ultracheck
جماهير كرة القدم

من غاليانو إلى قنبلة فلامنغو: سوسيولوجيا المشجعين في كرة القدم

16 يونيو 2026

في أولى صفحات كتابه "كرة القدم بين الشمس والظل" (طوى للنشر والإعلام، 2011)، يعترف إدواردو غاليانو قائلًا: "لقد رغبتُ، مثل جميع الأوروغوايانيين، في أن أصبح لاعب كرة قدم. وقد كنت ألعب جيدًا، بل كنت رائعًا، ولكن في الليل فقط، أثناء نومي. أما في النهار، فقد كنت أسوأ قدمٍ متخشبة شهدتها ملاعب الأحياء في بلادي. مرّت السنوات، ومع مرور الوقت انتهيت إلى القناعة بهويتي: فأنا مجرد متسولٍ أطلب كرة قدم جيدة. أمضي عبر العالم حاملًا قبعتي، وأتوسل في الاستادات: لعبة جميلة، حبًّا بالرب. وعندما أرى كرة قدم جيدة، أحمد هذه المعجزة، دون أن يهمني قيد فجلةٍ من هو النادي أو البلد الذي قدّم ذلك اللعب الجميل".

الاعتراف الشخصي هذا لا يخص غاليانو وحده، بل يمثل، بدرجاتٍ متفاوتة، التجربة الوجدانية لملايين البشر الذين تابعوا كرة القدم منذ طفولتهم. فمنذ وقتٍ مبكرٍ من عمر كل من شاهد كرة القدم، راود الكثيرين ذلك الحلم البسيط والآسر: أن يصبحوا لاعبي كرة قدم مشهورين، وأن يعتلوا يومًا ما خشبة المسرح الأخضر الذي تتجه إليه أنظار العالم. إنها رغبة عالمية، تكاد تكون مشتركة بين أبناء الأرض على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم، غير أنها ليست متاحة للجميع. فالقلة النادرة والمختارة هي وحدها التي ستستولي على المستطيل الأخضر، وتصوغ علاقتها الخاصة بالكرة بوصفها مهنة ومجدًا ومصدرًا للخلود الرياضي.

أما الذين لم يحالفهم الحظ في بلوغ ذلك الحلم، فإن مصيرهم على المدرجات، أو خلف الشاشات، أو في المقاهي والساحات العامة، بصفتهم المشجعين الذين يهبون هذه اللعبة روحها ومعناها الاجتماعي.

من على مقعد يتوسط مئات المقاعد الأخرى، يقف مشجع ويهتف بقوّة. قد يعلو صوته أو يخفت، لكنه يدرك أنه لن يغيّر شيئًا في هدير الحشود التي تطوق الملعب من كل الجهات، وتهتف في اللحظة ذاتها بإيقاع جماعي لا يستطيع أحد إيقافه. وحول هذا المشجع، آلاف من المشجعين داخل الملعب، وخلف هؤلاء الآلاف ملايين آخرون يتابعون عبر الشاشات، يتشاركون نحو تسعين دقيقة من التوتر والترقب والانشداد العصبي، تتخللها الصرخات والشتائم والانفجارات العاطفية، وأحيانًا الانفعالات التي تدفع البعض إلى تحطيم ما يقع قريبًا من أيديهم.

أما الذين يملكون القدرة على تحريك هذه الجموع، وإثارة فرحها أو سخطها، فهم أحد عشر لاعبًا يرتدون ألوان الفريق الذي يشجعه هؤلاء الملايين. أحد عشر رجلًا يتناوبون على ركل الكرة، لكنها كرة قادرة، في نظر جماهيرها، على تحديد مصائر تتجاوز حدود المباراة نفسها.

في تأملنا لمشهد كرة القدم – وعلى طريقة غاليانو الذي اختار أن يكون مشجّعًا بطريقةٍ أدبيّةٍ عوضًا عن احترافه اللعب – نجد أن الأنظار تتجه، في الغالب، نحو اللاعبين داخل الملعب، ونحو الجالسين على دكة البدلاء، والمدرب الذي تُراقَبُ تحركاته وانفعالاته وإشاراته المتواصلة إلى لاعبيه، وهم يعيشون ضغطًا يتجدد مع كل مباراة.

