لم تكن سيارة باتمان في فيلم "دارك نايت"، من وحي الخيال المجرّد، فقد صُمّمت بأسس علمية تقريبية في التكنولوجيا العسكرية والهندسة، وكذلك تطلبت أفلام المخرج أفلام كريستوفر نولان، فهمًا عميقًا للفيزياء والقوانين العلمية، فمرّة تتقاطع أعماله مع الظواهر الكونية ونظريات السفر في الزمن عبر الثقوب الدودية، محتفظًا بمبادئ الفيزياء المتّفق عليها، وفي مرّات أخرى يعبث المخرج بقوانين الجاذبية ويكسر قوانين الفيزياء لخلق تجربة سينمائية فريدة.
لطالما شغلت الفيزياء في أفلام كريستوفر نولان مساحة كبيرة؛ فالمخرج المولود في لندن في سبعينيات القرن الماضي، تأثر إبّان نشأته بأفلام تلك الحقبة مثل حرب النجوم عام 1977 لجورج لوكاس، وبرامج تلفزيونية عن العلم والفيزياء والمجرّات مثل برنامج الكون مع كارل ساغان، وكانت هذه الأفلام والبرامج تُصوّر الخيال العلمي، وكانت الأفكار المبثوثة قد تركت أثرًا داخل نفسه وعلقت في ذهنه وألهمته فيما بعد طوال مسيرته السينمائية في صناعة الأفلام، وكان أن طبّق كثيرًا من هذه الأفكار والنظريات في أفلامه، فقد أظهرت له: "الإمكانيات الدرامية الضخمة التي توفرها الفيزياء، وأن النظر إلى الكون من منظور علمي يمكن أن يكون مثيرًا للغاية".
PRESTIGE الفيزياء عالم من السحر
في فيلمه "Prestige"، يحكي نولان قصّة ساحرين يتنافسان على تقديم أفضل الحيل السحرية، ويبرز كيفية استخدام الشخصيات للمعرفة العلمية، لتحقيق الخدع التي تبدو غير قابلة للتحقيق، وهنا سيبرز اهتمام نولان بالعلم والفيزياء من خلال الفروق الدقيقة بين الحقيقة والوهم كما في حيلة "الاختفاء التام" التي تجمع بين الإثارة الفكرية والتشويق البصري والغموض والتكنولوجيا، وكما نجد ارتباطًا وثيقًا بين السحر والفيزياء من خلال فكرة "الخدع المستحيلة" التي تتطلّب فهمًا عميقًا للقوانين العلمية، وخاصة الفيزياء.
يعكس فيلم "Prestige" العلاقة بين السحر والفيزياء من خلال تقديم السحر كشيءٍ يعتمد على المبادئ الفيزيائية مثل الجاذبية، الحركة، والتكنولوجيا، السفر عبر الزمن، السرعة وتأثيراتها على المادة، ويطرح الفيلم أسئلةً عميقةً حول حدود العلم والعقل، حيث يظهر أن الخداع الذي يبدو غير ممكن عام 1920، يُمكن تحقيقه باستخدام أدوات علمية متقدمة في المستقبل، مما يجعل الفكرة الفيزيائية عن "المستحيل" قابلة للتحقيق بفضل الفهم الدقيق للفيزياء.
INTERSTELLAR فضول لاكتشاف وبناء العالم
في فيلمه "Interstellar"، تعاون نولان مع الفيزيائي الشهير والحائز على جائزة نوبل كيب ثورن، لجعل القصّة تستند إلى أسس علمية واقعية، إذ يقول نولان هنا: "طلبت من كيب ثورن قراءة النصّ، وقد ساعدني في بعض المفاهيم، على الرغم من أننا لن ندّعي أن هذا العمل دقيق علميًا"، وأشار نولان في ملاحظات الفيلم الصحفية "لكن الفيلم اعتمد بشكل تقريبي على العلم".
يحكي الفيلم قصّة مهمّةٍ يائسةٍ وأخيرةٍ، يقودها رائد فضاء للسّفر عبر ثقب دودي غامض ظهر بالقرب من كوكب زُحل، وذلك للبحث عن كوكبٍ يشبه الأرض في مجرة أخرى، حيث يمكن للبشرية الهروب من كارثة بيئية مدمرة ستجعل كوكبنا غير صالح للحياة، ويتناول الفيلم مواضيع مثل استكشاف الفضاء، نسبية الزمن، الفيزياء الكمية، الثقوب السوداء، الثقوب الدودية، السفر عبر الزمن، تمدد الزمن بفعل الجاذبية، قوة الحب كعامل يتجاوز الأبعاد الفيزيائية، التضحية والسعي الدائم للبشرية للبقاء والنجاة عبر العلم والمعرفة. كلها عناصر في القصة المعقدة التي كتبها كريستوفر نولان وشقيقه جوناثان، كما واستندت الحبكة إلى أسس علمية تقريبية وفرها ثورن، الذي كان مستشارًا ومنتجًا تنفيذيًا للفيلم.
