أدّت شركات التكنولوجيا الأميركية أداءً فصليًّا سيئًا خلال النصف الأول من هذا العام، فالتعريفات الجمركية التي أقرها ترامب في بداية العام واحتدام الصراع التجاري مع الصين، وتدخُّل الولايات المتحدة ضد إيران، أدت كلها إلى تراجعات جماعية في البورصة الأميركية وخصوصًا في أسهم شركات التكنولوجيا ومؤشرها الجماعي NASDAQ.
وحدها شركة Palantir تُغرد خارج السرب، فأسهم الشركة حققت ارتفاعًا نسبته 45% خلال النصف الأول من العام، ووصلت إلى 90% خلال الربع الثالث، وذلك عقب إعلانها عن العقود التي أبرمتها مع الوكالات الحكومية المختلفة في الولايات المتحدة وخارجها، ليصل مقدار إيراداتها من العقود الحكومية بين 45% و55% ومن المتوقع أن تصل مبيعاتها للحكومة الأميركية إلى ما قيمته 1.08 مليار دولار خلال عام 2025.
تقدم شركة Palantir نفسها كشركة تكنولوجية لكن تتقاطع خدماتها مع القطاع العسكري، ففي مقالة بعنوان "شركة بالانتير لبيتر ثيل وتهديدها الخطير للأمريكيين" يقول الصحفي والباحث روبرت رايش: "ارسم دائرة حول كل الأصول الامريكية المخصصة للذكاء الصناعي، ودائرة أخرى حول كل الأصول المخصصة للجيش الأميركي، وثالثة حول كل الأصول المخصصة لمساعدة نظام دونالد ترامب في جمع ومعالجة بيانات ملايين الأميركيين، ورابعة حول جانب في وادي السيلكون مخصص لدفع الولايات المتحدة بعيدًا عن الديموقراطية وفي أحضان ديكتاتورية يقودها أباطرة التكنولوجية، حسنًا أين تقع هذه الدائرة الرابعة؟ هي شركة بالانتير تكنولوجي Palantir Technologies لمالكها بيتر ثيل".
يأتي اسم شركة "Palantir" من بلورة سحرية في فيلم ملك الخواتيم لجورج تولكين، حيث تمتلك تلك البلورة قدرات سحرية خارقة تمكّن مستخدمَها من أن يرى ما يحدث في أي مكان أو زمان، ولكنها في الوقت نفسه تعمل بشكل تضليلي وتُزيف الحقائق، وعندما استولى عليها الملك الشرير ساورون استطاع بها أن يخدع الجميع ويضللهم.
تقدم شركة Palantir نفسها للجمهور بنفس الشكل السحري الذي تعمل به البلورة، فهي تبيع منتجات للذكاء الاصطناعي من خلال منصة تجعل المستخدمين قادرين على ضخ كميات كبيرة من البيانات الخاصة بعملائهم، كي يقوم مهندسو الشركة وخوارزمياتها بمعالجة تلك البيانات وتحليلها، وهي لا تبيع منتجاتها وخدماتها للأفراد؛ وانما لجهات حكومية مثل الجيش الأميركي وأجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي والوكالات الفيدرالية والهيئات الحكومية المختلفة وصولًا إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي، وحتى شركات القطاع الخاص التي تريد تحسين مبيعاتها.
وبتعاقد شركة Palantir مع الجيش الأميركي بقيمة 795 مليون دولار، تَدَخل ترامب لصالح الشركة وساعدها لعقد صفقات أخرى مع وزارة الصحة وهيئات الطعام والدواء ومراكز مكافحة الأمراض والصحة العامة وحتى وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، وبذلك تحاول الشركة الدمج بين خدمات القطاعين العسكري والمدني؛ وجمع أنواع متعددة من المعلومات واستخدامها في القطاعين معًا، ما حفّز مجموعة من المشرّعين في الكونجرس لمخاطبة الشركة والاستفهام عن طبيعة البيانات التي تجمعها وشكل استخدامها، وما إذا كان يعرض معلومات المواطنين الأميركيين للخطر.
