في مساء بارد طبقًا لهيئة الأرصاد، مشتعلٍ متقدٍ ككل ليالي القاهرة، تحديدًا في الـ 19 تشرين الثاني/وفمبر 2010، وفور انتهاء العرض الأول لفيلم "بلبل حيران"، من تأليف خالد دياب وإخراج خالد مرعي، وبطولة أحمد حلمي وزينة، قرّر شاب في مقتبل العمر أن يخرج سريعًا من باب السينما، مهرولًا نحو ميدان التحرير، وصولًا إلى ميدان عبد المنعم رياض، ثم إلى شارع شامبليون، المعروف بشارع "الوِرَش"، ليكمل سهرته رفقة أصدقائه الجالسين على قهوة "الخن" العتيقة بوسط البلد، بعد أن وجدها فرصة مناسبة للعب دور الناصح السينمائي الأمين.
وبعد عدّة عشرات طاولة وعدة أطقم مختلفة من السحلب والنعناع والمعسل القص والسلوم وخلافه، قال لهم بصوت الواثق: "صحيح؛ ياريت تبقوا تتفرجوا على فيلم أحمد حلمي الجديد، من الآخر ومن غير حرق كتير، الفيلم جامد طحن"، ليرد عليه عم رجب، القهوجي المهتم بالسينما، وأفضل من صنع العنَّاب في دول العالم الثالث قائلًا: "ياااه، للدرجادي الفيلم حلو!".
قد يقول قائل: وما الغريب في هذا؟ حسنًا؛ الغريب أن نفس الشاب عام 2024، وفي ليلة أقل جمالًا واشتعالًا من الليلة سالفة الذكر، ليلة لا يقطع وحشتها إلا صوت منة شلبي القادم من فيلمها الجديد "الهوى سلطان"، قرّر الذهاب مسرعًا لأصدقائه من أرباع المثقّفين الجالسين على قهوة "الخن" بوسط البلد، ليلعب دور الناصح السينمائي الأمين، وبعد عدّة عشرات طاولة وعدة أطقم من السحلب والنعناع والمعسل القص وخلافه، قال لهم بصوت الواثق: "حد فيكم شاف فيلم منة شلبي الجديد، من الآخر، الفيلم جامد فشخ"، ليرد عليه عم رجب القهوجي العلَّامة: "ياااه، للدرجادي الفيلم حلو!".
وبين "جامد طحن"، و"جامد فشخ"، لا يزال قاموس الحياة المصرية يُدهشنا بالعديد من المصطلحات والتعبيرات البديعة التي تنتجها اللهجة المصرية، القاهرية منها تحديدًا، باستمرار وعلى مدار الساعة.
حالة مزمنة
أوّل من لفت نظري إلى حالة السيولة اللغوية التي يعيشها أهل مصر تلك، صديقة لبنانية كنت أتواصل معها بشكلٍ شبه يومي أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، وبما أنها من سكان الضاحية الجنوبية، فعادةً ما يبدأ الحديث من نقطة "إيه الاخبار؟" لينطلق بعدها إلى أيّة وجهة كانت، ساعات طويلة قضيناها في التحدّث عن أي وكل شيء، السينما وكرة القدم والطب والهندسة والفلك والدين والحقوق والحريات، ومع كثرة المباحث وكثرة الألفاظ والتعابير التي استخدمتها طبقًا لطبيعة كل موضوع، فاجأتني مرةً بقولها: "شو هيدا؟ عربي؟".
وعندما هززت رأسي بالإيجاب، قالت بلكنة مصرية جيدة للغاية: "غريبة، أصل يعني طبقًا لمعرفتي البسيطة، فالمصريين مكانوش بيتكلموا كدة زمان، بسم الله ماشاء الله، بلد حية أوي وفيها سيولة مش طبيعية في اللغة والألفاظ، بتقدروا تخترعوا كل يوم كلمتين تلاتة مختلفين، بينما هنا مثلًا بنستخدم نفس الألفاظ والتعبيرات من زمان أوي، يعني لو اتكلمت مع حد في عايش الخمسينات هتلاقي طريقة كلامه هي هي دلوقتي، مفيش أي اختلاف، لكن لما باجي اتفرج على فيلم ليوسف وهبي مثلًا، وبعدها اتكلم معاك، بلاقي ألفاظ ومصطلحات كتير اندثرت، وألفاظ ومصطلحات أكتر ظهرت مكانها".
وعند تلك النقطة هممت بمقاطعتها قائلًا: "على فكرة الموضوع مش مقتصر على لهجة الخمسينات بس، إحنا هنا بنغير أسلوبنا كل يومين تلاتة تقريبًا، يعني مصطلحات زي (الفيلم ده حلو طحن) لو جيت تقولها لحد دلوقتى، هتلاقيه بيقولك بتهكم: إيه يا ابني طحن دي، انت جاي من سنة كام؟رغم أنه الحقيقة أن الكلمة دي كانت "روشة فشخ" قبل 2010، وفي أقل من 10 سنين بس، تحولت "حلو طحن"، إلى "حلو فحت"، ثم لـ "جامد زوحليقة"، وفي النهاية إلى الكلمة الأخيرة "حلو/ جامد فشخ"، باعتبارها آخر مرحلة من مراحل الحب والتقدير، فبدلًا من نعت شيء ما بأنه "حلو أوي أوي أوي"، يُستخدم هذا التعبير الصادم والمختصر والذكي جدًا، لتوصيل المعنى بأقصر الطرق وأوضحها.
