ultracheck

أم كلثوم وصناع مجدها.. هل كانت ستصبح أسطورة في زمن آخر؟

1 فبراير 2025
أم كلثوم
كانت أم كلثوم بِنتَ لحظتها التاريخية بامتياز، تلك اللحظة التي هيّأت المكان والمكانةَ لأسطورةٍ تكتسب خلودَها من صوْتها ومن ظرْفها التاريخي ومن دورها التاريخي

لم يكد العام الماضي ينقضي وقد احتفل السمّيعة بمرور مئة عام على إصدار أول أسطوانة للسيدة أم كلثوم (الصب تفضحه عيونه، شركة جراموفون/ 1924)، حتى أشرق هذا العام بالذكرى الخمسين لرحيل كوكب الشرق، وكأنّ العام - أي عام - لا يمر من دون احتفالٍ بأم كلثوم، تكون هي بطلَهُ وموضوعه وتاريخه.

الحضور السماعي لأم كلثوم قد يكفينا مبررًا لهذا الحضور الاحتفالي الممتد، فالمرأة التي ما تزال مُتربعةً دون شريك على عرش الطرب في طقوس السماع العربي، مستحوذةً على سهرات الناس في بيوتهم ومقاهيهم، لا تحتاج أن تنغلق دورة الزمن على خمسين أو مئة عام حتى يحتفل الناس بها، هم يفعلون ذلك كل ليلة من غير برنامج مسبق، وفي ليالٍ كثيرة ببرامج سماعية دسمةٍ من تراثها الحافل.

ربما كانت هذه الاحتفالات تكريمًا للقيمة التي اكتسبناها نحن بوجود أم كلثوم في تاريخنا وأسماعنا، واحتفاءً بالحالة الشعورية والثقافية التي نصل إليها حين نُتمُّ سماع أطلالها أو رباعياتها أو أي عمل من هذه الأعمال الكبيرة التي تضمن لك ألا تبقى بعدها كما كنتَ قبلها، وفوق ذلك فأم كلثوم امرأة تُجيد فرض حضورها على كل شيء وفي أي سياق، ففوق حضورها الصوتي الدائم على قمة عالم السماع في البيوت والمقاهي والمنتديات الخاصة، فإنها حاضرة أبدًا في مواقفنا الحياتية بالعشرات مِن جُمل أغانيها التي تتنزّلُ وحدها بلا استدعاء كأنما قيلت لتلك اللحظة: "أعطني حريتي أطلق يديَّ"، و"سوف تلهو بنا الحياة وتسخر"، و"فما أطال النوم عمرًا ولا قصّر في الأعمار طول السهر"، و"وعايزنا نرجع زي زمان قل للزمان ارجع يا زمان"، و"يمني قلبي بالأفراح وارجع وقلبي كله جراح"، وغيرها من الجُمل التي جرَت مجرى الأمثال بطول رسوخها في الوجدان.

لسنا بحاجة إلى الحديث عن عظمة صوت أم كلثوم ومساحته وقدراته التطريبية والتعبيرية، فسيكون مُعادًا مِن قولنا مكرورًا، على أنّ الاحتمال الرياضي كان يبيح أن تأتي مطربة بهذا الصوت قبل أم كلثوم بخمسين سنة أو عشرين، ولو حدث هذا لتغيرت المصائر، لا مصير أم كلثوم، بل مصير الصوت العبقري الذي سيسبقها فيذهب طيَّ النسيان أو لا يبقى منه إلا صدى باهت، فما الذي اختصّت به اللحظة التاريخية التي شهدت ظهور أم كلثوم حتى صنعَت أسطورتَها وحتّمَت خلودها؟

قبل ظهور كوكب الشرق بنحو عشرين سنة دخلت شركات الأسطوانات سوق الغناء المصري، وكانت تُنتج وقتها أسطوانات لا تتجاوز مُدتها ثلاث دقائق، وبجودة رديئة وصوت يغلب عليه التشويش و(الخشخشة) بمصطلح ذاك العصر، ثم لم تزل تطور من تقنياتها حتى وصلت بمدة الأسطوانة في مطلع العشرينيات - حقبة ظهور أم كلثوم - إلى ست دقائق وإلى ثماني دقائق، كما استطاعت بعضُ الشركات تنقية أصواتها وتخليصها من الخشخشة إلى حد بعيد، وإلى هذا النوع تنتمي تسجيلات أم كلثوم خلال عقد العشرينيات.

