تمثل رواية Estamos todas bien أي "نحن جميعًا بخير" (2017) لأنّا بينياسإحدى أهم الروايات المصورة الإسبانية المعاصرة التي تجمع بين السرد الذاتي والتوثيق الاجتماعي لاستعادة أصوات النساء المسنّات اللاتي غالبًا ما يُهمَّش دورهن في التاريخ الرسمي. فازت الرواية بجائزة Premio Nacional del Cómic عام 2018، مما عزز مكانتها في المشهد الأدبي الإسباني. يتناول العمل حياة جدّتَي المؤلفة، مقدّمًا رؤية نسوية ناقدة لدور النساء في إسبانيا خلال القرن العشرين، خصوصًا في سياق التغيرات الاجتماعية والسياسية التي شهدها البلد.
يعتمد أسلوب بينياس على السرد البصري الممزوج بالوثائق والصور الفوتوغرافية، مما يمنح العمل طابعًا توثيقيًّا، في حين يسهم استخدام الرسومات اليدوية في إضفاء حس حميمي يعزز التفاعل العاطفي للقارئ مع الشخصيات. تحاول هذه الدراسة تحليل كيف تستخدم بينياس تقنيات الرواية المصورة لإعادة صياغة الذاكرة التاريخية من منظور نسوي، وما إذا كان هذا السرد البصري يعزز أو يقيّد فهم القارئ لتجربة النساء في السياق الإسباني.

السرد البصري كأداة للذاكرة
تعتمد بينياس على السرد البصري وسيلةً لإعادة إحياء تجارب النساء المسنّات، حيث تجمع بين الرسومات اليدوية، والصور الفوتوغرافية، والوثائق الأرشيفية، فيتم استخدام صور فوتوغرافية قديمة مدمجة مع الرسومات لخلق إحساس بالاستمرارية التاريخية. كما توظّف الألوان والتباين البصري للتفريق بين الماضي والحاضر، حيث تُرسم المشاهد المرتبطة بالماضي بألوان باهتة أو بتدرجات رمادية ترمز إلى الذاكرة والحنين، بينما تُستخدم الألوان الزاهية في المشاهد المعاصرة. توظّف الألوان والتباين البصري للتفريق بين الماضي والحاضر، حيث تُرسم المشاهد المرتبطة بالماضي بألوان باهتة أو بتدرجات رمادية ترمز إلى الذاكرة والحنين، بينما تُستخدم الألوان الزاهية في المشاهد المعاصرة. يساعد هذا المزج البصري على تجسيد فكرة الذاكرة الجماعية، حيث لا تقتصر القصة على الشخصيات الفردية، بل تمتد لتشمل تجربة جيل كامل من النساء اللواتي عشن في ظل نظام اجتماعي محافظ حدَّ من استقلاليتهن.

من وجهة نظرى، إحدى أبرز سمات "نحن جميعًا بخير" هي التفاعل الديناميكي بين النص والصورة، حيث لا يقتصر السرد على الحوارات المكتوبة، بل تلعب العناصر البصرية دورًا جوهريًا في تشكيل القصة وتعميق معانيها. تستغل أنَّا بينياس هذه العلاقة التكاملية لخلق تجربة سردية مغايرة، إذ لا تُستخدم الصور كمجرد مرافِق للنص، بل وسيلة لاستكماله، وأحيانًا لتعويض الفجوات السردية التي يتركها غياب الكلمات.
يتيح هذا الأسلوب للقراء إعادة بناء الأحداث وفقًا لتفسيراتهم الخاصة، مما يمنحهم دورًا أكثر فاعلية في عملية التلقي. فبدلًا من تقديم سرد خطي ومباشر، تتيح الرواية المصورة فضاءً تأويليًا واسعًا، حيث تصبح التفاصيل البصرية—مثل تعابير الوجوه، زوايا الرسم، وتوزيع الألوان—عناصر أساسية في إيصال المشاعر واستحضار الذكريات. ومن خلال هذا النهج، تتجاوز الرواية التقليد النصي المجرد إلى شكل أكثر حسية، يُحاكي طبيعة الذاكرة نفسها، التي تتكون من صور مجزأة ولحظات غير مكتملة لكنها مترابطة.
من جهة أخرى، يُمكن اعتبار هذا الأسلوب بمثابة تحدٍّ للطرائق السردية التقليدية، حيث يُجبر القارئ على أن يكون مشاركًا نشطًا بدلًا من أن يكون مجرد متلقٍ سلبي. كما أن اعتماد بينياس على هذا التفاعل بين النص والصورة يجعل الرواية أقرب إلى أسلوب التوثيق البصري، حيث تُصبح الصور وسيلة لنقل سرد غير رسمي ومُغاير، يُعيد الاعتبار للأصوات التي تم تهميشها تاريخيًا، خصوصًا النساء المسنّات اللاتي يحكين قصصهن عبر ذكريات غير مكتوبة، بل مُصورة ومجسدة في الحياة اليومية.

