"من أين يأتي اليهود؟.. إسرائيل بعيدة عن هنا!.. هل يوجد يهود أحياء؟.. نعم، هناك يهود أحياء!.. هل اليهود يحبون كرة القدم؟.. طالما أنهم يدعمون أياكس!.. أمستردام! أمستردام! أمستردام!".
هتاف مشجعي أياكس أمستردام الهولندي في دوري أبطال أوروبا أمام ليون الفرنسي عام 2017.
لماذا غادرت نيريت بيليد إسرائيل؟ هذا سؤال جيد ومهم للغاية، خاصة إذا عرفت من هي نيريت بيليد أصلًا. هي مخرجة هولندية الأصل، هاجر والداها إلى فلسطين المحتلة قبل النكبة، ثم ولدت هناك، وعاشت تحمل جنسية كيان الفصل العنصري المسمى بإسرائيل.
اقتنعت وهي في العشرينات من عمرها أن هذا الكيان ليس لديه ما يقدمه للبشرية، وأنه كيان عنصري وفاشي وسيء السمعة، ببساطة لأنه يستند في تكوينه على خطاب الكراهية، وخطاب الكراهية هذا لن يجلب الأمان لليهود على أرض فلسطين. ولذلك قررت، وهي في العشرينات من عمرها، العودة إلى موطن أجدادها في هولندا، علّ الحياة تصفو لها وتزهر بعيدًا عن الخطاب السياسي الصهيوني القائم على العنصرية.
رغم ذلك، التزمت بيليد بنصيحة والدها، الذي حذرها من الكشف عن هويتها اليهودية في أي مكان تذهب إليه لأن اليهود مضطهدون في العالم بأسره. وهنا قد تسأل: أي عالم هذا الذي يُضطهد اليهود؟ حقيقة لا نعلم. لكن والدها صهيوني، والصهيوني يبني معتقداته وآرائه على أن اليهود مظلومين ومضطهدين من الكل، وأنهم في حرب مستمرة منذ 3500 عام، بحسب تصريحات نتنياهو نفسه.
وهو ما اقتنعت به نيريت أيضًا باعتبار أن "الزن على الودان أمر من السحر"، رغم عدم اقتناعها بجدوى المشروع الصهيوني في فلسطين. لكن، فور وصولها إلى مطار أمستردام، فوجئت بمشهد غير متوقع مطلقًا: مجموعات من مشجعي كرة القدم يهتفون بحماسة وهم يلوحون بالأعلام الإسرائيلية. وفي محاولة لفهم الأمر، اقتربت منهم وسألت أحدهم: "هل أنتم يهود؟"، إلا أن الرد جاء مفاجئًا لها تمامًا: "كلا، نحن فقط مشجعو نادي أياكس أمستردام".
ما الذي يحدث؟
القصة السابقة ورغم عبثيتها الشديدة، لم تكن مجرد حكاية لطيفة صاغتها جدةٌ سبعينية في ليلة شتاء باردة، بل كانت افتتاحية فيلم وثائقي للمخرجة الإسرائيلية الهولندية نيريت بيليد، بعنوان "De Superjoden Van Ajax" (يهود خارقون في أياكس). وإن كان هناك بعض الدروس منها، فيمكن تلخيصها في أمرين: أولهما أننا أمام حالة خاصة وليس لها مثيل، لأنها تدحض السردية القائلة بأن الكيان الصهيوني قرر احتكار "العبث" والراديكالية لنفسه فقط. وثانيهما أن الكيان الصهيوني، وبسبب دناءته وإجرامه وسوءاته، استطاع إنتاج عدد قليل من العقلاء بين صفوفه.
فإن ساقك القدر لتصبح واحدًا من تلك الأقلية العاقلة في إسرائيل، فاعلم أنك ستواجه ما لا يُحمد عقباه أبدًا، وأن أمامك طريقين أيضًا لا ثالث لهما: الأول أن تتعايش وتنسجم مع وسط صهيوني فاشي ينزُّ عنصرية وجهل وادعاء، حتى تفقد أهم ما يميزك كإنسان، أي العقل والتعقُّل. والثاني هو النجاة بنفسك والهرب نحو دول أو جماعات أكثر حِكمة، تبحث فيها عن سلام داخلي خاص، لن تلقاه أبدًا في كيان يشتعل أواره أساسًا بفعل العنصرية والجهل و"الإرهاب"، وهو ما حاولت بيليد فعله قبل ليلة السابع من تشرين الأول/أكتوبر بنحو ثلاثين عامًا.
