الخوف ليس شعورًا عابرًا يظهر في لحظة خطر ثم يختفي، بل بنية أعمق تشكّلت تاريخيًا بوصفها أداة للبقاء، غير أن هذه الغريزة الدفاعية في السياقات السياسية الاستعمارية تتحول تدريجيًا إلى وسيلة للضبط وإعادة تشكيل السلوك. ولا يعود الخوف مجرد استجابة للخطر، بل يصبح طريقة في التفكير والحركة والكلام، وآلية يومية لإدارة الذات داخل فضاء مراقَب باستمرار.
بالنسبة للفلسطينيين، داخل الخط الأخضر خصوصًا، يظهر أن الخوف لم يكن تجربة استثنائية مرتبطة بالحرب الأخيرة على غزة، بل كان جزءًا من التكوين السياسي والاجتماعي للحياة نفسها، فالدولة لا تعتمد فقط على أدوات القمع المباشر، بل على إنتاج حالة مستمرة من الترقب والرقابة الذاتية، بحيث يصبح الفرد مطالبًا بمراقبة نفسه قبل أن تراقبه السلطة. هنا يقترب المشهد مما وصفه ميشيل فوكو "الحكم بالخوف"، حيث تتحول السلطة إلى شبكة دقيقة من الانضباط اليومي، لا تحتاج دائمًا إلى العنف لكي تُطاع.
خلال حرب غزة 2023–2024، بدا هذا الخوف أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، فلم يكن الصمت المنتشر داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل مجرد غياب للكلام، بل كان خطابًا كاملًا قائمًا بذاته. صمتٌ يحمل الخوف والحسابات المعقّدة والوعي بالأثمان المحتملة لأي تعبير علني. فجأة أصبحت الكلمات نفسها خطرًا، منشور على وسائل التواصل، أو تعليق عابر، صورة، أو حتى إشارة تضامن قد تتحول إلى سبب للتحريض أو الاعتقال أو فقدان العمل.
شيئًا فشيئًا، صار الحذر جزءًا من الأداء اليومي للمواطنة. كثيرون اختاروا لغة رمادية ومحايدة من قبيل "نتمنى السلام للجميع"، وهي صيغة تخفي أكثر مما تقول، لأنها تتجنب تسمية العنف أو تحديد موقع الضحية والجلاد. آخرون آثروا الصمت الكامل، بينما لجأ البعض إلى تكرار رواية الدولة أو الانخراط في إيقاع "الحياة الطبيعية" وكأن الحرب لا تحدث على بعد كيلومترات قليلة. لم يكن ذلك بالضرورة تعبيرًا عن اقتناع، بقدر ما كان انعكاسًا لحالة إنهاك تاريخية وشعور عميق بأن أي موقف واضح قد يحمل تكلفة باهظة.
هنا يتحول الخوف من حالة نفسية إلى بنية ثقافية كاملة. يصبح الفرد منشغلًا بإدارة صورته أمام الدولة والمجتمع معًا، ويعيد ضبط لغته باستمرار حتى لا يقع خارج حدود المقبول. وفي هذا السياق، تكتسب فكرة "النصوص المخفية" لدى مفكر مثل جيمس سكوت معناها الكامل؛ إذ يحتفظ الفلسطيني بخطابه الحقيقي داخل دوائره الخاصة، بينما يؤدي في المجال العام خطابًا محسوبًا يخضع لشروط النجاة.
الأساس التاريخي لاستراتيجية الصمت
يبقى هذا التحول على أسس تتجاوز سببية الحرب، فهو امتداد لمسار تاريخي طويل من الضبط والترويض السياسي. فمنذ تأسيس إسرائيل، لم يُنظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم مواطنين متساوين، بل باعتبارهم فائضًا ديموغرافيًا ومصدر تهديد يجب احتواؤه، لذلك تشكلت السياسة الإسرائيلية منذ البداية حول معادلة مزدوجة السيطرة الأمنية من جهة، والاستيعاب الاقتصادي المحدود من جهة أخرى.
لذا نجد، في المقالة الشهيرة "الجدار الحديدي" المنشورة عام 1923، أن زئيف جابوتنسكي انطلق من فرضية أساسية مفادها أن الفلسطينيين العرب لن يقبلوا طوعًا بالمشروع الصهيوني أو بقيام أغلبية يهودية في فلسطين. ورأى أن هذا الرفض طبيعي ومنطقي، لأن أي شعب يواجه مشروعًا استيطانيًا على أرضه سيقاومه. لذلك اعتبر أن العقبة الرئيسية أمام إقامة الدولة اليهودية لم تكن نقص الدعم الدولي أو ضعف التنظيم الصهيوني، بل وجود السكان الأصليين أنفسهم وتمسكهم بحقهم في البلاد.