تطرح "نحن جميعًا بخير" قراءة نقدية للنظام الأبوي في إسبانيا خلال القرن العشرين، حيث تستكشف كيف أثّر هذا النظام على حياة النساء في مختلف الجوانب، سواء داخل الأسرة، أو في المجال الاجتماعي، أو عبر انتقال الخبرات بين الأجيال. من خلال السرد البصري الذي تمزج فيه أنَّا بينياس بين الوثائقي والتجربة الشخصية، تقدم الرواية المصورة صورة مكثفة لحياة النساء الإسبانيات المسنّات اللاتي تم تهميش أصواتهن تاريخيًا.

يُبرز العمل الدور التقليدي للمرأة داخل الأسرة، حيث كانت المسؤوليات المنزلية وتربية الأطفال عبئًا مفروضًا دون أي اعتراف بمساهمتها الحقيقية في بناء المجتمع. تُجسد الرواية هذا التهميش عبر مشاهد تكرارية للحياة اليومية، حيث تتحرك الشخصيات النسائية ضمن فضاءات مغلقة—غرف المنازل، المطابخ، الشرفات—وهي أماكن تعكس الحدود التي رسمها النظام الأبوي لدور المرأة. في المقابل، يُظهر العمل كيف أن هذه المسؤوليات لم تكن اختيارية، بل نتيجة لقيود اجتماعية صارمة عززها حكم فرانكو (1939-1975)، حيث تم تكريس أدوار جندرية محددة، تُحصر فيها النساء في أدوار التبعية والخضوع.

إحدى السمات المهمة التي تبرزها الرواية هي عملية نقل الخبرات بين الأجيال، إذ تعكس الهوة الزمنية بين النساء المسنّات والجيل الأصغر كيف تغيّرت مكانة المرأة في المجتمع الإسباني، لكنها تبرز أيضًا استمرارية بعض القيود البنيوية . على الرغم من أن الجيل الجديد قد حصل على فرص تعليمية ومهنية أكبر، إلا أن هناك شعورًا ضمنيًّا بوجود صراع بين التراث النسائي القديم والتحولات الاجتماعية الحديثة. في هذا السياق، تعمل الرواية المصورة كجسر يربط بين الماضي والحاضر، حيث لا يُنظر إلى النساء المسنّات باعتبارهن مجرد رموز للتاريخ، بل كأفراد لديهن قصص وأفكار وخبرات تستحق الاستماع.
يتميز العمل بمزيج بين السيرة الذاتية والسرد التوثيقي، مما يجعله يتجاوز مجرد كونه عملًا أدبيًّا إلى كونه شهادة تاريخية. لا تكتفي بينياس برواية قصص جدّتيها فقط، بل تجعل من قصصهما انعكاسًا لتجربة جماعية للمرأة الإسبانية. في هذا السياق، تصبح الرواية المصورة مساحة لإعادة كتابة التاريخ من منظور نسوي، حيث تستعيد النساء المسنّات أصواتهن وتوثق معاناتهن وإنجازاتهن.

