ultracheck
العدالة الانتقالية ومواجهة إرث الدكتاتورية

من بوينس آيرس إلى دمشق.. دروس العدالة الانتقالية ومواجهة إرث الدكتاتورية

10 يناير 2025

منذ قرن من الزمن، حملت السفن السوريين إلى الأرجنتين للبحث عن حياة جديدة خلال الطفرة الاقتصادية التي شهدتها البلاد مطلع القرن العشرين. وحين عاد هؤلاء إلى بلادهم، حملوا معهم عشبة "المتة" التي أصبحت لاحقًا جزءًا من الثقافة السورية. واليوم، تقدم الأرجنتين لسوريا شيئًا آخر أهم من عشبة المتة، وهي تجربتهم الفريدة في العدالة الانتقالية ومواجهة إرث الدكتاتورية.

عندما يسقط نظام الدكتاتور، تبدأ معركة أخرى لا تقل صعوبة عن سابقتها: معركة العدالة والذاكرة. وكما ربطت المتة بين الشعبين السوري والأرجنتيني في الماضي، تقدم تجربة الأرجنتين اليوم دروسًا ثمينة لسوريا المستقبل. فمن بوينس آيرس إلى دمشق، تبدو قصص البطش والقمع والاختفاء القسري والتعذيب متشابهة. كما تُظهر التجربة الأرجنتينية أن طريق العدالة، رغم طوله وتعرجاته، يظل ممكنًا عندما يتمسك المجتمع بحقه في المحاسبة والحقيقة.

يستعرض هذا المقال مسار العدالة الانتقالية في الأرجنتين، من سقوط النظام العسكري عام 1983 وحتى اليوم، مسلطًا الضوء على الدروس التي يمكن أن تستفيد منها سوريا في مرحلة ما بعد الأسد، خاصةً في مجالات المحاسبة القضائية، وتوثيق الانتهاكات، وإحياء الذاكرة الجماعية، والبحث عن المفقودين، وجبر الضرر. وكما انتقلت المتة من الأرجنتين إلى سوريا لتصبح من رموز الصداقة والتواصل بين الشعبين، فلعل تجربة العدالة الانتقالية لدى الأرجنتينيين تنتقل هي الأخرى لتساعد في شفاء جراح سوريا وبناء مستقبلها.

 

سنوات الدكتاتورية في الأرجنتين

في صباح بارد من عام 1976، استيقظت بوينس آيرس على وقع أصوات الدبابات تجوب شوارعها. لم يكن أحد يتوقع أن هذا الصباح سيكون بداية حقبة تُعد الأشد ظلمةً في تاريخ الأرجنتين الحديث. فترة عُرفت باسم "الحرب القذرة"، أو باللغة الإسبانية "La Guerra Sucia". ولم تكن هذه "الحرب" حربًا تقليدية بين دولتين، بل كانت حملة ممنهجة من الاعتقالات والتعذيب شنها العسكر على شعبهم، مبررين أفعالهم بحماية أمن البلاد وثوابت الكنيسة.

كانت ماريا، طالبة جامعية تبلغ من العمر 19 عامًا، واحدة من آلاف الشباب الذين كانوا يحلمون بمستقبل أفضل لبلادهم. كانت تشارك في النشاطات الطلابية وتؤمن بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية. لكن في ليلة من ليالي آذار/مارس 1976، اقتحمت قوات عسكرية منزلها واختطفتها، لتنضم إلى قائمة طويلة من "المختفين".

امتدت الحرب القذرة من عام 1976 إلى عام 1983، حيث قام النظام العسكري بحملة منظمة من القمع والإرهاب ضد كل من اعتبرهم معارضين سياسيين. ولم يقتصر الأمر على النشطاء السياسيين والطلاب، بل امتد ليشمل المثقفين والصحفيين والفنانين، وحتى رجال الدين الذين عارضوا سياسات النظام القمعية.

وفي عام 1983، وبعد الهزيمة المهينة في حرب جزر الفوكلاند، انهار النظام العسكري وعادت الديمقراطية إلى الأرجنتين. بدأت البلاد رحلة طويلة من المواجهة مع ماضيها المؤلم، وتم تشكيل لجنة "نونكا ماس" (لا مرة أخرى) للتحقيق في الجرائم التي ارتكبت خلال فترة الحكم العسكري.

