شكلت مشاهدة "كابتن ماجد" أو "هزيم الرعد" أو "بيبيرو" وحتى "سالي" متعة لأجيال من الأطفال في الجزائر مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات عندما كنا نجتمع في الساعة الخامسة مساء أمام الشاشة الصغيرة لمتابعة برنامج الرسوم المتحركة الوحيد الذي كان يُبث وقتها على التلفزيون الجزائري الحكومي، والذي كان بثه ينطلق بعد منتصف النهار.
ومع اندلاع حرب الخليج الثانية عام 1990، رفع التلفزيون الجزائري عدد ساعات بثه لمتابعة التطورات الجارية في الكويت والعراق، فأصبحت تبدأ في السادسة صباحًا، وأضاف إليها برنامجًا موجَّهًا للأطفال تَمثل في كرتون "مغامرات تان تان"، وهو ما مثل خدمة جليلة لهذا الجيل من الصغار حينها، خاصة وأنه كان يُبث قبل توجهم إلى المدرسة.
ولعل هذه الحالة الجزائرية تنطبق على كثير من الأطفال العرب خلال هذه الحقبة، بل ربما تنطبق على أطفال مختلف دول العالم.
غير أن هذا التلهف لمتابعة مسلسل أو فيلم كرتوني على شاشة التلفزيون لم يعد يُشكل متعة يومية لأطفال اليوم، وبالخصوص في مجتمعاتنا العربية، مقارنة بالأجيال السابقة حتى جيل "Z"، بحسب شهادات كثير من الآباء، هذا بالرغم من تحقُّق رفاهية تُوفر قنوات متخصصة في بث الرسوم المتحركة على مدار ساعات اليوم، وهو ما كان حلمًا بعيد المنال سابقًا، فهل يعكس هذا الوضع تراجعًا في متابعة هذا المنتج السمعي البصري؟
هل نحن أمام انخفاض في معدلات المتابعة؟
ينتظر كثير من أبناء القرن الماضي الذين ما يزالون مولَعين بمشاهدة الرسوم المتحركة، صدورَ نُسخ جديدة من كرتونهم المفضل سواء كان "كونان" أو "كابتن ماجد" أو "غوغو" أو غيرها من الإنمي التي ظلت إلى اليوم محفورة في أذهانهم، وخاصةً حالَ صدورها بنسخة عربية وبثها على شاشات التلفزيون، وهو الولع الذي يؤكد كثير من الآباء في المنطقة العربية أنه لم يعد موجودًا عند أطفالهم، رغم توفر قنوات متخصصة تبث الرسوم المتحركة طيلة ساعات اليوم.
ولا ينطبق هذا الواقع على المنطقة العربية فقط، بالنظر إلى أن عدد مشاهدي القنوات التلفزيونية المتخصصة في بث أفلام الكرتون قد شهد تراجُعًا واضحًا على المستوى العالمي، مقابل محافظة القنوات الإخبارية التقليدية على قدر مقبول من جمهورها.
تشير إحصائية نُشرت عام 2023 على موقع "رديت" الاجتماعي أن قنوات الكرتون في الولايات المتحدة تراجع عدد مشاهديها بشكل لافت في السنوات العشر الأخيرة، فخلال الفترة الممتدة من 2012 إلى 2014 ، كانت قناة "نيكلوديون" تحقق متوسط مشاهدة يتراوح بين 1.4 مليون ومليوني مشاهدة يوميًّا، وقناة ديزني تحظى بمعدل يتراوح بين 1.2 إلى 1.9 مليون مشاهدة يوميًّا، فيما كان عدد مشاهدي كرتون نتورك يُقدّر بما بين 800 ألف و1.2 مليون مشاهدة.
غير أن هذه النسب هوت في 2023 حتى 150 ألف إلى 200 ألف مشاهدة يوميًّا بالنسبة لقناة "نيكلوديون"، وما بين 100 ألف و120 ألف مشاهدة يوميًّا بالنسبة لـ"ديزني"، فيما لم يزد عدد مشاهدي قناة "كرتون نتورك" عن 100 ألف مشاهدة يوميًّا.
وجاء في المقال ذاته أن هذا التغير في عدد المشاهدين لا ينطبق على القنوات الإخبارية، فـ"فوكس نيوز" كانت تحظى بما بين 900 ألف و1.3 مليون مشاهدة عام 2013، لكنها الآن تحصد ما بين مليون و1.5 مليون مشاهدة.
