ultracheck
الصحافة في زمن "الإي آي"

ممنوع التصوير.. الصحافة في زمن "الإي آي"

1 مارس 2025

لم أكن أعرف أن التصوير ممنوعٌ في الحدائق العامة؟ كان هذا السؤال ووابل آخر من الأسئلة موجهًا إلى حارس حديقة عمومية تقع ببن عكنون، أعالي الجزائر العاصمة، رآني من بعيد أنصبُ ترايبود الهاتف (trépied)، وهو حامل ثلاثي الأرجل طويل، فهَمَّ مسرعًا إليّ وتحدّث بغضبٍ غير مفهوم، وأصرّ أن الأمر ممنوع بتعليمة من مسؤوله، ولوهلة ظننت أنني على وشك ارتكاب جنحة ما يُعاقب عليها القانون؛ فاضطررت لاستوضاح الأمر منه: أين هي اللافتة التي تمنع التصوير في الحدائق العامة؟ أين هو مكتب المسؤول لأحدّثه بالأمر؟ هل استحدثتم قانونًا جديدًا؟ هل أنت متأكّد أن التصوير بالهاتف ممنوع؟ لماذا لا تصادرون الهواتف عند مدخل الحديقة؟

لم أكن بحاجة إلى حدسٍ رفيع لأعرف أن الحارس اعتقد أنني صحفي منذ البداية بسبب هذا الترايبود، فعاجلته بأنني لست صحافيًا وبصدد تسجيل صور وفيديوهات للفيسبوك وتيك توك وأن حامل الهاتف هذا (trépied)، ليس جهازًا للتجسّس؛ وهو يساعدني فقط على التقاط الصور حين أكون بمفردي. لماذا يكون التصوير ممنوعًا حين يكون الهاتف على الحامل الثلاثي؟ قلت للرجل الرافض للتصوير.

قد لا يبدو أن الحارس يعيش خارج الزمن، ولكنه قد انتبه إلى شيءٍ ما يحدث في السنوات الأخيرة، وهو ما يستوجب طرح عدة أسئلة، حول ما إذا كانت مهنة الصحافة صارت لصيقة اليوم بحمل الهواتف النقالة؟ هل أصبح بإمكان المواطنين ممارسة مهنة الصحافة باستعمال الموبايل في سياق صحافة المواطن؟ ثم هل أصبح التصوير بالموبايل ممنوعًا في الأماكن العامة على الصحافيين ومسموحًا به لغيرهم؟

قبل عقد ونصف من الزمن من الآن، كان صحافيو الجرائد والمجلات لازالوا يعتمدون على مسجّلة الشريط الكلاسيكية التي تُشبه مذياعًا صغيرًا بحجم علبة الكبريت (علبة الكبريت اختفت من الأسواق أيضًا)، وكان من السهل أن تطلب من زميلك أثناء تغطية ما، شريطًا إضافيًا أو بطارية ليزودك بها من حقيبته على الفور، لأن كثيرين كانوا يحملون منها ما يكفي، فقد كان إجراء حوارات بهذه المسجّلات شائعًا خاصة لمهنيي الصحافة الورقية، وكانت هذه المسجّلات تُباع في محلّات بيع العقاقير والخردوات ومواد البناء بثمن بخس. 

سرّعت ثورة الهواتف النقالة والاستعمال الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية، من تطور عدة مفاهيم وممارسات متعلّقة مجال الإعلام، وربما كثير من الصحافيين تجاوزهم الزمن في هذه المرحلة، سواءً تعلق الأمر ولم يعذ بالإمكان تغطية الأحداث أو تحليلها ورصد ردود الأفعال والتأثير على الجماهير وصناعة الرأي العام، دون العودة إلى هذه الأدوات والوسائط الرقمية (نعني بها محتويات رقمية بكل ما تشمله من مونتاج وتصميم)، وقد تكون الحاجة إلى المعلومات السريعة هي من سهلت انضمام كثيرين إلى الوسط الصحفي.