جزءٌ جوهريٌّ من حبكة الفيلم تتمثّل في الحقيقة الحتمية بأن على البشر إيجاد بديل عن كوكب الأرض من أجل البقاء. ثورن هو مؤلف كتاب "الثقوب السوداء وانحناءات الزمن"، وأحد أبرز الخبراء في نظرية النسبية وإرث أينشتاين، ويعتبر ثورن أن المحفّز للبشر كان دائمًا الفضول في اكتشاف الكوكب الذي نعيش فيه واكتشاف ما حوله ومحاولة فهم مكاننا في هذا العالم.
تظهر أفكار ثورن بشكلٍ بارزٍ في مرفق توثيقي للفيلم مدته 50 دقيقة، يتمحور حول العلوم التي يستند إليها الفيلم، ويغطي هذا الوثائقي، الذي يرويه الممثل ماثيو ماكونهي، المفاهيم العلمية وراء الحكاية، إضافةً إلى تصوير ظواهر مثل الثقوب الدودية والثقوب السوداء العملاقة، إلى جانب تساؤلات أعمق حول ما يجب علينا فعله للبقاء كنوع بشري، وما إذا كان بإمكاننا السفر إلى عوالم أخرى، وربّما حتى السفر عبر الزمن.
عند سؤاله عن الخطوات اللازمة لجعل رحلة "Interstellar" تتحقق فعليًا، قال ثورن: "أول ما يجب أن يحدث هو إعادة الالتزام بمستقبل الجنس البشري في الفضاء. إعادة الالتزام بتجاوز الأرض ونقل المستعمرات البشرية إلى المريخ وأقمار المشتري وزحل. أعتقد أن الالتزام هو العنصر الذي كان مفقودًا".
بدوره يشير نولان إلى أن: "إحدى مُتع كوني كاتب سيناريو، هي أن كلّ علم يمنحني عالمًا مختلفًا أحاول استكشافه ثم بناءه. هذا المشروع تقاطع مع اهتماماتي الشخصية على مدار السنوات، وكانت فرصة للانغماس حقًا في العلم والأفكار، ومحاولة استيعابها وفهم مدى اتساع وغرابة وجمال الكون، تجربة غيّرت حياتي بالكامل، لا سيما في الطريقة التي أرى بها مكاننا في التاريخ والكون".
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الفيلم لم يأت بأفكارٍ من العدم؛ بل استند إلى حسابات علمية وضعها كيب ثورن وغيره من العلماء، مما يجعلها أقرب إلى الفيزياء النظرية منها إلى الخيال المحض؛ فالفيلم يمزج بين المفاهيم العلمية الراسخة، مثل تمدّد الزمن بفعل الجاذبية، وبين النظريات غير المثبتة بعد، مثل الثقوب الدودية والسفر عبر الأبعاد، لكنه يحاول الحفاظ على تماسك علمي داخلي في سرده، بحيث تبقى كل الظواهر قائمة على مبادئ الفيزياء المتفق عليها، حتى لو لم تكن كلها مثبتة بالملاحظة والتجربة.
OPPENHEIMER: بين الإحساس والرسالة
أما في فيلم "oppenheimer"، فيُدلي نولان بالقول: "نحن ننظر إلى العلماء الذين كانوا يعملون في عشرينيات القرن العشرين، والذين كانوا يعيدون تقييم نسيج عالمنا، ويصورونه بمفاهيم ثورية تمامًا في ذلك الوقت". ويضيف "العلم في تلك اللحظة كان من أكثر الأفكار الثورية، ويكاد يكون أشبه بالسحر، فالعلماء في ذلك التاريخ كانوا يصورون العالم بطرق لا يستطيع أحد غيرهم فهمها".
لا يصنع نولان أفلامًا وثائقية، ولا يدعو مناصرة قضايا معينة، فالسينما بالنسبة لنولان لا تعمل بشكل جيد عندما تكون تعليمية أو توجيهية، وعندما تخبر الناس بما يجب أن يفكروا فيه. برأيه، فإن الجمهور يقاوم ذلك بشكل طبيعي، ويتابع نولان عرضه: "كان أوبنهايمر يتأمل اكتشافات ألبرت أينشتاين وينظر إلى المادة الجامدة التي تحيط بنا، وكان يرى الطاقة في شكل موجات، وهو، برأيي، شيء يمكن للجمهور أن يتفاعل معه بسهولة من حيث النوع السينمائي"، مردفًا "ليس عليهم أن يفهموه تمامًا، بل يكفي أن يشعروا بهذا الحماس الثوري، وكأنهم يشاهدون ساحرًا أو مشعوذًا أو ما شابه، وهو ما كان أوبنهايمر يشعر به في ذلك الوقت".
