ultracheck
السينما

من الغرافيتي إلى السينما.. كيف تؤرّخ الفنون للعدالة والمصالحة؟

27 مارس 2025

إذا كنت تعتقد أن العدالة الانتقالية تعني فقط المحاكم واللجان الرسمية، فأنتَ لم تشاهد فيلم "For Sam"، ولم تمرّ بجدران الثورة السورية المغطاة بغرافيتي يصرخ: "حرية إلى الأبد"، ولم تتلمس الرمزية العميقة في كاريكاتير "اركب يا دكتور"، ولم تقرأ رواية "القوقعة" التي تروي معاناة شعب بأكمله عانى ويلات سجون الدكتاتورية، بل إنك لم تستمع لسيمفونية "صرخة حرية" (Freedom Qashoush Symphony)، ولا لموسيقى اللاجئين الجنائزية التي تحكي عن مدن تحولت إلى أنقاض.

في عالم مثالي يُحاكم المُجرمون في قاعات المحاكم، ويُعوّض الضحايا، ويبدأ المُجتمع في طيّ صفحة الماضي. لكن سوريا ليست عالمًا مثاليًا، والعدالة الانتقالية فيها لن تأتي عبر وثائق رسمية فحسب، ولن تبنى فقط من خلال نصوص قانونية أو محاكمات قضائية بل يمكن أن تأتي عبر رواية، لوحة، فيلم سينمائي أو حتى معزوفة على آلة عود؛ أي أن العدالة تُخلق عبر الفنون مثل الموسيقى والأدب والسينما والمسرح. تلك التي توثق الجرائم، وتؤرّخ للآلام، وتفتح مجالًا لتعزيز الحوار المجتمعي الذي يحقق المصالحة ويشفي الجروح العميقة. فهي ليست فقط عملية قانونية، بل ثقافية واجتماعية أيضًا. الفنون هنا، في بلادنا ليست ترفًا، إنها أداة حيوية في البناء الاجتماعي.

كيف تصبح السينما قاعة محكمة؟

منذ اختراعها، لم تقتصر السينما على كونها وسيلة للترفيه، بل أصبحت منصة لنقل رسائل سياسية واجتماعية وثقافية، ولتوثيق الأحداث التاريخية والسعي نحو العدالة. فقد شكلت الأفلام مرآة تعكس الواقع بكل تعقيداته، كاشفةً عن التجاوزات والانتهاكات التي قد يُراد طمسها أو نسيانها. كما أنها تسلط الضوء على القصص الإنسانية المهمشة، مما يجعلها أداة قوية في حفظ الذاكرة الجماعية وتعزيز الوعي بالمظالم التي وقعت عبر التاريخ، خاصة خلال فترات النزاع أو حكم الدكتاتوريات.

لكن نقل الحقيقة لا يُعد غاية بحد ذاته، بل هو جزء من عملية أشمل تهدف إلى كشف الانتهاكات وتحقيق العدالة. فمن خلال استعراض الجرائم والانتهاكات، تُحفز هذه الأفلام النقاش المجتمعي حول آليات التعامل مع الماضي، وإعادة بناء الثقة، والمطالبة بالمحاسبة. فعندما تروي الأفلام معاناة الضحايا، من الاعتقال القسري إلى الاختفاء القسري والمجازر الجماعي، تصبح وسيلة لإحياء الذاكرة ونشر الحقيقة. ولا تقتصر هذه الأعمال على توثيق الألم، بل تفتح باب الحوار حول المصالحة والتعافي، فتساعد المجتمعات على مواجهة ماضيها المؤلم والتفكير في سبل بناء مستقبل أكثر عدلاً وسلامًا.

تجارب سينمائية في تحقيق المصالحة

في تجارب العدالة الانتقالية حول العالم، استخدمت السينما في توثيق الجرائم ولعب دورٍ في المصالحة والتعافي. إلى هنا، تناول فيلم "التاريخ الرسمي" (La Historia Oficial) قضية اختطاف الأطفال أثناء الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، والتي أسفرت عن اختفاء آلاف الأشخاص.