تفكيك الصمت وإعادة تشكيل الذاكرة
تنجح بينياس في خلق سرد بصري يعيد الاعتبار للنساء المسنّات، لكنه لا يقع في فخ المثالية أو الحنين المجرد. فالعمل لا يقدم المرأة كضحية بقدر ما يعرض قوتها في مواجهة نظام قمعي، مما يمنح الشخصيات بعدًا إنسانيًّا عميقًا يتجاوز الطرح التبسيطي للصراع بين الأجيال أو بين الجنسين. كما أن الأسلوب البصري للرواية، الذي يمزج بين الألوان الخافتة والرسومات غير المكتملة، يرسّخ الشعور بأن هذا التاريخ النسائي لا يزال قيد التكوين، وأن عملية استعادة الذاكرة هي فعل مستمر وليس مجرد سرد ثابت للماضي.
من خلال هذه المقاربة، تقدم "نحن جميعًا بخير" مساهمة هامة في الخطاب النسوي الإسباني، حيث تفتح المجال لنقاش أوسع حول كيفية تمثيل المرأة في الأدب والتاريخ، وكيف يمكن للفن البصري أن يكون وسيلة لإعادة بناء الهوية النسائية في سياقات التغيير الاجتماعي.
التلاعب بالزمن في الرواية المصورة
إحدى السمات البارزة في "نحن جميعًا بخير" هي الطريقة التي تتلاعب بها بينياس بالزمن، مما يجعل السرد غير خطي. فالانتقال بين الماضي والحاضر يتم بسلاسة، حيث لا تخضع الذاكرة البشرية لتسلسل زمني صارم، بل تعمل وفق تداعيات نفسية وشعورية متشابكة. هذا الأسلوب يعكس الطبيعة التجريبية للرواية المصورة، حيث لا يتم تقديم الماضي ككيان مغلق ومنفصل، بل كجزء لا يتجزأ من التجربة الحاضرة للشخصيات.
يتجلّى هذا التلاعب بالزمن في أسلوب juxtaposition أي التراكب السردي، أي وضع اللحظات الشخصية جنبًا إلى جنب مع التغيرات التاريخية الكبرى. من خلال هذه التقنية، لا تروي الرواية فقط قصة فردية، بل تجعل القارئ يدرك الدور الذي يلعبه الأفراد في السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع. فالأحداث الشخصية، مثل ذكريات الجدّات، لا تُقدَّم في عزلة، بل تتشابك مع محطات تاريخية مثل الحرب الأهلية الإسبانية وقمع نظام فرانكو.
علاوة على ذلك، تستغل بينياس الفراغات البصرية بين المشاهد، حيث تُترك بعض التفاصيل دون تفسير مباشر، مما يدفع القارئ إلى إعادة بناء الأحداث بنفسه بناءً على استنتاجاته الخاصة ، هذا الأسلوب يضفي على الرواية بعدًا تأمليًّا، حيث يصبح القارئ شريكًا في السرد، لا مجرد متلقٍ سلبي. نقديًا، يمكن اعتبار هذه التقنية إحدى نقاط القوة في العمل، حيث تتجاوز التوثيق السردي التقليدي نحو تجربة قرائية أكثر تفاعلية وانخراطًا.