وبعد ظهور أم كلثوم بنحو عشر سنين أنشِئت الإذاعة الحكومية في مصر، وكانت تُذيع مُعظم فقراتها على الهواء مباشرة، ما منحَ المُطربين مُددًا طويلةً للغناء تكاد تقترب من الساعة، وهو ما شجعهم على الارتجال والتفريد في الأغاني وإثراء الوصلة الغنائية، كما شجّع الملحنين على تطويل الألحان، وهو ما استدعى بالضرورة تطوير بنيتها الفنية. وخلال سنواتها الأولى، حصلت الإذاعة على أشرطة ماركوني الطويلة التي مكّنتها مِن تسجيل كثير من فقراتها. كما بدأت الإذاعة بعد ثلاث سنوات من تأسيسها تقليد الحفلات الكلثومية المسرحية المنقولة عبر الأثير أول خميس من كل شهر، وهذا ثبّت لأم كلثوم خصوصيةً عند الجمهور ليست لغيرها، صاحبَتها حتى الرحيل، وخلال تلك السنوات جرت أولى محاولات تسجيل تلك الحفلات رغم صعوبة ذلك، فوصلَتنا تسجيلات لتسع وصلات محفلية في عقد الثلاثينيات، وهو عقد لم تصلنا منه تسجيلات محفلية لأي مطرب آخر.

وبالتزامن مع نشأة الإذاعة الحكومية نشأت السينما الناطقة وأنتجت أفلامًا غنائية، وقد فرضت السينما معايير جديدة على الأغاني التي ستُعرض في الأفلام قادتها بسرعة إلى اكتساب بنية درامية متماسكة، وإلى تهذيب حُرية التطريب في حدود الموضوع الدرامي واللحن المرسوم له، وكل هذا فرض على الأغنية السينمائية الوجازة والتكثيف.

أم كلثوم وأحمد رامي ومحمد القصبجي
أم كلثوم وأحمد رامي ومحمد القصبجي (مواقع التواصل/ ميغازين)

حضرت أم كلثوم إلى القاهرة في العام الذي رحل فيه سيد درويش (1923) بعد أن قاد مسيرة فارقة لتطوير الغناء العربي وتغيير وجهه عبر نهضته بالمسرح الغنائي، فخطا بالأغنية خطوات واسعة نحو التعبيرية والدرامية، كما أنّ رحيل سيد درويش المبكر أخلى المضمار لانطلاقة محمد القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب، فقطع القصبجي شوطًا حافلًا في تثبيت أركان التعبيرية مذهبًا في التلحين يُعنى أولًا بالتعبير عن معاني الكلام ومشاعره، وفي الاستفادة من تقنيات التأليف الموسيقي الغربي. أما زكريا، صاحب الهوية العروبية في الموسيقى، فقد ركز جهده على إثراء المسرح الغنائي وتطوير الأجناس الغنائية الشرقية، فيما انطلق خلفهما محمد عبد الوهاب ليسبق الجميع خلال سنوات قلائل في مضمار التطوير، وبعد بضع سنوات أتى رياض السنباطي ليضع بصمته في كل تلك المجالات التي سبقه إليها زملاؤه، ويقطع الشوط الأبعد في صناعة القصيدة المغناة والأغنية المسرحية الطويلة.

ولو أنّ العمر امتدّ بسيد درويش لصادر عليهم مساحات واسعة من الشهرة والنجاح، إذ إن مشاريع القصبجي وزكريا أحمد لم تبدأ فعليًّا إلا بعد رحيله رغم أنهما زاملاه في التلحين عدة سنوات. أما عبد الوهاب، فكان سيظل عدة سنوات أخرى مطربًا يُغني ألحان سيد درويش ويُنفذ أفكاره قبل أن يشقّ طريقه في عالم التلحين والتجديد.

حضرت أم كلثوم إلى القاهرة في عام ميلاد الدستور ونشأة المملكة المصرية وتشكُّل الدولة المستقلة الحديثة بُعيد الزخم الوطني الذي أحدثته ثورة 1919، لتُزامن بعدها مشوار التحرر الوطني، والسعي من أجل الجلاء، ونشأة الجامعة العربية، وحرب فلسطين، وثورة يوليو 1952، وحلم الوحدة العربية وصولًا إلى نكسة 1967، وسنوات المجهود الحربي بعدها. وخلال كل ذلك، استطاعت أن تكون صوت الوطن والأمة وأن تحمل هذه القضايا من وجدان الجمهور إلى سمعه، ثم إلى العالم.