حيث أدركت أن دويلتها المسماة بإسرائيل تكذب بشأن التحول العلماني، لأنها تعتمد في قيامها بالأساس على مدى التماهي بين الدين اليهودي والأوهام الصهيونية، بالإضافة إلى أن إسرائيل لا تزال قابعة تحت مظلة التعريفات اليهودية التراثية التي تهدف إلى حصر اليهودي في تعريف واحد وثابت لا مجال فيه للتأويل أو البحث: "هو المواطن الإسرائيلي المنوط به الخدمة في الجيش"؛ ما يعطي الأمر طابعًا دينيًا لا يفصل الدين عن شؤون الدولة، ويستخدم الرموز الدينية اليهودية القديمة – مثل نجمة داوود – لخلق أسطورة "العودة الكاذبة".
ولذلك فقد آثرت الانتقال إلى أمستردام بعد حادثة اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين مباشرة، ليس خوفًا على حياتها فحسب، بل ظنًا منها أن رحلة الهروب تلك ستشفي قلبها وعقلها من أزمة هوية طاحنة. لكن، هل تحقق لها الأمان النفسي فعلًا بعد سفرها؟ أم أن القدر كان يخبئ لها ما لم تكن تتوقعه لحظة واحدة؟
ليست مأمونة الجانب
الأمر أشبه بعملية حسابية، فهذا الأمان النفسي الذي تبحث عنه بيليد، لن يتحقق إلا بتقبل المجتمع الجديد لها كيهودية، وبما أن العقل البشري عادةً ما يرسم الصورة الذهنية للشخص طبقًا لما نعرفه نحن عنه، وبغض النظر عمَّا يعرفه هو عن نفسه، فعندما تُعرّف بيليد نفسها كيهودية، ستتكون لدى القارئ تلقائيًا صورة ذهنية معينة، بناءً على معانٍ وهوية خاصة أصلَّتها الحركات الصهيونية طوال القرنين الماضيين.
يقع ذلك دون أن يتطرق أحد لمعضلة أنها شخصيًا لا تعرف ما يعنيه ذلك، لأنها لا تؤمن بالسردية التي تربط الهوية اليهودية والإسرائيلية ببعضها البعض، ولا تَأمَنُ تطبيع العلاقات بين الدين اليهودي والتأويلات الصهيونية. وفي خضم تلك الرحلة المشتعلة خارج البلاد لتأويل الهوية أو للبحث عنها، إذا بها تصطدم بأوساط استقطاب صهيونية أشد وأعنف مما هي عليه في إسرائيل، وتكتشف أن مشجعي أياكس أمستردام الهولندي يشعرون بأنهم يهود أكثر منها شخصيًا.
فهل هم يهود فعلًا؟ كلا؛ لكنهم يتظاهرون بذلك، حيث تبدو الهوية اليهودية بالنسبة لهم شيئًا أبسط بكثير مما هي عليه بالنسبة ليهودي صهيوني ولد ونشأ في إسرائيل، ما ينتج مساحة رمادية يختلط فيها الجد بالهزل.
في إحدى لقطات الفيلم، تقف بيليد، يهودية الأصل والتكوين والمنشأ، وسط حشد كبير من مشجعي أياكس الهولنديين، وبينما يقفز الجميع من حولها ملوحين بالأعلام الإسرائيلية، ومعلنين في صوت موحد أن "من لا يقفز ليس يهوديًا"، تظلُّ هي ساكنة بلا حراك، وكأنها لا تفهم ما يعنيه ذلك تحديدًا، ما يضعنا أمام نمط استنباط جديد: من هو اليهودي الحقيقي هنا من وجهة نظرك؟ لا تملك إجابة واضحة؟ حسنًا؛ ولا هي، ولا نحن. لكن عند إعادة تحليل الأمر بنظرة جذرية، قد تمكننا التفاصيل من تقسيمه إلى ثلاث شُعب:
الأول هو ما يتعلق باليهود الأكبر سنًا، مثل والد بيليد، الرجل الذي شهد بنفسه بدايات الكيان الصهيوني منذ كان فكرة في بعض العقول الإمبريالية المتعصبة، فآمن بمعتقداته وتوجهاته كاملة، ومثّل العلم الأزرق بنجمته سداسية الأضلاع، ملاذًا آمنًا له ولقومه ولأفكاره العنصرية الكارهة للأغيار والعرب.
