لو نظر الفيلسوف الفرنسي رولان بارت إلى العالم اليوم لما كتب "لقد تبع موتَ المؤلف موت الله ونحن نعيش الآن عصر الأديان الفردية"، لماذا؟ لأن العقائد والأديان أصبحت تُصك في البيت الأبيض، والعم سام نصّب نفسه إلهًا على الأرض، ليُصبح "هو" بقبعته البيضاء، ونجومه الزرقاء المتدلية، الفرد الصمد الآمر الناهي الوحيد في كوكبنا البائس.
ما علاقة هذا بمقال يتحدّث عن ماكدونالدز أو الرياضة أو الدوري الفرنسي؟ هذا ما ستتكشف عنه التفاصيل.
الرياضة الضارة
تدخل عديد من المنظمات الرياضية في شراكات مع العلامات التجارية للوجبات السريعة، فأثناء المباراة، يشاهد الأطفالُ الرياضيين وهم يمارسون الرياضة، وهذا جيد، لكن عندما يتحول البرنامج إلى استراحة إعلانية، تبدأ الخيارات غير الصحية في العرض، حيث تدعم بعض الإعلانات التجارية سلاسل الوجبات السريعة أو العلامات التجارية للصودا أو المشروبات الكحولية بشكل صارخ، كما يلجأ بعض المعلنين إلى إخفاء تلك الإعلانات بين الحشود الحاضرة في المباراة، عن طريق توزيع الهدايا التذكارية مثل القبعات والقمصان الملقاة على أبواب الاستاد، ليبدأ الأطفال والمراهقون في ربط تلك العلامات بالممارسة الرياضية. سنشاهد المباراة، لنشجع ديفيد بيكهام، ونشرب البيبسي، ونمول إسرائيل. إنها دوائر تتلو دوائر، وتمويل إسرائيل يخرج من نفس الرحم الرأسمالية المنتِجة لتلك العلامات التجارية.
كشفت دراسة نشرتها مجلة "طب الأطفال" عام 2018، أن 76% من المنتجات الغذائية التي تظهر في رعاية المنظمات الرياضية هي منتجات "أميركية غير صحية"، وأن 52.4% من المشروبات التي تظهر في إعلانات الرعاية الرياضية محلاة بالسكر، وذلك عن طريق قياس الحالات التي عُرض فيها شعار أو اسم المنظمة الرياضية مع اسم الشركة الرسمي أو المنتج أو الشعار في إعلان تجاري أو لافتة إعلانية أو مقطع فيديو على يوتيوب.
كما سجل الباحثون أيضًا العدد الإجمالي لإعلانات رعاية الأطعمة والمشروبات المرفوعة على يوتيوب من عام 2006 إلى عام 2016، وجاءت النتائج بارتباط أكثر من 195 مليون مشاهدة على يوتيوب بإعلانات رعاية الأطعمة والمشروبات غير الصحية للرياضة، كما ركزت الدراسة أيضًا على المنظمات الرياضية العشر الأكثر مشاهدة من قبل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عامين و17 عامًا، حيث اتضح أن لدى هذه المنظمات 44 راعيًا من منتجي الأطعمة السريعة والمشروبات غير الكحولية المليئة بالسكر (حوالي 18.8٪ من الرعاة).
تقول ماري براج، الأستاذة المساعدة في قسم صحة السكان في كلية الطب بجامعة نيويورك: "هناك ديناميكية فريدة بين المنظمات الرياضية وشركات الأغذية، ومن الصعب معرفة من الذي ينبغي أن يتحمل مسؤولية تلك الحالة المربكة، المنظمات الرياضية أم شركات الأغذية، لا أحد متأكد تمامًا من الإجابة".
وفي دراسة أخرى، وجد الباحثون أن 10 من أكثر المنظمات الرياضية التي تحظى فعالياتها بالمشاهدة من أطفال بين سن عامين و17 عامًا لديها رعاية دائمة من العلامات التجارية الغذائية المروجة لخيارات طعام "غير صحية"، و67% من الإعلانات الرياضية تتضمن خيارات غذائية "غير صحية" لشركات أميركية، (وكلها تدعم إسرائيل بالطبع)، كما تشجع 52% من الإعلانات التجارية على شرب المشروبات التي تحتوي على نسبة عالية من السكر، مما يؤدي إلى الارتباك، ومن الأمثلة الرئيسية على ذلك ما يحدث في الألعاب الأولمبية، فالأولمبياد فعالية تهدف إلى إبراز المواهب الرياضية، إلا أن عقود الرعاية تتناقض مع صحة الرياضيين المشاركين، والصحة العامة للإنسان، حيث تتولى شركتا كوكاكولا وماكدونالدز رعاية الأولمبياد بشكل رسمي، وهذا يؤدي إلى ربط المشاهدين بين خيارات الأطعمة غير الصحية وألعاب القوى، وهو ما قد يشكل مزيجًا خطيرًا.