كانت أم كلثوم بِنتَ لحظتها التاريخية بامتياز، تلك اللحظة التي هيّأت المكان والمكانةَ لأسطورةٍ تكتسب خلودَها من صوْتها ومن ظرْفها التاريخي ومن دورها التاريخي، فلو أنّ أم كلثوم ظهرَت قبل عام 1923 بخمسين عامًا أو عشرين، لضاع صوتها المعجز وذهب قبل أن تُدركه التسجيلات، كما حدث لـ"ألمز" مطربة عصر الخديو إسماعيل، أو لوصلنا في تسجيلات رديئة مشوشة لا تُبين خامته ولا عظمته، وفي أعمال لا تتجاوز الدقائق الثلاث، ولن تكون إلا موشحات وأدوارًا عتيقة من مرحلة محمد عثمان والحامولي، محكومةً بتقاليد الأداء التي كان يتشابه فيها مطربو تلك الحقبة فلا تكاد تُميز صوتًا منهم على آخر، ومخنوقةً بمدة الأسطوانة القصيرة، وخشخشتها المنفرة، ولكان أقصى عطائها الوطني والقومي أن تغني مارشات السلطان عبد الحميد والخديو عباس!

كان لا بد أن تبدأ أم كلثوم رحلتها في ذلك التوقيت لتُفرّغ لها الظروفُ التاريخية المساحةَ التي تليق بعظمة صوتها وموهبتها، وتُهيئ لها المكانة التي لا تقبل النسخ ولا التبديل، فتتربع على عرش الغناء العربي خمسين عامًا ثم تَخلُدَ أسطورَتهُ العظمى في كل العصور.

 

آباء كلثوم حول أم كلثوم

اكتمل سعدُ أم كلثوم بمن اجتمع إليها من الشعراء والملحنين ونخبة المثقفين الذين سخّروا مواهبَهُم ومشاريعهم لصوتها ومشروعها. وفي الوقت نفسه، ألهمهم صوتُها أفكارَهم وخططهم ومنحهم أفقًا للإبداع والتجديد لم يكن ليُتاح إلا بها.

ويمكن القول إنه بقدر ما صنعت أم كلثوم بصوتها وإمكاناته الخارقة أهلية المجد والخلود لنفسها، فإنّ هؤلاء الرجال هم الذين صنعوا مشروعها وشكّلوا ملامحه ومنعطفاته ومرتقياته الفارقة والمفارقة لما قبلها، والتي جعلت الأغنية الكلثومية مغايرة لأي أغنية أخرى.

غيرَ جاحدين فضل والدِها الشيخ إبراهيم البلتاجي (توفي 1932) الذي أسس أم كلثوم الشيخة المنشدة وأكسبها ذخيرتها من الإنشاد الديني وأساليبه، فإننا نبدأ هذه القائمة بالشيخ أبو العلا محمد (توفي 1927) الذي انتشلها من الريف وأتى بها إلى القاهرة لتبدأ رحلةَ المجد.

كان أبو العلا أشهر ملحن للقصائد في زمنه، ويكاد يكون أخلصَ فنَّهُ كله للقصائد فلم يصلنا من تراثه سواها، ويُعدُّ واضع أول لبنة في تطوير شكل القصيدة المغناة، وعنه تسلّمها عبد الوهاب ثم السنباطي ليبلغ بها قمته.

منح أبو العلا أمَّ كلثوم قصائده التي سبق له غناؤها لتُعيد غناءها وتسجيلها لشركات الأسطوانات، فكانت باكورةَ غنائها الذي عرفه الناس في القاهرة، وكان أبو العلا أول مُعلّم لها في القاهرة، وقدمها إلى الوسط الفني وعرّفها إليه، ويمكننا القول إنه هو الذي وضعها على الطريق قبل أن يرحل مبكرًا ويتركها صاعدةً كالصاروخ.

