ظهرت أخيرًا دعواتٌ لمبادرات جماعية تخص كل محافظة بالاسم، يتبرع فيها مواطنون سوريون مقيمون أو مغتربون بأموال ومبالغ طائلة لصالح محافظاتهم بوصفهم "مانحين"، على أن تكون هذه الأموال مسخّرة لخدمة المجالس المحلية للمحافظات، بمدنها وقراها التابعة لها. إنسانيًّا ومجتمعيًّا لا يمكن تناولها فهي أعلى من هذا التقييم، لكن ما يهمنا هو تناولها سياساتيًّا وإداريًّا أو Goverenancewise، بحيث إن المبادرات الاجتماعية التي تعتمد على تبرعات الأفراد بوصفهم رجال أعمال او مستثمرين أو أصحاب فضل وجميل، يمكن أن تَسُدّ، من جهة، فجوات أساسية خلّفها ضعف الدولة أو غيابها، خاصة في مجالات إعادة الإعمار وتقديم الخدمات.
هذه المبادرات بالحجم المالي الذي تقوم عليه (حملة "ريفنا بيستاهل" جمعت 76 مليون دولار، وحملة " أربعاء حمص" 13 مليون دولار ، وحملة "أبشري حوران" 44 مليون دولار،
وحملة "دير العز" 30 مليون دولار ) لا يمكن أن تكون اقتصادًا بديلاً أو موازيًا أو بابًا من أبواب التغوّل الفردي أمام الدولة ومؤسساتها، إذا ما قارنّا حجم التبرعات بالموازنة العامة للدولة (على اعتبار أن موازنة سوريا لعام 2024 كانت حوالي 4 مليار دولار). لكن المسألة تبدو أعقد من طرح رومانسي حول الفكرة، عندما تحل محل مسؤوليات الحكومة، إذ إنها قد تُضعف دور الدولة بشكل غير مقصود من خلال تطبيع غيابها وتقويض شرعيتها وشرعية مؤسساتها. وبدلًا من الضغط على الحكومة لتحمّل واجباتها الدستورية والمؤسسية، يصبح الناس أكثر اعتمادًا على الشبكات غير الرسمية والتمويل المجتمعي. وهذا يضعف مبدأ المساءلة، إذ إن هذه المبادرات لا تخضع لمعايير الشفافية أو آليات الرقابة نفسها التي تلتزم بها المؤسسات العامة، مما يثير تساؤلات حول العدالة، وإساءة استخدام الموارد، واستدامة هذه الجهود على المدى الطويل.
وعلى الصعيد الأوسع، ورغم أنها توفّر إغاثة عاجلة، فإنها قد تؤدي إلى تجزئة جهود إعادة الإعمار، وإضعاف سلطة الدولة، وتعقيد عملية إعادة بناء منظومة حكم شرعية وشفافة وخاضعة للمساءلة.
توصيف سياساتي واقتصادي
شهدت السنوات الأخيرة في سوريا بروز مبادرات مجتمعية واسعة النطاق، حملت أسماء مرتبطة بهوية كل محافظة مثل حملات "أربعاء حمص"، و"أبشري حوران"، و"دير العز"، حيث يقوم مواطنون سوريون، مقيمون ومغتربون، بالتبرع بمبالغ مالية ضخمة لصالح محافظاتهم بهدف دعم المجالس المحلية وتلبية احتياجات المدن والقرى في مجالات إعادة الإعمار والخدمات الأساسية. هذه المبادرات الإنسانية والاجتماعية، رغم بعدها النبيل، تطرح أسئلة جوهرية من منظور الإدارة العامة وصنع السياسات، خصوصًا فيما يتعلق بالحوكمة، والتخطيط، والشرعية، والمساءلة.
تقليديًا، كانت الجمعيات الخيرية في سوريا تعتمد على قنوات جماهيرية واسعة لجمع التبرعات، مثل التلفاز والإذاعة والصحافة المطبوعة والمزادات الخيرية، إلا أن الأساليب الحديثة لجمع التبرعات باتت تتجه نحو نهج أكثر تخصيصًا ومعيارية، خصوصًا في محافظات مثل درعا وحمص، حيث يعتمد جمع التبرعات الفردي على التواصل المباشر مع المجتمع المحلي عبر نشاطات محلية. وقد أصبحت اللقاءات وجهًا لوجه إذ تتطلب تفاعلًا مباشرًا بين جامعي التبرعات والمتبرع المحتمل، لتبرز أهمية الخصائص النفسية والاجتماعية لجامعي التبرعات الفرديين، لا سيما في المجتمعات المتأثرة بالنزاع، حيث تلعب الثقة والسمعة المحلية دورًا جوهريًّا في تحفيز العطاء.