ينتقد الفيلم جريمة الصمت التي مارستها البورجوازية المنتفعة في إطار النظام الدكتاتوري العسكري، الذي امتد من عام 1976 إلى عام 1983، حيث يُعتقد أن ما بين 15000 إلى 30000 معارض قُتلوا على يد النظام، وتم أخذ ما يصل إلى 500 طفل ولدوا في السجون ومعسكرات الاعتقال من أمهاتهم عند ولادتهم وتم تبنيهم بشكل غير قانوني لفائدة عائلات مقربة من النظام.

 من خلال عيون شخصية الأم، يتناول الفيلم الأثر العاطفي على الأسر ويركّز على ضرورة المحاسبة والمصالحة في الأرجنتين. الفيلم لم يقتصر على الكشف عن الحقيقة فقط، بل ساعد في تشكيل نقاش عام حيال دور النظام العسكري في ارتكاب هذه الانتهاكات، مما كان له دور في عملية التعافي الوطني والمصالحة. إذ علق مخرجه، لويس بوينسو: "المختفون يشكّلون الجرح الظاهر لمرض عضال و معقد يهمنا جميعًا". على هذا لم يكن الفيلم مجرّد توثيق للحقيقة، بل كان نقطة تحوّل في فهم الأرجنتينيين لدورهم في حقبة من القمع الدموي.

أما في رواندا لم يكن فيلم "فندق رواندا" ( Hotel Rwanda) مجرّد قصة بول روسيساباجينا، مدير الفندق الذي أنقذ أكثر من 1200 لاجئ من التوتسي، بل كان شهادةً سينمائيةً على عجز المجتمع الدولي عن التدخل. الفيلم ألقى الضوء على حقيقة قاسية وهي أنه في مواجهة الإبادة، لا يحتاج العالم إلى بيانات إدانة وقلق، بل إلى أفعال.

يروي هذا الفيلم حقائق الإبادة الجماعية التي وقعت في رواندا عام 1994، حيث يشير العمل إلى شجاعة فردية لإنقاذ الأرواح وسط أهوال الإبادة، ويعزز هذا الفيلم الوعي الدولي بشأن ضرورة تحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان. كما شجع الفيلم المجتمعات المحلية والدولية على تعزيز جهود المحاسبة الجنائية للمسؤولين عن الجرائم المرتكبة، مما ساعد في دفع عجلة المصالحة بين الجماعات العرقية في رواندا بعد الإبادة.

لكن الأهم من ذلك، أنه عزّز الوعي بأهمية المحاسبة، وأعاد طرح سؤال: كيف يمكن للمجتمع أن يتعافى بعد أن قتل مليون من أبنائه؟

في البوسنة والهرسك، لم يكتف فيلم "Grbavica" بسرد قصّة امرأة فقدت ابنتها بسبب الحرب، بل كان أول صوت سينمائي يصرخ مطالبًا بالعدالة للآلاف من النساء البوسنيات اللاتي تعرضن للعنف الجنسي الممنهج خلال الصراع (1992 ـ 1995).

يقدم الفيلم نافذة حية لفهم الأثر العميق للعنف الجنسي وكيفية معالجته في سياق العدالة الانتقالية. وبمهارة يفتح الفيلم حوارًا جادًا حول ضرورة الاعتراف بألم النساء ومعاناتهن كجزء من عملية المصالحة المجتمعية بعد الحرب، حيث ساهم في تقديم رؤية أوسع ودعمًا أكبر لضحايا هذا العنف، الذين بلغ عددهن نحو 20 ألف امرأة. الفيلم لم يكن مجرد دراما، بل كان تحديًا، أجبر الحكومات على اتخاذ خطوات، حتى وإن كانت بطيئة، نحو العدالة.