وكان الشاعر أحمد رامي (1892 - 1981) أهم شخصية غير موسيقية أثّرت في مشوار أم كلثوم وصاغتْه، بقدر ما أثّرت أم كلثوم في حياته وباتت هي حياته. التقت أم كلثوم رامي للمرة الأولى عام 1924 بعد أن غنّت قصيدته "الصب تفضحه عيونه" وهو في باريس، ويومها بدأت رحلة من حياتهما لم تنته إلا بوفاتها.

وقع رامي في غرام أم كلثوم المطربة، وأم كلثوم المرأة، فتبنى الأولى وعشق الثانية. وكان دوره مع الأولى مؤثرًا في مسيرة الغناء العربي كله، حيث تولى تطوير الكلمة المغناة (الفصحى والعامية) ليبتعد بها عن لغة القصائد التراثية النمطية، وعن لغة الأغاني العامية التي كانت تتأرجح بين السطحية والتفاهة، والإسفاف والفحش.

كتب رامي في قصائده أجمل معاني الحب بعربية معاصرة، وصاغ شكل الأغنية العامية راقيةً حافلةً بالمشاعر الجميلة والصور الرومانسية المرهفة، تستمد من تراث الشعر العربي كله ومعاني عشاقه وتجاربهم، بعد أن كانت تدور في حلقة مفرغة من أغاني العوالم التي عفا عليها الزمن. ولا شك أن هذا التطوير الذي اضطلع به رامي للكلمة المغناة كان أحد الأركان المهمة التي ارتكن عليها تطوير التلحين على يد القصبجي ورفاقه.

وأما أم كلثوم المرأة، فهي التي كتب فيها رامي كل شعره، وألهمَته تجربتُه معها كل معانيه وموضوعاته وثيماته الدرامية، لتُصبح أم كلثوم المصدر والمورد في آن، ولتبدأ القصيدة منها وتنتهي إليها، لتصير المطربة العربية الوحيدة التي ظلت أكثر من أربعين عامًا تُغنّي شعرًا كُتب فيها. 

وفوق ذلك قام رامي بدور المُعلم والمُدرس والمُثقِّف، إذ تولى تثقيف أم كلثوم بالشعر والأدب واللغة خلال سنواتها الأولى في القاهرة، وكان يُحضر إليها الكتب والدواوين ويُقارئها مرة في الأسبوع، فيفسر لها ما عسر عليها، وينثر في عقلها من ذوقه وخبراته باللغة والشعر ما ارتقى بذائقتها، حتى افترقت بثقافتها وذائقتها الأدبية عن سائر المطربين والمطربات، واستطاعت اختيار أهم القصائد والأغاني موضوعًا وكلمةً لتصنع منها ذخيرتها الغنائية.

ولا شكّ أنه لولا التثقيف الذي نالته من رامي لما كان لها أن تضطلع بغناء قصائد مثل "نهج البردة"، و"الهمزية النبوية"، و"النيل"، و"رباعيات الخيام". و"حديث الروح".

أما محمد القصبجي (1892 - 1966) فربما كان الشخص الأهم في مسيرة أم كلثوم من الوجهة الفنية، رغم انعكاس حظه في العقدين الأخيرين معها. فقد لقي في صوتها الكنز الذي كان يبحث عنه من أجل تطوير شكل الغناء العربي، فطار به في أفق التعبيرية ليضع ألحانًا تُعنى بالتعبير عن الكلمات وتتبعها حيث سارت، جاعلًا الطرب في المرتبة الثانية، ودفعه هذا إلى تطوير جنس (المونولوج) الذي ينطلق اللحن فيه على خطى الكلمات غيرَ ملتزم بالرجوع إلى قفلة سابقة أو بتكرار جزء بعينه، وكان لهذا التحرير أثره في تحرير الأفكار التلحينية عند صياغة الجُمل، عند القصبجي ولاحقيه، فضلًا عن ذلك استفاد القصبجي من تقنيات التأليف الموسيقي الغربي وأدخل التوزيع الهارموني في كثير من أعماله لأم كلثوم، ليشقّ سبيلًا جديدًا في صناعة الأغنية أثّر في الجميع، حتى أشد مجايليه تمسكًا بعروبة موسيقاه وشرقيتها. لهذا كله لم تكن مبالغة من أحمد رامي حين قال في حوار تلفزيوني مع طارق حبيب في السبعينيات: "القصبجي هو اللي عمل أم كلثوم"، صحيح أنه استدرك بقوله "في الفترة الأولى" لكنّ هذه الفترة هي التي شكلت كل ما أتى بعدها.

