنانة الشعبية في وقتنا الحاضر أشبه بسيدات الأعمال ونجمات الغناء العالميات، كما أن بعضهن قد انخرطن في التمثيل لشهرتهن كفنانات وشجاعتهن في مواجهة الجماهير دون ارتباك، وطبعًا كان تمثيلهن مسرحيًا، أتذكر هنا من انخرطت في فرقة أبي المسرحية - أول فرقة ليبية تأسست في عهد الاستقلال - وهي فرقة العهد الجديد، حيث قامت زمزامة بالتمثيل ضمن هذه الفرقة تحت اسم فني، وبعد جهد كبير مني في البحث عنها تمكنت من لقاء بنتها الزمزامة وحفيدتها الزمزامة في بيتها في طرابلس القديمة".