لم يبقَ الكثير لتدخل حرب غزة عامها الثاني، حرب بلا نهاية واضحة واحتمالاتها ما تزال مفتوحة على اتساعها. وعلى الرغم من مرور كل هذا الوقت الذي استدعى أن يكون هناك وقفة تحليلية جادة، فإن النقاش حول استمرار الحرب وطبيعتها ظل محدودًا، ولم يتجاوز أن يكون بعض محاولات فردية من قلة من المفكرين لا نسق عام عند أغلبيتهم.
المفارقة أن عددًا من المحللين السياسيين والباحثين في الشأن الإسرائيلي عادوا -بثقة مكرّرة- ليؤكّدوا أن الحرب الإسرائيلية ضد إيران "لن تستغرق أكثر من أسبوعين". الجملة ذاتها، النبرة ذاتها، والافتراض عينه، على الرغم من تغير السياق. وكأن ما يقرب من سنتين من الحرب المفتوحة في غزة لم يكن كافيًا لهز قوالب الفهم الجامدة أو إعادة تفكيك منطق "الحسم السريع" الذي كثيرًا ما ينسب إلى إسرائيل.
صحيح أن المواجهة مع إيران لم تتحول إلى حرب شاملة، واقتصرت على تصعيد محدود لم يتجاوز عشرة أيام، تدخلت خلالها الولايات المتحدة عبر القصف الجوي بحجة فرملة اندفاع الطرفين نحو مواجهة مفتوحة، لكن التوتر بقي حاضرًا، والاحتمالات ما زالت مفتوحة على مصراعيها، ما يعني أن هذه "الحرب القصيرة الخاطفة" لم تغلق بل أُجِلَت وربما كانت مجرد تمهيد لحرب إقليمية مفتوحة.
بين الجدار الحديدي والردع بالجنون (العقيدة الأمنية)
لطالما اعتمدت إسرائيل في تحديد عقيدتها الأمنية على مزيج من الرؤى النظرية والاستراتيجيات العملية، ومن بين أبرز هذه النظريات، تبرز نظرية "الجدار الحديدي" التي طرحها جابوتنسكي عام 1923م، والتي أكدت أن العرب لن يقبلوا بالمشروع الصهيوني طوعًا، وأنه لا بد من خلق واقع قهري بقوة عسكرية منيعة تجعل المقاومة غير مُجدية، جدار حديدي لا يخترق، ولاحقًا بَلْوَرَ المؤرخ العسكري الإسرائيلي مارتن فان كريفيلد العقيدة الأمنية الحديثة على ركائز ثلاثة:
١. الحرب الخاطفة.
٢. نقل المعركة إلى أرض العدو.
٣. الردع الساحق.
كما تحدث المفكر الاستراتيجي البريطاني ليدل هارت عن مفهوم "الاختراق غير المباشر" والذي تأثر به بعض المفكرين العسكريين الإسرائيليين، لا سيما في إطار النقاش حول تفادي المواجهة المباشرة والاستنزاف طويل الأمد، لكن سرعان ما تم تجاوز هذه الأفكار لحساب عقيدة "الردع الساحق" المستندة إلى نماذج مثل "نموذج عقيدة الضاحية 2006".
كما يظهر في بعض الأدبيات الأمنية الإسرائيلية ما يُعرف بـ"الردع بالجنون"، وهي فرضية برزت منذ السبعينيات وتوسعت بشكل خاص بعد حرب لبنان الأولى، وتقوم على إظهار أن إسرائيل مستعدة لتجاوز كل الخطوط الحمراء -دون منطق أو حدود- بهدف ترهيب الخصوم وزرع قناعة بعدم إمكانية التنبؤ بسلوكها. وقد تحدث عنها باحثون مثل موشيه هالبرتسال وباروخ كيملينغ ضمن تحليلهم لسلوك الدولة في الأزمات القصوى، ويطرح بعض الباحثين ما يسمونه "الردع المُركب"، الذي يجمع بين القوة العسكرية والاعلام والتكنولوجيا والاستخبارات في إدارة بيئة أمنية هجينة وينظر إليه كمحاولة للخروج من أُطر الردع التقليدي. كما حدث حين باغتت إسرائيل إيران باستهداف معقّد لمنشأة نطنز النووية من خلال فيروسات مثل Stuxnet وهو مثال على الهجمات الهجينة التي تمزج بين السيبرانية والاختراق الأمني.
عقائد ما زالت صالحة نسبيًّا
رغم التحولات الكبرى التي أصابت العقيدة الأمنية الإسرائيلية الكلاسيكية، فإن بعض مفاهيمها ما تزال تُظهر فاعلية نسبية في قراءة الواقع، ومن ذلك:
١. "الردع بالجنون" ما يزال يُستخدم لترهيب الخصوم من خلال سلوك غير عقلاني ظاهريًّا، كما في تهديدات محو مناطق كاملة أو استخدام القوة المفرطة دون تحذير، وهذا نمط من الردع يعتمد على الغموض والعنف غير المقنن كأداة رادعة بحد ذاتها، كما في أحداث تفجيرات البيجر، والتي قامت بها إسرائيل ضد حزب الله.
