مصطلح "التشبيح" من أكثر المفردات التصاقًا بالذاكرة السورية الحديثة، وهو لفظ وُلد في الشارع قبل أن يتبنّاه الإعلام والبحث الأكاديمي، وصولًا إلى الصالونات السياسية والدبلوماسية. يعود أصل الكلمة إلى مرجعين: الأول هو شبيحة كلفظة عامية تعني مجموعة الشباب مفتولي العضلات وذوي السطوة بين أقرانهم؛ والثاني يعود إلى سيارة مرسيدس S500 السوداء "المفيّمة" الخاصة بالمسؤولين الأمنيين والنافذين في البلاد، والتي يُطلق عليها لقب “الشبح” لهيبتها على الطرقات ورهبتها أثناء حملات الدهم والاعتقالات.
ثم بدأ استخدام المفردة الشعبية "الشبّيح"، واشتُقّت من الفعل “شبَح” بمعنى لوّح أو استعرض عضلاته أو هيمنَ على المكان بقوته الجسدية أو سلاحه أو سلطة المنصب؛ إذ في اللهجة السورية يقال: "فلان عم يشبّح"، أي يتصرّف بفوقيّة واستعراض. لكن سرعان ما تجاوز المفهوم معناه اللغوي إلى دلالة سياسية وأمنية عميقة؛ إذ ارتبط بدايةً بمهربي الساحل السوري في الثمانينيات، الذين كانوا يملكون حماية من ضباط نافذين ويجوبون الطرق بسيارات المرسيدس الفارهة من دون لوحات.
هؤلاء تحوّلوا تدريجيًا إلى أداة غير رسمية للأمن، تُستخدم في القمع والترويع وتثبيت هيبة النظام في الأحياء والجامعات والأسواق. ومع الزمن، صار التشبيح توصيفًا عامًّا لكل ممارسة تستند إلى القوّة أو الحماية الأمنية لتجاوز القانون أو إذلال الآخرين؛ لتتطور الكلمة من دلالةٍ جسدية إلى رمزٍ للهيمنة السلطوية، ومن ظاهرة محلية إلى ثقافة اجتماعية وسياسية راسخة تختصر بنية الحكم في سوريا عمومًا: الخضوع، والخوف، والولاء القائم على الامتياز لا على الحق.
ولادة السلطة الموازية
لم يكن "التشبيح" حادثًا طارئًا في التاريخ السوري، بل أحد منتجات البنية العميقة للدولةِ القلعةِ التي شيدها نظام الأسد منذ الثمانينيات. فحين رسّخ النظام فكرة الدولة القلعة في مواجهة أعداء الداخل والخارج، خلق بالضرورة جهازًا أمنيًا واسعًا يتجاوز وظائف الحماية إلى السيطرة الكاملة على المجتمع.
في هذا السياق، لم يعد الأمن مجرد وظيفة، بل تحوّل إلى نظام إنتاجٍ للولاء؛ يوزّع الامتيازات مقابل الطاعة، ويمنح الحصانة مقابل الخضوع. ومن رحم هذا الاقتصاد السياسي القائم على الخوف نشأت فئة العناصر الشبّيحة بوصفها أداة قمعٍ غير رسمية، لكنها تحظى بشرعية ضمنية من النظام نفسه.
فشبكات التهريب والفساد والمحسوبيات لم تكن خارج الدولة، بل في صميمها؛ أذرعٌ رمادية تمارس ما لا تستطيع مؤسسات الدولة أن تمارسه علنًا. هكذا تحوّل التشبيح إلى بنية موازية للدولة: يضبط الشارع حين تعجز المؤسسات، ويُرهب الخصوم حين يفترض أن يَحتكموا إلى القانون، بل ويرهب حتى الأفراد من البيئة نفسها أو من بيئات أخرى.
هذه العلاقة التكافلية بين النظام ودوائره الأمنية خلقت دولة مزدوجة: إحداهما تخاطب الناس بالقانون، والأخرى تُخضعهم بالعنف والابتزاز؛ ليغدو هذا النهج الاستعلائي الأمني منطقًا عامًا يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وسلوكًا رمزيًا لتأكيد التفوق، لا يمكن فصله عن الثقافة السياسية التي سادت البلاد.
صعود العنف اللامركزي
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، فقدت الدولة المركزية سيطرتها الكاملة على أدوات القمع، فانفرط عقد الولاء لصالح جيش النظام وأجهزته الأمنية والاستخباراتية، وفصائل محلية معارضة، وميليشيات مناطقية وطائفية، وغيرها الكثير. هنا انتقل التشبيح من صيغةٍ سياسية إلى صيغةٍ اجتماعية؛ إذ لم يعد حكرًا على ضباط الأمن الذين يتمتعون بأرقام وظيفية واضحة ومناصب رسمية أو ارتباط مباشر بالنظام، بل أصبح أسلوبَ بقاءٍ اجتماعي في واقعٍ منهار.