هذا المزج بين العلم وسرد القصص يميز أعمال نولان، ويسمح للجمهور بالتفاعل مع مفاهيم معقدة بطريقة مشوقة ومثيرة. كانت هذه نقطة الجاذبية في القصة، وهو تعقيدها والأسئلة الصعبة التي تطرحها، لذلك، لم يكن لدى نولان "نية لإيصال رسالة محددة"، ويعلق على مسألة العلاقة بين الإحساس والرسالة: "أعتقد أنه عندما نكون محددين للغاية بشأن رسالة معينة، أو عندما نشعر بأن لدينا إجابات لهذه الأسئلة العلمية الصعبة، فهذا ليس ما تقوم عليه الدراما"، ويعتقد أن "السينما تزدهر بالغموض والتعقيد"، ويحدد رغبته في أن "ينظر الجمهور إلى قصة الفيلم كاختبار رورشاخ الإسقاطي في علم النفس، كشيء يمكن للناس أن يفسروه بطريقتهم الخاصة".
الإحساس يطال أيضًا طروحات نولان المفعمة بالحساسية في أفلامه، ففي "oppenheimer" يأخذنا في رحلة إلى أعماق عقل ونفسية رجل عبقري، أب القنبلة الذرية، حيث نرى الصراع الذي يعيشه أوبنهايمر بين طموحه العلمي وبين الندم الذي يلاحقه جراء العواقب الكارثية لاختراعاته، بينما يعكس العمل العبقري لأوبنهايمر في تطوير القنبلة الذرية ذروة التقدم العلمي، يكشف لنا أيضًا عن الجوانب الإنسانية والأخلاقية التي ترافق قوة العلم، وتحوّله إلى سلاح تدميري، ما يضع العالم أمام تساؤلات كبيرة حول مدى مسؤولية العلماء في استخدام اكتشافاتهم.
مع تقدّم القصة، يظهر الصراع الداخلي الذي عاشه أوبنهايمر بين شعوره بالإنجاز العلمي، وبين عبء المسؤولية الذي دفعه للعيش في ظلّ ضمير مثقل، وهنا نكتشف كيف أن نولان يُدمج على الدوام بين العلم والفيزياء وبين ثيمات إنسانية مثل الحب والأخلاق والطموح وغيرها.
TENET: كسر القوانين الفيزيائية
في أفلام أخرى مثل "تينيت"، يتم استخدام تحريف أو كسر القوانين الفيزيائية، مثل الزمن والإنتروبيا، لخلق تجربةٍ سينمائيةٍ فريدةٍ، حتى وإن كانت تتحدّى قوانين الفيزياء في العالم الحقيقي، إذ يطرح الفيلم تساؤلاتٍ حول إمكانية عكس إنتروبيا الفوضى في جسم ما - أو إنسان - لتمكينه من التحرك بشكلٍ عكسي عبر الزمن، هنا، يقول نولان: "مع تينيت، أعتقد أنني انتقلت إلى نهجٍ يعتمد على الخيال العلمي أكثر بكثير مقارنة ببقية أعمالي"، ويضيف: "ساعدني كيب ثورن مرّة أخرى في فيلم "تينيت"، من حيث ما كان يجب أن يرتبط بقوانين الفيزياء".
قرّر نولان في هذا الفيلم التخلّي عن بعض العناصر العلمية، مفضلًا التركيز على جوانب إبداعية تخدم السرد والرؤية الفنية. هذا الخيار سمح بنهج أكثر خيالًا، حيث تم تجاوز الالتزام الصارم بقوانين المنطق العلمية من أجل تعزيز القصة، وإثارة المشاعر، أو استكشاف أفكار معقدة مبتكرة.