وبقدر ما طمح القصبجي إلى التجديد مثّل زكريا أحمد (1896 - 1961) أيقونة العروبة والشرقية في الموسيقى، وصحيح أنه تأثر بالقصبجي وبمذهب التعبيرية في بعض ألحانه، وأجاد التعبير حين كان التعبير ضرورة، لكنه حافظ على الطرب ودسامته مُكوّنًا أساسًا لهُويّته الموسيقية، فلحّن لأم كلثوم الأدوار والطقاطيق ثم صنع لها مجموعة من أجمل روائعها الطويلة التي حفلت بالمساحات المفتوحة للارتجال والتفريد.

وقد مَثل زكريا أحمد لأم كلثوم مُعادلًا ضروريًا للقصبجي، يحافظ على مزاج الجمهور الشرقي ويُرضي شهوته الطربية حين يجنح مزاج القصبجي التجديدي بعيدًا عنهما، وفوق ذلك مارس زكريا التجديد من الداخل، فأنجز تجديدات أساسية في جنسَيْ الدور والطقطوقة، وكان ما فعله بالأخيرة الأشد تأثيرًا، حيث نوّع ألحان أغصانها بعد أن كانت تؤدى على لحن واحد، فامتدّ هذا الأثر إلى جميع الملحنين.

ثم دخل رياض السنباطي (1906 - 1981) السباق معهما فسبقهما، استطاع السنباطي الاستفادة من مسيرة القصبجي التجديدية، واختار مذهبه في التعبيرية، لكنه تفوق عليه بقُدرته على صياغة جُمل أجمل وأشد إطرابًا، ما جعل ألحانه أقرب إلى مزاج الجمهور من القصبجي، وجمع بذلك كثيرًا من مميزات القصبجي وزكريا معًا فصار الجواد الرابح وملحن أم كلثوم الأثير.

وقد أبدى من البداية براعة لافتة في تلحين القصائد، مستفيدًا من تراث الشيخ أبو العلا محمد وتجارب محمد عبد الوهاب، فقطع بها شوطًا واسعًا إلى درجة من الاكتمال مكّنته من تلحين أمهات القصائد الدينية والوطنية والفلسفية لشوقي وحافظ وغيرهما، وهي تجربة لم يخُضها غيره من الملحنين، وليس عليها بصمة أحد سواه.

وقد قام السنباطي أيضًا بالجهد الأكبر في تطوير الأغنية المسرحية الطويلة التي باتت منتج أم كلثوم الأشهر، فطوّر بناءها وفرّق بين الفواصل الموسيقية التي تؤدي إلى إعادة الموضع السابق وبين تلك التي تفضي إلى موضع جديد، وأجادَ إظهار قدرات أم كلثوم الصوتية والتركيز على مناطق القوة والإعجاز في صوتها، ليصنع لأغانيها بصمة لم يستطع الإفلاتَ منها كل من عمل معها من الملحنين بعد ذلك بما فيهم عبد الوهاب.

ثم لحق بهم أمير شعراء العامية بيرم التونسي (1893 - 1961) في نهاية الثلاثينيات عائدًا من منفاه في فرنسا، ليكتب لثومة عددًا من الأغاني التي امتازت بحُرية الأفق ورشاقة التعبير الشعبي، بعيدًا عن رومانسية رامي المفرطة وطغيان شخصيته العاشقة، واستطاع بيرم أن يجعل من كل أغنية يكتبها أيقونةً متفردة في حالتها وزاوية تناولها لموضوع الحب، وأفادها وجود بيرم كثيرًا في أغنياتها السينمائية لقدرته على التلون بشعره في المواقف الدرامية، كما امتلك لياقة مدهشة لإكساب الشعرية لأي مفردة في سياقها مهما بدَت شعبية أو فجّة في أصلها، لذا لم يكن من الغريب أنّ أم كلثوم المعروف عنها تشددها في انتقاء الكلمات، تُغني في شعر بيرم ألفاظًا مثل (أتشرد) و(اتجنّيت) و(قليل الأدب)! لأنه أجاد وضعها في سياقها وأكسبها من الشعرية ما تعتصم به من أي نفور مبني على فكرة سابقة.