فمن يملك السلاح أو النفوذ أو المحسوبية صار قادرًا على فرض سلطته على الآخرين. وتحول الشبّيح من منفّذٍ للأوامر إلى نموذجٍ يُحتذى؛ رمزٍ للقوة والقدرة على الإفلات من العقاب، مرتبط بالسلطة ويستخدم اسمها، ويمارس عنفًا يعتقد أنه قانوني، أو أنه "هو القانون" أو من يصنعه.
بهذا المعنى، انتقلت ثقافة التشبيح من علاقةٍ رأسية بين الدولة والمواطن إلى شبكةٍ أفقية من العلاقات داخل المجتمع نفسه: في الشوارع، والجامعات، والأسواق، والمؤسسات الخدمية. وصارت القدرة على التحكم هي العملة الجديدة التي تُستبدل بالقانون.
في هذا الواقع، لم يعد المواطن السوري يبحث عن العدالة، بل عن الحماية. ولم يعد يقصد مؤسسات الدولة من أجل حقه، بل من يعرفهم في الأجهزة الأمنية لتسيير معاملاته واستغلال نفوذهم للإفلات من المساءلة. وهكذا، غابت الحدود بين الجريمة والسلطة، وبين الولاء والمصلحة، وصارت القوة الشخصية مقياسًا للكرامة والنجاة.
هذا التحوّل كشف هشاشة البنية القانونية والبيروقراطية التي كانت تستمد شرعيتها من الخوف لا من الكفاءة، ومن الولاء لا من المواطنة والمدنية. ومع الوقت، صار التشبيح هو اللغة الاجتماعية الجديدة: لغة الغلبة التي تجعل فكرة المساواة تتراجع أمام منطق "الأقوى هو الأحق".
حتى بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، لم تختفِ الظاهرة، إذ إن التشبيح، حتى لو انهار النظام سياسيًا، لن يختفي تلقائيًا، لأنه تحوّل من ممارسة إلى ثقافة بيد من يجهل قيمة المنصب وحدود السلطة، أو بيد من لم يمارس عملًا إداريًا هرميًا واضح المهام والصلاحيات والنطاق الذي تُنفّذ فيه هذه الصلاحيات.
لقد تشكّلت خلال الأشهر الماضية بنيةٌ ذهنية واقتصادية تُعيد إنتاج ذاتها حتى في غياب السلطة المركزية؛ فالفراغ المؤسسي بعد أي تغيير سياسي يخلق بيئة مثالية لاستمرار هذه الثقافة، ولا سيما في ظل غياب مؤسسات قانونية قوية ذات صلاحيات مُفعَّلةٍ، وغياب المساءلة والعدالة الانتقالية كأدوات ناجعة للردع. وهكذا يصبح النفوذ الشخصي هو القانون البديل.
ويغذّي الاقتصاد الريعي والسوق السوداء هذه البنية، إذ يظلّ من يملك السيطرة على الموارد أو المعابر أو شبكات التمويل هو صاحب السلطة الفعلية. أما الذاكرة الجمعية للخوف فهي عنصرٌ ثالث في بقاء الظاهرة؛ لأن مجتمعًا عاش عقودًا في ظل القهر لا يثق بالقانون، بل بالسطوة، ولا يميل إلى استرداد حقه عبر المؤسسات، بل عبر إنتاج نموذج تشبيحي جديد يحاكي النموذج الذي ترسّخ في وعيه.
لذلك، فإن التشبيح لا يموت بسقوط النظام الأمني أو السياسي، بل يعيد تشكيل نفسه في صورٍ جديدة:
تشبيح عسكري–أمني: باستغلال الرتبة والانتماء المؤسسي
تشبيح مدني: داخل الإدارات والخدمات العامة
تشبيح إعلامي: في الخطاب والميديا
تشبيح أيديولوجي: باسم الوطنية أو الدين أو الثورة
وتشبيح جندري: عبر توظيف الخطاب الذكوري لقمع النساء؛ حتى وإن مارسته نساء أنفسهن
أخطر ما في هذه الظاهرة قدرتها على إعادة تدوير ذاتها، عبر اندماج رموزها في البنية الجديدة للدولة بعيدًا عن الحوكمة والحكم الرشيد وتقنين المناصب والصلاحيات؛ فها هم رجال الأمن السابقون يتحولون إلى رجال أعمال، ومقاتلو الميليشيات والدفاع الوطني يقدّمون أنفسهم حماةً للمجتمع ورعاةً للسلم الأهلي، وإعلاميو السلطة القديمة يصبحون دعاة إصلاح، وإعلاميو السلطة الجديدة يمارسون الفوقية ذاتها بلبوسٍ جديد.