على الرغم من أن الرواية تنطلق من تجربة شخصية تسرد حياة جدّتي المؤلفة، إلا أنها تتجاوز كونها مجرد سيرة ذاتية فردية لتصبح شهادة جماعية عن وضع النساء الإسبانيات في فترات مختلفة. يتجلى الطابع التوثيقي للرواية من خلال إشاراتها المتكررة إلى أحداث تاريخية كبرى مثل الحرب الأهلية الإسبانية والديكتاتورية الفرانكوية، مما يضفي على السرد طابعًا أرشيفيًّا يربط التجربة الشخصية بالتاريخ الوطني.
كما تعتمد بينياس على التوظيف الأدبي للسيرة الذاتية، حيث لا تقتصر على تقديم مذكرات شخصية، بل تسعى لإعادة سرد تاريخ النساء من وجهة نظر فردية ولكن ذات بُعد جماعي ،فالقصص التي ترويها الجدّتان لا تمثل تجربتهما فقط، بل هي امتداد لمحنة عامة عاشتها أجيال من النساء اللاتي تم تهميشهن داخل السرديات الرسمية.
في هذا السياق، تعكس الرواية المصورة نوعًا جديدًا من التأريخ البديل، حيث يتم تقديم التاريخ من منظور الذين تم إقصاؤهم من السجلات الرسمية. فبدلًا من سرد الحكايات الكبرى للملوك والقادة، تركز الرواية على التفاصيل اليومية لحياة النساء العاديات، مما يعيد الاعتبار للأصوات التي طُمرت في التاريخ الرسمي. نقديًا، يمكن الإشادة بهذا النهج الذي يجمع بين الفني والتوثيقي، مما يجعل الرواية أكثر من مجرد عمل إبداعي؛ إنها إعادة قراءة بديلة للماضي تعيد للنساء حقهن في سرد تاريخهن.
الخاتمة
تعد "نحن جميعًا بخير" عملًا بارزًا في الأدب المصور الإسباني، حيث تقدم قراءة نسوية وتاريخية لحياة النساء الإسبانيات المسنّات. من خلال استخدامها الإبداعي للسرد البصري والتقنيات الفنية المختلفة، نجحت أنَّا بينياس في خلق عمل يمزج بين التأريخ، السيرة الذاتية، والتوثيق الاجتماعي، مما يجعل الرواية المصورة ليست مجرد شكل سردي بديل، بل وسيلة قوية لإعادة كتابة التاريخ من منظور المهمشين. يعكس هذا العمل كيف يمكن للأدب المصور أن يكون أكثر من مجرد ترفيه بصري، ليصبح وسيلة فعالة لإعادة النظر في الماضي من خلال عيون الحاضر.
نقديًّا، يمكن القول إن قوة الرواية تكمن في أسلوبها البصري وقدرتها على تقديم تجربة قرائية حسية تتجاوز الكلمات المكتوبة. ومع ذلك، قد يجد بعض القراء أن غياب السرد الخطي التقليدي يجعل المتابعة أكثر تحديًا، خصوصًا لمن يفضلون السرد المباشر. ومع ذلك، فإن هذا التلاعب بالسرد والزمن يمنح الرواية طابعها المميز، مما يجعلها واحدة من أهم الأعمال التي تستكشف العلاقة بين التذكّر، الهوية، والنسوية في السرد المعاصر.
تؤكد الرواية على أهمية الرواية المصورة كوسيط يجمع بين الأدب والفن والتوثيق التاريخي، مقدمة رؤية نقدية لكيفية تمثيل النساء في السرديات الثقافية. عبر أسلوبها البصري الفريد، نجحت أنَّا بينياس في تحويل تجارب النساء المهمّشات إلى شهادة حيّة تتحدى السرديات التقليدية، مما يجعل عملها علامة فارقة في الأدب المصور الإسباني المعاصر.
المصادر
الصور مأخوذة من
- https://www.google.com/search?q=astro%2C+M.+%22Narrativas+gr%C3%A1ficas+de+la+posmemoria%3A+el+testimonio+visual+en+la+obra+de+Ana+Penyas.%22+Cuadernos+de+Historia+Contempor%C3%A1nea%2C+vol.+42%2C+2021%2C+pp.+115-130.&sourceid=chrome&ie=UTF-8#vhid=NrcTxiOquDe_7M&vssid=_bWHpZ-qCO8-G9u8PypeSoQY_38
- https://liberoamerica.wordpress.com/2020/12/05/estetica-genero-y-posmemoria-en-estamos-todas-bien-2017/
- https://www.comfama.com/bibliotecas/historias/nuevas-lecturas/resena-comic-estamos-todas-bien