استغل نولان مبدأ الإنتروبيا، في سياق الفيزياء، وهي مقياس لمستوى الترتيب/النظام أو مستوى الفوضى/ العشوائية في نظام معين، إذ تميل الإنتروبيا -تميل دائمًا- إلى الزيادة مع مرور الوقت، مما يعني أن الأنظمة تميل بطبيعتها إلى التحوّل من النظام إلى الفوضى. هناك قانون أساسي في الفيزياء يخبرنا بأن الإنتروبيا دائمًا في تزايد مستمرّ، بشكلٍ عام، تصبح الأشياء أكثر فأكثر فوضوية، ولهذا السبب نكبر في السن، وتصبح أجسامنا ببطء أكثر فأكثر فوضوية. لهذا السبب أيضًا يكون من الأسهل بكثير تدمير شيء أكثر من بنائه. قام نولان بعكس المبدأ طارحًا أن الانتقال عبر الزمن يمكن أن يحصل فيما لو عكسنا مبدأ الإنتروبيا في الأجسام
لتوضح الصورة أكثر، أنتروبيا جسم ما تصف عادةً مدى الفوضى في الحالة الداخلية للأجسام. ببساطة، يمكن اعتبار الإنتروبيا كمقياس لتوزيع الطاقة داخل النظام. كلما زادت الطرق التي يُمكن بها ترتيب مكونات النظام دون تغيير خصائصه العامة، زادت الإنتروبيا. على سبيل المثال:
- إنتروبيا منخفضة: النظام الذي يتمتع بدرجة عالية من الترتيب، مثل كومة من الكتب مرتبة بعناية، يكون له إنتروبيا منخفضة.
- إنتروبيا عالية: النظام الذي يتمتع بدرجة كبيرة من الفوضى، مثل الكتب المبعثرة عشوائيًا على الأرض، يكون له إنتروبيا عالية.
العبث بالإنتروبيا جعل مشهديات الفيلم مبهرة ومبتكرة، وفتح أفقًا كبيرًا للإبداع، حيث نجد أن الشخصيات وبعض العناصر تتحرّك إلى الخلف في الزمن، بينما تتحرك شخصيات وأجسام أخرى إلى الأمام.سيارات تتحرك إلى الأمام، بينما تتحرّك الأخرى إلى الخلف، الأسلحة تلتقط قبل أن تسقط، المباني تنهار ثم يعاد بناؤها، هجومٌ عسكري من الحاضر إلى المستقبل، وهجوم عسكري من الحاضر إلى الماضي، مع كل ما يستتبع ذلك من مشهديات بصرية خلابة؛ فالزمن كما يطرحه نولان في فيلمه، ليس مجرد اتجاه واحد، بل يمكن الانعكاس فيه وكأننا نسبح في نهر باتجاه مختلف.
عشرات الأمثلة والمشهديات يمكن أن يحكي عنها في الفيلم، ويمكن أن نستفيض في شرحها، لكن نولان لا يستخدمها كأدوات علمية باردة؛ بل كوسائل لفهم التجربة الإنسانية بشكل أعمق؛ فالفيلم يحمل في طيّاته أبعادًا إنسانية عن الإرادة الحرّة، المصير، والتضحية، وكل هذه الأفكار ترتبط بالفيزياء بطرق معقدة.
الفيزياء كنافذة لفهم الإنسان في سينما نولان
حتى في فيلميه "The Dark Knight" و"Inception"، يُمكن الاستدلال إلى الفيزياء، على درجة أعلى في "Inception" وأقل في "The Dark Knight"؛ ففي المشاهد التي تحدث داخل عقل البطل ليوناردو ديكابرويو، يتأثّر تدفق الوقت داخل الأحلام حيث يمر بشكلٍ أبطأ في الطبقات المختلفة العميقة للحلم. يستخدم نولان الفيزياء في فيلم "إنسبشن" كمصدر للإلهام وليس كأساس علميٍّ صارم، ومع التشديد على الأهداف الإنسانية لهذه الاستخدامات بما يتعلق بالذاكرة والندم والخلاص والصراعات النفسية للبطل.
نولان هنا يوظّف فكرة تمدّد الزمن داخل الأحلام لتجسيد كيف يمكن للإنسان أن يعيش في سجن من الذكريات، وكما أن المشاعر الإنسانية مثل الحنين والأسى يمكن أن تجعل الوقت يبدو أطول أو أقصر حسب التجربة الشخصية! وبهذا جعل نولان من الفيزياء أداةً لاستكشاف قضايا إنسانية كالإدراك والحب والبحث عن الحقيقة.
وأما بطل "The Dark Knight"، فكانت ميزته أنه يعتمد على التكنولوجيا والمهارات وليس على قوى خارقة للطبيعة؛ فكانت تصميمات الانفجارات وتصميمات السيارة والدراجة النارية الخاصة بباتمان ليست من وحي الخيال المجرّد، بل لها أساس علمي تقريبي في التكنولوجيا العسكرية والهندسة، كذلك فالصراع بين باتمان والجوكر في صميمه صراع بين النظام والفوضى؛ فالجوكر هو تجسيد حيٌّ للإنتروبيا، فهو لا يريد السيطرة؛ بل يريد نشر الفوضى وإثبات أن الفوضى هي الحالة الحتمية والطبيعية للعالم، في مقابل أن باتمان يُحاول تقليل الفوضى وفرض النظام.