لا يزول التشبيح إذن؛ بل يبدّل قناعه. ولعلّ حادثة السائق المخالف الذي استوقفه شرطي المرور فقال له: "أنا استخبارات" و"نحن حررناكم" و"قَدّيش صرلك هون؟"، هي تعبير رمزي صارخ عن استمرارية الظاهرة: انتقلنا من "اعرف مع مين عم تحكي" إلى "انتبه على حكيك معي"، ومن "أنا أمن الرابعة" إلى "نحنا يلي لبّسناك البدلة". تغيّرت اللافتة وتغيّر العلم والهوية البصرية للدولة، لكن منطق العلوّ على القانون بقي هو نفسه.
كما كان الانتماء إلى الفرع الأمني يمنح حصانة فوقية، صار ادعاء الانتماء إلى الثورة نفسه يُستدعى لتبرير الاستثناء والمخالفة. تلك هي المفارقة السورية الكبرى: الثورة التي ثارت على التشبيح قد تحمل في داخلها بذور تشبيحٍ جديد، إذا لم تُقَنَّن شرعيتها داخل مؤسسات دولة مستقلة وعادلة.
نحو تفكيك الظاهرة وثقافة القانون
إن معالجة التشبيح لا يمكن أن تكون أمنية فقط، لأنه ظاهرة تمتد في الاجتماع واللغة والاقتصاد والسياسة؛ وبالتالي فإن المطلوب هو تفكيكٌ ثلاثي الأبعاد: لغوي - خطابي، ومؤسسي، وقيمي.
لغويًا وخطابيًا، يجب كسر قاموس التفوق الذي يجعل من ادعاء الانتماء إلى السلطة أو الثورة رخصةً لتجاوز القانون. ولا بد من إعادة تعريف القوة في الوعي العام باعتبارها مسؤولية لا امتيازًا، عبر الإعلام والتعليم والتواصل المدني، وخلق بيئة تفاعل فعّالة بين الدولة والمجتمع، مؤسساتٍ وأفرادًا.
أما مؤسسيًا، فيتطلب الأمر بناء أجهزة أمنية وإدارية محترفة تخضع للمساءلة، مع قضاء سريع وفعّال يفرض الردع ويعيد الثقة بالمؤسسة. لكن التحدي الأكبر يكمن في المبدأ القيمي، إذ يتمثل في إعادة بناء مفهوم المواطنة بعد فرط الحرية في المجال العام واستسهال الإفلات من العقوبة بسلطة الشيخ أو الأمير أو الضابط؛ وذلك عبر جعل القانون السوري وميثاق وزارة الداخلية والأمن العام مرجعًا عامًا يتساوى أمامه الجميع، واستبدال ثقافة الخوف بثقافة الحقوق.
يستدعي الأمر أيضًا عدالة انتقالية تُعيد الاعتبار للضحايا وتُحاسب الجناة، لكنها تُعيد في الوقت نفسه دمج الفاعلين داخل منظومة قانونية لا انتقامية. فالتشبيح، في جوهره، كان نتيجةً لغياب دولة القانون لا سببًا لها. وإنّ تحويل سوريا من دولة الولاء إلى دولة المواطنة لا يتحقق بالانتقام من الشبّيح، بل بتحويل منطق السلطة ذاته من الامتياز إلى الخدمة. إن التاريخ السوري اليوم يقف أمام اختبارٍ وجوديٍّ بين إعادة إنتاج التشبيح أو ترسيخ دولة القانون.
إجراءات الردع
تُعدّ الاستجابة السريعة التي أبدتها وزارة الداخلية السورية إزاء الحوادث التي تمسّ هيبة الدولة ومبدأ المساواة أمام القانون دليلًا على تحوّلٍ مؤسسي في آليات الضبط المدني، يعكس توجهًا نحو ترسيخ سيادة القانون بوصفها المرجعية العليا للعلاقات بين الدولة والمجتمع.
ويمكن القول إن سرعة اتخاذ الإجراءات القانونية ضد الفاعل وإحالته إلى القضاء المختص تمثل مؤشرًا على انتقالٍ نوعي من منطق السلطة الشخصية إلى منطق السلطة القانونية، بما يعيد تعريف مفاهيم الشرعية والانضباط في المجال العام.
كما أن فتح تحقيق فوري بإشرافٍ رقابي رسمي يشير إلى إدماج مبدأ الشفافية والمساءلة داخل الجهاز الأمني ذاته، وهو ما يضع حدًا للثقافة التقليدية التي أتاحت تاريخيًا التملّص من المسؤولية عبر الولاءات أو الانتماءات السياسية.
وإلى جانب البعد الإجرائي، لا بد من تفعيل حملات توعوية تُعيد بناء الهيبة الرمزية للدولة على أساس الثقة بالقانون لا على سطوة الأفراد، في محاولة لتأسيس خطابٍ جديد حول الأمن المدني يربط بين الانضباط والسلوك المواطني، لتحويل القوة من أداةٍ للهيمنة، إلى وسيلةٍ لحماية المساواة وسيادة القانون.