هذه المجموعة الباذخة من الشعراء والملحنين مثلت آباء كلثوم حول أم كلثوم، واستطاعت بخبراتها ومواهبها الفذة وأفكارها الطموحة تشكيل التطور الذي أحدثته أم كلثوم في مسيرة الغناء العربي، وصناعةَ مقومات سيادتها للغناء العربي لنحو قرن من الزمان وبلا منافس حتى الآن.

وبرغم أن صوت أم كلثوم كان سيبقى ملهمًا لكل من يعمل معه، فإنّ افتراض غياب أحد هؤلاء الكبار عن رحلتها كان سيؤدي بنا إلى نتائج مغايرة لما وصلت إليه، وإلى ملامح مختلفة لمشروعها وتراثها المستحوذ -ما زال- على آذان السميعة ووجداناتهم بعد خمسين سنة من رحيلها.

 

قائدة المشروع

لم يكن وجود هذه النخبة الضخمة من المؤلفين والملحنين يَعني أنهم سيقودون أم كلثوم إلى حيث يشاؤون، بل كانت هي في الحقيقة تقودهم إلى حيث تريد من بين ما يريدون، استطاعت أن تُسخّر لنفسها كل معارفهم بالطريق، وقدراتهم على شق مسالك جديدة وعلى إبصار أهداف لم يرها أحد قبلها أو قبلهم، لتصل إليها في النهاية عن عمد ورغبة. أما هم فقد رأوا خدمة هذا الصوت رسالةً جمالية جديرة بالفناء من أجلها، كما وجدوا خلودهم الأبقى في ارتباط كلماتهم وألحانهم به، لذلك لم يُقصّر أيٌّ منهم في تقديم أحسن ما عنده وفي صناعة ما هو أحسن منه.

في البداية قادت أحمد رامي إلى كتابة الأغنية العامية، وهو الشاعر الرومانسي الذي لم يكن يكتب إلا القصائد الفصيحة، لكنها رأت أنها بحاجة إلى مثله من أجل تطوير الأغنية العامية وإكسابها تلك الأفكار والمشاعر والصور التي يكتب بها قصائده، لإبعادها عن السطحية والابتذال وغناء العوالم. فكتب رامي العامية من أجلها، وظل خمسين سنة يكتبها إلى جانب الفصيحة، وهي تغني أجمل ما يكتب.

كان وجود رامي ضروريًّا، وخاصة في المرحلة الأولى من حياتها، التي زامنت حياة أمير الشعراء أحمد شوقي الذي تبنى محمد عبد الوهاب وقدم له أجمل قصائده الغزلية وكتب له الأغنية العامية أيضًا، وإذا كانت القيمة المعنوية لشوقي أكبر وفي صالح عبد الوهاب بما لا يقبل المقارنة، فإنّ السخاء في كتابة الأغنية وكتابة القصيدة لها كان لرامي، وكان في صالح أم كلثوم، وكان أكبر بفارق كبير يتغلب على قيمة شوقي التي يدّخر عبد الوهاب ثقلها في كفّته.

لكنّ أم كلثوم لم تكتفِ بهذا، فلم تكد تمضي سنوات قلائل على رحيل شوقي حتى أقبلت أم كلثوم على شعره تنتقي أجمل قصائده العاطفية لتُغنّيها وتشارك عبد الوهاب فيه، ثم لم تمض سنوات أخرى حتى انتقت أمهات قصائد شوقي الدينية والوطنية وغنّتها مطوّلة، وبألحان السنباطي الذي صنع من القصائد ملاحم، لتخطف شوقي من عبد الوهاب إلى الأبد، ويصبح نصيبها من تراثه أثقل وزنًا، فبالتأكيد لم يكن لقصائد عاطفيات قصار مثل "يا جارة الوادي" و"رُدت الروح" أن تنافس في الذاكرة الجمعية أمهات جامعةً مطولة مثل "نهج البردة" و"الهمزية النبوية" و"سلوا قلبي". وحتى عاطفيات شوقي التي غنتها كانت مطولات حافلة "سلوا كؤوس الطلا" و"مقادير" و"ذاد الكرى".