وحافظت قناة "سي إن إن" على عدد مشاهديها اليوميين ما بين 300 ألف و600 ألف مشاهدة من عام 2013 حتى 2023، فيما كان يتابع قناة "إم إن بي سي" ما بين 300 ألف و500 ألف عام 2013، وارتفع العدد إلى ما بين 900 ألف و1.3 مليون في 2023.
وفي فرنسا، أصبح ملف متابعة الأطفال للبرامج الموجهة إليهم، وفي مقدمتها الرسوم المتحركة عبر القنوات المحلية، الشغلَ الشاغلَ لصناع التلفزيون، حيث أظهرت الإحصاءات أن الوقت الذي يقضيه الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 أعوام و14 عامًا لمشاهدة هذه البرامج انخفض من ساعة و39 دقيقة يوميًّا عام 2018 إلى 58 دقيقة في 2023.
وفي المنطقة العربية، ورغم عدم توافر إحصاءات ودراسات حول عدد مشاهدي الرسوم المتحركة في الوقت الراهن، فإنه يمكن البناء على ذلك من خلال واقع الإنتاج الموجه للأطفال، والذي هوى حسب بعض التقارير، ففي مصر التي ظلت لسنوات قطبًا في هذا المجال تراجعت نسبة صناعة الرسوم المتحركة بشكل لافت في السنوات الأخيرة، وهي التي كانت تنتج هذه البرامج الموجهة للأطفال محليًّا حتى بداية الألفية الجديدة.
ونقل موقع "بي بي سي عربي" خلال شهر نيسان/أبريل المنصرم شهادات لأولياء أمور أكدوا أن الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، أصبحت الأداة الأساسية التي يعتمد عليها أبناؤهم في مشاهدة محتواهم المفضل، بدلًا من مشاهدة أفلام الكرتون التقليدية على التلفزيون، مضيفين أن الأطفال أصبحوا يفضلون الألعاب التفاعلية أو الفيديوهات القصيرة على منصات مثل يوتيوب و"نتفليكس" بدلًا من متابعة برامج كرتونية قديمة.
ونقلت "بي بي سي" عن أستاذة علم الاجتماع الدكتورة أمل رضوان قولها إن "أطفال الجيل الحالي يعتبرون أفلام الكرتون نشاطًا سلبيًّا غير تفاعلي. ولأن التقدم التكنولوجي جعلهم يهرولون وراء ما هو أكثر جاذبيةً وإثارة وتشويقًا، فإنهم يبحثون عن المحتوى السريع والتفاعلي، مثل الألعاب الإلكترونية، ويقضون أوقات فراغهم فيه".
ولا يخص هذا القلق الإنتاجي مصر فقط التي تراجع حضورها في سوق الرسوم المتحركة العربية، بل إن الحالة مست أيضًا ولاية كاليفورنيا الأمريكية التي ارتبطت في أذهاننا وفي عقول كثير من أطفال العالم بإبداعات شركة ديزني، على الرغم من بقائها قطبًا عالميًّا متخصصًا في هذا المجال.
وجاء في تقرير حديث لنقابة الرسوم المتحركة بكاليفورنيا، أن حصة أرباح الولاية الأمريكية من أفلام الرسوم المتحركة انخفضت من مكاسب تتراوح بين 40% و67% عام 2010 إلى 27% فقط سنة 2023.
وأثر هذا الانخفاض أيضا على العمالة في مجال الرسوم المتحركة في كاليفورنيا التي تراجعت بنحو 5% بين عامي 2019 و2024، وجعل النقابة تنظم إضرابات في بعض المرات.
وعند النظر إلى هذه الأرقام بنظرة شاملة يُفهم منها بأنها تعكس تراجُعًا في عدد مشاهدي الرسوم المتحركة المنتَجة في كاليفورنيا، نظرًا لارتباط حجم الإنتاج مباشرة بمعدل الطلب.
تراجع أم نمو متسارع؟
بالرغم من الانطباعات الشخصية التي يُكونها الكبار تجاه الجيل الجديد من الأطفال وعلاقتهم بالرسوم المتحركة، وخاصةً المعروضة على شاشات التلفزيون، فإن كثيرًا من المؤشرات الاقتصادية الخاصة بهذا القطاع تُبيّن أن هذا الانطباع لا يعكس الواقع في عديد من جوانبه ، بالنظر إلى أن سوق الرسوم المتحركة ظل يشهد نموًّا متواصلًا في العالم حتى وإن مر بانتكاسات في مناطق شكلت لسنوات قاعدة للإنتاج ككاليفورنيا وفرنسا، ومصر في المنطقة العربية.