يقول جابوتنسكي: "كل شعب يحارب المستوطنين طالما بقي لديه بصيص أمل في التخلص من خطر الاستيطان، هكذا فعل سكان أرض إسرائيل العرب، وهكذا سيفعلون طالما بقي لديهم بصيص أمل". بناءً على ذلك، رفض جابوتنسكي الرهان على التفاهم المبكر مع الفلسطينيين، وطرح فكرة "الجدار الحديدي"، أي بناء قوة عسكرية وسياسية حاسمة تجعل من المستحيل على العرب إيقاف المشروع الصهيوني أو هزيمته. وكان يعتقد أن الاستيطان اليهودي لا يمكن أن يستمر إلا تحت حماية قوة مستقلة عن إرادة السكان الأصليين، وأن فرض واقع لا يمكن تغييره هو الشرط الضروري لنجاح المشروع الصهيوني.
ورأى جابوتنسكي أن هذه القوة ليست هدفًا نهائيًا بحد ذاتها، بل وسيلة للوصول إلى مرحلة يقتنع فيها العرب بأن مقاومة المشروع الصهيوني أصبحت غير مجدية. عندها فقط، بحسب تصوره، سيظهر قادة عرب أكثر استعدادًا للتفاوض والتوصل إلى تسويات سياسية مع الدولة اليهودية القائمة. وهكذا أصبحت فكرة "الجدار الحديدي" أحد أكثر التصورات تأثيرًا في الفكر الصهيوني، وأساسًا لفهم العلاقة بين القوة العسكرية وإدارة الصراع مع الفلسطينيين.
لذا قامت الفكرة الأساسية على منح الفلسطينيين هامشًا معيشيًا يسمح بإبقائهم داخل النظام، دون الاعتراف الحقيقي بحقوقهم الجماعية أو هويتهم السياسية. ولهذا لم يكن "الدمج" الاقتصادي مشروع مساواة، بل مشروع تهدئة وضبط، ويمكن فهم تصريح موشيه ديان الشهير بأن ما قد يجعل العرب "يحبون إسرائيل" ليس الصهيونية، بل الكهرباء في قراهم، بوصفه تلخيصًا فجًا لهذه الرؤية: تحسينات مادية في مقابل تحييد سياسي.
في الوقت نفسه، خضعت الحياة الثقافية والتعليمية العربية لرقابة دقيقة، حتى الدعوات التي تحدثت عن "إدارة ذاتية ثقافية" لم تكن تهدف إلى الاعتراف بالهوية الفلسطينية، بل إلى احتواء هذه الهوية داخل حدود لا تهدد تعريف الدولة اليهودي لنفسها. كان المطلوب دائمًا إنتاج مواطن منضبط، مندمج اقتصاديًا، ومحايد سياسيًا قدر الإمكان.
إلى جانب ذلك، ظل الهاجس الديموغرافي حاضرًا في عمق التفكير السياسي الإسرائيلي. فقد بُنيت خطط سكانية كاملة للحفاظ على أغلبية يهودية واضحة، بينما جرى التعامل مع النمو السكاني العربي باعتباره تهديدًا طويل المدى. هكذا أصبح "الدمج الاقتصادي" يحمل وظيفة إضافية: احتواء المجتمع العربي وتطويعه ضمن معادلة سكانية وسياسية محكومة بالخوف من التفوق العددي الفلسطيني.
ولم تكن هذه السياسات معزولة عن التجربة الصهيونية الأوسع. ففي بلدان عربية مثل المغرب، سبقت الحركة الصهيونية تأسيس إسرائيل بمحاولات لإعادة تشكيل الهوية اليهودية المحلية وفصلها عن محيطها العربي. المدارس التابعة لـ"الرابطة الإسرائيلية العالمية" مثلًا، لم تكن مؤسسات تعليمية فقط، بل أدوات لإنتاج ذات جديدة تتحدث الفرنسية، وتنظر إلى الثقافة العربية بوصفها أقل شأنًا أو متخلفة.