أم كلثوم بين زكريا أحمد وفريد الأطرش ورياض السنباطي ومحمد القصبجي
أم كلثوم بين زكريا أحمد وفريد الأطرش ورياض السنباطي ومحمد القصبجي (مواقع التواصل/ ميغازين)

وحين سمحت للقصبجي أن يقودها إلى أكبر مشروع تجديدي للغناء العربي لم يكن ذلك عفوًا ولا انقيادًا، بل كانت هي تقوده لتنافس به عبد الوهاب صاحب طموحات التجديد الصارخة في العشرينيات والثلاثينيات، وكانت تعرف أن أفكار عبد الوهاب التجديدية ستجد صداها عند الجمهور مهما تأخر هذا الصدى، وستنقل الغناء العربي إلى مناطق أخرى، فكان لا بد أن تنافسه بمن يستطيع مجاراته وسبقه في التجديد، وكان القصبجي في سنوات نشاطه هذا الرجل بامتياز.

لكنها في الوقت نفسه لم تنسَ أن تُعادله بزكريا أحمد، السلفي في الموسيقى، صاحب الصنائع الطربية المشهودة، لتحافظ على مزاج جمهورها الكلاسيكي المتعطش للطرب والسلطنة، ولتُحافظ على مزاجها هي الشخصي، وهي الشيخة القادمة من عالم الإنشاد الديني والموالد، فلا تسمح للقصبجي أن يجرفها في تيار التجديد الصاخب والمندفع.

وحين عرفت السنباطي، ووجدت فيه المقدرة الفذة على إنتاج ألحان تعبيرية مجددة مع الاحتفاظ بقدر كبير من الرصانة الطربية، تركته يقودها حينًا لأنه حقق لها المعادلة الصعبة التي كانت تطمح إليها، أن تنافس عبد الوهاب في التجديد لكن تبقى شيخة قوّالة على النمط القديم، وتركته يقودها إلى أكبر تطوير عرفته القصيدة المغناة، لأنها العالم الذي أتت منه، وأحبت له أن يصير على يديها وبصوتها أجمل وأعظم.

كان السنباطي صارمًا وحا الشخصية ومعتزًّا بنفسه لأبعد الحدود، بشكل جعله الوحيد الذي تحسب له أم كلثوم حسابًا وتخشى غضبه، وتتركه يقودها أحيانًا، حتى من الناحية العملية في البروفات والتحضيرات، لكنها كانت تفعل ذلك وهي تعرف أنها تضع فنها وتاريخها في يد أمينة، وتُسلم قيادها إلى دليل خبير بالوصول.

وربما أيضًا ظلت تحسب له حسابًا لأنها عرفت أنها لا يمكنها الاستغناء عنه وقد حقق المعادلة الصعبة، لذلك استغنت عن زكريا والقصبجي أحيانًا، لكنها لم تستغنِ عن السنباطي في أي وقت، وظل معها إلى النهاية. ورغم ذلك فإنها لم تتردد في سنواتها الأخيرة عن الاستعانة بملحنين شباب، وبمحمد عبد الوهاب، ليُنتجوا لها أغاني أشد حداثةً من أغاني السنباطي، حين وجدت أن مزاج الشباب في عقد الستينيات قد تجاوز كلاسيكيته الأرستقراطية.

وظلت عَصيّةً على التعاون الفني مع محمد عبد الوهاب طيلة الحقبة التي كان ينافسها فيها على عرش الغناء، حتى انقضت عقود فقد فيها صوته مع الشيخوخة كثيرًا من مساحته وإمكاناته، وانقطع عن الحفلات منذ زمان طويل، وبات يُغني بخبرات المُلحن، ولم يعُد ينافسها إلا باسمه وتاريخه. هنا قررت أن تتعاون معه وتضمه إلى ركب ملحنيها لتستفيد بخبراته الحافلة ومواهبه اللانهائية وتجاربه الجريئة في التجديد، وبات عقله الموسيقي الفذ في خدمة مشروعها بعد أن عاش لعقود مشروعًا منافسًا ينازعها القمة.

في هذه اللحظة لم يكن قد بقي إضافة تضيفها إلى مشوارها إلا عبد الوهاب، وهنا تركته يقودها إلى التجديد والتطوير الستيناتي الصاخب، ويغير شكل أغنيتها الكلاسيكية، لكنها كانت فعليًّا تقود تاريخه كله إلى اسمها وتضاعف به رصيدها، وتُحوّله من منافسها التاريخي إلى بنّاء مِن بُناة هرمها.