من الملاحظ أن العوامل التي تؤثر في نجاح جامعي التبرعات الفرديين في السياق السوري مدفوعة أكثر بالسمعة الشخصية للمتبرع واسمه والجاذبية الشخصية والدافعية للتبرع، كما أن أولئك الذين يُنظر إليهم كجديرين بالثقة يقدرون على تقديم تبرعات أكبر. في درعا وحمص، يُعتبر المغتربون ورجال الأعمال الكبار والنساء المسنات أكثر قدرة على العطاء والتبرع لكن ضمن مبادرات جماعية، خصوصًا عندما تكون الأموال موجهة لمساعدة الأطفال أو العائلات النازحة، إذ يُنظر إليهم كوكلاء شرعيين للتبادل الاجتماعي الإيجابي، ويُعزَّز الأمر بالرغبة بالتفوق العشائري والقبلي بين المتبرعين.
هذه المساحة مستمدة من نظرية المثلث الخيري التكاملي Charitable Triad Theory، الذي يشمل المتبرع والمستفيد وجامع التبرعات، ما يفتح المجال لفهم الطبيعة التفاعلية للتبرع، إذ لا بدّ أن يكون توافق الأطراف الثلاثة معززًا لنجاح الحملات، كما في مثال رجل أعمال من درعا يتبرع بعشرة ملايين دولار أمام طرفين، هما جامع التبرعات (حملة أبشري حوران) والمستفيد (السكان المحليون)، حيث يزداد نجاحه إذا كان المتبرع يعرف المستفيد شخصيًّا. وقد يكفي التفاعل الفعّال بين أي طرفين لإثارة العطاء، بينما يحدد الطرف الثالث حجم التبرع. تساعدنا هذه النظرية على فهم سيكولوجية التبرع، مع التركيز على دوافع وسلوكيات المانحين.
من الناحية النفسية، تربط النظرية بين العوامل الشخصية والاجتماعية التي تؤثر على قرار العطاء: مثل معتقدات العدالة العالمية، حيث قد يقيّم الأشخاصُ مدى استحقاق المستفيدين بناءً على تصوراتهم عن العدالة، والهوية الاجتماعية والانتماء الجماعي، التي تجعل المانحين يفضّلون مساعدة أفراد من مجموعاتهم أو مجموعات مشابهة لهم، بما يشمل التماهي والتوافق النفسي مع المستفيد. كما تشير النظرية إلى الدوافع الاستراتيجية للمساعدة بين المجموعات، إذ يمكن للتبرع أن يعكس رغبة في تعزيز مكانة المجموعة أو استعادة شعورها بالفخر، وهو جانب نفسي مهم في سلوكيات المانحين. إضافة إلى ذلك، تقدم النظرية إطارًا لتفسير أشكال أخرى من السلوك الإيجابي، لا سيما في التمويل الجماعي، يظهر الدافع الاجتماعي والروابط الجماعية كأساس نفسي للقرار بالمساهمة، مما يؤكد صلة النظرية بالتحفيزات النفسية والاجتماعية المختلفة للتبرع.
عمومًا، تعكس حملات التبرع التي ظهرت في المحافظات السورية بوضوح استجابة المجتمع المحلي والشتات السوري لحالة الانهيار التي أصابت الدولة ومؤسساتها بعد سنوات من الحرب، إذ جاءت لسدّ فجوات واسعة في مجالات التمويل والخدمات العامة، فأعطت أملًا في إعادة الحياة إلى المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والكهرباء والمرافق الحيوية بسرعة ومرونة تفوق قدرات الدولة الضعيفة أو الغائبة، ما يجعلها، من منظور الإدارة العامة، ردَّ فعل تكيّفيًّا Adaptive Response يعكس قدرة المجتمع على إيجاد مخرج عن غياب سياسات الحوكمة المركزية. غير أنّ الطابع الغالب لهذه المبادرات يبقى "إغاثيًّا" قصير الأمد، يركّز على الترميم الفوري وتقديم الخدمات الأساسية، بدلًا من أن ينخرط في تخطيط إستراتيجي طويل المدى قائم على تحليل دقيق للاحتياجات وتحديد للأولويات وضمان لاستدامة المشاريع. ومن هنا يظهر إشكال كبير يتعلق بالعدالة المكانية والاجتماعية، إذ تتفاوت الاستفادة بين القرى والمناطق تبعًا لقوة شبكات المغتربين أو حجم التبرعات التي تجتذبها حملات بعينها، لا تبعًا لمعايير التنمية المتوازنة أو خطط شاملة تراعي التكامل بين مختلف الأقاليم، ولن تكون مستدامة لكون المتبرع مرةً واحدة قد فعل ذلك ضمنَ مشروع استجابة فقط.