وسط حمّى تدفّق المعلومات، و"هوس" الحصول على السبق و"السكوب" والتنافس على استهداف قواعد جماهيرية واسعة، استطاعت الصحافة الكلاسيكية أن تتأقلم هذه الوسائط وتستحدث مواقع إلكترونية وتعتمد على بعض التقنيات الرقمية، واستطاعت أيضًا هذه الوسائط أن تضم كثيرين من صناع المحتويات وعرضها تحت مسمّى صحفيين وإعلاميين ومؤثرين، وبناءً على هذا، يمكن أن نُقسّم هنا هذه التطورات في مجال الصحافة إلى مستووين اثنين؛ وهما: صحافة تطوّرت على مستوى التقنية وأخرى على مستوى الممارسة.

الصحافة الإلكترونية 

 فمن حيث التقنية برزت الصحافة الإلكترونية لاعبًا أساسيًا في المشهد الإعلامي، وتأقلمت الصحافة الكلاسيكية مع ثورة التكنولوجيات، ونتيجة لذلك ظهرت المواقع الإلكترونية المنسجمة مع هذه الأنواع الصحفية، الجرائد الإلكترونية، الإذاعة الإلكترونية، القناة الإلكترونية، وصولًا إلى صحافة الموبايل وصحافة "الإي آي". وأصبح يُطلق على ما تنتجه هذه المنصات والمواقع بـ"صحافة الأصبع" و"الفاست نيوز"، وأصبح هذا النوع من الصحافة يتيح للمتابعين التفاعل والتعليق على الأحداث ومناقشتها، وفتحت قنوات تواصل مع وسائل الإعلام  لمراسلتها أو إبداء الرأي أو تزويدها بملعومات أو طلب تغطيات لانشغالاتها.

أما من حيث الممارسة، فشهدت هذه المرحلة انضمام كثيرين إلى ساحة صناعة المحتوى ونقل المعلومات، وظهرت عدة تسميات مثل الصحافي المواطن، وصحافي الشوارع أو الصحافي الشعبي، وفي منصات المشاركة، سنجد اليوتوبر، والانستغرامور والمؤثر، وقد يهتم بعثهم بنقل الأخبار وتغطية الأحداث، مع أنهم غير معتمدين غالبًا ولا ينتمون إلى وسائل إعلامية أو يحملون بطاقة مهنية، ولكنهم يعتمدون على التقنيات التي يعتمد عليها الصحافيون في التغطيات، كالكاميرات والترايبود والميكروفونات ويطرحون أسئلة على الناس ويغطون الأحداث ويحللونها، أي أنهم يقومون بكل ما يترّتّب على الصحافي القيام به دون أن يكونوا كذلك بصفة رسمية. 

أحد اليوتوبر المشتغلين بالمواضيع السياسية ممن يمتلكون قاعدة متابعات كبيرة، وبينما هو في الخارج، صدرت في حقه عدّة مذكرات اعتقال على مراحل، ووُجهت له عدّة تهم، وقد لجأ هذا اليوتوبر فيما بعد إلى استصدار بطاقة صحافي من إحدى الجهات الإعلامية الأجنبية (ربما أكاديمية لتدريب الصحافيين بالخارج أو مؤسسة خاصّة) وبهذا سيُصبح اعتقاله حدثًا يحرّك المنظمات والهيئات المدافعة عن حرية الإعلام والصحافيين في العالم، رغم أن هذا اليوتوبر لم يلتحق بمعاهد الصحافة ولم يلتحق بقاعات التحرير، وكل ما يقدمه هو مجرد تسريبات أو ما يسميه بفضائح عن مسؤولين في السلطة، وهو ما يطرح عدة أسئلة حول إن كان ما يُقدمه يعتبر شبيهًا بما يُقدمه صحافيو الاستقصاء والتحقيقات؟ وهل الانتساب لمهنة الصحافة يمنح حصانة أكبر لصنّاع المحتوى الرقمي؟

قبل الحديث عن الممارسة الإعلامية والتقنيات الحديثة، يجب ضبط المصطلحات أولًا في هذا المجال، والتفريق بين الصحافة الرقمية والوسائط الحديثة (عمليات التنسيق واستخدام تقنيات ترطيب الفيدو والصورة)، وبين المواقع الإلكترونية والمنصات الإلكترونية، إذ نجد أن كثيرين يخلطون بين هذه المصطلحات، ويستعملونها في سياقات متشابهة.