غير أن سؤالًا يُطرحُ هنا: ماذا عن الجمهور الذي يمنح هذه اللعبة نكهتها الخاصة؟ ماذا عن طقوسه وممارساته، وهتافاته وانفعالاته، ودرجات التزامه وانتمائه، بل وحتى أشكال شغبه وتمرده؟

بعدٌ جماهيري وصناعة اقتصادية

إن فهم كرة القدم بوصفها ظاهرة اجتماعية لا يكتمل بالتركيز على ما يجري داخل حدود الملعب فقط، وإنما يقتضي أيضًا الالتفات إلى الجماهير التي لا تكتفي بالمشاهدة، بل تشارك بصورة فعّالة في صناعة المعنى، وإنتاج المشهد، ومنح اللعبة قوتها الرمزية وقدرتها الاستثنائية على التعبئة والتأثير. فهؤلاء ليسوا مجرد متفرجين على حدث رياضي، بل فاعلون اجتماعيون يصوغون، عبر طقوسهم الجماعية، أشكالًا من الهوية والانتماء والتضامن والصراع، تجعل من كرة القدم واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية ثراءً وتعقيدًا في عالمنا المعاصر.

مع انطلاق فعاليات كأس العالم 2026 يوم الخميس 11 حزيران/يونيو 2026، من ملعب أزتيكا التاريخي في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، والتي تميزت بأنها الأكبر في التاريخ، بمشاركة 48 منتخبًا لأول مرة، وبتنظيم مشترك بين ثلاث دول هي: المكسيك والولايات المتحدة وكندا. اتجه اهتمام العالم بأسره نحو هذا الحدث، كاشفًا عن القدرة الاستثنائية لهذه اللعبة على استقطاب الجماهير وتوحيد اهتمامها عبر الحدود والثقافات. إذ إن كرة القدم تمثل أحد أكثر أشكال الفعل الجماعي اتساعًا وتأثيرًا، فهي ظاهرة اجتماعية لا يكاد يوجد ما يضاهيها من حيث قدرتها على حشد البشر، وإثارة الانفعالات الجماعية، وإنتاج أنماط معقدة من الانتماء والتفاعل.

يرى عالم اجتماع كرة القدم ديفيد غولدبلات، في مقابلة بودكاست، أن الأهمية السوسيولوجية لكرة القدم لا تتوقف على مدى اهتمام الباحث بها شخصيًا، بل تنبع من حجم حضورها وتأثيرها العالمي. إذ لا يوجد حدث رياضي أو ثقافي آخر يضاهي كأس العالم من حيث حجم المشاهدة والانتشار الدولي، حتى إن الألعاب الأولمبية لا تحقق المستوى نفسه من التفاعل الجماهيري المتزامن. ومن ثم، فإن دراسة كرة القدم تصبح مدخلًا لفهم آليات العمل الجماعي، وكيفية تشكل المشاعر الجمعية وتعبئتها على نطاق عالمي.

لا تقتصر أهمية كرة القدم – بحسب غولدبلات – على بعدها الجماهيري، بل تمتد إلى كونها صناعة اقتصادية ضخمة، تتداخل فيها الاعتبارات التجارية مع اعتبارات أخرى لا تخضع دائمًا لمنطق الربح. فعلى الرغم من خضوع الأندية والبطولات لآليات السوق، فإن العديد من الفاعلين داخل هذا المجال لا يتحركون بدافع تحقيق العائد المالي فقط، بل تحركهم أيضًا الرغبة في الفوز، والبحث عن المجد الرياضي، وتعزيز المكانة الرمزية. هذا التداخل يجعل من كرة القدم مجالًا غنيًا لفهم العلاقة بين الاقتصاد والثقافة والقيم الاجتماعية.

