"الرياضة الجادة ترتبط بالكراهية والغيرة والمتعة السادية في مشاهدة العنف؛ وبعبارة أخرى؛ فهي حرب بدون إطلاق النار".
جورج أورويل.
العنف، في أحد تعريفاته، هو: "إحدى المشكلات الصحية العمومية التي تحدث نتيجة لاستخدام القوة والعنف البدني (عن قصد)، سواء للتهديد أو للإيذاء الفعلي ضد النفس، أو ضد شخص آخر، أو ضد مجموعة أو مجتمع، وقد يؤدي إلى الإصابة، أو الوفاة، أو الضرر النفسي، أو سوء النمو، أو الحرمان"، وهو نشاط مستهجن اجتماعيًا وسياسيًا، وعادةً ما يوصم فاعله بألقاب عدة، مثل "بلطجي" المنتشر بشكل كبير في مصر، على سبيل المثال. وقد تترتب عليه عقوبات قانونية شديدة مثل السجن أو الإعدام، في عدد من الدول، في حال أفضى إلى الموت.
الغريب أن هذا النشاط المستهجن سيتحول، بقدرة قادر، إلى فعل نبيل وشريف بمجرد انتقاله من الشارع إلى الصالات المغلقة كثيرة المقاعد، المظللة بالغمام، أو بالمصابيح الكاشفة. يشاهد هناك الملايين هذا النشاط، ويُشرف على نُضجه وترفه رجال الدولة والمال والسياسة. فجأة إذن، يتغير توصيف الأحداث من شغب بين "بلطجية" يستوجب العقاب، إلى تنافس شريف بين أبطال أولمبيين، يستجلب الدعوات والتصفيق والميداليات الذهبية، وربما الكثير من الأموال أيضًا. فما سر هذا التغير؟ وكيف حول الإنسان العنف إلى مادة للتسلية؟
مخاوف قديمة
في ظهيرة يوم قائظ من العام 80 للميلاد، دخل الإمبراطور الروماني تيتوس فلافيوس، أمام وفد كبير من الجنرالات ورجال الدولة لقص شريط مبنى يقع وسط مدينة روما، شرق المنتدى الروماني. بلغ طول المبنى 189 مترًا، وعرضه 159 مترًا، وارتفاعه 57 مترًا، فيما كانت ساحته الداخلية بيضاوية بأبعاد 55×87 مترًا، وله 80 مدخلًا، ويتسع لما يزيد عن 50 ألف شخص، في مدرجات متراصة بحكمة.
أُطلق على المبنى اسم "المدرج الفلافي"، أو "الكولوسيوم"، نسبةً إلى أباطرة "السلالة الفلافية"، اللاحقين للإمبراطور نيرون. ويقال إن الاحتفالات عمت أرجاء الإمبراطورية مئة يوم كاملة، فما قدمه هذا المبنى العظيم من ترفيه ومتعة كان كفيلًا بأن يتعلق الناس بأستاره لعدة أيام وليالي: عروض رياضية مميتة، ومعارك ضارية بين مقاتلين وحيوانات مفترسة، حيث الصرخات الطويلة، والدماء المتناثرة، والجلود المسلوخة، والأوصال الممزقة. هل هناك أمر ممتع أكثر من ذلك؟
يتفق علماء الأنثروبولوجيا على أن العنف أمر غريزي، مغروس فينا مثل الضحك والبكاء والفضول، حيث صقل الانتقاء الطبيعي نظامًا لا شعوريًا يطلق دفعة من الإنذارات عند ملاحظة أي تهديد عنيف، ليغير من طريقة عمل الحواس في أقل من لحظة، والدليل على ذلك هو الأسلوب الذي تفاعل خلاله "الصيادون الأوائل" مع البيئة المحيطة.
فقد اكتشف علماء الآثار، وفي أكثر من مكان في مختلف أنحاء العالم، جماجم وأجساد وضلوع تتضمن انبعاجات غريبة تشير إلى وجود جروح وإصابات وكسور، من بينها بقايا الهيكل العظمي المكتشف في مناطق شمال العراق عام 1960، لإنسان "نياندرتال"، والتي تُظهر آثار طعنات عميقة يرُجح أنها كانت نتيجة الضرب بآلة حادة تشبه الرمح، كما تكشف النصوص الدينية المبكرة، مثل العهد القديم العديد من حالات العنف، مثل مقتل هابيل.