وهنا يجب علينا السؤال، لماذا تجذب شركة Palantir كل هذا الاهتمام وهي توفر خدمة يمكن لأي شركة ذكاء اصطناعي أن تقوم بها؟ ماذا تفعل تحديدًا؟ ولماذا يمتد تأثيرها لتغيير شكل العالم والحروب المستقبلية؟
الميلاد من رحم الكارثة
في أعقاب انهيار بُرجي مركز التجارة العالمي في 11 أيلول/سبتمبر عام 2001، احتاجت الحكومة الأميركية إلى بناء نظام مركزي لرصد وجمع البيانات وتحليلها، بحيث يمكن استخدامه ومشاركته من قِبل جميع المؤسسات الأمنية وهيئات إنفاذ القانون في المستقبل لمنع تكرار الحادثة ومكافحة الإرهاب، وفي العام 2003 عُهد بهذا المشروع إلى وكالة أبحاث الدفاع المتطورة (DARPA) كي تقوم بتنفيذه ليتم تأسيس مكتب يُعرف باسم Total Information Awareness (TIA)، وكانت مهام هذا المكتب هي تطوير تقنية تقوم بجمع البيانات وتحليلها لكل شخص على سطح كوكب الأرض بما يشمل المواطنين الأميركيين، ما دفع أعضاء الكونجرس الأميركي إلى التصويت ضد هذا المكتب وسحب التمويل منه خوفًا على "الحريات العامة" من إمكانية تعريضها للخطر بسبب تلك التكنولوجيات.
وفي العام نفسه، أسس رجل الأعمال الأميركي بيتر ثيل Peter Thiel شركته الخاصة، والتي من المفترض أن تعمل على بيع وتطوير تقنيات من شركته السابقة PayPal تُستعمل في كشف عمليات الاحتيال والاختراق، لكن ما لفت الانتباه أن الشركة الجديدة التي أسسها ثيل بدأت في جمع تمويلات من شركة In-Q-Tel والتي تُعتبر ذراعًا استثمارية لوكالة الاستخبارات الأميركية CIA، بدأت الشركة بتمويل قدره مليونا دولار وعدد من العقود مع مجتمعات الدفاع ومكافحة الإرهاب، وخلال العشر سنوات الأولى من عمر الشركة قامت بإمداد القوات الأميركية في العراق وأفغانستان بتقنيات تساعدها على مكافحة الأكمنة والطرق المفخخة، بل وساعدتها في البحث عن العناصر المتمردة وتحييدهم قدر الإمكان، وبحسب ألكس كارب المدير التنفيذي: "لقد اعتمدت الحضارة الغربية على إمكاناتنا المحدودة لأكثر من مرة".
وفي العام 2009 بدأت الشركة في تقديم خدماتها للقطاع التجاري عندما اشترى بنك JPMorgan نظام برمجي لمكافحة الاحتيال، لكن التحوّل الأكبر بدأ منذ العام 2020 عندما تم إدراج شركة Palantir في البورصة الأميركية ومنذ ذلك الوقت وهي تقدم خدماتها لعشرات الوكالات الحكومية وما يزيد عن 40 قطاعًا مدنيًا أخر، بحيث وصلت إيراداتها هذا العام إلى 3 مليارات دولار. لكن ما الذي تقدمه الشركة حقًّا لكل هؤلاء العملاء؟
الإجابة المباشرة لشركة Palantir عن طبيعة عملها هي أنها تقدم خدمات وحلولًا تقنية لجميع العملاء، لكن ما نستطيع قراءته من تاريخ الشركة خلال العشرين عامًا الماضية، هو أنها توفر أدوات ذكاء اصطناعي متطورة لتحليل البيانات الكبيرة التي تجمعها أذرع الدولة الأميركية العميقة بالتجسس والرقابة وخرق خصوصية المواطنين الأميركيين وغيرهم حول العالم، بحيث تتحول الشركة تدريجيًّا إلى جهاز عصبي يقوم بالتنسيق بين جميع أعضاء الدولة وجمع المعلومات منها ومعالجتها معًا للحصول على نتائج ذات قدرات تنبؤية معينة يمكن للجهات الحكومية أن تتصرف وفقًا لها، وبذلك تظل مجرد شركة خاصة يمكن التخلص منها دون أن يُوجه أي اتهام لموظف حكومي بخرق القانون.