كما تكشف كرة القدم عن أنماط جغرافية تعكس بدرجة كبيرة البنى الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمعات المختلفة. فالتوزيع المكاني للأندية الكبرى، ومراكز النفوذ الرياضي، لا ينفصل عن تاريخ التنمية وعدم المساواة بين الأقاليم. ففي بعض البلدان تتركز القوة الكروية في العاصمة، بينما تعكس بلدان أخرى هيمنة المناطق الصناعية الأكثر ثراءً على حساب الأقاليم المهمّشة. وبهذا لا تبدو الخريطة الرياضية منفصلة عن الخريطة الاجتماعية والاقتصادية، بل تشكل امتدادًا لها وتجسيدًا لاختلالات القوة القائمة داخل المجتمع، كما تبرز الأبعاد السياسية لكرة القدم بصورة أكثر وضوحًا على المستويين الوطني والدولي. فالمؤسسات الكروية الكبرى تتحول من الأدوار التنظيمية المهمة إلى فاعلين سياسيين يمتلكون القدرة على التأثير والتفاوض وصياغة العلاقات مع الحكومات والهيئات المختلفة.

مختبر السلوك الجماعي للجماهير

تُشكّل الجماهير داخل ملاعب كرة القدم أحد أكثر ميادين الملاحظة السوسيولوجية ثراءً؛ إذ تتحول المدرجات إلى مختبر حيّ للسلوك الجماعي. فالهتافات الموحدة، والتصفيق المتناغم، والانفعالات التي تنتقل بين آلاف الأفراد في لحظات متزامنة، تثير أسئلة عديدة: كيف يتشكل الفعل الجماعي من مبادرات فردية متفرقة؟ وما الكيفية التي يتحول بها فعل بسيط يبدأ من شخص أو مجموعة صغيرة إلى ممارسة يتبناها آلاف الأشخاص في اللحظة نفسها؟ وكيف يتأثر سلوك الأفراد بالجماعة التي ينتمون إليها، إلى الحد الذي يتصرف فيه الآلاف وكأنهم شخص واحد؟

تشير الملاحظة الميدانية إلى أن هذه العمليات لا تحدث بصورة عشوائية، بل تمر عبر مراحل من التفاعل والتأثير المتبادل. فغالبًا ما يبدأ الهتاف من أفراد يمتلكون الجرأة الكافية للمبادرة، ثم ينتقل تدريجيًا إلى المحيطين بهم، حتى يصل إلى ما يشبه "الكتلة الحرجة" التي تدفع الأغلبية إلى الانخراط فيه. وبالمثل، فإن توقف التصفيق أو الغناء لا يحدث تدريجيًا أو بصورة فردية، وإنما يتخذ شكلًا جماعيًا متزامنًا، وحسب سلوك الجماعة وتوقعاتها الضمنية.

تُعد ملاعب كرة القدم فضاءات تتجلى فيها قضايا الهوية والانتماء والاختلاف الاجتماعي بصورة مكثفة. ففي كثير من المجتمعات الحديثة كانت كرة القدم من أبرز الساحات العامة التي ظهر فيها أبناء الأقليات العرقية والدينية والمهاجرون على نحو لافت، الأمر الذي جعلها مجالًا تتقاطع فيه أسئلة الاندماج والاعتراف والمواطنة. وقد كشفت الهتافات العنصرية التي تعرض لها بعض اللاعبين من ذوي البشرة السمراء أو المنحدرين من أصول مهاجرة عن استمرار أشكال من التحيز والإقصاء الموجودة في المجتمع الأوسع، لتصبح المدرجات مرآةً تعكس التوترات الاجتماعية المرتبطة بالعرق والهوية والانتماء. وفي المقابل، وفرت كرة القدم لهؤلاء اللاعبين فرصة لتحدي هذه التصورات وإعادة تعريف موقعهم داخل المجتمع.