هذا التفاوت يعيد إنتاج أنماط التنمية غير المتكافئة، حيث تتحول المبادرات الخيرية، دون تخطيط مركزي أو رقابة حكومية، إلى جزر معزولة من الخدمات غير المتناسقة والمتكافئة، بما قد يكرّس الفوارق الجهوية بدل معالجتها، ويصبح المنظور المناطقي والطائفي هو الأهم في تقييم الاستجابة والتعامل مع صرف التبرعات وتوزيعها، ويعقّد لاحقًا أي مسعى لبناء سياسات عامة متماسكة وشاملة لإعادة الإعمار والتنمية على الصعيد الوطني.
سؤال الشرعية وتطبيع الغياب
من منظور علوم السياسات وصنع القرار، تكمن المعضلة الحقيقية في البعد السياسي والشرعي لهذه المبادرات، إذ إن تولي الشبكات المجتمعية أو المانحين الأفراد مهامَّ تقديم الخدمات العامة في غياب الدولة يولّد ما يمكن وصفه بـالاعتماد المعكوس Reverse Dependency، حيث يتحول المواطن من فاعل يطالب بحقوقه الدستورية والخدمات التي تُعدّ من صميم مسؤوليات الدولة، إلى متلقٍّ يعتمد على قنوات غير رسمية، قد تكون خيرية أو مناطقية أو قائمة على روابط المغتربين، لتأمين حاجاته الأساسية. هذا التحول يفضي بالضرورة إلى تآكل العقد الاجتماعي Erosion of the Social Contract، بحيث تتراجع شرعية الدولة كمزوّد أساسي للخدمات والتنمية، ويُعاد تعريفها فقط بوصفها سلطة سيادية وأمنية، ما يقلّص ارتباط المجتمع بمؤسساتها المدنية والخدمية، وتتحول فقط إلى دولة أمنية لا خدمية.
الآن ما يمكن مشاهدته كنتيجة محتملة هو أن تتفاقم الأزمة بحيث ينتقل غياب أو ضعف الدولة من كونه وضعًا استثنائيًّا إلى حالة طبيعية يعتاد عليها الناس، فتترسخ بنية موازية من مقدمي الخدمات خارج الأطر الرسمية، تمتلك موارد مالية ونفوذًا محليًّا يتنامى بمرور الوقت، على نحو يشبه الخصخصة غير الرسمية للخدمات العامة، حيث تتفتت منظومة تقديم الخدمات بين جهات متعددة تفتقر للتنسيق أو الخضوع لمعايير المساءلة والعدالة. ومع مرور الزمن، تصبح إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد انتهاء الصراع أكثر صعوبة، إذ ستواجه دولة ما بعد الحرب تحديًا مضاعفًا، ليس فقط في ترميم بنيتها التحتية، بل أيضًا في استعادة شرعيتها ووظائفها أمام مجتمع اعتاد على بدائل غير رسمية أثبتت قدرتها على سدّ الفراغ الذي تركته الدولة المنهكة أو الغائبة، ولو لمرة واحدة.