كشفت صحيفة The Verge عام 2018، عن برنامج تعاوني بين شرطة نيو أورلينز (NOPD) وشركة بالانتير، ويأتي هذا التعاون كنوع من أنواع التدريب لنموذج ذكاء اصطناعي حديث تختبره الشركة، ويعمل هذا النموذج على تتبع سكان الولاية والربط بين أفراد العصابات المختلفة والتاريخ الجنائي لهم وتتبع حسابات التواصل الاجتماعي الخاصة بهم، كي تصل إلى احتمالية تُرجح بها قابلية الشخص لارتكاب جريمة في المستقبل، وعلى رغم أن هذا التعاون تعرض للانهيار في النهاية بعد صدور عدد من القصص الصحفية التي تتبعت محاولات توقيف غير قانونية لسكان الولاية بسبب برنامج شركة Palantir، فإن الفكرة أغرت أقسام شرطة مختلفة لشراء هذا البرنامج واستخدامه، كما استخدمته شرطة لوس أنجلوس في عمليتها المعروفة باسم Operation LASER، واستخدمته فيما بعد شرطة نيويورك وشمال كاليفورنيا وما يصل إلى 300 قسم شرطة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، بل وحتى خارج الولايات المتحدة في إنجلترا وكوريا الجنوبية.
نحن من قتلنا بن لادن
سُئل المدير التنفيذي أليكس كارب في لقاء تليفزيوني عن اغتيال أسامة بن لادن والشائعة التي تتحدث عن مسؤولية شركته في اغتيال بن لادن، ليرد: "نحن هنا في لقاء عام، أنت تعرف، لا أستطيع أن أتحدث عن هذا بشكل علني، لكننا شاركنا بشكلٍ أو بآخر".
لا تريد شركة Palantir أن تصبح الجهاز العصبي الذي ينسق بين الأجهزة الأمنية والوكالات العسكرية فقط، لكنها تريد أن تصبح الشركة الأهم في القطاع العسكري بأكمله متفوقةً على Lockheed Martin وNorthrop Grumman Corporation وذلك عن طريق تحكمها في تحويل الأسلحة التي تنتجها تلك الشركات إلى أدوات أكثر فاعلية وذكاءً، قبل بيعها للجيش الأميركي وجيوش الدول الحليفة الأخرى.
حصلت الشركة في مارس الماضي على عقد مع وزارة الدفاع الأميركية بقيمة 178 مليون دولار، بهدف إنشاء تقنية استخبارية (TITANs) تستخدم وحدات أرضية في ميدان المعارك، تقوم بتجميع كل أنواع البيانات القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار والروبوتات العسكرية والمركبات، بهدف تعزيزها وتوجيه الجنود لأهدافهم وتحذيرهم من الأكمنة والأعداء.
وفي مايو من نفس العام، قامت بتصميم نظام جديد لتحديد الأهداف باسم Maven وهو ما يعرف بشكلٍ شائع باسم "سلسلة القتل Kill Chain" وهو نظام مُعقد من أدوات جمع البيانات في أرض المعركة وخوارزميات ذكاء اصطناعي وأنظمة تُعلّم آلة تقوم بمعالجة البيانات وتحديد الهدف وأخذ قرار عسكري بتحييده، دون تدخل مباشر أو حتى إشراف آني بشري. وبمجرد إدخال تلك التقنية الخدمة ووضعها تحت إدارة البنتاغون انتقلت إلى مناطق صراع مختلفة لتجربتها، في البداية في أوكرانيا ثم غزة، ففي كانون ثانٍ/يناير من هذا العام اجتمع مجلس إدارة شركة Palantir في تل أبيب، وبعد إعلان تأييدهم المطلق لإسرائيل ودعمها في حرب الإبادة ضد غزة، توجه الرئيس التنفيذي أليكس كارب لعقد اتفاقية جديدة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، ولتزويده بمنصة ذكاء اصطناعي أكثر فعالية تقوم بتحديد الأهداف واتخاذ قرارات حياة أو موت تتعلق بالأهداف المحتملة، يقول أليكس كارب: "منتجاتنا تُستخدم أحيانًا لقتل البشر"، وهو ما أثبتته الحرب الإسرائيلية من استهداف متعمد لمئتيْ عامل إغاثي خلال أشهر قليلة، ما جاوز عدد العمال الإغاثيين الذين قتلوا في الحروب خلال الثلاثين عامًا الأخيرة.