لم يكن حضور اللاعبين المنتمين إلى الأقليات العرقية أو المنحدرين من أصول مهاجرة داخل ملاعب كرة القدم مجرد فعلٍ رياضي، فقد جعلتهم تجارب الإقصاء والهتافات العنصرية التي تعرضوا لها في واجهة النقاشات العامة حول التمييز والمواطنة والانتماء. وفي الوقت نفسه، ساهم نجاح كثير منهم وشعبيتهم الواسعة في تحدي الصور النمطية السائدة، ودفع الجماهير والمؤسسات الرياضية، بدرجات متفاوتة، إلى التعامل بجدية أكبر مع قضايا العنصرية والتمييز، بما يجعل المدرجات مكانًا تتجسد فيها التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة في إدارة التنوع والتعايش مع الاختلاف.

إنتاج الانتماء الكروي

الممارسات الاجتماعية – بحسب غولدبلات – لا يمكن تفسيرها بمعزل عن جذورها التاريخية، كما أن المعاني التي يمنحها الأفراد لأفعالهم الراهنة تتشكل عبر تراكمات طويلة من الذكريات والرموز والقصص المشتركة. ولذلك، فإن فهم هوية أي جماعة مشجعة يقتضي العودة إلى تاريخها الخاص، واستكشاف الروايات التي بنت من خلالها تصورها لذاتها.

فالمشجع لا يرتبط بفريقه من خلال حاضره فقط، بل يبني انتماءه الكروي على رصيد متراكم من البطولات والإخفاقات والذكريات العاطفية التي تتناقلها الأجيال. ومن خلال هذه السرديات يكتسب الفريق استمراريته عبر الزمن؛ إذ لا تُختزل هويته في لاعبيه أو إدارته أو حتى ملعبه، لأن جميع هذه العناصر قابلة للتغيير، بل تستند إلى رأس مال ثقافي ورمزي يصوغه المشجعون ويعيدون إنتاجه باستمرار.

هذه السرديات تتعدد وتتنوع؛ فبينما يمثل منتخب البرازيل سردية "السامبا وكرة القدم الجميلة" باعتباره الموطن الروحي للمتعة والمهارة الفطرية، يجسد منتخب ألمانيا سردية "الماكينات" التي لا تعترف باليأس، وتعمل بصرامة وانضباط تكتيكي حاسم حتى الثواني الأخيرة. وفي المقابل، تعيش إيطاليا خلف سردية "الواقعية الدفاعية والجرينتا" (الكاتيناتشو)، حيث يُصنع المجد من الصلابة والمعاناة، بينما تمثل الأرجنتين سردية "الملهم والعبقرية الفردية" المعتمدة على البطل المخلص الذي يحمل أحلام الأمة على عاتقه.

ومع أن كثيرًا من هذه السرديات أحيانًا تحظى بالمبالغة والانتقائية والعاطفة، فإن أهميتها الاجتماعية تكمن في قدرتها على إنتاج المعنى، وتعزيز الروابط الجماعية، وترسيخ الشعور بالانتماء.

صورة مصغّرة للمجتمع البشري

كرة القدم هي صورة مصغّرة للمجتمع البشري، بما ينطوي عليه من تعقيدات وتناقضات وصراعات رمزية. فعلى الرغم من التحول الكبير الذي شهدته اللعبة خلال العقود الأخيرة، وتحولها إلى سلعة تجارية عالمية تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والسياسية، فإن المجتمعات المنظمة للمشجعين في مختلف أنحاء العالم ما تزال تنتج أشكالًا من الممارسات الاجتماعية ذات الطابع الإبداعي والرمزي، تتجاوز في كثير من الأحيان المنطق التجاري الذي يحكم كرة القدم الحديثة.

يمكن النظر إلى ملاعب كرة القدم بوصفها فضاءات اجتماعية ذات دلالات ثقافية وسياسية عميقة، تتيح فهمًا أوسع للتوترات والمواجهات التي تعكس التحولات المستمرة داخل المجتمع. فقد أظهرت الدراسات التي تناولت ثقافة جماهير كرة القدم خلال العقود الماضية أن أحد أهم الدوافع التي تحث المشجعين على حضور المباريات يتمثل في الرغبة في معايشة أجواء احتفالية استثنائية والمشاركة الفعلية في صناعتها. ففي المدرجات ترفرف اللافتات، وتتردد أصوات الطبول والألعاب النارية، لتخلق فضاءً احتفاليًا يمنح المشاركين تجربة جماعية نادرة. ومن خلال الهتافات والرقصات والعروض البصرية المختلفة، تسهم الجماهير في إنتاج أداء اجتماعي وثقافي فريد، قادر على تجاوز بعض القيود والأعراف التي تحكم الحياة الحضرية المعتادة.