المساءلة والشفافية
في الإدارة العامة الحديثة، تُعدّ المساءلة Accountability والشفافية Transparency من الركائز الأساسية التي يقوم عليها مفهوم الحوكمة الرشيدة Good Governance، إذ تضمنان العدالة في توزيع الموارد، وتمنعان الفساد، وتؤسسان لعلاقة ثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. غير أن حملات التبرع في السياق السوري غالبًا ما تفتقر إلى هذه البنى المؤسسية، فالمجالس المحلية أو الجهات المستفيدة من الأموال قد لا تمتلك نظم تدقيق مالي متكاملة، أو آليات لإصدار تقارير دورية توضح حجم الموارد وأوجه إنفاقها، أو معايير واضحة لتخصيص التمويل وفقًا لاعتبارات الحاجة والعدالة المكانية والاجتماعية أو طرق صنع قرار اقتصادي وخلق قنوات استجابة طارئة، او حتى تقديم خطط خمسية او عشرية تضمن عدم الوقوع في فخ المرض الهولندي. هذه الفجوة تفتح المجال أمام احتمالات إساءة استخدام الأموال، أو تفضيل مناطق أو جماعات بعينها بناءً على نفوذها الاجتماعي أو علاقاتها بالمتبرعين، فضلًا عن غياب التخطيط الشامل الذي يضمن توجيه هذه الجهود بما يتكامل مع الاستراتيجيات الوطنية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
وإضافة إلى ذلك، فإن الطابع غير الرسمي لهذه الحملات يجعلها خارج نطاق الرقابة البرلمانية أو القضائية أو حتى أجهزة التدقيق الحكومية، ما يقلل من إمكانية مساءلة القائمين عليها أو كشف أية تجاوزات مالية أو إدارية. حتى إن هذه الحملات قد تدفع شركات وهمية إلى الدخول إلى سوريا من بوابة الأفراد لا من بوابة القانون، ومن منطلق "خيري" ينتج لاحقًا مجرد أسماء وعناوين وهمية لشركات لا أساس قضائيًّا أو إداريًّا لها. هذا الوضع يخلق تناقضًا جوهريًا بين نبل العمل الإنساني التطوعي، الذي يقوم على التضامن المجتمعي، ومتطلبات الحكم المؤسسي القائم على القوانين واللوائح والشفافية والرقابة، ما يطرح تساؤلات صعبة حول كيفية تحقيق التوازن بين المرونة والسرعة التي تتيحها المبادرات الشعبية وبين الضوابط المؤسسية التي تفرضها الحوكمة الرشيدة لضمان العدالة والمساءلة والاستدامة.
الأطر التنظيمية
في سياق سوريا ما بعد الصراع، تجد المجتمعات المحلية نفسها أمام معضلة مركّبة، فيها الحاجة الملحّة إلى موارد مالية ضخمة لإعادة الإعمار والتنمية من جهة، وضعف القدرات المؤسسية والأطر التخطيطية والتمويل الحكومي من جهة أخرى، ما يجعل المبادرات الشعبية مصدرًا حيويًّا للطاقة المجتمعية والتمويل. غير أن ترك هذه المبادرات تعمل بصورة متناثرة وغير منظمة يحوّلها إلى مسارات موازية للدولة، الأمر الذي يعمّق التفاوتات المؤسسية ويقوّض الجهود الوطنية لبناء مؤسسات شرعية وشفافة.
من هنا تأتي الحاجة الملحّة إلى تطوير أطر تنظيمية متكاملة تدمج هذه المبادرات ضمن سياسات وطنية واضحة المعالم، بحيث يتم تحويل التبرع من رد فعل إغاثي عابر إلى جزء من مشروع وطني لإعادة بناء الدولة وتعزيز التنمية المحلية.
في علم التخطيط وصنع السياسات، ثمة نماذج متقدّمة يمكن تبنيها، مثل إنشاء صناديق إعادة الإعمار المحلية التي تُدار بشراكة مؤسسية بين المجالس المحلية والحكومة المركزية، مع وجود آليات رقابة مالية مستقلة لضمان الشفافية والمساءلة، أو اعتماد برامج الموازنة التشاركية Participatory Budgeting التي تمنح المجتمعات المحلية دورًا مباشرًا في تحديد أولويات الإنفاق وصياغة المشاريع، لكن ضمن هياكل مؤسسية واضحة تحافظ على العدالة والشفافية.