غرائز البقاء تلك، وأنماط التفكير والسلوك التي ورثناها عن أسلافنا، لا يمكن التغلب عليها بسهولة. بل، أكثر من ذلك، يخلق إطلاقها نوعًا من الفرح أو الرضا. فوفقًا لمفهوم "النماذج الأولية" الذي وضعه كارل يونج، تحديدًا نموذج "الظل"، فإن الجنس والعنف هما الجانب الخطير فينا، الجانب الذي نخفيه عن العالم، ولا تستقيم حياتنا دونه.
وإذا قُدما معًا في عرض ترفيهي، فإن هذا يُجبر المشاهد على الانتباه، ولذلك ذُكر العنف أيضًا في السجل التاريخي باعتباره أحد أقدم أشكال الترفيه، مثل مذابح "الكولسيوم"، أو عمليات الإعدام العلنية التي كانت تحقق إيرادات كبيرة في شباك التذاكر. وفي العصر الحديث، وجدت دراسة أميركية تحت عنوان "Violent Film Characters’ Portrayal of Alcohol, Sex, and Tobacco-Related Behaviors"، أن 90% من الأفلام ذات الإيرادات المرتفعة منذ عام 1985 حتى عام 2010، كان بطلها متورطًا في أعمال عدائية ودموية بشكل مباشر.
وقد قسم العلماء الأشخاص الذين "يستمتعون" بمشاهدة العنف إلى ثلاثة فئات، لكل منهم أسبابه الخاصة:
1- "مدمنو الأدرينالين": وهم أشخاص يسعون، بصورة دائمة، إلى الشعور بالاهتياج والنشوة من خلال "خوض تجارب جديدة ومكثفة دون اعتبار للمخاطر المادية أو الاجتماعية أو القانونية أو المالية". وتتضمن هذه الأنشطة الرياضات المحفوفة بالمخاطر، مشاهدة أو ممارسة، وتعاطي المخدرات، والجنس غير الآمن، وارتكاب الجرائم، وهم الفصيل الأكثر انتشارًا في العالم.
2- "الساديون": واحدة من أبرز التعقيدات البشرية وأكثرها انتشارًا، إذ يستمتع الساديون بألم الآخرين أكثر من المعتاد.
3- "المتشددون": مثلهم كمثل مدمني الأدرينالين، يشعرون بمشاعر قوية عند مشاهدة الرعب أو العنف. الفارق أنهم يكرهون هذه المشاعر، ويتحملونها لأنها تساعدهم على تعلم البقاء، وهذا يشبه إلى حد ما "المازوخية الحميدة"، أو الاستمتاع بتجارب مؤلمة ومزعجة في سياق آمن لاكتساب المعرفة، فكما مثلما قد تعلمنا الكوميديا "المؤلمة" والمحرجة بعض المهارات الاجتماعية، فإن مشاهدة العنف من على أريكتنا الآمنة قد تكون بدورها وسيلة جيدة لإعداد أنفسنا لعالم عنيف وخطير.
هناك بالطبع أسباب تدفعنا للتفكير مجددًا في مدى استمتاعنا بمشاهدة العنف في حد ذاته وبمختلف أشكاله. على سبيل المثال، في إحدى الدراسات، عرض الباحثون على مجموعتين من الأشخاص فيلم "The Fugitive" الذي أنتج في عام 1993. عُرض على المجموعة الأولى الفيلم كاملًا، بينما شاهدت المجموعة الثانية نسخة حذف منها كل مشاهد العنف. وعلى الرغم من هذا، أحبت كلتا المجموعتين الفيلم على قدم المساواة، وقد دعمت دراسات أخرى تلك النتيجة، حيث وجدت أيضًا أن إزالة مشاهد العنف الصريحة من الفيلم، لا يقلل من إعجاب الناس به.
ورغم ذلك، هناك نظريات أخرى تسير في الإتجاه المعاكس، مثل "نظرية نقل الإثارة" القائلة بأن مشاهدة العنف تجعلنا نشعر بالإثارة، وهو الشعور الذي يستمر حتى نهاية العرض، مما يجعل النهاية أكثر متعة. كما تقترح "فرضية الفاكهة المحرمة " أن حظر العنف على الشاشة هو ما يجعله جذابًا للمشاهدين، انطلاقًا من منطق "الممنوع المرغوب". وتماشيًا مع هذا، تعمل ملصقات التحذير، (+18) وما شابه، على زيادة اهتمام الناس بالبرامج العنيفة.