وفي جنوب إفريقيا، يعرض فيلم "Invictus" كيف يمكن للأعمال الرمزية، مثل الرياضة والسينما، أن تسهم في عملية المصالحة الوطنية من خلال بناء جسور بين الفئات المتناحرة. الفيلم مثالٌ على كيف يمكن للفنّ أن يٌسهم في خلق الوعي بالمصالحة بين المجتمعات المتفرقة. يروي هذا الفيلم قصّة الدور الذي لعبه نيلسون مانديلا في استخدام رياضة الركبي للمساعدة في توحيد جنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري.

يتناول العمل إذن قصّة خروج مانديلا من السجن وانتخابه أوّل رئيسٍ أسود لجنوب أفريقيا في 10 أيار/مايو 1994 في أول انتخابات متعددة الأعراق. ويصوّر محاولته لاستخدام لعبة الركبي والرياضة كلغة عالمية مضادة للغة التمييز العنصري والعنف في بلد خارج للتو من أتون اقتتال عنصري. ولأن الاختيار وقع على جنوب أفريقيا كي تستضيف اللعبة عام 1995، في محاولة لجلب البيض والسود في مكان واحد تجمعهم لعبة رياضية بعد الفصل العنصري. يظهر الفيلم كيف فهم مانديلا أن المصالحة لا تُفرض بالقوانين، بل تُبنى بالرموز.

أخيرًا، في تشيلي، يخبرنا فيلم  "لا" كيف لحملة إعلامية أن تسهم في الإطاحة بالدكتاتور أوغوستو بينوشيه في استفتاء 1988، في وقت لم يكن أحد يتوقع أن حملة إعلانية يمكنها إسقاط هذا الحاكم المتسلط. من خلال التركيز على الفنون والإعلام كوسيلة للتغيير الاجتماعي، أظهر الفيلم كيف يُمكن للسينما أن تكون أداة فعالة في التصدي للطغيان وتحقيق العدالة، بما يساعد في تشكيل فضاء للمصالحة والتخلص من إرث الدكتاتورية.

 الموسيقى جسرًا للمصالحة وللتعافي النفسي

أعتقد أن نشيد "لامارسييز" ساعد في توحيد المجتمع الفرنسي الممزق بعد الثورة، من خلال تعزيز الشعور بالوطنية ونسيان المحن التي كبدها النظام الملكي بحقهم. فأصبحت نشيداً يجسد قيم الحرية والمساواة وقيم السلم الأهلي، مما وحد الشعب حول مبادئ الثورة ورسّخ هويته الوطنية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

فبعد كل جرم من جرائم الإبادة يُزرع الحقد في النفوس أسرع من بذور السلام، لكن تلعب الموسيقى دورًا غير متوقع ولكنه بالغ الأهمية، لتكون جسرًا يربط بين الضفتين بعد أن تهدأ العاصفة.

خذ كولومبيا كمثال. بعد اتفاق السلام مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية "فارك"، لم يكن التحدي الأكبر هو نزع السلاح، بل نزع الخوف والمرارة المتراكمة بين أفراد المجتمع. وهنا، لم يكن السياسيون وحدهم قادرين على تحقيق المصالحة، بل دخلت الموسيقى على الخط. مُنحت المجتمعات التي أنهكها الصراع منصة جديدة، حيث اختلطت أصوات الضحايا مع أصوات مقاتلين سابقين، ليس في ساحات المعارك، بل في مهرجانات موسيقية تحولت إلى مساحات للحوار غير الرسمي والتفاهم .

الموسيقى ليست ظاهرة محلية بل أداة قوية للشفاء والمصالحة الوطنية عبر التاريخ. في البوسنة والهرسك، لعبت مهرجانات الموسيقى مثل Sarajevo Sevdah Fest دورًا كبيرًا في إعادة توحيد مجتمع مزقته الحرب الأهلية. وفي جنوب أفريقيا، استخدمت الفرق الموسيقية مزيجًا من الجاز والموسيقى التقليدية لإعادة تعريف الهوية الوطنية بعد الفصل العنصري. وفي أيرلندا الشمالية، ساعدت الموسيقى الشعبية والفلكلورية في تقليص الفجوة بين الكاثوليك والبروتستانت بعد عقود من العنف الطائفي. 