وفي ضوء هذه الاعتبارات، تبرز أهمية دراسة الهتافات بوصفها أحد أبرز أشكال التعبير الثقافي داخل ملاعب كرة القدم. فقد حظيت هذه الممارسة باهتمام واسع في الأدبيات العلمية المتعلقة بثقافة الجماهير، نظرًا لدورها المركزي في إنتاج المعاني الجماعية وصياغة الهويات المرتبطة بالنادي والجماعة المشجعة.

طقوس الألتراس

تشير بعض الدراسات، ولا سيما تلك التي تناولت جماعات الألتراس، إلى أن الهتافات تؤدي دورًا محوريًا في بناء الهوية الجماعية للمشجعين والتعبير عنها. فالألتراس لا يشغلون موقعًا محددًا داخل المدرجات فحسب، بل ينخرطون في طقوس جماعية متكررة تُنتج شعورًا قويًا بالانتماء، ويأتي الهتاف في مقدمة هذه الطقوس بوصفه ممارسة أدائية تُجسّد الذات الجماعية وتمنحها حضورًا ملموسًا.

وتستند مجتمعات المشجعين إلى منظومات مشتركة من الرموز والأساطير والذكريات وأنماط التفاعل اليومية، بما يخلق وعيًا جمعيًا خاصًا بأعضائها. إذ تتجاوز الأغاني والهتافات وظيفتها المباشرة في تشجيع الفريق، لتصبح وسيلة لترسيخ الانتماء، وإعادة إنتاج الذاكرة الجماعية والقيم المشتركة، والتأكيد على وحدة الجماعة واستمراريتها. كما تؤدي دورًا مهمًا في رسم الحدود الرمزية بين "نحن" و"هم"، سواء في مواجهة جماعات الألتراس المنافسة، أو الشرطة، أو المؤسسات المنظمة لكرة القدم.

وعلى الرغم من أن بعض هذه الهتافات قد تبدو للجمهور العام مسيئة أو استفزازية، فإنها تؤدي داخل الجماعة وظيفة اجتماعية مختلفة؛ إذ تعزز الشعور بالتمايز، وتنتج لغةً مشتركة لا تُفهم دلالاتها كاملة إلا من قبل أعضائها. وهكذا، تصبح الهتافات جزءًا من عمليات أوسع لبناء السمعة الجماعية وإدارة الانطباعات، يسعى من خلالها المشجعون إلى تقديم أنفسهم للآخرين باعتبارهم جماعة ذات هوية خاصة، مستخدمين إشارات ورموزًا لغوية تؤكد تماسكهم وتميزهم داخل المشهد الكروي.

قنبلة فلامنغو

ينقل المؤرخ البريطاني أليكس بيلوس، في كتابه "كرة القدم: الحياة على الطريقة البرازيلية" (كلمة، 2013)، عن الصحفي والمؤرخ البرازيلي ماريو فيلو واحدة من أغرب الحكايات التي نصادفها في عالم مشجعي كرة القدم. ففي افتتاح نهائيات مدينة ريو عام 1944، دوّى انفجار قنبلة داخل الملعب. ولم يكن الأمر حادثًا عرضيًا أو عملًا تخريبيًا بالمعنى المتعارف عليه، بل كان، على نحو مفارق، تعبيرًا عن الحماسة والولاء؛ إذ فجّر بعض مشجعي نادي فلامنغو قنبلة حقيقية تحيةً لفريقهم لحظة دخوله إلى أرض الملعب.