مِن أجل هذا كله كانت أم كلثوم وصارت أم كلثوم، كان صوتها سيجعلها مطربة عظيمة في أي عصر وبأي رجال وبأي شخصية، لكن كان لا بد لها من هذا العصر وهؤلاء الرجال وهذه الشخصية القيادية، لتُصبح سيدة الغناء العربي، ولتصنع هذا التراث الذي يملأ على الناس أسماعهم وقلوبهم فلا يترك فيها مكانًا لغيره، وإن مضى عليه نصف قرن، أو عشرة قرون!

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

موسيقاتنا وموسيقات إيران: أي تاريخ ومصير مشترك؟ (ميغازين).

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

فادي العبد الله

الحرب العالمية الثالثة وأسئلة العدالة في السينما (ميغازين).
الحرب العالمية الثالثة وأسئلة العدالة في السينما (ميغازين).

فيلم "الحرب العالمية الثالثة".. الواقعية بوصفها خيانة

لا يكتفي الفيلم الإيراني "الحرب العالمية الثالثة" بإدانة السلطة، بل يضع السينما ذاتها في قفص الاتهام عبر سؤال: من يستفيد من تحويل المأساة إلى صورة؟

محمد العربي

المسلسل المصري "ظلم المصطبة" (ميغازين)

المرأة تحت حكم "ظلم المصطبة".. هل تملك النساء حرية الاختيار؟

من قاسم أمين إلى درية شفيق، ومن هدى شعراوي إلى دراما ظلم المصطبة، تستمر معركة المرأة العربية من أجل أبسط حقوقها: الاختيار

ممدوح النابي

لام شمسية

لام شمسية.. البيدوفيليا التي نراها ولا ننطقها

يطرقُ المسلسل موضوعًا مسكوتًا عنه في الثقافة المصرية، يتوارى خلف نسق العادات والتقاليد والخوف من مواجهة المجتمع

ممدوح النابي

تشارلي

شارلي تشابلن وباستر كيتون.. أساتذة الصمت

كان شارلي تشابلن وباستر كيتون عبقريين في تحويل الصمت إلى أداة تعبيرية قويّة، وبينما جعلنا تشابلين نضحك ونبكي بفضل شخصياته العاطفية أبهرنا كيتون بحركاته الجسدية المدهشة

غطفان غنوم

المزيد من الكاتب

عبد الرحمن الطويل

كاتب وشاعر وباحث مصري

نجوم حول الكوكب.. فرقة أم كلثوم في وجدان السميعة

كان عازفو الست يفهمون عاداتها على المسرح ويقرؤون إشاراتها ورغباتها في الإعادة أو الانتقال، ويسدّون لحظات صمتها بالعزف ويسعفونها في أوقات الارتباك والنسيان

يوسف عيد.. نجم الظل الذي أعاد تعريف البطولة

لم يكن يوسف عيد من نجوم الصف الأول، لكنه فرض على المشاهد حضورًا عميقًا جعله يحفظ اسمه ولا ينساه بانتهاء مشهده في الفيلم، وربما لا يذكر من الفيلم إلا مشهده

دولة التلاوة.. قوة الإسلام الناعمة

لم يبدأ تاريخ فن تلاوة القرآن مع بداية حقبة الإذاعات، ويكاد أن يكون عمره من عمر الإسلام

تسعة عشر عامًا من الزمن.. غزة تحت الإدارة المصرية

يستعرض النص أبرز المحطات التاريخية بارزة للعلاقات المصرية الفلسطينية في ظل الإدارة المصرية لقطاع غزة، التي بدأت بعد نكبة 1948، واستمرت حتى نكسة 1967

مدينة لا تهدأ: كيف أعاد الهدم تشكيل صورة القاهرة؟

تعرّضت القاهرة لعمليات هدم وبناء متكررة، لأسباب سياسية أو اقتصادية وشخصية أحيانًا، ساهمت في تشكيل ملامحها الحالية

فريد الأطرش.. خمسون عامًا على رحلة الطرب والألم

يُستعاد فريد الأطرش في الذكرى الـ50 لوفاته بوصفه أحد أهم أركان الغناء الطربي مطربًا وملحنًا لم يفرط في عروبة ألحانه وأصالتها