قُربَ شواطئ ألبانيا، يلوح البحر مثل صفحة زرقاء صافية تُخفي تحتها تاريخًا من الحروب والعزلة والصفقات المريبة. هناك، ترقد جزيرة سازان في صمتٍ قادمٍ من زمن الشيوعية عندما كانت قاعدة عسكرية مغلقة، قبل أن تعرضها الدولة الألبانية للبيع.
هنا، تخيل الديكتاتور أنور خوجة جزيرته حصنًا منيعًا ضد كل غزو محتمل، سواء من أعدائه في حلف الناتو أو من رفاق الأمس الذين انشق عنهم "حلف وارسو". هنا انتظر الجنود وعائلاتهم لعشرات السنين هجومًا لم يأتِ، بُنيت لهم مساكن ومدرسة ومستشفى ومسرح صغير، لا دخول ولا خروج من هذه الجزيرة، فقط راقِبوا واستعدوا للدفاع.
هذه الأرض، بمناخها شبه الاستوائي وطيورها النادرة وغاباتها الكثيفة، كانت دائمًا عصية على الغزاة، لكنها أصبحت بوابة لهم بعد تعديل القوانين البيئية التي تحدّ من الاستثمار فيها على عَجَل، وبيعها لشركة Affinity Partners التي يملكها جاريد كوشنر؛ وحين سار المستثمرون الجدد على هذه الأرض، لم يروا فيها حصنًا ذا ذاكرة، بل مشروعًا سياحيًّا مبهرًا. كوشنر نفسه قال إنه فوجئ بجمالها «غير المطوّر».
هذه القصة، التي تبدو في ظاهرها عن التطوير العقاري، هي في حقيقتها عن بيع الذاكرة والسيادة. عن خريطة يعاد رسمها تحت مسمى التنمية. وعن تشابه مخيف بين هذا البيع الملمَّع وبين طموحات كولونيالية في غزة والضفة الغربية ومنطقة بلاد الشام لإعادة تخطيط الأرض على مقاس من يدفع، هل تذكرون فكرة «ريفيرا غزة؟».
حين حصلت شركة كوشنر على الموافقة الرسمية، لم يكن ذلك مجرد توقيع روتيني. كان إعلانًا صريحًا بأن السيادة يمكن تقسيطها على دفعات من العملات الصعبة. الحكومة الألبانية، المتعطشة للاندماج الأوروبي، أعادت كتابة قوانينها البيئية في أسابيع قليلة مانحة المشروع صفة «الاستثمار الاستراتيجي». هذه الصفة لم تكن مجرد لقب شرفي، بل تصريحًا بمحو الخطوط الحمراء التي كانت تحمي الساحل والغابات، تصريحًا بتحويل الأرض إلى أصل مالي.
في تلك اللحظة، بدت ألبانيا وكأنها تخلع درعها القديم وتعرضه للبيع. الجزيرة التي صُممت لتحمي حدود البلاد من الغزاة، فُتحت طواعية للمستثمرين. لم تعد الملاجئ والأنفاق سلاحًا دفاعيًّا، بل زينة سياحية في المخططات الرقمية التي عرضها كوشنر على المستثمرين، واعدًا بدمج التحصينات الدفاعية في واجهة المشروع كعناصر «تراثية» يحتفظ بها خلف الزجاج.
الصور التي عرضها فريق كوشنر لشقق زجاجية وحمامات سباحة لا متناهية، ومراسٍ لليخوت ومسارات حجرية مرتبة بعناية، تتستّر على ذاكرة ستُباع قطعة قطعة ويُعاد تغليفها بلُغة التسويق: «تجربة فاخرة في قلب البحر الأبيض المتوسط».
صدفة أم جزء من مشروع سياسي واقتصادي يرسم خريطة جديدة، ما يحرك الأحداث خلف هذه الأضواء؟ Affinity Partners، أداة كوشنر الاستثمارية، تمول المشروع بأموال من صناديق استثمار خليجية وإسرائيلية. وألبانيا، الدولة المسلمة التي طالما حلمت بالانتماء الأوروبي، صارت حلقة وصل بين العالم الإسلامي وإسرائيل، وجسرًا ماليًّا يمر فوق قوانينها وسيادتها، غريب بعض الشيء.
لم يكن المشروع محليًّا خالصًا، ولا حتى أوروبيًّا. كان اختبارًا لوصفة قديمة جديدة: كيف تشتري الأرض بالقانون؟ كيف تطرد الفقراء عبر العقود والرسومات؟ كيف تُحيّد البيئة كعائق في طريق الأرباح؟ هذه الوصفة ليست مجهولة في منطقتنا. في فلسطين، تُطرد العائلات بالقوة العسكرية. وفي ألبانيا، يُعاد طردهم بنص قانوني يعد بـ «التنمية المستدامة».