وليس بعيدًا في غزة عام 2024، وجد معهد "إدوارد سعيد" للموسيقى طريقة فريدة لمداواة الجراح النفسية. علّم الطلبة الأطفال النازحين العزف على الآلات الموسيقية وأداء الأغاني الشعبية الفلسطينية، ليس فقط كتدريب فني، بل كوسيلة لتخفيف التوتر والضغط النفسي، وإعادة بناء الإحساس بالانتماء.

وهذا ليس مجرد كلام شاعري. العلم يؤكد أن الموسيقى تمتلك قوة حقيقية في التعافي النفسي. دراسة نُشرت في The Journal of Music Therapy كشفت أن الموسيقى يمكن أن تخفف أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وتساعد في إعادة تشكيل دوائر الدماغ المتأثرة بالصدمات، مما يثبت أنها ليست مجرد ترفيه، بل علاج حقيقي.

 كيف يحقق الأدب العدالة الرمزية؟

عبر الكلمات المكتوبة، ينقل الأدب آلام الأفراد الذين تمزقهم الحروب، الذين لا يكون لهم دائمًا مكان في السجلات الرسمية أو محاكمات الجنايات، كأولئك الذين قضوا في السجون أو جمعوا في المقابر الجماعية، ليمنحهم صوتًا قادرًا للوصول إلى العالم، حيث تتجلّى قدرة الكلمة على توثيق الفظائع وكشف المستور، فتتناول الأعمال الأدبية تجارب إنسانية عميقة تعكس معاناة الشعوب تحت وطأة الأنظمة القمعية.

في أميركا اللاتينية، استخدم الكتّاب السرد الأدبي لكشف ممارسات الأنظمة المستبدة فبرز ما يُعرف بـ "أدب الدكتاتوريات"، إذ تُعد رواية "بيت الأرواح" للكاتبة التشيلية إيزابيل ألليندي مثالًا ساطعًا على ذلك، إذ تسرد قصة عائلة على مدى ثلاثة أجيال، مسلطة الضوء على التحولات الاجتماعية والسياسية في تشيلي، دون الإشارة المباشرة إلى اسم البلد، مما يعكس تأثير القمع العسكري والزلزال المدمر الذي ضرب البلاد.

 في ألمانيا، بعد الحرب العالمية الثانية، تعامل الأدب مع آثار النازية بشكل مباشر، ما جعل مقولة أن الكلمات يمكن أن تكون علاجاً حقيقة مكتملة، إذ قدّم أدب المحرقة في ألمانيا شهادات حية عن فظائع الإبادة الجماعية. رواية "الليلة" مثلًا لإيلي ويزل تُعتبر شهادة واقعية عن التجارب المريرة داخل معسكرات الاعتقال النازية، حيث يروي ويزل معاناته كمراهق في معسكر أوشفيتز، مسلطًا الضوء على وحشية التاريخ وإرادة الشعوب في استعادة كرامتها.

ولا أستطيع الحديث عن دور الأدب في توثيق جرائم الحرب والانتهاكات الجنسية في الحرب العالمية الثانية دون المرور على كتاب "امرأة في برلين". يؤرخ الكتاب الأحداث القاسية التي عاشتها النساء في برلين، خاصةً حالات الاغتصاب الجماعي التي ارتكبها الجنود السوفييت ضد النساء الألمانيات.

يُعتبر "امرأة في برلين" شهادة تاريخية فريدة عن مصير النساء في أوقات الحرب، ورغم أن الجرائم الموثقة في الكتاب لم تؤدِ إلى محاكمات مباشرة، إلا أن نشره كان جزءًا من عملية الاعتراف التاريخي بجرائم الحرب السوفيتية في ألمانيا. كما أنه أضاف بعدًا إنسانيًا لضحايا الحرب الذين كانوا غالبًا يُنظر إليهم فقط من منظورهم كألمان مهزومين، دون الالتفات إلى معاناتهم الفردية.