٢. "الردع المركب" تزداد فاعليته خصوصًا في المواجهة مع إيران، حيث تتداخل القدرات العسكرية مع الضغوط الدبلوماسية، والهجمات السيبرانية المفاجئة.
٣. "الجدار الحديدي"، على الرغم من أن هذه النظرية تعد من أقدم النظريات فإنها ما زالت تنجح مع الأنظمة العربية، لكنها فقدت تأثيرها عند التعامل مع فواعل غير دولاتية، مثل الحوثيين والفصائل الفلسطينية في غزة، والذين أثبتوا قدرة كبيرة على كسر جدار الردع عبر استمرار الهجمات وامتلاك أدوات الرد المكلف. وقدمت فصائل المقاومة في غزة الدليل الأوضح: فإسرائيل رغم تفوقها ما زالت في حالة استنزاف طويلة، وسط قبول داخلي واسع للحرب، الحرب التي لم تعد خاطفة، ولا حسمها عاد ممكنًا بالوسائل التقليدية، أما اليمن فاستمرار الحوثيين في شن هجمات بحرية بعيدة المدى كشف قصور الأدوات التقليدية.
عندما تتغير إسرائيل ويبقى الفهم ثابتًا
لم تقتصر الإشكالية على التحليلات الأكاديمية والإعلامية، بل امتدت إلى الطريقة التي يتم بها تفسير سلوك المقاومة الفلسطينية، فعلى سبيل المثال، كان جزء أساسي من استراتيجية حماس يعتمد على قناعة بأن إسرائيل ما زالت تولي حياة جنودها ومدنييها أهمية قصوى، وأن وقوع أسرى أو قتلى كثر سيخلق ضغطًا داخليًا كافيًا يدفع القيادة الإسرائيلية لوقف القتال، لكن ذلك لم يحدث، وما حدث فعليًّا يظهر أن إسرائيل ذاتها قد تغيّرت، فقد أبدت الدولة وغالبية المجتمع -لا الجزء الذي يخرج بمظاهرات لوقف الحرب فقط لإعادة "أبنائهم" ثم أكملوا الحرب- أبدوا استعدادًا متزايدًا لتحمل الخسائر، وحتى الانتقادات والتحركات الدولية، مقابل الإبقاء على زخم العمليات العسكرية لأشهر طويلة دون سقف زمني واضح. ما يعني أن المعضلة لا تكمن في تقديرات حماس بحد ذاتها، بل في كون إسرائيل غيرت من نسقها الذي كانت تُقرأ ضمنه لسنوات.
حكومة تقاتل بعقيدة جديدة
إن التحول في بنية الحكومة الإسرائيلية الحالية، بقيادة نتنياهو وتحالفه مع أطراف دينية قومية متطرفة، فبعيدًا عن التحليل السائد الذي يحصر دوافع نتنياهو في رغبته بالبقاء السياسي وتجنب المحاكمات، هناك ما هو أعمق: حكومة تتبنى هذا الخيار من منطلقات أيديولوجية، وتؤمن بالثأر والهيمنة، فأضحى ذلك أيضًا توجه المجتمع الإسرائيلي ببناه المختلفة، والذي "انهارت بِناه التقليدية الأمنية أمام تغيرات بنيوية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه: تداخل الدين بالسياسة، وجذور الشعبوية في القرار الأمني، وهيمنة خطاب الثأر على الواقع"، فلم تعد الحسابات العقلانية وحدها هي التي تحكم قرار الحرب، بل باتت الاعتبارات الدينية، والشعبوية، والهوياتية عناصر أساسية في صناعة القرار، ومع ذلك فإن الحكومة لا تتحرك بفوضى أو انفعال فقط؛ فهي تفكر بعقلية استراتيجية أيضًا، وتسعى من خلال الحرب إلى استعادة صورة إسرائيل القوية التي كانت قادرة على الحسم، والهيمنة وبناء الردع، كما أظهرت في العقود الأولى بعد تأسيسها.
أين تقف واشنطن؟
لا يمكن قراءة أي تصعيد في المنطقة دون التوقف عند الدور الأمريكي الكبير، الذي تجاوز الدعم السياسي والعسكري إلى التدخل المباشر عبر قصف المفاعلات الإيرانية بالقنابل، لا يمكن تجاهل دور الولايات المتحدة، التي تمثل عنصرًا فاعلًا في التوازنات المحيطة بأي حرب تخوضها إسرائيل، بالدعم العسكري اللامحدود، وتزويد إسرائيل بأسلحة استراتيجية مثل الذخائر الذكية وقنابل ال "Bunker Buster"، وجسر جوي لا يتوقف، وخاصة بعد الإعلان الرسمي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل المباشر عبر قصف المفاعلات النووية الإيرانية.