يقول أحد المعاصرين لهذه الحقبة: "أيام الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين كانت سوداء. ثلاثون ألفًا من الناس اختفوا، لا لشيء إلا للشك في نواياهم. لم يكن الأمر يحتاج إلى دليل أو محاكمة، مجرد الشك كان كافيًا ليختفي الإنسان". 

ويضيف:" يمتد نهر لابلاتا عريضًا حتى تظنه محيطًا. لكنه كان شاهدًا على جريمة رهيبة، فمن الطائرات كانوا يلقون بالناس في مياهه، فيبتلع أجسادهم وقصصهم إلى الأبد". 

ويقول أيضًا:" العسكر لم يكونوا إلا كتلة من القسوة المتحجرة. كانوا غلاظًا حتى مع بعضهم؛ يتخاصمون ويتقاتلون فيما بينهم. فكيف تتوقع أن يعاملوا الشعب؟ قالوا إنهم جاؤوا لتحرير البلاد من الشيوعيين، لكنهم حولوا الوطن كله إلى سجن كبير. حين ثار طلاب الجامعات، حين صرخ الأحرار مطالبين بحقوقهم، زجوا بهم جميعًا في السجون. ثلاثون سنة كاملة مرت قبل أن نتمكن من إزاحتهم عن الحكم. لكن الأحزان التي تركوها لا تزال عالقة في ذاكرتنا، لا تنمحي ولا تنزح مهما مر الزمن". 

وبعد سقوط الحكم العسكري عام 1983، اكتُشف أكثر من 300 مركز اعتقال وتعذيب سري منتشرة في أنحاء البلاد، تعرض المعتقلون فيها لأبشع أنواع التعذيب. كانت مدرسة الميكانيكا البحرية (ESMA) في بوينس آيرس أشهر هذه المراكز، حيث مر من خلالها الآلاف من المعتقلين، ولم يخرج منهم إلا القليل. هذه المراكز السرية لم يتم اكتشافها إلا بعد سقوط الحكم العسكري، لتكشف عن حجم المأساة الحقيقية الذي عاشه الشعب الأرجنتيني.

 

النساء ضحايا الحرب القذرة ونضال "جدات بلازا دي مايو"

من أبشع جرائم هذه الفترة كان اختطاف أطفال المعتقلين. فالنساء الحوامل كن يُبقين على قيد الحياة حتى يضعن مواليدهن، ثم يتم إعدامهن وإعطاء أطفالهن لعائلات موالية للنظام العسكري.

كانت قصص هؤلاء النساء الحوامل مروعة، حيث احتُجزن في مخيمات التعذيب وتعرضن لأبشع أنواعه. يُقدر أن حوالي 500 امرأة حامل تعرضت لهذا المصير، و500 رضيع تم اختطافهم. كان مصير معظم هؤلاء الأطفال تسليمهم إلى ضباط في الجيش ليتربوا في منازلهم كأبناء لهم، في مفارقة قاسية جعلت أبناء الثوار يتربون في بيوت من قتلوا آباءهم وأمهاتهم.

 برز في هذا السياق دور مجموعتين مهمتين: "أمهات بلازا دي مايو"، و"جدات بلازا دي مايو". كانت "أمهات ساحة مايو" رمزًا للمقاومة السلمية ضد هذا القمع. فكل خميس، كانت هؤلاء الأمهات يتجمعن في الساحة الرئيسية أمام القصر الرئاسي، يرتدين أوشحة بيضاء على رؤوسهن، ويحملن صور أبنائهن المختفين. لم تستطع قوة السلاح أن تمنعهن من المطالبة بمعرفة مصير أحبائهن. تقول إحداهن: "نحن أمهات سرقوا أولادنا منذ ثلاثين سنة، حينما كانت الدكتاتورية تحكم البلاد، لم نتحمل فقدان أولادنا، فتجمعنا في هذه الحديقة ندور فيها مرتديات الحجاب الأبيض، لم نرفع لافتةً ولم نصرخ بشيء، ندفن القهر في داخلنا ونطوف في صمت. حار الدكتاتور معنا، لم يجد علينا ممسكًا، سقط الدكتاتور، لكن أولادنا لم يرجعوا، لا زلنا هنا نفرغ أمومتنا، ننتظر أطفالنا. ليسوا أطفالاً بنظركم، لكنهم سيظلون أطفالًا في عيوننا ووعينا. سيرجعون، حتمًا سيرجعون، سيرجعون أمواتًا، سيرجعون جثامين، سيرجعون عظامًا، لا يهم. المهم أن نلمس عظامهم قبل أن نموت". 