وقد أدى الانفجار إلى تغطية المدرجات بسحابة كثيفة من الدخان لعدة دقائق، كما ألحق أضرارًا بجزء من أرضية الملعب المزروعة بالعشب. هذه الواقعة سابقة ارتبطت باسم خايمي دي كارفالو، أحد أكثر مشجعي فلامنغو إخلاصًا وحماسًا، والذي لم يكن يتردد في ابتكار مختلف الوسائل لإثارة حماسة الجماهير وحشدها خلف فريقها. فإلى جانب هذا الفعل الغريب، كان يحضر المباريات مرتديًا ألوان ناديه، ومجهزًا باللافتات والأعلام التي كانت زوجته تصنعها يدويًا، في زمن لم تكن فيه منتجات التشجيع تُنتج أو تُسوَّق تجاريًا كما هو الحال اليوم.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

اقرأ/ي أيضًا

الآثار السورية

بين الترميم والتزوير: معضلة إعادة بناء الآثار في سوريا بعد الحرب

في سوريا اليوم، الترميم ليس مجرد تقنية، بل هو ساحة معركة ثقافية. كل قرار بإعادة بناء موقع أو تركه على حاله يحمل رسالة: إما "نحن أقوى من التدمير" أو "نحن لا نخاف من أن نرى ندوبنا"

عبد اللطيف الأحمر

هيرمان هسه
هيرمان هسه

هيرمان هسه في الذكرى 149 لميلاده.. العيش في قلب العالم

في الثاني من تموز/يوليو الجاري، حلّت الذكرى 149 لميلاد الكاتب الألماني هيرمان هسه (1877–1962)، أحد أكثر الأدباء الذين اقترنت أعمالهم بالبحث الدائم عن الإنسان، وعن الطريق الذي يقوده إلى معرفة ذاته ومعنى وجوده

علي صلاح بلداوي

واشنطن وطهران

اتفاق واشنطن وطهران: إدارة أزمة أم إعادة هندسة توازنات الشرق الأوسط؟

لا يبدو أن ما يجري حاليًا يهدف إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 بصيغته السابقة، وإنما يعكس توجهًا نحو بناء تفاهم مرحلي محدود يركز على احتواء التوترات الأمنية، وضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية

ميرنا محمد

الأدب والكسل

بين الرذيلة والحكمة: كيف أعاد الأدباء والمفكرون التفكير في الكسل؟

تجرأ الأدباء والمفكّرين على مساءلة النظرة السائدة عن الكسل، مقدّمين رؤى مغايرة ترى فيه أو في الفراغ مساحة خصبة للتأمل والإبداع وشكلًا من أشكال المقاومة ضد ضغوط الحياة الحديثة

يونس أوعلي

الجن

الجنّ.. تجارة الرعب المقدّس

لم تعد كلمة الجن تدل على كائنات غيبية بمقدار ما صار مادة إعلامية قادرة على جذب الانتباه وتحقيق المشاهدات وبناء الجماهير، من خلال العمل على تحويل القلق الإنساني إلى سوق مفتوحة.

سناء عون

المزيد من الكاتب

علي صلاح بلداوي

شاعر وكاتب عراقي

الصهيونية المسيحية.. إسرائيل في سردية نهاية الزمان

بين العقيدة الإنجيلية الأميركية ودعم إسرائيل، تتجذر الصهيونية المسيحية كقوة دينية سياسية تربط قيام إسرائيل بنبوءات آخر الزمان، وتؤثر بعمق في القرار الأميركي تجاه صراعات الشرق الأوسط

مقطوعات على خط النار: الموسيقى في الحروب الإيرانية

للموسيقى العسكرية تاريخ عريق في إيران، إذ كانت عبر العصور جزءًا من بنيتها الرمزية والعملية في آنٍ معًا. إذ شكّلت أغاني الحرب مصدرًا للفرح لدى الجنود، ووسيلة للاحتفال بالفتوحات والانتصارات

هيرمان هسه في الذكرى 149 لميلاده.. العيش في قلب العالم

في الثاني من تموز/يوليو الجاري، حلّت الذكرى 149 لميلاد الكاتب الألماني هيرمان هسه (1877–1962)، أحد أكثر الأدباء الذين اقترنت أعمالهم بالبحث الدائم عن الإنسان، وعن الطريق الذي يقوده إلى معرفة ذاته ومعنى وجوده