ببساطة أكبر، الأمر به آراء كثيرة، ودائمًا قيد الدراسة، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالعنف المتواجد في أروقة السينما والمسرح والفنون. لكن عندما يتعلق بالرياضات العنيفة مثل الملاكمة والمصارعة والرجبي وكرة القدم الأميركية وكرة القدم، أو معظم الرياضات بمعنى أصح؛ تختفي كل الأصوات تدريجيًا، المؤيد منها والمعارض، وكأن هناك حالة عامة من التطبيع مع تلك الظاهرة، واعتبارها مجرد شيء ما ظهر في هذا العالم له طبيعة خاصة، وليس عنيفًا من الأساس، أو ذا عنف حميد لا يصح النقاش فيه.
ما بعد الحضارة
ما المثير للاهتمام في تعرض الناس للضرب إذن؟ حسنًا، جزءٌ من هذا العنف هو فن بطبيعة الحال. نحن لا نستمتع باللكمة، بل بالتقنية المستخدمة في اللكمة. وعندما نرى شخصًا يركل أو يضرب بمرفقه، أو يُخضع شخصًا آخر، نتعجب من مستوى التميز القتالي الذي يُظهِره، فعدد قليل جدًا من الناس يستطيعون توجيه اللكمات، وعدد أقل منهم يستطيعون توجيهها. ولهذا السبب تُعتبر الفنون القتالية فنًا معقدًا بسبب التعقيدات التي تنطوي عليها فكرة "ترويض الوحشية". وعندما كان المصارع يقاتل الخنازير والدببة والأسود وجميع أنواع الحيوانات، كان المتفرجون يريدون أن يشهدوا حدود القوة البشرية، مشهد الإنسان وهو يتغلب على الوحش. لقد ذهبوا للانبهار وتعظيم الملك، لكن ليس هذا كل ما في الأمر.
في كتابه "السلوك: بيولوجيا البشر في أفضل وأسوأ حالاتها"، يؤكد أستاذ علمي الأحياء والأعصاب الأميركي، روبرت سابولسكي على أهمية السياق، حيث إننا ندعم النوع "الصحيح" من العنف، مثل استخدامه لحماية أحد أفراد الأسرة، أو العدوان والعنف الشائع في الرياضة، والذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من المنافسة.
تأتي أهمية هذا الطرح من التفكير في ديناميكيات الجماعة وفي كيفية تفكير العقل الجمعي. وهنا قد ننطلق من دراسة أنجزها الباحثان دلفين ديون وستيفان بوراز، وانطلقا فيها من سؤال: لماذا ننجذب لمشاهدة الرياضة العنيفة رغم معرفتنا بتعرض اللاعبين للأذى؟ معتمدين على إجراء 21 مقابلة مع بعض مشجعي رياضة "الرجبي" العنيفة، و9 مقابلات مع محترفين من داخل عالم هذه الرياضة.
أول ما يلفت الانتباه هنا هو هذا التناقض الأخلاقي الكبير، الذي يعاني منه المشاهدون لناحية تبرير المشاهد الدموية والقاسية، والسياق الدرامي الحربي الذي يربط كل شيء ببعضه. على سبيل المثال، تربط اللغة المستخدمة في رياضة الرجبي الملعب بساحة المعركة، واللاعبين بالمحاربين، والمشجعين بالجيوش.
وتعود أصول الطقوس التي تسبق المباراة، مثل رقصة "الهاكا"، إلى التقاليد العسكرية النيوزيلندية. وهذا يعني أن لعبة الرجبي غالبًا ما تُرى كواقع بديل أشبه بالحرب، وينظر إلى العنف الكامن فيها باعتباره واجبًا مقدسًا على اللاعبين. وفي الوقت نفسه، يرتبط هذا التضخيم الدرامي للعنف بنزع الفتيل، وتبريره باعتباره "مجرد لعبة"، تجري بناءً على قواعد ثابتة عامة تخص الكل، ومتفق عليها سلفًا، وهذا أمر شائع للغاية. فعندما نواجه تناقضًا أخلاقيًا ما، غالبًا ما ننظر ونحتكم إلى القواعد الموضوعة من قِبل المؤسسات الشرعية والرسمية، مثل "الاتحاد الدولي للرجبي".