أما المجموعة الثانية "جدات بلازا دي مايو"، فتضم جدات يبحثن عن أحفادهن المختطفين، أبناء وبنات أبنائهن الذين اختفوا. وتبرز قصة بوسكاريتا روا كنموذج حي لنضال الجدات الأرجنتينيات من أجل العدالة والحقيقة. ففي 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1978، اقتحمت فرقة من الشرطة العسكرية منزل عائلتها في ضواحي بوينس آيرس، واختطفت ابنها وزوجته وطفلتهما البالغة من العمر 8 أشهر. قضت روا سنوات طويلة في البحث عنهم، متنقلةً بين مراكز الشرطة ومعسكرات الجيش والمحاكم والسجون والكنائس.

في النهاية، اكتشفت روا الحقيقة المؤلمة: تعرض ابنها وزوجته للتعذيب ثم القتل، فيما تم منح حفيدتها كلوديا هوية جديدة وتبناها عقيد وزوجته. وجدت روا حفيدتها بعد أن أصبحت شابة في عقدها الثاني، تعيش في منطقة غنية في بوينس آيرس تحت اسم مرسيدس، دون أن تدري شيئًا عن ماضيها.

لعب العِلمْ دورًا محوريًا في نضال الجدات. فبالشراكة مع فريق الأنثروبولوجيا الجنائية الأرجنتيني، أطلقت "جدات بلازا دي مايو" مبادرة رائدة لإنشاء بنك وطني للبيانات الجينية. قدمت الجدات عينات من دمائهن لتمكين الأحفاد من معرفة حقيقة هوياتهم متى أرادوا ذلك. وبفضل التقدم في تحليل الحمض النووي، أصبح بالإمكان مطابقة الشخص مع أجداده البيولوجيين بدقة تصل إلى 99.99 بالمئة.

نجحت جهود الجدات حتى اليوم في العثور على 133 طفلاً من بين أكثر من 500 حفيد مفقود. لكن إعادة بناء العلاقات العائلية كانت دائمًا عملية بطيئة ومؤلمة. كما تقول روا، التي تشغل اليوم منصب نائبة رئيسة منظمة الجدات: "غمرني فرح عارم عندما وجدت حفيدتي، لكن كان لا بد من أن أتحلى بالصبر. لم أستطع اقتحام حياتها ببساطة. فهي كانت بحاجة إلى معرفة الحقيقة الرهيبة والبدء في الوثوق بنا". 

تمثل قصة روا وحفيدتها نموذجًا لآلاف القصص المشابهة في الأرجنتين، حيث لا يزال البحث مستمرًا عن مئات الأطفال المختطفين، الذين أصبحوا اليوم في الأربعينات من أعمارهم. وتبقى قضية الأطفال المسروقين واحدة من أبشع جرائم النظام العسكري، وأحد أهم محاور العدالة الانتقالية في الأرجنتين المعاصرة.

 

نضال العدالة الانتقالية 

بعد سقوط النظام العسكري في عام 1983، بدأت الأرجنتين رحلة طويلة وشاقة نحو العدالة الانتقالية. كانت الخطوة الأولى هي تشكيل "اللجنة الوطنية حول اختفاء الأشخاص" (CONADEP)، التي أصدرت تقريرها الشهير "نونكا ماس" (لا مرة أخرى) عام 1984. وثق التقرير بشكل منهجي انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة الحكم العسكري، وشكل أساسًا للمحاكمات التي تلت.

لكن مسار العدالة لم يكن مستقيمًا. فبعد نجاح المحاكمات الأولى في إدانة كبار قادة العسكر، واجهت الحكومة الديمقراطية الجديدة ضغوطًا هائلة من المؤسسة العسكرية. أدت هذه الضغوط إلى إصدار قوانين "النقطة النهائية" عام 1986 و"الواجب المطاع" عام 1987، اللذين حدّا من إمكانية ملاحقة العسكريين. تبع ذلك عفو رئاسي في عام 1990 عن المدانين، في محاولة لطي صفحة الماضي.