لنذهب إلى إسبانيا، حين عانت البلاد من حكم فرانكو القاسي لعقود، لعب الأدب هناك دورًا رئيسيًا في سرد القصص التي كان يصعب على الأجيال القادمة فهمها من خلال المحاكمات وحدها. رواية "قداس من أجل فلاح إسباني"  (Réquiem por un campesino español)  للكاتب رامون خ. سندير، نشرت عام 1953، هي واحدة من أهم الروايات الإسبانية التي تتناول تأثير الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) وفترة حكم فرانكو على المجتمع الريفي. إذ تقدم شهادة حية عن واقع الانتهاكات التي حدثت تحت حكم الدكتاتورية، وتفتح مجالًا لفهم الأبعاد الإنسانية العميقة لما حدث.

هذه الأعمال الأدبية، وغيرها وهي كثيرة، ليست مجرد وسيلة لتوثيق الجرائم والتجارب المؤلمة، بل هي أيضًا أداة قوية لفضح الدكتاتوريات والأنظمة القمعية لتكون طريقًا نحو العدالة والمصالحة والتعافي بعد الحروب؛ فالأدب يساعد المجتمعات على مواجهة ماضيها، والاعتراف بالأخطاء، وإعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد. وفي سياق العدالة الانتقالية، يلعب الأدب أدوارًا متعددة، منها: كشف الحقيقة وإعادة سرد التاريخ من منظور الضحايا، فالأنظمة القمعية غالبًا ما تفرض رواياتها الرسمية عن الأحداث، بينما يسعى الأدب إلى إعطاء صوت للضحايا الذين تم إسكاتهم. من خلال الروايات، المذكرات، والشهادات الأدبية.

ويتيح الأدب للقراء، بمن فيهم الجناة والضحايا، فهم تجربة الآخر، مما يساعد في خلق مساحات للحوار والتسامح. كما أنه في كثير من الحالات، لا تتحقّق العدالة القانونية بسبب نقص الأدلة أو إفلات الجناة من العقاب. هنا، يلعب الأدب دورًا في تحقيق العدالة الرمزية من خلال الاعتراف بمعاناة الضحايا ورفع أصواتهم، حتى لو لم تتم محاسبة الجناة فعليًا.

الفن مؤرخًا للعدالة

في سوريا، حيث تحولت المدن إلى ركام، والسجون إلى مقابر، والمنفى إلى قدر جماعي، من هذه البيئة المحطمة لم يكن الفن والأدب مجرد وسيلة تعبير، بل أصبحا أداة للمقاومة ووسيلة لتوثيق المأساة ونافذة مفتوحة على العدالة. في ظلّ نظام قمعي وحرب مستمرة، لعبت الفنون دورًا أساسيًا في توثيق الجرائم، وكشف الحقيقة، والمساهمة في تشكيل الذاكرة المشتركة للسوريين.

فبرزت أفلام وثائقية سورية كسرت حاجز الصمت، مثل "من أجل سما" (For Sama) الذي قدم شهادة حية عن معاناة المدنيين في حلب، ليس فقط عبر الأرقام والإحصائيات، بل من خلال نظرة أمّ وثّقت لحظات الأمل واليأس في قلب الحرب. بينما جاء فيلم "الكهف" (The Cave) ليحكي قصة الطبيبة أماني بلور، التي قادت مستشفى تحت الأرض وسط القصف المستمر، ليصبح الفيلم شهادة سينمائية على صمود الإنسان السوري في مواجهة الموت.