الفلاحون يبيعون أراضيَهم بأثمان زهيدة بعدما تُركوا بلا ماء ولا كهرباء. هل يذكرنا هذا بشيء؟ الإفقار، الإغراء، البيع، الرحيل الطوعي؟ أراضٍ يُستولى عليها، لكن ليس لحماية الحدود، بل لخدمة رأس المال. مشاريع تُختبر في ألبانيا تبدو نسخة أولية: طرد السكان الفقراء، تسويق الرفاهية، شرعنة السيطرة عبر العقود والقوانين. وإسرائيل ليست بعيدة عن هذه الشبكة، فمستثمروها شركاء في هذه اللعبة ويصوغون الوصفات ذاتها: الأرض ملك لمن يحصل عليها.
يذكر تحقيق نشرته مجلة «جاكوبين» كيف هنالك في قلب تيرانا، تلك المدينة التي تختلط فيها الأبراج الزجاجية ببقايا العمارات الشيوعية، كان المسؤولون يتحدثون بفخر عن «الفرصة التاريخية» التي ستفتح أبواب السياحة وستجلب آلاف الوظائف وستضع ألبانيا على خريطة الاستثمار العالمي؛ لكن الخريطة التي رُسمت في مكاتبهم لم يكن فيها مكان للصيادين الذين عاشوا على البحر، ولا للأسر التي كانت تحتمي في ظلال الأشجار القديمة.
القانون جرى تعديله بسرعة مثيرة للريبة. صفة «الاستثمار الاستراتيجي» تحولت إلى عصا سحرية تلغي المحميات البحرية، تسمح بالبناء على الشواطئ، وتُخضع البلد لقواعد المستثمر لا لقوانينه هو. في الاجتماعات، ناقش ممثلو Affinity Partners مع الوزراء كيف تُختصر البيروقراطية، كيف يُعاد تخطيط الساحل، وفي القرى الساحلية، كان الصيادون يتداولون حكايات عن سازان. الجزيرة التي كانت محرمة، قاعدة عسكرية مغلقة، كانت رغم ذلك مشاعًا بحريًّا يبحرون حولها، يلقون شباكهم فيها. كان البحر للجميع. لكن الآن تُرسم فوقه خطوط حمراء: مراسٍ لليخوت الفاخرة، بوابات إلكترونية، شواطئ محمية للأثرياء.
هكذا تظهر سازان كدرس في كتابة خرائط الإمبراطورية الجديدة: لا حرب، بل بيع. لا احتلال، بل استثمار. لكنها تظل، مثل فلسطين، مسرحًا للصراع بين من يملك المال ومن يملك الحق في البقاء. وجد المستثمرون الإسرائيليون في هذه الشراكة فرصة لتكرار أساليب مألوفة: السيطرة عبر العقود لا البنادق، إعادة رسم الأراضي على مقاس من يملك الثروة. وهذا النموذج ليس غريبًا على المنطقة العربية. في فلسطين، يتم طرد السكان بقوة السلاح. في ألبانيا، يُطردون بقوة القانون. في غزة، تُخطط مشاريع الواجهة البحرية بعد تهجير الناس. في سازان، تُباع الجزيرة بأكملها. الفكرة واحدة، الأدوات تتغير: الخرسانة تحل محل طائرات الإف-٣٢ والعقود تحل محل الدبابات والجرافات.
الصفقة كانت درسًا في الاستعمار الناعم، يظهر بوجه مبتسم ووعود خلابة. لكنها حين تُقشّر، تُظهر حقيقة قديمة: الأرض لمن يستطيع شراء صمت القانون ليُترك الناس يراقبون البحر الذي كان لهم يومًا وهو يُباع أمام أعينهم. هنا، يلتقي المنطق التجاري البارد مع سياسات توسعية مألوفة. الإسرائيليون، الذين عرفوا كيف يخططون المستوطنات في الضفة الغربية، لم يجدوا صعوبة في فهم كيفية بيع جزيرة بأكملها تحت اسم «التنمية». والتحقيق الذي أشرت إليه يوضّح هذه الروابط: شركة كوشنر جمعت التمويل من صناديق سيادية خليجية ونسقت مع شركاء إسرائيليين. ليست هذه مؤامرة سرية، بل شبكة علنية تستثمر في العقارات، تستنسخ الوصفة التي حولت تلال الضفة الغربية إلى مربعات أسمنتية محاطة بالأسلاك، وتعيد تطبيقها على شاطئ الأدرياتيك.