لكن منظمات المجتمع المدني، وخاصةً "أمهات وجدات بلازا دي مايو"، رفضن التخلي عن المطالبة بالعدالة. استمر نضالهن على مدى عقود، حتى نجحن في عام 2003 في دفع الكونغرس الأرجنتيني إلى إلغاء قوانين العفو. وفي عام 2005، أعلنت المحكمة العليا عدم دستورية هذه القوانين، مما فتح الباب من جديد لمحاكمة المتورطين في جرائم ضد الإنسانية.

تميزت العدالة الانتقالية في الأرجنتين بشموليتها. فإلى جانب المحاكمات الجنائية، تم تحويل مراكز الاعتقال السابقة، مثل مدرسة الميكانيكا البحرية (ESMA) إلى متاحف للذاكرة. كما تم إنشاء "حديقة الذاكرة" على ضفاف نهر لابلاتا، حيث كان العسكر يلقون بضحاياهم. وأُطلقت برامج تعويض شاملة للضحايا وعائلاتهم، وتم إنشاء بنك وطني للبيانات الجينية للمساعدة في تحديد هوية الأطفال المختطفين.

وحتى عام 2017، نجحت المحاكم الأرجنتينية في إدانة 789 شخصًا في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان، من بينهم الدكتاتور خورخي رافائيل فيديلا وكبار قادة العسكر. كما تم تحديد هوية أكثر من 130 من "أطفال مايو"، الأطفال الذين خُطفوا من أمهاتهم المعتقلات وتم تغيير هوياتهم. ويستمر البحث عن البقية حتى يومنا هذا.

 

تقدم تجربة الأرجنتين درسًا مهمًا في أن العدالة، وإن تأخرت، تبقى ممكنة عندما يتمسك المجتمع بحقه في معرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. كما تُظهر أن قوانين العفو والحصانة يمكن تجاوزها عندما تتوفر الإرادة المجتمعية والسياسية. وهو ما جعل من النموذج الأرجنتيني مثالًا يُحتذى به عالميًا في مجال العدالة الانتقالية.

 

دور التوثيق والتخليد في تجربة الأرجنتين 

لم يكن شعار "لا مرة أخرى" (Nunca Más) الذي رفعته لجنة الحقيقة في الأرجنتين مجرد عنوان لتقرير، بل كان تعبيرًا عن إرادة شعبية في الحفاظ على الذاكرة الجماعية كضمانة لعدم تكرار مآسي الماضي. تجلى هذا الحرص على الذاكرة في عدة مستويات متكاملة.

على المستوى الرمزي، تحولت ساحة مايو في قلب بوينس آيرس إلى رمز حي لذاكرة المقاومة. فمسيرات الأمهات والجدات بأوشحتهن البيضاء وصور أبنائهن المفقودين كل يوم خميس، لم تكن مجرد احتجاج سياسي، بل كانت طقسًا أسبوعيًا لإحياء ذكرى المختفين ورفض النسيان. كما تحول النهر الذي ألقى فيه العسكر ضحاياهم إلى مزار ومكان للتذكر.

أما على المستوى المؤسسي، فقد حولت الأرجنتين مراكز التعذيب السابقة إلى متاحف للذاكرة. فمدرسة الميكانيكا البحرية (ESMA) التي كانت أكبر مركز اعتقال وتعذيب، أصبحت اليوم "متحف الذاكرة وحقوق الإنسان". يزور الطلاب هذه المتاحف ليتعلموا عن تلك الحقبة المظلمة ويفهموا أهمية الديمقراطية وحقوق الإنسان. وعلى ضفاف نهر لابلاتا، أقيمت "حديقة الذاكرة" التي تضم نصبًا تذكاريًا يحمل أسماء الضحايا.