تكشف هذه التجارب أن الخوف لم يكن مجرد نتيجة للصراع، بل أداة تأسيسية في بناء الهويات السياسية داخل المشروع الصهيوني نفسه. فالإحساس بالخطر والتهديد استُخدم باستمرار لتبرير الفصل وإنتاج ذوات منفصلة تخشى محيطها وتبحث عن النجاة داخل بنية سلطوية أكبر.
في هذا السياق كله، يصبح مفهوم "التطبيع الرمزي" أكثر وضوحًا، فالمسألة لا تتعلق بتبني الرواية الرسمية بصورة كاملة، بل بالتكيف التدريجي مع شروطها حتى يصبح الصمت طبيعيًا، والحياد فضيلة، والانتماء عبئًا يجب إدارته بحذر. ومع الوقت، تتحول الرقابة إلى جزء من الحياة اليومية: في الجامعة والعمل والإعلام وحتى في العلاقات الاجتماعية. كل كلمة تصبح قابلة للتأويل، وكل موقف قد يتحول إلى تهمة.
هكذا لا يعود الخوف حدثًا استثنائيًا، بل يتحول إلى بنية دائمة تنتج مواطنة مشروطة، ووعيًا مرتبكًا، وأشكالًا معقدة من التكيف مع العنف. غير أن هذا التكيف، رغم قسوته، لا يعني بالضرورة اختفاء الانتماء أو انهيار الذاكرة، بل يكشف عن الطريقة التي يُجبر بها الفلسطيني في الداخل على العيش داخل تناقض دائم: أن يبقى حاضرًا سياسيًا، لكن دون أن يظهر كثيرًا.
تتبع مسارات الخوف الرمزي
في هذا السياق، يتحول ما يمكن تسميته بـ"التطبيع الرمزي" إلى آلية لإعادة إنتاج السيطرة، حيث يستبطن الأفراد الحدود المفروضة عليهم ويعيدون مراقبة أنفسهم ولغتهم بصورة دائمة. ومع ذلك، لا يعني هذا اختفاء الوعي أو المقاومة، بل انتقالهما إلى أشكال أكثر خفاءً وحذرًا؛ إذ تصبح الإشارات اليومية الصغيرة، والتمسك الرمزي بالهوية، مساحات بديلة للتعبير في ظل واقع يجعل الكلام مكلفًا. وهكذا يغدو الصمت حالة مركبة، تجمع بين الخوف من العقاب والرغبة في البقاء من جهة، والحفاظ على الانتماء والذاكرة من جهة أخرى.
ويكشف تتبع مسار الفلسطينيين داخل الخط الأخضر عن تحولات عميقة في العلاقة بين الخوف والانتماء عبر ثلاث محطات مفصلية. فقد شكّلت أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2000 لحظة انكشاف لحدود المواطنة الإسرائيلية بعد مقتل ثلاثة عشر متظاهرًا فلسطينيًا، ما بدد أوهام المساواة ورسّخ إدراكًا بأن التعبير السياسي قد يقود إلى الاستهداف المباشر. ومع أن الغضب كان حاضرًا بقوة، فإن الأثر الأعمق تمثل في ترسيخ الخوف داخل البنية الاجتماعية، وتحويل المجال العام إلى فضاء محفوف بالمخاطر بالنسبة للفلسطينيين في الداخل.
في هبة الكرامة عام 2021، عاد الشعور بالوحدة الوطنية الفلسطينية للظهور بقوة، حيث تلاقت القدس وغزة والضفة والداخل في لحظة رمزية جامعة عززتها وسائل التواصل الاجتماعي. غير أن موجة الاعتقالات والملاحقات والتحريض التي أعقبتها كشفت حدود هذه اللحظة، ووسّعت نطاق الخوف ليشمل الفضاء الرقمي نفسه. لم يعد القلق مقتصرًا على المشاركة في الشارع، بل امتد إلى الكلمات والصور والمنشورات، ما جعل التعبير عن الهوية الوطنية أكثر هشاشة أمام منظومة مراقبة متطورة.
أما خلال حرب غزة 2023–2024 فقد أخذ الخوف شكلًا أكثر تعقيدًا وعمقًا، إذ حلّ الصمت والحذر محل الانفجار الجماهيري. أصبح التعبير نفسه مجالًا للخطر، وتحولت اللغة إلى مساحة رقابة ذاتية مستمرة، حتى غدت أبسط المواقف الإنسانية تُصاغ بحسابات دقيقة. وفي المقابل، تكشف الضفة الغربية الوجه الأكثر مباشرة للهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية؛ فهنا لا تعمل السيطرة من خلال الخوف الرمزي وحده، بل عبر منظومة مادية يومية من الحواجز والجدران والتصاريح والمستوطنات التي تعيد تشكيل الحياة الفلسطينية من أساسها.