وعند النظر إلى الإحصاءات المتعلقة بسوق الكرتون في العالم دون التدقيق في التفاصيل الجغرافية، فإن أي حديث عن تراجع الاهتمام بالرسوم المتحركة يصبح كلامًا غير قابل للتصديق، لأن الأرقام تشير إلى أن سوق الرسوم المتحركة شهدت نموًا من 250 مليار دولار في عام 2018 إلى 372.4 مليار دولار عام 2021، مما يعكس التوسع الكبير جرّاء الطلب المتزايد على هذه السلع الترفيهية التي أصبحت مع مرور السنوات تخضع فقط للمنطق التجاري حتى وإن حملت في طياتها جوانب تثقيفية وتعليمية أحيانًا.
ويُسجَّل هذا النمو أيضا في أمريكا الشمالية في كل من كندا والولايات المتحدة، حتى وإن لم يكن الوضع على ما يرام في كاليفورنيا، حيث بلغ حجم سوق الرسوم المتحركة بهذه المنطقة التي تعد من أكبر أسواق الكرتون على مستوى العالم 23.22 مليار دولار في عام 2023، ويرجح نموه إلى 36.73 مليار دولار بحلول عام 2031، مع معدل نمو سنوي يرجح أن يكون بنسبة 5.90٪ من عام 2024 إلى عام 2031.
وفي اليابان أكبر بلد منتج للإنمي، وصل حجم سوق الرسوم المتحركة في 2023 إلى حوالي 21 مليار دولار، مدعومًا بزيادة المبيعات في الأسواق الخارجية بينها المنطقة العربية.
وأفادت جمعية الرسوم المتحركة اليابانية في تقريرها السنوي بأن إيرادات القطاع لعام 2023 بلغت حوالي 3.3 تريليون ين، بزيادة تقدر بحوالي 14% عن الرقم القياسي الذي تحقق في 2022، حيث كان العام الأول الذي يتجاوز فيه السوق حاجز 3 تريليون ين.
وفي الهند التي بدأت تتحول هي الأخرى إلى مركز لتجارة الرسوم المتحركة، تتوقع تقارير بأن يصل حجم سوق الكرتون بها إلى 24.48 مليار دولار في 2032، مقارنةً بـ 1.89 مليار دولار في 2024، بمعدل نمو سنوي قدره 37.76% خلال الفترة المتوقعة بين 2025 و 2032، وذلك بفضل ازدياد استخدام الإنترنت والثورة التكنولوجية في قطاع الاتصالات في البلاد.
ويتطابق النمو السريع لقطع الانمي في مختلف الدول مع توقعاتٍ لمختصّين بتضاعف قيمة سوق الرسوم المتحركة العالمية من 413 مليار دولار في 2024 إلى 898 مليار دولار في 2034.
وحسب شركة "بريسيدنس ريسيرش"، فإن حجم سوق الرسوم المتحركة العالمية قُدّر بـ 436.24 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن ينمو بمعدل سنوي قدره 7.46% بين عامي 2025 و2034.
وقدّرت الشركة ذاتها قيمة سوق الرسوم المتحركة بـ 462.32 مليار دولار خلال العام الجاري 2025، متوقعة أن ترتفع من 492.14 مليار دولار في عام 2026 إلى 895.71 مليار دولار بحلول عام 2034.
سوق جديدة ومتغيرات جديدة
يعزو المختصّون هذا النمو المتسارع لسوق الرسوم المتحركة، في ظل تراجع متابعتها عند الأطفال وعلى شاشات التلفزيون، إلى تغير الجوانب المتحكمة في صناعة أفلام الكرتون اليوم جرّاء التغيرات الاقتصادية والسوسيولوجية التي أحدثها التطور الكبير في مجال التكنولوجيا، والذي تجسد في النمو الهائل للبث الرقمي، والألعاب الإلكترونية، واعتماد التعليم الإلكتروني.
ويخص هذا التغير أيضا ظهور لاعبين جدد في صناعة الرسوم المتحركة، فعلى سبيل المثال تشهد منطقة آسيا والمحيط الهادئ نموًّا ملحوظًا مؤخرًا في هذا القطاع في مجالات الترفيه والإعلان والألعاب والتعليم، فإضافة إلى اليابان التي سيطرت على هذا المجال وما تزال، أصبحت الصين والهند وكوريا الجنوبية وأستراليا اليوم ضمن طليعة منتجي محتوى الرسوم المتحركة وتطبيقات الاستمتاع به، بفضل الطلب المتزايد على الإنمي والتطورات التكنولوجية التي وصلت إليها هذه الدول، إضافة إلى امتلاكها العديد من الاستوديوهات المتميزة، والفنانين المهرة، والمبدعين في هذا المجال.