ما بعد الحرب مع إيران: توقف القتال لا يعني توقف التحليل
رغم توقف القتال، لا تزال الأسئلة قائمة، فالحرب لم تحسم بالمعنى الكامل، وقرار وقفها جاء في إطار توازنات دقيقة وليس نتيجة انهيار طرف على حساب الآخر، لذلك فإن مفاهيم "الحرب الخاطفة" و"الحسم السريع" تبدو بعيدة عن الواقع.
والأهم أن الدور الأمريكي حاول فرض مسار غير تقليدي لنهاية الحرب، وهذا أعاد إلى الواجهة أن إسرائيل ما زالت ليست الفاعل الوحيد في قرارات حروبها وسلمها، وإنما هي جزء من مشهد أوسع تتحكم به الولايات المتحدة الأمريكية.
الخطاب التحليلي: تكرار بلا مراجعة
ما يلفت في المشهد التحليلي العربي أن العبارات ذاتها التي طُرحت مع بدايات حرب غزة تعود لتُستخدم مجددًا في توصيف ما قد يحدث في الحرب مع إيران: "أسابيع لا أشهر، "إسرائيل لا تتحمل الخسائر البشرية"، وعبارات مشابهة. هذه الصياغات لا تعبر بالضرورة عن تحليل بقدر ما تعكس ميلًا لتكرار روايات مألوفة لم تخضع لمراجعة كافية في ضوء التحولات الحاصلة.
الأمر لا يتوقف عند الاعلام أو التناول السريع، بل يمتد أحيانًا إلى أوساط أكاديمية يُفترض فيها قدر أكبر من العمق والمرونة، فكثير من الأدبيات التحليلية ما زالت تُعيد إنتاج تصورات قديمة عن المجتمع الإسرائيلي، دون التوقف مليًّا أمام ما طرأ من تغيرات بنيوية جديدة في بناه كافة. وحتى أولئك الذين أشاروا مبكرًا إلى هذه التحولات، بقيت مساهماتهم على الهامش، دون أن تُحدث المراجعة المطلوبة في أدوات الفهم نفسها.
هل الحرب القادمة قصيرة فعلًا؟
من هنا، تبرز المعضلة الكبرى: هل الحرب القادمة مع إيران ستكون خاطفة فعلًا؟ أم أننا أمام نموذج جديد من الحروب الإسرائيلية المفتوحة، متعددة الجبهات، والبعيدة عن الحسم؟
التجربة الممتدة مع غزة تمنحنا مؤشرات قوية، فالصورة النمطية عن الحرب الخاطفة والحسم السريع باتت بعيدة عن واقع الحال، سواء بسبب تعقيدات البيئة الإقليمية، أو تحولات المجتمع الإسرائيلي نفسه، أو طبيعة الحكومات التي تقِر قرارات الحرب. إسرائيل اليوم تبدو مستعدة لخوض حروب أطول من المعتاد، وإن لم يكن ذلك خيارها المفضل، وهو ما يتطلب قراءة جديدة للعقيدة الأمنية، وللسياق الذي يُنتجه القرار العسكري في تل أبيب، فالمسألة كما أشرنا لم تعد متعلقة بالقوة العسكرية فقط.
في ضوء ذلك، يصبح من الضروري أن لا نقيس الحرب/ الحروب المقبلة على مقاييس سابقة لم تعد تنطبق عليها، وأن لا نختزل التغير الحاصل في إسرائيل في بعد واحد، بل أن نقرأه من زواياه المختلفة، دون مبالغة في القدرة، ودون تقليل من التحولات العميقة الجارية.
فحتى لو امتلكت إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة القدرة العسكرية على توجيه ضربة قاصمة، فإن التحكم في مآلات الحرب لم يعد مضمونًا، لا زمنيًّا ولا سياسيًّا، والتحليل السياسي الجاد يجب ألا يطمئن، بل أن يقلق، وأن يحذر من الاعتماد على أدوات قديمة، لا أن يُطمئن الناس بعبارات لم تختبر.
التحليل الحقيقي لا يُطمئن.. بل يُزعزع
من غزة إلى إيران، لا يتكرر الصراع، بل تتكرر اللغة فقط، فإسرائيل تغيرت، والواقع تغيّر، لكننا ما زلنا نصر على استخدام مفاتيح قديمة لأبواب لم يعد قائمًا منها إلا بقاياها. التحليل الحقيقي لا يطمئن، بل يزعزع، ولا يعيد تدوير العبارات، بل يخلق أدوات جديدة لفهم مواكب لتطور البنى و الأحداث والمجريات.
لقد تغيرت إسرائيل من الداخل، وأعادت تعريف أعدائها وخططها، ويجب علينا أن نعيد نحن أيضًا تعريف أدواتنا. هذه ليست دعوة لهدم التحليل، بل لإنقاذه من الجمود. الأزمة لم تعد في معرفة إسرائيل، بل في جمود من يصر على قرائتها بنفس الفهم القديم، ولهذا فإن المعركة الحقيقية لم تعد هناك فقط، بل هنا أيضًا، في الأسس التي عليها نحاول فهم ما جرى وسيجري.