بين المنصات والمواقع الإلكترونية

يكمن الاختلاف بين الموقع الإلكتروني والمنصة الإلكترونية، في أن الموقع يعرض محتويات غير تفاعلية، بينما المنصة توفّر بيئة تفاعلية وخدمات متعددة، وإجراء أنشطة متنوعة على الإنترنت معتمدة على تكنولوجيات حديثة، ويمكن القول ببساطة إننا نستخدمها يوميًا مثل منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر وانستغرام وغيرها. بينما لا  توفر المواقع هذه الخدمات التفاعلية، ولا يُمكن إطلاق مصطلح منصات على  المواقع التي نزورها وإن كان يبدو أن هذا الأمر ليس بحاجة إلى شرح مطول، ولكن السؤال الملح الآن: هل تندرج المنصات والمواقع ضمن الصحافة الرقمية؟ أو بشكلِ آخر، إذا كان هناك إجماع بأن ما تُقدمه مواقع إلكترونية إعلامية هو صحافة رقمية، فهل يمكن إطلاق هذه التسمية على منصات التواصل الاجتماعي؟

قد تكون الإجابة المختصرة لهذا السؤال هي نعم، وبداية يجب العودة إلى ماهية الصحافية الرقمية، لكي نفهم الموضوع برمّته، يجب أن نعرف أن دور الصحافة هو الترفيه والتعليم والتثقيف والإعلام وتقديم، وهو ما تقوم به منصات التواصل الاجتماعي بكفاءة عالية. حسنًا، هل ما ينشره المدونون والكتاب وصنّاع المحتوى يُعتبر محتوىً صحافيًا أو صحافة رقمية؟ 

بداية لم يرتبط ظهور الصحافة الرقمية بظهور الإنترنت، حيث إن مراجع كثير تعيد بداية ظهور الصحافة الرقمية إلى سبعينات القرن الماضي مع اختراع وانتشار أجهزة الكمبيوتر، وقد صحب ذلك ظهور واحدة من أنواع الصحافة الرقمية أطلق عليها اسم تيليتيكست (بث نصوص على وحدة عرض مرئية) ويسمح هذا النظام باختيار الأخبار وتصفحها على أجهزة الكومبيوتر، وربما انتقل هذا الأمر إلى التلفزيون أيضًا، فكانت التلفزيونات القديمة في التسعينات مجهزة بهذا النظام، وكان يمكن لأي شخص عرض شاشة التيليتكست للاطلاع على الأخبار الفورية والقصيرة، التي تشبه المعلومات المتداولة اليوم في الصحافة الرقمية، قبل أن تختفي لاحقًا من أجهزة التلفزيون مع الزمن.

يمكن الإشارة هنا أن المواقع الإلكترونية المختلفة، أصبحت تعتمد أساسًا على المنصات الإلكترونية وليس العكس، فأصبح شائعًا أن يكون لموقع إلكتروني عدّة منصّات معتمدة للنشر، وليس الأمر متوقفًا على المواقع الإلكترونية، بل حتى الهيئات الرسمية والمؤسّسات السيادية للدول أصبحت لها حسابات على هذه المنصّات، فالمنصات أصبحت واجهة أخرى موازية لعالمنا ولكل ما ينشر على الإنترنت، لتوفرها على خصائص تفاعلية تجلب المستخدمين، لا تتوفر عليها بقية المواقع الإلكترونية.

كما يُمكن لفت النظر هنا، إلى أن بعض القنوات الإعلامية تخلّت تقريبًا عن فكرة المواقع، وأصبحت تعمد بشكل أساسي على المنصّات، مستهدفة القارئ الإلكتروني الذي يحبذ "صحافة الأصبع" و"الفاست نيوز"، فنجد مثلًا أن بعض القنوات لديها منصات على فيسبوك ويوتيوب وتويتر وانستغرام ولا تمتلك مواقع إلكترونية، بل ويقتصر النشر في هذه المنصّات مثل فيسبوك على قصص مصورة وبطاقات فقط مرفوقة بجملة بسيطة عن خبر عاجل أو حدث ما.

في النهاية، لا توجد اتفاقية مطلقة حول تعريف الصحافة الرقمية، فهي كلّ ما تتعلق بما يمكنه التأقلم مع النشر على الإنترنت من أخبار وصور وفيديوهات، ويرافق هذا العرض تفاعلًا جماهيريًا واسعًا، وتعتمد بشكل خاص على الوسائط الرقمية، بمكوّنات فنية خاصّة، يضاف إليها الاهتمام بعناصر تشكل أساس العمل الصحافي، وهي المصداقية والنقل من مصادر موثوقة والاهتمام بالإخراج البصري والمونتاج و غيرها، وحتى نعرف الفروقات بين ما تقدمه هذه الوسائط، يجب التعريج على بعض التعريفات والأنواع المتعلّقة بهذه الصحافة ومستخدميها.