والثاني هي نيريت بيليد نفسها، وما تمثله من أجيال أحدث سنًا لطالما مَثّل لها هذا العلم الأزرق صراعًا مريرًا مع الذات، خاصة مع ازدياد وتيرة المقاومة داخليًا وعالميًا، حيث تكشف الحقائق بأن أوروبا أصبحت بالفعل أكثر أمنًا لهم من فلسطين التاريخية، الأمر الذي ظهر جليًا بعد ضربات السابع من تشرين الأول/أكتوبر الموجعة للاحتلال وساكنيه.
طبقًا لما أكدته صحيفة "هآرتس" في تقرير لها بعنوان "Fight Hamas or Flight: The Israelis Fleeing the Country During the War"، فإن الشباب الإسرائيلي اتخذ قرارًا واضحًا وسريعًا للغاية فور سماعه أولى صافرات الإنذار: الهرب من هذه البلاد لبلادٍ أرحب، لشعورهم بأن هذا الكيان لم يعد الاختيار الأنسب للعيش.
أما الثالث فهم سكان مدينة أمستردام، ذات الأغلبية اللادينية، وما يمثل لهم العلم الصهيوني من تداعيات تنفصل تمامًا عن أي سياق تاريخي أو ديني أو قومي أو له علاقة بأي صراع من أي نوع، وما ينفرد به من رؤية مختلفة يمكن تلخيصها في كلمتين: نادي أياكس. هكذا فقط، وبلا أي إضافات نخبوية أخرى. لكن؛ من أين جاء هذا الارتباط العجيب؟
"موكوم" أو "الملاذ الآمن"
رغم أن مدينة أمستردام كانت – نظريًا – مجتمعًا يهوديًا ينبض بالحياة قبل الحرب العالمية الثانية، وكان يعيش فيها نحو 80 ألفًا من أصل 140 ألف يهودي هولندي، ولذلك فقد عَرِفها المؤرخون في النصف الأول من القرن العشرين باسم "موكوم"، وهي كلمة عبرية تعني "الملاذ الآمن". كما أطلقت عليها بعض الروايات لقب "القدس الغربية"، إلا أن الاضطهاد والعنصرية التي مارسها الرجال البيض ضد اليهود، منعتهم تمامًا من الانخراط أو التعايش مع المجتمع الأرستقراطي الأبيض، فكانوا يقطنون أحياء تاريخية خاصة تُبنى على أطراف المُدن ولا يسكنها غيرهم، كعادة اليهود في أوروبا تلك الفترة.
أحد تلك الأحياء، كان حي أمستردام–أوست، الواقع شرق المدينة، وعلى بعد خطوات قليلة من استاد "دي مير" التابع لنادي أياكس، ما عمل على خلق رابط مكاني وعاطفي بين النادي واليهود.
وبحسب تصريحات هانز نوب، من منتدى المنظمات اليهودية، أن الأمور كثيرًا ما كانت تختلط على المشجعين الغرباء فلا يفصلون بين استاد "أياكس" كملعب رياضي له واقع منفصل، وبين الحي "اليهودي" كحتمية تاريخية أصلتها العنصرية البيضاء ضدهم، فظلوا يتعاملون معهم ككيان واحد لا ينفصل: "عندما كان أياكس يلعب مع فرق من مناطق مختلفة، كان المشجعون الضيوف يستقلون عربات الترام من محطة القطار الرئيسية ويمرون عبر الحي اليهودي الملاصق للملعب، وبالتالي فقد ارتبط رؤية ملعب أياكس لدى الجماهير برؤية اليهود".
لم تستمر تلك الحالة كثيرًا، حيث شهدت الديموغرافية المتطرفة تلك اختلالًا كبيرًا أثناء الحرب العالمية الثانية، كنتيجة طبيعية لعمليات التهجير النازية لليهود الأوروبيين، وتقلصت نسبة المواطنين اليهود هناك بما يعادل 75% مع نهاية الحرب. كما اختلفت الهوية الجندرية والدينية والثقافية للمدينة، وفقد النسيج الحضري ارتباطه الواضح بالثقافة والدين اليهودي.
وهنا قد يقع الاستدراك؛ لماذا ظل مشجعي كرة القدم الهولندية محافظين على نظرتهم الأولى لنادي أياكس باعتباره نادٍ ينتمي لليهود، أو للحي اليهودي، دون وجود رابط حقيقي بينهم بعد الحرب العالمية؟ حسنًا، بلا أي سبب واضح، أو بالصدفة البحتة؛ لا نعلم تحديدًا.