أما الأدب السوري، فقد حمل على عاتقه مسؤولية نقل قصص المعتقلين والمختفين قسريًا، والمجازر التي طمستها آلة الحرب. روايات مثل "القوقعة" لمصطفى خليفة، و"السوريون الأعداء" لفواز حداد، حيث وضعت القارئ أمام معاناة المعتقلين السياسيين في سجون الأسد، فيصبح السجن مكانًا يُسحق فيه الجسد تحت مكابس فولاذية وتُمحى فيه الهوية بالأسيد.

كما لم تكن الموسيقى غائبة عن هذا المشهد. من أغنيات الثورة التي صاحبت التظاهرات الأولى، إلى سيمفونية "صرخة حرية" (Freedom Qashoush Symphony) للموسيقار العالمي مالك جندلي، الذي حوّل كلمات إبراهيم قاشوش منشد الثورة السورية في مدينة حماة (وسط سوريا) إلى لحن يخلّد صوته رغم محاولات إسكات الأحرار كانت رسالة عالمية راقية لفضح الظلم والاستبداد أمام ذواقة الموسيقى حول العالم.

ورغم أن الفن السوري كان وسيلة لتوثيق المأساة، فقد لعب أيضًا دورًا في المصالحة وإعادة بناء النسيج الاجتماعي. إحدى أبرز الأمثلة على ذلك هي أغنية "بالحب بدنا نعمرها". رغم بساطة كلماتها ولحنها، إلا أنها تحولت إلى رمز للأمل والتضامن بعد سقوط نظام البعث، حيث خرج الشباب والشابات على ألحان سمير الأكتع إلى الشوارع، يدًا بيد، ينظفون الأنقاض، يطلون الجدران، ينظمون السير، ويعيدون الحياة إلى المدن التي دمرتها الحرب، تماماً مثلما فعلته أغنية "ياحيف" لسميح شقير والتي أعطت في مرحلة من المراحل للثورة شرعيتها أمام الشعوب العربية في وجه آلة إعلام السلطة التي كانت تصور ما يجري من تظاهرات سلمية بأنها أعمال عنف. 

هذا المشهد يعكس كيف يمكن للموسيقى أن تكون أداة لإعادة بناء الثقة في المجتمع، خاصة بعد سنوات من الانقسام والتشظي. فقد قدمت الأغنية رسالة واضحة: سوريا لن تُبنى إلا بأيدي أبنائها، لا بالخراب ولا بالانتقام، بل بالحب والعمل الجماعي.

يمكن القول أن التجربة السورية لم تكن فريدة تمامًا، فالتاريخ مليء بأمثلة لأنظمة استبدادية حاولت طمس الحقيقة. التجربة الأرجنتينية في السبعينات والثمانينات، التي تم عرض مأساتها في فيلم "التاريخ الرسمي" (La Historia Oficial) عام 1985، تتكرر في سوريا في مأساة مشابهة، حيث وُلد العديد من الأطفال في السجون أو تم اختطافهم وإخفاء هوياتهم خلال سنوات الإبادة السورية (2011 2024)، ليُسجَّلوا لاحقًا في دور الأيتام تحت رعاية أسماء الأسد زوجة الدكتاتور المخلوع. هذا التشابه يعكس أن الجرائم ضد الإنسانية تتبع أنماطاً متكررة، وأن العدالة الانتقالية لا بد أن تشمل كشف هذه الانتهاكات وإعادة الحقوق لأصحابها، كما سعت الأرجنتين لاحقاً لاستعادة هوية الأطفال المختطفين ومحاكمة المسؤولين عن تلك الجرائم.

 المعركة من أجل العدالة امتدت أيضًا إلى الدراما التلفزيونية. بعد سقوط النظام بأيام قليلة، أعلن الكاتب عدنان عودة عن رغبته في كتابة مسلسل بعنوان "قيصر"، الذي كان من المفترض أن يروي جزءًا من معاناة المعتقلين في سجون النظام، مستندًا إلى الصور التي سربها المصور العسكري المنشق والمعروفة باسم "ملف قيصر". لكن الإعلان عن المسلسل أثار جدلًا واسعًا في الأوساط السورية، بين من اعتبره خطوة جريئة لتوثيق الحقيقة، وبين من رأى فيه استغلالًا سياسيًا أو محاولة لتقديم سردية منحازة.