الجرائد الإلكترونية

تصدر الصحف والمجلات الإلكترونية إلكترونيًا فقط، وقد لا يكون لها عادة ما يُقابلها ورقيًا، أو قد يكون لها مقرّات معروفة وقاعة تحرير واجتماعات صباحية ومراسلين وتغطيات عادية، مثلها مثل بقية المؤسسات الإعلامية، ولكنها تعتمد بشكلٍ أساسيٍ على النشر على المواقع الإلكترونية والحضور على المنصات، كما تعتمد بشكل أساسي على نشر الأخبار بفنيات تحرير تشبه كثيرًا ما يتم تداوله على الجرائد الورقية ولها الشكل العام للصحف المطبوعة، إضافة إلى احتوائها على بيانات وصفية يمكن إدخالها في قواعد بيانات ومحرّكات بحثٍ متخصصة لتسهيل الوصول إليها من قبل مهتمين بمجالات الصحيفة.

الإذاعة الإلكترونية

تُعرف الإذاعة الإلكترونية بـ "الديجتال راديو برودكاستينغ"  (Digital Audio Broadcasting) أو اختصارًا بـ (DAB)، وقد يبدو أن هذا النوع من الصحافة حديثًا نوعًا ما، ولكن إطلاق أول قناة "دي أي بي" كان في سنة 1995، واسمها "أن أر كي كلاسي" من طرف هيئة الإذاعة النرويجية، وتكون خدمات الإذاعة الرقمية أكثر مناعة فيما يتعلق بالضوضاء وخفوت الصوت.

أما اليوم فأصبحت الإذاعة الإلكترونية تعتمد على المنصات، وأحيانًا تفعل خاصة البث المباشر للحوارات مع ضيوفها داخل الأستوديوهات على هذه المنصّات، حتى إنه يصعب التمييز بين القناة الإلكترونية والإذاعة الإلكترونية.

 القناة الإلكترونية

تُعرف القناة الإلكترونية بـ"التلفزة ويب" أو قناة الديجيتال في بعض المراجع، وتعتمد بشكل أساسي على البث والاستقبال عبر استخدام واجهة ويب لإشارات الفيذيو، ما يُمكن مستخدمي الإنترنت من مشاهدة محتوى فيديو على متصفح للإنترنت.

وقد تستخدم القنوات الإلكترونية تقنية البث الحيّ أو التحميل التدريجي لبث محتوياتها على الإنترنت، ويمكن أن يكون للقناة فضاءات واستوديوهات تحليلية وبرامج أيضًا، غير أنها تبثها على الإنترنت فقط، سواء على موقعها الإلكتروني أو منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

ونظرًا لحداثة الاعتماد على هذه القنوات نسبيًا، نجد أنه لا توجد مفاهيم محدّدة حول الأدوات والتقنيات التي تستخدمها هذه القنوات، وقد نجد جريدة إلكترونية تحت مسمى قناة إلكترونية، تبث مقاطع فيديو كما هي غير مرفوقة بتقارير، ولكن تضع عليها عناوين فقط، كأن نجد فيديوهات قصيرة جدًا منشورة مرفوقة بعبارة "شاهد هدف اللاعب في مرمى هذا الفريق"، أو عبارة "تدخل ناري لنائب برلماني".

تتداخل التعريفات والأوصاف في مسمى القنوات الإلكترونية، وتتبنى بعض الوسائل الإعلامية مسميات لا تتوافق مع محتواها الإعلامي، وربما يعود هذا التداخل إلى التشابه الوظيفي والفضاءات والتقنيات التي توفّرها المنصات، مثل تقنية البث المباشر ونشر الألبومات والفيديوهات والصور، وهو ما تشترك فيه أيضًا الجريدة الإلكترونية والإذاعة الإلكترونية.