تمتلك شركة Palantir منصتين أساسيتين هما Gotham وFoundry بالإضافة لتقنيتين هما Apollo وArtificial Intelligence Platforms (AIP)، وعدد من البرمجيات والتقنيات التي تصممها خصيصًا تلبيةً لرغبة عملائها في مجالات معينة.
تُستخدم منصة Gotham في المجال الدفاعي، ومن قبل وكالات المخابرات وهيئات إنفاذ القانون، فهي تعمل على عرض معلومات استخبارية مُحدّثة بشكل وقتي ما يُساعد على اتخاذ قرارات عسكرية أكثر فعالية، فعن طريقها يتدرب الجيش الأميركي على مكافحة خطط الصين المُحتملة في فرض حصار بحري على تايوان، حيث يقوم الذكاء الصناعي بجمع الصور وبيانات تحرك البحرية الصينية في المنطقة، من حيث عددها وسرعتها وحجمها ونوع تسليحها، ويقترح تدخلًا معاكسًا في المناطق العمياء ويُقيّم الاستراتيجيات المضادة لكسر الحصار واحتمالات نجاحها.
أما منصة Foundry فهي منصة مدنية تُستخدم من قبل وكالات الرعاية الصحية والقطاع الصناعي والمالي، وتعتمد بالأساس على جمع مصادر البيانات من مخازنها الافتراضية للعملاء حيث Data Lakes وWarehouses لهذه المؤسسات تكون غير متناسقة وعشوائية، فتقوم المنصة من خلال تقنية تعرف بـ Palantir Ontology بعمل توأمة افتراضية للمؤسسة التي تمدها بمصادر البيانات، وتقوم بعمل عدد لانهائي من المحاكَيات والمعالجات الحسابية التكرارية عليها، لبناء تطبيقات متخصصة ناجحة للعملاء واستخدام تفاعلات المستخدمين بشكل مباشر لتعزيز معالجة البيانات وتنسيقها.
أما تقنية Palantir Apollo فهي تعمل بوصفها بنية تحتية لمعمارية منصة Gotham وFoundry ما يسمح بتنصيبهما عن بُعد ودون الحاجة لحضور مهندسي الشركة في أرض العمليات، واستخدام كامل قدرات التقنيتين من خلال الخدمات السحابية أو على الأجهزة، وتعمل تقنية AIP من أجل توفير خدمات الذكاء الصناعي وخصوصًا النماذج اللغوية العصبية الكبرى، واعتمادها في خلفية التطبيقات المخصصة للاستخدامات التقليدية واليومية من المستخدمين.
يمكننا أن نقول إن عالم ما قبل شركة Palantir غير ما بعده، ففي السابق كانت أجهزة الشرطة في حاجة لأدلة كي تقوم بتوقيف المتهمين ومواجهتهم بأفعالهم، وكانت الجيوش في حاجة لتحديد أماكن المسلحين من بين المدنيين والتأكد منهم قبل قصفهم، بل كانت الشركات لا تملك أدوات لضبط العمالة وجمع أكبر قيمة ممكنة من وقت عملهم، كل ذلك تغير الآن وعلى الأرجح لن يتوقف في المستقبل، بل سيصبح هو السمة الغالبة لشكل الحروب المستقبلية، حيث يختفي العنصر البشري من خانة التقييم والفعل، ويبقى فقط هو العنصر الخاسر دائمًا من نتيجة الحرب.