يتحول التنقل إلى عملية استنزاف مستمرة، ويُقاس الزمن بساعات الانتظار على الحواجز، بينما تصبح البيروقراطية الأمنية أداة للتحكم في العمل والسكن والبناء والحركة. وبهذا لا يقتصر الاحتلال على السيطرة على الأرض، بل يمتد إلى تنظيم إيقاع الحياة ذاته، منتجًا حالة دائمة من التبعية والرقابة الذاتية، حيث يتعلم الأفراد إدارة كلماتهم وسلوكهم بحذر مستمر تجنبًا للعقاب أو الحرمان. وبين الخوف الرمزي في الداخل والهيمنة المكشوفة في الضفة، تتشكل الهوية الفلسطينية في سياق دائم من التفاوض مع السلطة، حيث يصبح الصمت أحيانًا أداة للبقاء لا دليلًا على الغياب.
ولا تقتصر الهيمنة الإسرائيلية في الضفة الغربية على السيطرة الأمنية والعسكرية، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي عبر منظومة تُبقي الفلسطينيين في حالة تبعية دائمة. ويتجلى ذلك في الفجوة الكبيرة بين البنية التحتية المتطورة التي تخدم المستوطنات وبين القيود المفروضة على التنمية الفلسطينية، حيث تتحول المستوطنات إلى مراكز اقتصادية مدعومة ومتصلة بالسوق الإسرائيلي، بينما يُحاصر الاستثمار الفلسطيني بالتصاريح والإجراءات المعقدة. وبهذه الآلية يُدمج الفلسطيني غالبًا كقوة عمل منخفضة الأجر داخل الاقتصاد الاستيطاني، في الوقت الذي تُقوَّض فيه إمكانات بناء اقتصاد مستقل، ليصبح العمل والتنقل والاستثمار جميعها مرتبطة بموافقة السلطة المحتلة، ما يجعل التبعية الاقتصادية جزءًا أساسيًا من بنية السيطرة الاستعمارية.
الضفة الغربية واقع مخالف ومجال لتفريغ الأزمات الإسرائيلية
غير أن فهم الاستيطان في الضفة الغربية لا يكتمل إذا اختُزل فقط في أبعاده الأمنية أو الأيديولوجية. فالضفة تحولت أيضًا، على مدى عقود، إلى مساحة تُفرغ فيها إسرائيل أزماتها الداخلية الاقتصادية والاجتماعية. خلال أزمات التضخم والركود التي عاشتها إسرائيل في السبعينيات والثمانينيات، ومع تصاعد تكاليف المعيشة داخل المدن المركزية، بدأت الحكومات الإسرائيلية تدفع شرائح واسعة من المجتمع نحو المستوطنات عبر الحوافز الاقتصادية والإعفاءات الضريبية والدعم السكني. لم يكن الاستيطان مجرد تحقيق لحلم ديني أو قومي، بل تحول إلى حل اقتصادي منخفض الكلفة للدولة.
هكذا أصبحت المستوطنات مكانًا يُعاد فيه توزيع الأزمات الاجتماعية الإسرائيلية على الجغرافيا الفلسطينية. العائلات محدودة الدخل، الحريديم، والفئات المهمشة اقتصاديًا، وُجّهت تدريجيًا نحو الضفة الغربية باعتبارها فضاءً أرخص وأكثر دعمًا. ففي الوقت الذي أصبحت فيه أسعار السكن داخل تل أبيب والمدن المركزية شبه مستحيلة، بدت المستوطنات خيارًا اقتصاديًا "عقلانيًا" لكثير من الإسرائيليين.
لكن هذا "الحل" لم يكن يعني بالضرورة تحسين حياة المستوطنين أنفسهم. فالكثير من المستوطنات أُقيمت في ظروف هشة، وبعضها لا يتجاوز كرفانات ومجمعات فقيرة تفتقر للبنية التحتية الكاملة. ومع ذلك، استُخدمت هذه التجمعات باعتبارها أدوات لتثبيت السيطرة على الأرض وتوسيع الوجود الاستيطاني.