الغريب أن معظم المصطلحات "الحديثة"، والتي ظهرت في السنوات العشر الأخيرة تحديدًا، أي بعد انحسار الزخم الثوري، تتجه نحو وصف هذا الفعل بأشكّال عدة، وكأن الشباب الذي يـ/تعاني من عدم القدرة على الزواج بسبب تكاليفه، أو ممارسة أي نشاط جنسي بسبب تعاليم المجتمع، يـ/تحاول إبقاء التواصل مع هذا الفعل عن طريق لصقه بكافة المدلولات الأخرى، فأصبحت كل الألفاظ تقريبًا تحمل دلالات جنسية مبطنة، اختر أي جملة كانت وستجد ما أقول، حتى أنها أصبحت مادة كوميدية دائمة، وأبرز مثال على هذا هو المشهد الشهير في مسلسل "الرجل العناب"، من بطولة الثلاثي أحمد فهمي وهشام ماجد وشيكو، والذي يحيل إلى.. حسنًا، نفضل أن تشاهده أولًا قبل التعقيب عليه.
تلك الشخصية التي لعبها باقتدار الممثل المصري صلاح عبد الله في مسلسل "الرجل العناب"، كانت تتحدث عن حالة "ركوب" حرفي، بمعنى أن الشخصية الأساسية في المسلسل، ألا وهو "الرجل العناب"، كانت لديها قدرة خارقة على الطيران، وفي خضم الصراع بين "دكتور بيرم"، الشخصية التي صنعت من "الرجل العناب" أول سوبر هيرو مصري، وبين شخصية الإعلامي "صريح الفيل"، قرر الأخير أنه يريد الركوب على ظهر "الرجل العناب" للطيران به في أنحاء القاهرة بموجب عقد اتفاق بينه وبين "الدكتور بيرم"، ومن هنا تأتي الكوميديا، من التلاعب بالألفاظ، والتناقض بين المقصود فعلًا، وبين اللي جه في دماغك يا نمس.
مكونات تاريخية
ربما تكون عملية تكوين اللغة واحدة من أكثر العمليات إبداعًا في حضارتنا البشرية، فعند فحص اللغات عن قرب، ستدرك أنها تقنية تسجيل تاريخية رائعة، تتبع كيفية تفاعل البشر مع بعضهم البعض، فكل كلمة، حتى لو كانت مجهولة المصدر، لابدّ أنها جاءت من مكان ما، ولها أسلاف وأقارب مثل البشر تمامًا، حتى أن بعضها جاء من أراضٍ بعيدة، ثم وجدت نفسها مستقرة بين مجموعة معينة من الناس، ليولَّدُوا منها لغة جديدة، وعند النظر إلى اللهجة المصرية، ستواجه على الفور كمية هائلة من التاريخ المضمن فيها.
فمن الناحية الفنية، تبدو اللهجة المصرية وكأنها مزيج من اللغات التي دمجها الشارع المصري معًا لتكوين شيء مميز للغاية، مع الاحتفاظ بعناصر البناء النحوي للغة العربية، وأقدم تأثير هنا يأتي من اللغة القبطية التي لا تزال تحتفظ بروابط قويّة مع اللهجة المصرية المعاصرة، ليس في استخدام الكلمات نفسها ولكن في طريقة تكوين الجملة، على سبيل المثال، وضع أسماء الإشارة بعد الاسم، ولذلك مثلًا تتحول عبارة "هذا الرجل" في العربية الفصحى إلى "الراجل دا" في العامية المصرية، إضافة إلى التأثير الكبير للغة التركية، والتي كانت اللغة الرسمية للطبقة الحاكمة منذ بداية الاحتلال العثماني إلى ثورة الضباط الأحرار، ما أدى إلى تغلغل العديد من الكلمات التركية في لغة الشارع المصري، مثل كلمة "أوضة"، المشتقة من كلمة "oda"، والتي ليس لها أي علاقة بالكلمة العربية "غرفة"، وأيضًا العديد من ألقاب الاحترام مثل "باشا" أو "أفندم" المستخدمة كصيغة مخاطبة رسمية في الجيش المصري.
إلى هنا، دخلت العديد من الكلمات اليونانية والإيطالية والفرنسية كما هي دون تغيير، لدرجة أنه إذا سألت أي شخص عن معنى "table" سيقول لك "ترابيزة" (من الكلمة اليونانية trapeza)، وإذا طلبت إيصال الدفع "fattura" في المطعم بعد تناول الـ "gamberi" (الجمبري) أو اشتريت زوجًا من الـ "guanti" (القفازات) أو الـ "comodino" (طاولة بجانب السرير)، فأنت تتحدث الإيطالية، وإذا كنت تستقل الـ "ascenseur" (المصعد) أو تسبح في "piscine" (حمام السباحة)، فأنت تتحدث الفرنسية، وهكذا، أصبحت تلك الكلمات الآن جزءًا من اللهجة المصرية، ولكنها اندمجت مع الشارع المصري الواسع الممتد، وأطيافه المختلفة.