صحافة الموبايل 

سارعت شركات مهتمة بمجال التكنولوجيا، مع بداية ظهور الهواتف الذكية، إلى إنشاء تطبيقات تساعد على عملية مونتاج الفيديوهات وإنتاج المحتويات بكبسة زر واحدة، وتنافست التطبيقات أيضًا في مساعدة المستخدمين على تركيب فيدوهاتهم الخاصة وصناعة محتوياتهم بأنفسهم من تطبيق "كاب كيت" أو "capcut" وهو تطبيق يعتمد عليها مستخدمو تيك توك بشكلٍ واسع، ويوفّر قوالب جاهزة للمونتاج، ويساعد المستخدمين على تحرير الفيديوهات بالكثير من الطرق، بما فيه تعديل الإضاءة، التباين، اللمعان، اللون، الانتقال مع إيقاعات الموسيقى وغيرها.

هذه التطبيقات وغيرها، ساهمت بشكل كبير في تطور صحافة الموبايل، ولكن هذه النوع من الصحافة ظهر مع ظهور الهواتف الذكية وتوفّرها على كاميرات عالية الجودة، إذ يُمكن تعريف صحافة الهاتف المحمول، بأنها عملية جمع الأخبار ونشرها باستخدام هاتف ذكي والاعتماد عليه أيضًا في تغطية الأخبار صوتًا وصورة، ولم يعد الأمر مقتصرًا على الصحافيين بل انتقل إلى صانعي المحتوى أيضًا، فقد انتقل إنشاء المحتوى من مرحلة كان فيها الصحفي يعتمد على مصور وتقني صوت وسائق في تنقلاته، إلى توفير كل هذا والاعتماد على هاتفه النقال، حتى أن تطبيق الأدوبي المعروف في عالم المونتاج أصبح يوفر تطبيقات خاصة بالهواتف الذكية، تمكن مستخدمها من إضافة شريط الأخبار واللوغوهات والتحكم في الصوت والتركيب بشكل عالي الجودة، بحيث تصدر تلك التقارير مشابهة لما يُبث على التلفزيون

صحافة الذكاء الاصطناعي "الإي آي"

لم يعد الأمر خافيًا على أحد، أن هناك توجّهًا من الصحافيين نحو استخدام صحافة الذكاء الاصطناعي (إي آي) أو ما يُشار إليه أحيانًا بـ (Robot Journalism) أو "الأوتوتومايتد جورناليزم" وهذا لإنتاج المحتويات الصحفية، فالإضافات إلى إنتاج المقالات العامة المتعلقة بالمنتجات والمواضيع واسعة الاطلاع، صار هناك تخصص في إنتاج محتويات تعتمد على مقارنات تعمد على كمٍ هائل من المعلومات باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقد تصبح هذه التقنية معتمدة بشكلٍ أساسي في المستقبل القريب.

يشار هنا، إلى ظهور أكاديميات أيضًا تُعنى بالتدريب على برامج الذكاء الاصطناعي مثل  أكاديمية ( JournalismAI) للمؤسسات الإعلامية الصغيرة، وتعرف نفسها برنامج مجاني يوفّر دراسة معمّقة لإمكانات الذكاء الاصطناعي وكيفية استفادة الصحفيين في غرف الأخبار الصغيرة منها.

بالإضافة إلى ذلك، يُمكن الإشارة أيضًا إلى محاولات شملت صناعة محاكاة لمذيعين مصممين ببرامج الذكاء الاصطناعي، قادرين على تقديم نشرات الأخبار وقراءتها بشكل قريب من الواقع، ويمكن التحكم في هؤلاء المذيعين وفي أصواتهم وقراءات بدقة عالية، تكون قريبة إلى الحقيقة بشكل هائل، ولكنها تبقى مجرّد محاولات حتى الآن، والحكم من أنها قد تحل محل الصحافيين أو مقدمي الأخبار أمر سابق لأوانه.

الصحافي المواطن

هي حالة تُعرف أيضًا بالاندماج التكنولوجي الذي شهده مجتمع المعلوماتية، كان من حتميات الانفتاح التكنولوجي وتوفر وسائط تتيح لمستخدميها من الوصول للعالم، أن خرجت المعلومات والأخبار من عباءة احتكار القنوات والصحف ومقرّات الإعلام، وساهم في ذلك أن أصبحت تقنيات البث متاحة لكثير من المواطنين، فضلًا إلى هامش الحرّية وغياب مقص الرقابة وصناعة توجّهات الرأي العام، وهي حواجز كانت في السابق تمنع من وصول المعلومات بشكل جيد وتُضفي عليها نوعًا من الضبابية.