ويتمثل التحول الجذري في صناعة الرسوم المتحركة بالأساس في التقنيات الحديثة التي ساعدت في إضفاء طابع ديمقراطي على الإنتاج، مما سمح لفرق عمل مستقلة وصغيرة بإنتاج محتوى جذاب ينافس الاستوديوهات التقليدية من حيث الجودة.
وساعدت منصات التوزيع المباشر للمستهلك، مثل يوتيوب وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي على تغيير معادلة صناعة الكرتون، لكونها تتجاوز نظام الرقابة التقليدي المطبق في هوليوود أو اليابان على سبيل المثال.
وأصبح الجيل الجديد يفضل متابعة الإنمي على المنصات المعروفة، حيث تأتي في مقدمتها "كرانشي رول" و"نتفليكس" و"هيديف"، ما يعني تغير الوسيلة التي يشاهد بها الجمهور الرسوم المتحركة، والذي يتأكد بازدهار سوق الإنمي في مجال البث على الانترنت.
وووفقًا لبيانات "Ampere Consumer"، فقد ارتفعت نسبة المشاهدين الذين يستمتعون بمشاهدة الإنمي من 24% في الربع الأول من عام 2018 إلى 36% في الفترة نفسها من عام 2021.
وساعدت التكنولوجيا أيضًا على تسهيل إنتاج الرسوم المتحركة، حيث يبلغ حجم مواد الإنمي المُولّدة بالحاسوب حوالي 85% من إجمالي الرسوم المتحركة المنتجة في عام 2022، وهو ما يترجم تحولًا كبيرًا في مجال صناعة الرسوم المتحركة بالانتقال من الطرق التقليدية المتعارف عليها إلى أساليب الإنتاج الرقمية.
وفي هذا الإطار، أسهم استخدام تقنية ثلاثية الأبعاد وبالخصوص في الألفية الجديدة في نزوع صناع الكرتون إلى الاعتماد على التكنولوجيا أكثر في صناعة هذه الخدمة الترفيهية، لذلك تتوقع بعض الدراسات أن تتجاوز سوق الرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد وحدها 50 مليار دولار هذا العام، بمعدل نمو سنوي قدره 11%، مستفيدة في ذلك من الخيارات المتعددة التي يوظفها الذكاء الاصطناعي في الفترة الأخيرة.
ولعل أهم عامل أسهم في الاعتقاد بتراجع الاهتمام بالرسوم المتحركة، هو تغير الجمهور، فحتى وإن قلّ هذا الاهتمام عند الجيل الجديد من الأطفال الذين يميلون إلى الألعاب والفيديوهات القصيرة، فإن مشاهدة البالغين للإنمي وعدم ارتباطها بالفئة العمرية الصغيرة كما كان سابقًا أمر متزايد وفق عديد من التقارير.
وتظهر الأرقام أن الرسوم المتحركة أسهمت بـ 25% في صناعة ألعاب الفيديو عام 2022، مما يعني أن الأطفال الجدد لا يميلون إلى النوع التقليدي من الكرتون، إنما إلى نوع آخر من الإنمي الذي يتجسد في ألعاب الفيديو، خاصة وأن هذه الأخيرة تحمل في تفاصيلها عدة جوانب من الرهانات والتحديات التي لا تسمح للمتلقي بالتخلي عنها والتفكير في منتج استهلاكي آخر.
لكن الوضع يختلف عند الفئات العمرية الأخرى، حيث أظهر استطلاع رأي أُجري في الولايات المتحدة في كانون ثانٍ/يناير 2020 حول أفلام الأنمي بين الفئات العمرية، أن 27% من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا أعربوا عن انطباع إيجابي للغاية بشأن الرسوم المتحركة، فيما يشاهد ما يقرب من 90% من الشباب اليابانيين الرسوم المتحركة المحلية.
أما في المنطقة العربية، وفي غياب استطلاعات رأي تظهر الواقع الحقيقي لعلاقة شعوبها بالرسوم المتحركة سواء كانوا أطفالًا أم بالغين أم حتى كهولًا وشيوخًا، يظل إصدار أي حكم بشأن معدل مشاهدة الكرتون غير موضوعي، وهو ما يُصعب في الوقت ذاته اتخاذ الطرق والإجراءات اللازمة لتحديد نوعية الرسوم المتحركة الموجهة للاستهلاك والمدة الزمنية المسموح بها لكل فئة عمرية.