هكذا بدا المشهد مثل استعمار بلا جيوش. مهندسون معماريون، محامون، سياسيون يشرعون الصفقة في البرلمان. كانت هذه هي السيادة الجديدة: تُباع عبر العقود، تُغلف بأوراق رسمية، وتُقدّم للناس كهدية من ذهب. وفي الخلفية، كان الخيط يربط ألبانيا بفلسطين: في غزة، يُغلق البحر في وجه الصيادين خلف الحصار. في سازان، يُغلق البحر بحجة التطوير. الفكرة واحدة، والضحية دائمًا من لا يملك ثمن البقاء.
في الأرياف المطلة على الأدرياتيك، كانت الأحاديث أكثر صدقًا وأقل زينة، بحسب التحقيق، هناك حيث البيوت الطينية تتكئ على تلال مغطاة بالأعشاب البرية، لم يكن الناس يتحدثون عن المليارات، بل عن البحر الذي صار فجأة ممنوعًا عليهم. عشرات الأسر كانت تعتمد على شباكها المتواضعة. كانوا يعرفون تيارات الماء، أسرار الشُّعب المرجانية، مواسم الأسماك. كان البحر كتابهم المفتوح. لكن القوانين الجديدة أغلقت هذا الكتاب، أعلنت أن الشاطئ للبيع، وأن التنمية تعني أسوارًا وأسعارًا.
في النهاية، تبدو جزيرة سازان رمزًا صغيرًا لخريطة الشرق الأوسط الجديد، الذي يبدو أنه سيكون رمزًا في خريطة أكبر ترسمها إمبراطورية نيوليبرالية جديدة، تصوغها الشركات العابرة للحدود وتحميها تحالفات سياسية صامتة. في هذه الخريطة، لا مكان للطيور المهاجرة ولا للصيادين الفقراء ولا للأطفال الذين يرسمون شواطئهم بالرمل. هناك فقط نوافذ عملاقة تعكس البحر، لكنها تمنعه عن الذين حلموا به.
حين يطوي القارئ خريطة البحر المتوسط، يرى خيطًا خفيًّا يمتد من الساحل الأدرياتيكي إلى شواطئ غزة المحاصرة. فالمال الذي تدفق لشراء جزيرة سازان كان أمريكيًّا وإسرائيليًّا بالدرجة الأولى، وضُخّت فيه مليارات من صناديق سيادية عربية تعلم تمامًا أن Affinity Partners هي الأداة الاستثمارية التي يستخدمها كوشنر لبناء الجسور الجديدة بين إسرائيل والعالم العربي والإسلامي.
إذًا، لم يكن هذا مجرد استثمار عابر. كان جزءًا من رؤية استراتيجية تُعيد ترتيب المنطقة عبر الخرائط الاقتصادية. كوشنر نفسه لم يُخفِ تصوراته: فكرة تحويل غزة «المطهرة» عرقيًّا إلى واجهة بحرية ذات قيمة عالية، مشروع سياحي مربح بعد التهجير. ما بدا صادمًا حين قيل عن فلسطين، يُختبر اليوم في ألبانيا: شراء القانون، إخضاع الطبيعة، طرد السكان الفقراء، وتغليف كل ذلك بوعود الرفاهية المصممة لمن يملك الثمن.
في غزة، البحر مسور بالأسلاك الشائكة، يُمنع الصيد كعقاب جماعي. في سازان، يُغلق البحر بالبوابات الزجاجية، تُرسم خطوط حمراء حول الشاطئ. في فلسطين، تُزرع المستوطنات بقوة الجرافات العسكرية. في ألبانيا، تُبنى المنتجعات بقوة العقود القانونية. الاختلاف في الأداة، لكن الغاية واحدة: السيطرة على الأرض وتحويلها إلى أصل تجاري خاضع لحساب الأرباح.
هكذا تتشابه القصص بين غزة وسازان. لا في الجغرافيا ولا في الأسماء، بل في المنطق نفسه. الأرض مَورد يُشترى ويباع، والقانون أداة بيد الأقوى، والناس يُعاد ترتيبهم على هامش الخريطة. إسرائيل أتقنت هذه الوصفة في فلسطين، وتشارك اليوم في تصديرها عبر استثمارات قانونية تبدو نظيفة.
في النهاية، تبدو جزيرة سازان رمزًا صغيرًا لخريطة أكبر ترسمها إمبراطورية نيوليبرالية جديدة. خريطة تُصاغ في مكاتب الشركات العابرة للحدود، تحميها تحالفات سياسية صامتة. في هذه الخريطة، لا مكان للطيور المهاجرة ولا للصيادين الفقراء ولا للأطفال الذين يرسمون شواطئهم في الرمل. هناك فقط نوافذ زجاجية عملاقة تعكس البحر لكنها تمنعه عن الذين حلموا به يومًا.