بهذا الشكل، لم تعد الضفة الغربية مجرد منطقة محتلة، بل تحولت إلى مختبر لإدارة التناقضات الإسرائيلية الداخلية. بدل معالجة أزمة السكن أو الفقر أو التفاوت الاجتماعي داخل إسرائيل، يُعاد تصدير هذه الأزمات نحو الجغرافيا الفلسطينية، حيث تتحول الأرض المحتلة إلى مساحة امتصاص للتوترات الاقتصادية والسياسية. وفي المقابل، يُدفع الفلسطيني إلى مزيد من التهميش والعزل. تتوسع المستوطنات بينما تُحاصر القرى الفلسطينية، تُفتح الطرق للمستوطنين وتُغلق أمام أصحاب الأرض، وتُحمى المشاريع الاستيطانية بالقانون والسلاح، بينما يعيش الفلسطيني تحت تهديد دائم بالمصادرة أو الهدم أو فقدان مصدر رزقه.
من هنا، لا يبدو الاستيطان مجرد مشروع أمني أو ديني، بل بنية اقتصادية وسياسية متكاملة تعيد إنتاج الدولة الإسرائيلية نفسها. فالضفة الغربية ليست فقط مساحة للسيطرة على الفلسطينيين، بل أيضًا مساحة تُدار من خلالها أزمات إسرائيل الداخلية، حتى لو جاء ذلك على حساب تحويل الحياة الفلسطينية إلى حالة دائمة من الحصار والاستنزاف واللايقين.
من الانشقاق إلى العداء: كيف أُعيد تشكيل الفلسطيني عبر خط الهدنة؟
لم يكن خط الهدنة الذي رُسم بعد اتفاقيات 1949 مجرد حدود سياسية تفصل بين جغرافيتين، بل تحوّل تدريجيًا إلى أداة لإعادة تشكيل الفلسطيني نفسه. فمنذ اللحظة الأولى، لم تعمل إسرائيل فقط على إدارة الأرض، بل على إنتاج واقعين فلسطينيين مختلفين نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، بحيث يصبح الانقسام مع الوقت جزءًا من بنية الحياة اليومية، لا مجرد نتيجة للصراع.
داخل الخط الأخضر، جرى بناء نموذج "المواطنة المشروطة"، حيث يُمنح الفلسطيني هامشًا من الحقوق القانونية والخدمات والمؤسسات، لكن ضمن شروط صارمة تتعلق بالسلوك والانضباط والاندماج. أما في الضفة الغربية، فقد أخذت السيطرة شكلها العسكري الأكثر وضوحًا: حواجز، اقتحامات، تصاريح، وإدارة أمنية دائمة للحياة. هكذا نشأ واقعان مختلفان تمامًا من التجربة الفلسطينية، لا يفصل بينهما الجدار والحواجز فقط، بل أنماط مختلفة من الخوف واللغة والاقتصاد والوعي.
هذا التفاوت لم يُنتج اختلافًا فحسب، بل خلق مع الوقت حالة من الاغتراب المتبادل. فالفلسطيني في الداخل يعيش داخل منظومة قانونية تمنحه شكلًا من أشكال الاستقرار النسبي، لكنه استقرار مشروط ومراقَب. وفي المقابل، يعيش الفلسطيني في الضفة داخل حالة طوارئ مستمرة، حيث تتحول الحياة نفسها إلى تجربة نجاة يومية. وبين هذين العالمين بدأت تتشكل صور متبادلة مشوشة ومشحونة أحيانًا بالريبة أو سوء الفهم.
الخوف هنا يلعب دورًا مركزيًا. ليس بوصفه شعورًا فرديًا، بل كأداة سياسية لإعادة تنظيم المجتمع الفلسطيني نفسه. ففي الضفة، يؤدي الخوف المادي المباشر إلى إنهاك الفعل الجماعي وتحويله إلى معركة يومية للبقاء. أما داخل الخط الأخضر، فيأخذ الخوف طابعًا أكثر رمزية، حيث يصبح التعبير السياسي فعلًا محفوفًا بالمخاطر قد يهدد الوظيفة أو التعليم أو المكانة الاجتماعية. في الحالتين، تعمل السلطة على تفكيك الروابط الأفقية بين الفلسطينيين، وإعادة إنتاجهم كجماعات منفصلة تعيش تجارب متباعدة.