حيث تناثرت بعض الأقاويل التي أكدت كونها مجرد نزوة جماهيرية ضلَّت طريقها وارتبطت بأياكس. أما البعض الآخر، فيؤكد أن اليهودية كانت تهمة لطالما حاولت جماهير أياكس التخلص منها قبل الحرب، لكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها وتكشّف للعالم حقيقة ما حدث لليهود من مجازر على يد الجيش النازي، عملت الجماهير نفسها على إعادة استثمار تلك الفكرة كنوع من أنواع التطّهر الداخلي، حتى أصبحت حقيقة سلم بها الجميع.
أما الطرف الثالث، فيؤكد خلو الأمر تمامًا من أي أفكار أو قضايا كبيرة، وأنها فقط طبائع الأمور، حيث يرسم العقل البشري الصورة الذهنية للشخص طبقًا لما نعرفه نحن عنه، وتاريخنا الشخصي معه، وبغض النظر عمَّا يعرفه هو عن نفسه أو عن حقيقته الداخلية..إلخ.
قصة غريبة نوعًا ما، أليس كذلك؟ ليس بسبب غرابتها فقط، بل لأنها تعيد للواجهة عددًا من الاستفهامات من قبيل: لماذا حذر والد بيليد ابنته من التصريح بهويتها الحقيقية في أمستردام رغم أنها – منطقيًا – أكثر أمانًا لليهود عن فلسطين التاريخية؟ وإن كانت غير ذلك؛ فلماذا يصرخ المجاذيب في الشوارع ملوحين بالشعارات الصهيونية دون غيرها، في حين أن اليهود الأصليين لا يشعرون بأي ارتباط عاطفي مع المدينة أو مع النادي أو مع إسرائيل نفسها في كثير من الأحيان؟ وهل يستفيد الكيان الصهيوني من رفع علمه في المدرجات، حتى وإن اختفى الرابط الحقيقي بينهم، أم أنه يحارب تلك الأفعال؟
قبل الإجابة، لعلك تريد أن تلقي ولو نظرة واحدة فقط على التصريحين القادمين، بعدها قد تستطيع إعادة التفكير في الأمر مرةً أخرى بنظرة أشمل: في عام 1976، اتخذت مجموعة من المشجعين المشاغبين – الهوليغانز – علم إسرائيل شعارًا لهم بشكل رسمي، وعند سؤال قائدها عن ما يعنيه ذلك، اتضح أنه ليس مهتمًا بالتضامن مع إسرائيل، بل ولا يعرف ما هي أزمة ذلك العلم من الأساس؟
والسبب الثاني، بحسب تصريحات الصحفي الإسرائيلي هانز بوب، لصحيفة "شبيغل أونلاين" "حوالي 90% من مشجعي أياكس لا يعرفون حتى أين تقع إسرائيل"، ما قد يمنحنا خيطًا لجانب آخر مختلف تمامًا من القصة.
أفعل "التجهيل"
تقول بيليد: "من الحكايات اللطيفة عن الأطفال في أمستردام أنهم يذهبون كل يوم إلى متاجر النادي ويطلبون شراء "نجمة أياكس".. فهل قال لهم أحد أنها في الواقع ليست إلا نجمة داوود؟". هذا هو مدى الجهل الذي تتعرض له أوروبا إزاء القضية الفلسطينية، فهؤلاء الملوحين بالشعارات الصهيونية في الملاعب والشوارع، ليسوا مجاذيبًا أو عنصريين، هكذا بلا سياق، بل جهلة، لا يدركون حقيقة الأمور، ولا يهمهم ما تعنيه تلك الشعارات أصلًا.
والجهل مشتركٌ من الجهتين، على اعتبار أن الصهاينة هم في حقيقة الأمر أشد جهلًا بحقيقة دينهم من الجماهير الوفية لتقاليد ناديها، حيث سقط البعض منهم في مغبة التاريخ البعيد ومآسيه، كوالد بيليد، الذي فقد اتصاله بالحاضر والمستقبل، ولم يتخيل لحظة أن الأمور تغيرت بالفعل عمَّا كانت قديمًا، وأن المضطهدين في العالم اليوم هم الفلسطينيين والعرب وليس اليهود. وبالتالي فأحد أسباب هذا الجهل يعود إلى إسرائيل نفسها، التي لا تريد لأي أحد أيًا ما كان أن يعرف حقيقة ما يحدث على الأراضي الفلسطينية.