وعلى المستوى التعليمي، أدرجت الأرجنتين دراسة فترة "الحرب القذرة" في مناهجها المدرسية. فالأجيال الجديدة تتعلم عن هذه الفترة لا بوصفها مجرد درس في التاريخ، بل كدرس في الديمقراطية وحقوق الإنسان وأهمية المحاسبة. كما تنظم المدارس زيارات منتظمة لمتاحف الذاكرة، وتستضيف شهادات حية من الناجين.

 

لكن الذاكرة في التجربة الأرجنتينية لم تكن مجرد تذكر سلبي للماضي، بل كانت ذاكرة نشطة تدفع نحو العدالة. فالبنك الوطني للبيانات الجينية الذي أنشأته الجدات يمثل "ذاكرة بيولوجية" تساعد في كشف هويات الأطفال المختطفين. وكل اكتشاف لهوية طفل مختطف يضيف فصلًا جديدًا إلى ذاكرة البلاد الجماعية.

واليوم، بعد أربعة عقود على سقوط النظام العسكري، تظل الذاكرة حية في الأرجنتين. فالأمهات والجدات ما زلن يواصلن مسيراتهن في ساحة مايو، والمتاحف مستمرة في توثيق الشهادات، والبحث لا يزال جاريًا عن الأطفال المختطفين. وكما تقول الأمهات: "الذاكرة صنع الحياة"، فهي ليست مجرد تذكر للماضي، بل هي ضمانة لمستقبل لا يسمح بتكرار مآسي الأمس. وتقدم تجربة الأرجنتين درسًا مهمًا في أن الذاكرة الجماعية، عندما تتحول إلى فعل مؤسسي وثقافي وتعليمي، تصبح قوة دافعة للعدالة والديمقراطية. فالشعب الذي يتذكر ماضيه جيدًا هو وحده القادر على بناء مستقبل أفضل.

 

الخاتمة 

تقدم التجربة الأرجنتينية لسوريا المستقبل دروسًا ثمينة في التعامل مع إرث الدكتاتورية. فأوجه الشبه بين النظامين مذهلة: فكما اختفى عشرات الآلاف في الأرجنتين، اختفى مئات الآلاف في سوريا. وكما حوّل العسكر في الأرجنتين مدرسة الميكانيكا البحرية إلى مركز تعذيب، حوّل نظام الأسد سجن صيدنايا ومئات المعتقلات إلى مسالخ بشرية. وكما وثّق تقرير "نونكا ماس" الأرجنتيني 340 مركز تعذيب، وثّقت المنظمات السورية آلاف مراكز الاعتقال والتعذيب.

 

من أهم الدروس المستفادة

1. أهمية التوثيق المبكر: بدأت منظمات المجتمع المدني السوري بتوثيق الانتهاكات منذ 2011، وهو ما سيشكل أساسًا متينًا للعدالة الانتقالية مستقبلًا، تمامًا كما شكل تقرير "نونكا ماس" الأرجنتيني أساسًا للمحاكمات اللاحقة.

2. دور المجتمع المدني: كما كان لأمهات وجدات بلازا دي مايو دور محوري في الأرجنتين، تقوم رابطة عائلات قيصر ورابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا وغيرها من منظمات عائلات الضحايا السوريين بدور مماثل في المطالبة بالحقيقة والعدالة.

3. أهمية الذاكرة الجماعية: يمكن لسوريا أن تستفيد من تجربة الأرجنتين في تحويل مراكز التعذيب السابقة إلى متاحف للذاكرة، وتوثيق شهادات الناجين، وإدراج هذه الفترة في المناهج التعليمية.

4. لا عدالة بدون حقيقة: تُظهر التجربة الأرجنتينية أن كشف مصير المختفين وتحديد أماكن المقابر الجماعية وتوثيق الانتهاكات هي خطوات أساسية نحو العدالة.

5. رفض قوانين العفو: تُظهر التجربة الأرجنتينية أن قوانين العفو التي تمنح الحصانة للجلادين يمكن إلغاؤها لاحقًا عندما تتوفر الإرادة السياسية والمجتمعية.

6. العدالة التعويضية: يمكن لسوريا أن تستفيد من برامج التعويض الأرجنتينية في جبر ضرر الضحايا وعائلاتهم.

7. دور العلم: كما استخدمت الأرجنتين التحليل الجيني للتعرف على هويات الضحايا وأطفالهم المختطفين، يمكن لسوريا الاستفادة من التقنيات الحديثة في التعرف على ضحايا المقابر الجماعية وتوثيق التعذيب.