هذا الجدل يعكس أهمية الدراما في تشكيل الوعي العام، ومدى إدراك المجتمعات لأهمية توثيق الظلم والمجازر بمصداقية وحذرٍ أيضًا، خاصة في قضايا حساسة مثل العدالة الانتقالية. فبينما يرى البعض أن تناول هذه القضايا في الفن ضرورة أخلاقية، يخشى آخرون أن يكون التناول جزئيًا أو انتقائيًا، مما قد يؤثر على مصداقية الرواية التاريخية. ومع ذلك، يظل العمل الفني، مهمًا كان الجدل حوله، جزءًا من عملية كشف الحقيقة وإبقاء الذاكرة حيّة.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

باتت الدولة تفهم بوصفها منصّة تُدار بمنطق الظهور (ميغازين)

حين تُدار الدولة بالترند.. السياسة في زمن الخوارزمية

لا يحتاج المواطن السوري إلى انتظار بيان رسمي أو خطاب سياسي ليعرف ما الذي يُفترض أنه مهم، يكفي أن يفتح هاتفه. ما يتصدر الشاشة يُعامل بوصفه قضية وطنية، وما يختفي منها يُمحى من الوعي العام مهما بلغت خطورته

مها غزال

تجاوز دور طه حسين مع سهير القلماوي دور الأستاذ إلى دور الأب (ميغازين)
تجاوز دور طه حسين مع سهير القلماوي دور الأستاذ إلى دور الأب (ميغازين)

طه حسين.. الأستاذ وتلاميذه

يناقش المقال دور الكاتب طه حسين مع تلاميذه، وكيف كان بمثابة الموجه، الذي ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تغيير مصير هؤلاء التلاميذ، وعندما حادوا عن اتجاهاتهم التي كانوا يخططون لها، صاروا مِن ألمع الشخصيات في المجال الأدبي

ممدوح النابي

حفلات التحرش

التّحرش الجنسي.. كيف تصبح الشوارع والمهرجانات مسرحًا للعبث بالجسد الأنثوي؟

أي معالجة للتحرش الجماعي تتطلب مواجهة التصورات المسبقة، وفهم كيف تُحوَّل مفاهيم ثقافية ودينية إلى غطاء يبرر الفعل ويخفف من مسؤوليته الأخلاقية

إسراء عرفات

سوريا الجديدة

الدولة المؤجّلة: معادلة الأمن الجوهرية في سوريا الجديدة

يتحدد مشهد سوريا ما بعد الأسد بأزمتَي اندماج متوازيتين لكنهما مختلفتان بنيويًا؛ الأولى في الشمال الشرقي، تمثل "قسد" استقلالية مؤسسية وإقليمية، والثانية في السويداء، حيث تكون الاستقلالية مجتمعية وشبكية

مهيب الرفاعي

مراكز الإيواء

الإيواء المؤقت في قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار: "نحو إطار سياساتي عادل ومستدام للتعافي المبكر"

تجمع هذه الورقة بين التحليل النظري والمعطيات الميدانية لصياغة نموذج محلي للإيواء يتلاءم مع بنية الأسر الممتدة والخصوصية الاجتماعية والثقافية في القطاع

حسام حسن أبو ستة

المزيد من الكاتب

شاهر جوهر

كاتب من سوريا

التجارة الإلكترونية: خارطة العالم الرقمي والفيزيائي

لن تختفي المتاجر التقليدية، لكنها لن تبقى كما عرفناها. مستقبلها مرهون بقدرتها على التحول من مجرد أماكن للبيع إلى عروض حية للعلامة التجارية

من صدّام حسين إلى النسوية الحديثة: سيرة ذاتية للشنب

سيرة الشوارب من ثقافات الشعوب إلى النسوية الحديثة