يتجلى هذا الانقسام أيضًا في البنية الاقتصادية. فالاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية بقي رهينة مباشرة للسيطرة الإسرائيلية: المعابر، الأرض، البنية التحتية، وحتى القدرة على الإنتاج والاستيراد. يتحرك الفلسطيني هناك داخل اقتصاد تابع ومقيّد، لا يملك شروط الاستقلال الحقيقي. في المقابل، اندمج الفلسطينيون داخل الخط الأخضر بدرجات مختلفة في سوق العمل الإسرائيلي، واكتسبوا مع الوقت أشكالًا من الوعي الطبقي والتنظيم النقابي، حتى وإن ظل هذا الاندماج قائمًا على تفاوتات عميقة وتمييز بنيوي.
هكذا نشأت فجوة اجتماعية واقتصادية بين الطرفين. الفلسطيني في الداخل يبدو أحيانًا أكثر استقرارًا اقتصاديًا، بينما يُنظر إلى الفلسطيني في الضفة باعتباره يعيش تحت ضغط يومي مباشر. لكن هذا التباين لا يعني بالضرورة تفوق طرف على آخر، بل يعكس اختلاف أدوات الهيمنة المستخدمة ضد كل منهما. فداخل الخط الأخضر، تعمل السيطرة عبر الاستيعاب المشروط وإعادة تشكيل الوعي، بينما تعمل في الضفة عبر القمع المكشوف وإدامة الهشاشة.
مع مرور الوقت، تحول خط الهدنة إلى ما يشبه الصدع النفسي. لم يعد الفلسطينيون يتشاركون التجربة نفسها، ولا حتى اللغة السياسية ذاتها أحيانًا. لكل طرف أولوياته اليومية، ومخاوفه، وحدود حركته، وأفقه السياسي المختلف. وهذا ما جعل الانقسام يتجاوز البعد الجغرافي ليصبح انقسامًا في الذاكرة والتصورات والمصالح أيضًا.
لكن هذا الواقع، رغم عمقه، ليس حتميًا بالكامل. فداخل هذا التشظي تظهر أحيانًا إمكانات جديدة للتقارب، خصوصًا مع تشابه الظروف المعيشية والاقتصادية لقطاعات واسعة من الفلسطينيين، وظهور أشكال من الوعي المرتبط بالمصالح الاجتماعية المشتركة. قد يشكل العمال الفلسطينيون، مثلًا، مساحة محتملة لإعادة بناء روابط تتجاوز الحدود التي فرضها الاحتلال، لأن التجربة الاقتصادية نفسها تكشف أشكال الاستغلال المشتركة، حتى وإن اختلفت أدواتها.
غير أن هذا المسار يظل معقدًا وصعبًا. فالانقسام لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح مؤسساتيًا ونفسيًا وطبقيًا. كما أن عقودًا طويلة من الفصل أنتجت أنماطًا مختلفة من الحياة والوعي يصعب تجاوزها سريعًا. ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى بناء مساحات ومؤسسات وسيطة تعيد وصل الفلسطينيين ببعضهم، ليس فقط على المستوى الوطني المجرد، بل عبر المصالح اليومية والحقوق الاجتماعية والتفاعل الثقافي المباشر.
الخوف وصناعة الانقسام الفلسطيني
في النهاية يظهر أن الهيمنة الإسرائيلية لا تقوم على القمع المباشر وحده، بل على منظومة مركبة تجمع بين العنف المادي والضبط الرمزي وإعادة تشكيل الوعي. فبينما يواجه الفلسطيني في الضفة الغربية سيطرة مكشوفة عبر الحواجز والاستيطان والتبعية الاقتصادية، يعيش الفلسطيني داخل الخط الأخضر تحت أنماط أكثر تعقيدًا من المراقبة والاحتواء وإدارة الهوية. وقد أسهم هذا التباين في إنتاج واقع فلسطيني مجزأ نفسيًا واجتماعيًا وجغرافيًا، لعب فيه الخوف دورًا مركزيًا في إضعاف التضامن الجماعي وتعميق مسافات الاغتراب بين الفلسطينيين.
ولا يبدو خط الهدنة في هذا السياق مجرد حد سياسي، بل أداة لإدارة المجتمع الفلسطيني عبر الفصل المستمر وإعادة تشكيل شروط حياته الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن إدراك آليات هذا الانقسام يفتح المجال أمام التفكير في أشكال جديدة من التضامن تستند إلى المصالح المشتركة والعدالة الاجتماعية والذاكرة الجماعية. فاستعادة الفعل الجماعي لا تبدأ بالشعارات، بل بفهم البنى التي أنتجت الخوف والتشظي، والعمل على تجاوزها لبناء روابط قادرة على مواجهة آثار عقود طويلة من الهيمنة والاستعمار.