وكما ينظر المفكرون الصهاينة إلى الكتاب المقدس باعتباره وثيقة تأسيسية ودليلًا على القومية اليهودية في محاولة لكسر عنق الحقيقة، ينظر مشجعو أياكس إلى الأمر من الزاوية نفسها، مع اختلاف التأويل، فما الفارق بين تأويل الدين اليهودي لخدمة كيان استعماري، وبين تأويله لخدمة مجموعة من جماهير الكرة المتعصبين؟
لا فارق كبير بين الحالتين في الحقيقة، فكلاهما يتلاعب بالدين، إلا أن أحدهما يهدف إلى مجرد الاستمتاع، أما الآخر فيهدف إلى قتل الأطفال، وقصف المدارس، ودهس الجثث الملقاة على مشارف المستشفيات وقارعة الطريق.
وإليك مثالًا توضيحيًا؛ جرت العادة على أن تضع جماهير أياكس وشومًا تحمل نجمة داوود على الذراع والصدر، رغم أن هذا الفعل يعد من مخلفات النازية في المنطقة، حيث كانت القوات النازية تجبر أتباع الديانة اليهودية على وشم نجمة داوود كنوع من أنواع فرد العضلات على اليهود، باعتبار أن الوشم محرم أصلًا في الديانة اليهودية التقليدية، كما هو مذكور في سفر اللاويين (19: 28): "لا تجرح في لحمك، ولا ترسم في نفسك علامة".
ورغم أن المنطقي في تلك الحالة هو أن تحاول المنظمات الصهيونية تغيير تلك العادات لأنها مخالفة لدينهم مبدأيًا، إضافة إلى أنها من مخلفات أعدائهم، إلا أنها لم تنطق ببنت شفة لتصحيح تلك المفاهيم الخاطئة، لماذا؟ لأن الأمر لا يعنيهم حقًا، وطالما أن علم إسرائيل يرفرف في المدرجات، وأيًا ما كان السبب، فلا ضير من ذلك.
الغريب هنا أن إسرائيل تستثمر في الجهل المفيد لها فقط، فبمجرد أن بدأ مشجعي فينورد، غريم أياكس، في التفوه بعبارات معادية للسامية – أو لليهود إن أردنا الدقة لأن لفظ "السامية" يعبر عن أعراق عديدة مثل العرب والأحباش – مثل "نريد أن نحرق اليهود" أو صوت "الهسهسة" المعبر عن أفران الغاز النازية، قامت الدنيا ولم تقعد، فبدأت الشرطة في التحرك، والمنظمات الصهيونية في الشجب والتهديد، والصحف اليهودية في العويل والتنهد.
ثم خرج علينا ديفيد إندت، المدير العام لأياكس بين عامي 1997 و2013، قائلًا في تصريحات خاصة لشبكة "CNN"، إن كراهية اليهود لا تزال موجودة في أوروبا. لذلك، على جماهير أياكس أن يسارعوا في التخلص من تلك الشعارات، كي لا تجلب على العالم مصاب معاداة السامية مرة أخرى.
حدث ذلك رغم أن جميع من في الميدان الرياضي أو السياسي أو الإعلامي يعلم جيدًا بأن الهتافات المعادية للسامية التي قالتها جماهير فينورد، ليست هتافات، وليست معادية، ولا علاقة لها بالسامية أو باليهود من قريب أو من بعيد، بل هي مجرد هتافات تشجيعية لنادي كرة قدم معادٍ لأياكس وجماهيره. فإن كان أياكس يهوديًا، فأعدائهم إذًا يكرهون اليهود، وإن كانوا شيئًا آخر، فأعدائهم سيكرهون هذا الشيء أيضًا، الأمر بهذه البساطة.
يقول إندت: "لا ينبغي عليهم أن يفعلوا ذلك بعد الآن، لدي خبرة كبيرة في الملاعب وأستطيع أن أتفهم عقلية المشجعين، وسعيهم الدائم للسير خلف علم أو رمز كبير، لكنهم في هذه الحالة يتعاملون مع الرمز الخطأ، هم يقولون: نحن اليهود، ولكنهم في الحقيقة ليسوا يهودًا".
وفي النهاية، وفقًا لجان بول سارتر، اليهودي عادة ما يُعرّف على أنه "الشخص الذي يعتبره شخص آخر يهوديًا"، ولذلك تحدد معاداة السامية الظروف الوجودية لليهود، أي أنها تخلق اليهودي بكل ما تعنيه الكلمة، وأمام تلك الحالة البائسة والعبثية، يبدو أن صهاينة اليهود حول العالم استطاعوا استغلال أي وكل شيء جيدًا، حتى ولو لم يكن ذا علاقة مباشرة بهم، كي تظل البكائيات منسوجة، ومن ثم يظلون قادرين على بناء وتمرير أفعالهم الدموية والعنصرية.