وفي النهاية، كما أصبحت المتة الأرجنتينية جزءًا من الثقافة السورية، يمكن لتجربة العدالة الانتقالية الأرجنتينية أن تكون نموذجًا يُستفاد منه في سوريا المستقبل. فالطريق إلى العدالة قد يكون طويلًا، لكن تجربة الأرجنتين تؤكد أنه عندما يصر المجتمع على حقه في العدالة والحقيقة، فإن المحاسبة تصبح ممكنة مهما طال الزمن.

ومثلما تجتمع العائلات السورية اليوم حول المتة الأرجنتينية، سيأتي يوم تجتمع فيه حول العدالة التي ستتحقق بإصرار لا يلين، تمامًا كما أصرت أمهات وجدات بلازا دي مايو على حقهن في معرفة الحقيقة ومحاسبة الجلادين. فمن بذور العدالة التي زُرعت في بوينس آيرس، يمكن لشجرة العدالة أن تنمو في دمشق.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الغسيل الوردي

الغسيل الوردي والمقاومة الجندرية في السياقات العربية والفلسطينية

يفكك المقال مفهوم "الغسيل الوردي" كخطاب يبرر الاستبداد والاحتلال، متتبعًا تجلياته في الأنظمة العربية والسياق الاستعماري الفلسطيني

إسراء عرفات

تفاهة الشر
تفاهة الشر

تفاهة الشرّ: كيف يتحوّل الامتثال إلى آلة قتل؟

يفكّك المقال مفهوم تفاهة الشرّ، كاشفًا كيف يحوّل الامتثال والروتين البشر العاديين إلى أدوات عنف منظّم بلا تفكير

محمد العربي

سقوط الأسد

عام على سقوط الأسد.. سوريا بين إعادة تشكيل السلطة وصعود الدولة الجديدة

تكشف سنة ما بعد سقوط الأسد تحولات سياسية وأمنية عميقة تعيد تشكيل الدولة السورية وسط تحديات متصاعدة

مهيب الرفاعي

فانون في غزّة

فانون في غزّة.. العقل كملجأ أخير

يُقدم هذا المقال قراءة في ممارسات الاستعمار الإسرائيليّ خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة من منظور فرانز فانون

هبة حمارشة

كريستيانو رونالدو

من طفولة ماديرا إلى رمزية القوة الناعمة: رحلة صعود كريستيانو رونالدو

تحوّل كريستيانو رونالدو من طفل فقير في ماديرا إلى أيقونة عالمية تجمع بين المجد الرياضي والتأثير السياسي والإنساني

محمد العربي

المزيد من الكاتب

فوزي الغويدي

باحث يمني

كيف يُباع بؤس الشباب اليمني على جبهات الحرب الروسية الأوكرانية؟

استُدرج هؤلاء الشبان بوعودٍ كاذبة بالعمل والحياة الكريمة في روسيا، لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة في جبهات القتال، يعيشون وسط مخاطر حربٍ لا يعلمون عنها شيئًا

في حضرة ابن عربي.. أن نرى الله في كل شيء

إذا كان الغرب يعتقد بفلسفة ابن عربي فلماذا لا نزال نحن نختزله في عباءة التصوف أو نخوض معارك حوله بدلاً من استلهام رؤاه؟

نيتشه والتاريخ العربي.. حتى لا يستعبدنا الماضي

لا تدعونا الفلسفة النيتشوية إلى "قطع" مع التاريخ، بل إلى تحريره من التقديس والخوف. وفي عالم عربي مثقل بالهزائم لعل أول خطوة نحو المستقبل هي إعادة النظر في هذا الماضي، لا لنتنصّل منه، بل لنفهمه بشجاعة

ذاكرة سبتمبر في اليمن: بين هيمنة الجماعة وتوق الشعب

سبتمبر في الذاكرة اليمنية بين 1962 و2014، صراع لم يعرف الحسم بعد

تحولات الجسد.. من رمز للجاه إلى الوصمة المَرَضية

تحولت السمنة من رمز للصحة والرفاهية إلى علامة على الاضطراب الأخلاقي والنفسي والجسدي