تلك الحالة الدرامية التي تُعتبر فيها الرياضة بديلًا للحرب، تُستغل في الشحن والتجييش أيضًا وفي الوقت نفسه. تُظهر الأبحاث أن مشجعي النادي الواحد غالبًا ما ينخرطون في أعمال عنف ضد الجماعات الأخرى بسبب الاختلاف الأيديولوجي أو طرق التعبئة، وهو أمر يربط العنف بالشماتة أيضًا، حيث تُعرَّف "متعة الشماتة" بأنها الشعور بالسعادة عند رؤية ألم شخص آخر أو محنته، خاصةً إذا كان مختلفًا عنك.
في الدماغ
في دراسة نشرت عام 2015 عن علاقة مشاهدة الرياضات العنيفة بالشعور بالمتعة، واعتمدت على تصوير أدمغة بعض مشجعي كرة القدم أثناء مشاهدة المباريات، تبين أن العنف يعبث بشكل رئيسي في "المخطط البطني" (the ventral striatum)، وهو جزء من الدماغ يلعب دورًا حاسمًا في التحكم في الحركات الإرادية، وتنظيم سلوكيات المكافأة، ويؤثر أيضًا على المنطقة الحسية "Substantia Nigra" المسؤولة عن صنع هرمون الدوبامين، المسؤول عن الشعور بالمتعة.
قد لاحظ الباحثون نشاطًا متزايدًا في اللحظة التي يشاهد فيها المشجعون مشجعي الفريق الخصم يتلقون الصدمات والأهداف. ويرتبط هذا النشاط بإفراز أكبر للدوبامين، وبالتالي شعور أكبر بالمكافأة والمتعة عندما يتعرض المنافس للألم. ببساطة أكبر: شعور الرضا ينتاب المشجع عندما يشعر مُنافسه بالحسرة أيًا كان نوعها، حتى وإن كانت كسرًا في قدمه، أو جرح في رأسه، مما يجعل الفرد أكثر عرضة لافتعال المشاكل والمشاجرات وأذية الآخر، لا لسبب سوى أنه "آخر".
يترك هذا النوع من الترفيه تأثيرات عميقة على "عملية الإدراك" لدى البشر، خاصةً أن نظامنا العصبي يستجيب لأي شيء نسمعه أو نقرأه أو نراه، بل ويحاكيه داخل أجسامنا. ولهذا السبب نشعر بالخوف عندما يحدث شيء مخيف لشخص آخر، ونشعر بوخزة عندما يتأذى شخص آخر على الشاشة، ونشعر بالإثارة عند مشاهدة الأفلام الإباحية. فعندما ندرك المعلومات، نعمل تلقائيًا على تجسيدها والشعور بها ومشاركتها، ولهذا السبب يمكن أن نعاني مما يُعرف "بالصدمة الثانوية"، نتيجة التعرض لصدمة شخص آخر.
"الإفراط في مشاهدة العنف يقودنا تدريجيًا إلى وظائف الدماغ الأكثر بدائية".
تريستان هاريس، رئيس مركز التكنولوجيا الإنسانية.
ولذلك، فالتعامل مع الترفيه العنيف ليس أمرًا عاديًا، بل على العكس، هو مثير للتوتر، ويجهّزنا تلقائيًا لمزيد من العنف خاصة مع وجوده في سياقات تمنحه الشرعية. ربما لا يستمتع معظمنا بمشاهدة مقطع فيديو عشوائي لشخص يتعرض للضرب، لكن عندما يتواجد السياق المحرض على ذلك الفعل، يصبح الأمر مختلفًا تمامًا، ويهيئ أدمغتنا على قبوله كشيء طبيعي. ولهذا السبب احتفل الإمبراطور تيتوس فلافيوس بوجود مبنى شرعي لممارسة القتل والعنف، دون أدنى اعتراض. السياق هو الكل في الكل، هو البطل، هو المحرض على كل شئ في حياتنا، فقد أوجد سياقًا ملائمًا لأكثر الأفعال انحطاطًا، وتوقع أن ترى ما يُفني البشرية تمامًا.