من الشارع
"الشارع بيتنا وغنوتنا ..والشارع أعظمها مغنى
من لحم الشارع غنوتنا.. على لحن الشارع بنغنى"
(أحمد فؤاد نجم)
الشارع المصري حيٌّ فعلًا، يتلقف كل جديد بشغف، يغربل ويشد كل شيء على مقاسه، مع الاعتماد على التكثيف واختزال المواقف والأفكار في كلمة واحدة أو كلمتين، ووجود اتفاق جمعي مسبق على هذا الاختزال، وهناك أيضًا بعض اللغات والألفاظ القائمة بذاتها بين مجموعة معينة، ويطلق عليها لغة "السيم"، أي الألفاظ والرموز الخاصة بأبناء المهنة الواحدة مثل (المنجدين، الحرامية، النجارين، رسامين الموبيليا، تجار الذهب، تجار العملة، تجار المخدرات، والعوالم.. إلخ)، حسنًا، هل شاهدت فيلم "الكيف" لمحمود عبد العزيز ويحيى الفخراني من قبل؟
واحدٌ من الأشياء التي اعتمدت عليها كوميديا الفيلم، هو التناقض الشديد بين اللغة التي يستخدمها محمود عبد العزيز الطبَّال، ويحيى الفخراني بروفيسور الكيمياء، إذ يستخدم الطبال جُملًا مركبة تحمل جرسًا واضحًا، وتفهم من سياق الكلام والأفعال المصاحبة لها، مثل "ده إحنا دروتنا اللباري جوا الشباري بالدهلكة"، وعندما يتساءل البروفيسور المُثقف، الحافظ لألفية ابن مالك، عن معنى هذه الألفاظ الغريبة، يرد عليه قائلًا: "أعملك إيه ما انت مبتعرفش لغة"، لغة الشارع، ونبضه الحقيقي.
ومع انتشار السوشيال ميديا، وما تبعها من انتشار خطاب "الترويج للذات" بشكل فج، في الدراما وأغاني الراب المعتمدة بشكل رئيسي على تمجيد الذات بكل الأشكال الممكنة، بكل الأشكال الممكنة، نشأت العديد من المصطلحات المنطلقة من هذا الأمر، والتي تماهت أيضًا مع النزعة الذكورية للمجتمع المصري، يكفي فقط أن تفتح أي مسلسل رمضاني، لتجد نفسك أمام كمٍّ هائل من المصطلحات الذكورية والجديدة تمامًا، مثل: "على الله حكايتك"، أو "وحش الكون"، أو "لو أنت مش قد الفعل متشدش حيلك في الكلام"، أو "ههلفتك"، أو "بابا المجال"، وإلى آخره من الجمل منفوخة العضلات، والتي تحمل تهديدًا واضحًا، وكلها "شبحنة" ورجولة، وتستوستيرون وشنبات وعرق وحاجة آخر تلزيق.
ويكفي هنا الإشارة إلى مشهد الفنان أحمد أمين في مسلسل "الصفارة" والذي سخر فيه من هذه الحالة بشكل بديع، وبلمحات كوميدية جيدة للغاية:
في عيون عم نجم
تذكرت هنا أيضًا عمنا الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، رجل الشارع المصري الأصيل، اللي جايبها من تحت أوي، واستطاع أن يعبر بصدق عن نبض الشارع، وعن عبقرية العامية المصرية في جل قصائده، وبخاصة رائعته الخالدة "البتاع"، تلك الكلمة التي تطلق على أي شئ، ويمكن وضعها في أي جملة، وسيكون المعنى واضحًا للغاية: "هات البتاع ده"، والبتاع ده ممكن أن يكون أي شيء حرفيًا، ده حتى لما تكون متضايق من شخص ما شويتين، وعايز تهينه، أو تجرحه، بتطلق عليه لقب "البتاع ده"، وبالطبع أخذت طابعًا جنسيًا أيضًا، وبنبرة ذكورية خالصة أيضًا، فتطلق عادةً على ما بين فخذي الرجل.. أيضاً..
فإن ساقك القدر يومًا ما للجلوس على قهوة "الخن" بوسط البلد، ممسكًا بكوب عنَّاب مشبر (من عمايل إيد عم رجب)، وبلي شيشة من أفخر أنواع المعسل، فغالبًا، والله أعلم، ستلتقي شخصًا ربع مثقف، قادم بسرعة شديدة من ميدان طلعت حرب ليلعب دور الناقد السينمائي، حاول فقط أن تتابعه، وسترى كيف سيمل فجأة من الحديث عن السينما، ليحول دفة الحديث إلى وصف مدى عظمة "بِتاعه".
آدي اللي جابه البتاع
جاب الخراب مشمول
لأن حتة بتاع
مخلب لراس الغول
باع البتاع بالبتاع
وعشان يعيش على طول
عين حرس بالبتاع
وبرضه مات مقتول