في هذا السياق، قد يتطلب استسقاء معلومات عن حادث مرور أو زلزال انتظار عودة الصحافي إلى قاعة التحرير أو تنقله إلى المكان نفسه لتغطية الحدث في بث مباشر، وبما أن كاميرات المواطنين مفتوحة على العالم، سيتكون العملية معكوسة هنا، ويمكن أن يفتح أيّ مواطن موجود بالقرب بثًا مباشرًا على حسابه الذي يحتوي عددًا بسيطًا من المتابعين، ليشاركه الآلاف وربما مئات الآلاف.

المفارقة في هذا الموضوع، أن العملية أصبحت مقلوبة هنا كما أشرنا سلفًا، وبينما كان الصحفي يتكفل بنقل المعلومة إلى المواطن، صار بإمكان المواطن تغذية وسائل الإعلام بكم كبير من المعلومات ذات المصداقية العالية من موقع الحدث، وانتقل الأمر من كون الصحفي مصدرًا للمعلومة إلى المواطن الصحفي أو المواطن المراسل مصدرًا لها.

اليوتوبرز والانستغرامورز والمؤثرون

قد يُعارض كثيرون فكرة أن ما يقوم به صناع المحتوى، هو قريب إلى العمل الصحفي وربما أكثر فعالية وانتشارًا منه، فكثير من اليوتوبرز والانستغرامورز والبودكاسترز، يقدمون محتويات ثرية بالمعلومات والأخبار، وتحقق انتشارًا واسعًا ربما تعجز عن بلوغه وسائل إعلامية، خاصة في مجالات مثل السياحة والأسفار والعروض التلفزيونية والبرامج الالكترونية والحرف والحياة اليومية والأسواق والموضة، وقد تجد القواعد الجماهرية والمتابعين لهذه المحتويات ضالتها في ما يقدمه صناع المحتوى أو ما يٌتعارف عليها باسم المؤثرين، أفضل مما يجدوه في الصحف والقنوات الإعلامية.

يمكن التساؤل هنا، إن كان هؤلاء المؤثرين تحولوا إلى صحافيين دون رغبة منهم، أو حولتهم هذه الوسائل إلى "نيو جورناليست" والمقصود هنا بجيل جديد من الصحافيين، متوافقين مع التكنولوجيات الحديثة، ويتكلمون بقاموس لغوي قريب من لغة الشارع، ولم يعد الجمهور يتعاطى مع الصحافة النخبوية واللغة الفصيحة؟

هل يمكن التساؤل أيضًا حول إن هؤلاء المؤثرين وصانعي المحتوى، يريدون الاستيلاء على مكانة الصحافيين ومنافستهم في مجالهم؟

قد نلمس هذا كثيرًا في ادعاء بعض صناع المحتوى بممارستهم مهنة الصحافة، وفي المقابل من ذلك، يسعى كثير من الصحافيين إلى صنّاعة محتوىً موجهٍ للمنصات الرقمية بعيدًا عن الأخبار اليومية، ويحاول كثير منهم الاقتراب من لغة اليوتوبرز والانستغرامورز ، وكثير منهم قام فعلًا بإنشاء حسابات خاصّة، يهرعون لها بعيدًا عن مقص الرقابة وتوجّهات مؤسساتهم،  بهدف التفاعل مع الجمهور وتقديم محتويات تتماشى مع اهتمامتهم وطموحاتهم، وهذا ما يثير تساؤلًا جوهريًا آخر: هل تحول الصحافي إلى صانع محتوى وصانع المحتوى إلى صحافي؟

في لحظة ما، كنت متأكّدًا أن حارس الحديقة غادر غير مقتنع بما أخبرته به عن كوني لست صحفيًا، فهذا ربما يعود لأنني نصبت ترايبود الهاتف (trépied) بطريقة مختلفة قليلًا، تختلف عن طريقة صنّاع المحتوى والمؤثرين، فقد كنت واقفًا في منتصف الطريق الرئيسي للحديقة، محاولًا الحصول على خلفية مناسبة. فهل كان عليّ أن ألتقط صورًا مع الأسد الأفريقي أو الضبع المخطط لأتفادى تهمة الصحفي؟