كما يمكن تفعيل الشراكات بين القطاع العام والمجتمع المدني (مبادرات مدنية محلية ومشاريع ناشئة) بحيث تُستثمر التبرعات الشعبية ضمن خطط تنموية مستدامة متكاملة مع الاستراتيجيات الوطنية، بدل أن تتحول إلى مشاريع متفرقة تخضع للمصالح المحلية أو ضغوط اللحظة. وبهذه المقاربة، لا يصبح دمج المبادرات المجتمعية في الأطر المؤسسية مجرد آلية لتعويض ضعف الدولة، بل خطوة استراتيجية نحو إعادة بناء منظومة حكم رشيدة تقوم على المشاركة المجتمعية، والعدالة في التوزيع، والمساءلة، بما يضمن استدامة التنمية ويحول دون تفكك الجهود أو سيطرة النخب المحلية على الموارد بعيدًا عن أعين الرقابة والتخطيط المركزي.
النكاية المجتمعية والفجوة المؤسسية
بموازاة هذا النقاش السياساتي والاقتصادي والأمني، تُظهر حالة "الفزعات" في سوريا، حيث تتنافس المحافظات على إطلاق حملات تبرع موجهة من المغتربين لصالح مناطقها، تحوّلًا في أنماط التضامن الاجتماعي نحو ما يمكن وصفه بـالمحلية المتنافسة Local Competitiveness بدل التضامن الوطني الجامع.
من منظور سوسيو-اقتصادي، يشير هذا السلوك إلى تآكل رأس المال الاجتماعي على المستوى الوطني، وتحوله إلى شبكات محلية مغلقة تتفاوت في قدرتها على الحشد المالي وفقًا لمستوى الاغتراب والدخل المتاح، ما يؤدي إلى إنتاج تفاوتات مناطقية متزايدة، وبالتالي فإن المحافظة الأغنى هي من تتصدر المشهد، فيما تبقى المحافظة الأفقر خارج السباق. كما أن طبيعة الخطاب المصاحب لهذه الحملات، القائم أحيانًا على المقارنة أو التلميح بالتقصير بين المحافظات، يعكس انتقال التبرع من منطق "التكافل الأفقي" إلى ما يشبه "سوق السمعة" حيث تُقاس المكانة الاجتماعية والرمزية للمناطق بقدرتها على التعبئة المالية السريعة. وتتخذ هذه الظاهرة أحيانًا طابعًا من "النكاية المناطقية" حيث تُوجَّه انتقادات متبادلة بين المحافظات تتعلق بدرجة الكرم أو البخل في حملات التبرع، مع شيوع تنميطات اجتماعية مثل وصف بعض المناطق، كدمشق وريفها، بـ"البخل" مقابل تصوير محافظات أخرى بأنها أكثر سخاءً أو مبادرة.
هذا الخطاب، وإن بدا ساخرًا في ظاهره، يعكس في جوهره آليات فرز اجتماعي واقتصادي تعيد إنتاج الصور النمطية الموروثة حول المناطق والطبقات، وتُحمِّل التبرع، بوصفه فعلًا مجتمعيًّا، أبعادًا رمزية تتجاوز قيمته الاقتصادية المباشرة. وبهذا، تتحول التبرعات من مجرد استجابة لاحتياجات موضوعية إلى ساحة لإعادة التفاوض حول المكانة والهوية بين المجموعات المحلية، ما يكشف هشاشة الروابط الوطنية الجامعة في ظل غياب سياسات مركزية عادلة تنظم الموارد وتعيد توزيعها بطريقة تقلل من فرص هذه المقارنات التنميطية. هذه الدينامية تخلق عبئًا أخلاقيًا مؤسسيًا يتمثل في ضغط ضمني على الأفراد والجماعات للمشاركة، ليس استنادًا إلى تقييم عقلاني للاحتياجات أو إلى خطط تنموية واضحة، بل تحت تأثير التوقعات الاجتماعية والمقارنات المناطقية. وبهذا، تتحول الفزعات من أداة دعم اجتماعي إلى آلية لإعادة إنتاج الفوارق المناطقية والطبقية، وتكشف في الوقت نفسه حدود التبرع العفوي في غياب أطر مؤسسية تضمن العدالة والشفافية وتحوّل الجهود من منطق المنافسة الرمزية إلى منطق التنمية المستدامة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إحالات:
- Chapman, C. M., Louis, W. R., Masser, B. M., & Thomas, E. F. (2022). Charitable Triad Theory: How donors, beneficiaries, and fundraisers influence charitable giving. Psychology & Marketing, 39(9), 1826-1848.
- Garton, J. (2024). Charity and the roots of social welfare. In Research Handbook on Social Welfare Law (pp. 19-38). Edward Elgar Publishing.