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

محمود درويش.. شاعر تحت رحمة الذكاء الاصطناعي

يسير محمود درويش في مدينة قديمة ملقيًا قصيدة لم يكتبها. صحيح أنّ الشاعر مات منذ 18 عامًا و4 أيام بالضبط لكن المحتوى لم يعد مضطرًا إلى التوقف

2

من قوارب الهجرة إلى جبهات القتال: عسكرة المهاجرين الأفارقة في اليمن

تمثل ظاهرة تحويل المهاجرين الأفارقة إلى مقاتلين بين اليمن والقرن الإفريقي تحديًا أمنيًا متعدد الأبعاد يتجاوز الأطر التقليدية للهجرة غير النظامية، ويخلق ديناميكيات جديدة للصراع تهدد الاستقرار الإقليمي

3

صورة إفريقيا في كأس العالم وإرث التمثيلات الاستعمارية

يقف الاحتفال بالثقافة الإفريقية في أناشيد كأس العالم في تناقض مع الحقائق الاقتصادية والسياسية للقارة. أين تذهب أموال "فيفا"؟ كم من الإيرادات الناتجة عن هذه الأحداث العالمية يستفيد منها فعليًا تطوير كرة القدم الإفريقية؟

4

في بيت خوسيه ساراماغو الأخير: مخطوطات وذكريات كاتب غزا لشبونة

يفتح خوسيه ساراماغو أبواب ذاكرته في بيته الأخير بلشبونة، حيث تختزن المخطوطات والمقتنيات الشخصية مسيرة كاتب برتغالي شق طريقه من الفقر والعزلة إلى العالمية، تاركًا إرثًا أدبيًا خالدًا.

5

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

اقرأ/ي أيضًا

الاحتجاجات الطلابية

طلاب فرنسا في الشارع.. إرث مايو 1968 وأسئلة احتجاجات 2026

يبدو أن المدرسة عادت مجددًا إلى واجهة الأحداث في فرنسا؛ فخلال الأسابيع الأخيرة، انتقلت موجة احتجاجات بدأت في ثانوية سان إكزوبيري في ضاحية كريتاي إلى عدد كبير من الثانويات في أنحاء البلاد

يونس أوعلي

الكتابة الغزية
الكتابة الغزية

الكتابة الغزية في مواجهة المحو.. الأدب بوصفه ذاكرة

حرب الإبادة الإسرائيلية على عزة استهدفت الحياة البشرية وتدمير العمران، ولم تكتفِ بذلك، وإنما عمدت إلى استهداف البنية الثقافية والمعرفية التي تشكل أحد حوامل الذاكرة الفلسطينية

إسراء عرفات

اللعبة ناتاشا

الجمال كفضيلة.. حين يصبح القبح تهمة أخلاقية

لماذا نفترض أن كل ما هو جميل أخلاقي؟ ولم لا يكفي أن نجرد كل ما هو "قبيح" من إنسانيته، بل يجب أن نكرهه ونمقته حتى اتهامه بالشر؟ هل من العدل أن نحتّم على كل ما هو قبيح الحياة البغيضة؟

ماسة عورتاني

يبدو العام الدراسي الجديد في جنوب لبنان والنبطية أشبه برهان يومي متجدد (ميغازين)

التعليم تحت النار: كيف يواجه أطفال جنوب لبنان العام الدراسي الجديد؟

بدأ أبناء الجنوب عامهم الدراسي الجديد مثقلين بالخوف والقلق من الغارات الإسرائيلية التي لم تتوقف، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع بين لبنان وإسرائيل في واشنطن في حزيران/يونيو 2026

مايا ياغي

أميركا اللاتينية وفلسطين

بين غزة وصناديق الاقتراع.. لماذا تغيّرت مواقف دول لاتينية من إسرائيل؟

لم يقتصر هذا الانتقال الحاد من أقصى المقاطعة إلى الارتماء في أحضان إسرائيل على دول أميركا اللاتينية، حيث انتقلت هذه الموجة إلى سلوفينيا في أوروبا

محمد شعبان

المزيد من الكاتب

نصر الدين حديد

كاتب من الجزائر

الزواج والنسب: حين تُعيد السلطة تشكيل الحب

لقد كان الزواج الطبقي على الأرجح، يهدف إلى الحفاظ على السلطة والنفوذ والأملاك العقّارية