الغريب أن الأمر لم يتوقف عند الرياضة وكرة القدم فقط، ففي دراسة أخرى نُشرت في مجلة "طب الأطفال" في عام 2016، حول رعاية الموسيقيين للوجبات السريعة، صنف الباحثون شعبية مجموعة من المغنين بين المراهقين، ثم قاموا بتحليل أنواع الأطعمة والمشروبات التي يدعمونها، ليجدوا أن 71% من المشروبات التي يوصى بها المشاهير الـ 163، عينة الدراسة، كانت مشروبات محلاة بالسكر، و80.8% من الأطعمة التي أوصوا بها كانت غنية بالطاقة وفقيرة بالعناصر الغذائية.
طعام غير ضار
تقول ماري براج: "إن تسويق الأغذية الضارة هو أحد العوامل التي تساهم في سوء التغذية بين الشباب، كما يؤثر على تفضيلات الأطفال الغذائية وطلباتهم الشرائية ويمكن أن يؤدي إلى زيادة استهلاكهم للغذاء على المدى القصير، حتى بالنسبة للأطعمة التي لا تظهر في الإعلان".
تلك الإعلانات التي يشاهدها الأطفال هي أشد إقناعًا مما تظن، حيث تشير دراسة أخرى إلى أن إعلانات الطعام التي يشاهدها الأطفال في سن ما قبل المدرسة يمكن أن تدفعهم إلى الإفراط في تناول الطعام حتى وهم لا يشعرون بالجوع، وفي ذلك قالت جينيفر إيموند الأستاذة في كلية "جيزيل للطب": "إن التعرض لإعلانات الطعام الضار يمكن أن يحفز سلوكيات الشراهة لدى الأطفال، مما يدفعهم إلى الاستجابة لإشارات خارجية بدلًا من الاستماع إلى إشاراتهم الداخلية للشبع والجوع، وقد تؤدي هذه الاستجابة المكتسبة إلى تهيئة الأطفال لتطوير عادات غذائية سيئة تساهم في السمنة".
وهو ما أدى إلى إرتفاع العادات الغذائية الضارة بشكل عام، حيث أظهرت الأبحاث أن واحدًا فقط من كل خمسة أشخاص في المملكة المتحدة يشعرون أن لديهم علاقة صحية مع الطعام، كما تؤثر السمنة على واحد من كل خمسة أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و11 عامًا، كما ذكر تقرير صحيفة "ذا بلايت أوف ذا نيشن" أن حوالي 26% من البالغين الإنجليز يعاني من السمنة، ويعاني 38% منهم من زيادة الوزن، و47% فقط من الأطفال والشباب يستوفون الإرشادات الصحية للنشاط البدني والرياضي، ووفقًا لمفوض "إدارة الغذاء والدواء البريطانية" الدكتور مارك ماكليلان، فإن 13% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و11 عامًا يعانون من السمنة المفرطة، وهو ضعف العدد الذي كان قبل 20 عامًا.
وفي الولايات المتحدة نفسها، يبلغ معدل انتشار السمنة بين الأطفال حوالي 17%، ويؤثر على 12.7 مليون طفل ومراهق، كما تشير التقديرات إلى أن واحدًا من كل خمسة أطفال ومراهقين تتراوح أعمارهم بين 6 و19 عامًا يعاني من السمنة، ومع ارتفاع معدل السمنة بين الأطفال إلى 18.5%، وجدت الدراسات أن الإعلانات التي تروج للوجبات السريعة، هي المسؤولة بشكل أساسي عن ذلك، خاصة مع ارتباطها الوثيق بالرياضة والسينما، حيث تتسبب هذه الإعلانات في حدوث خلط بين حقيقة ما يظهره الإعلان والنظام الغذائي الفعلي الذي يجب على الرياضيين اتباعه، أي أن مشاهدة الرياضة، قد تحولت بفعل الإعلانات من تحفيز الشباب على ممارستها، والاستفادة منها، إلى تشجيعهم على الكسل، وتدمير صحتهم.
الإله الحلم
المعلومات السابقة، وما تظهره من تعارض ضخم بين ما يحدث فعلًا على أرض الواقع، وبين ما يجب أن يحدث، وما تظهره من مدى تغول العلامات التجارية الكبرى في حياتنا، هي مجرد عرض لمرض أكبر، ألا وهو وجود الولايات المتحدة الأميركية وسياساتها على كوكب الأرض، فتلك العلامات التجارية، ظهرت وانتشرت وغذت نفسها بنفسها للترويج للحلم الأميركي القائم على قتلنا بشتى الطرق، وذلك من أجل حفنة دولارات تُصب في كروش أصحاب أصحاب رأس المال من مؤسسي وداعمي الحلم الأميركي، وهي سياسية ناجعة آتت أكلها من قبل، بل وربما أسست للحالة التي يعيشها العالم اليوم، فبرأيك كيف انتصرت الرأسمالية الأميركية على الشيوعية السوفييتية؟
لم يكن الأمر بفضل السلاح النووي أو سباق التسلح أو معارك الفضاء، بل بسبب ماكدونالدز، وبرغر كنج، وبيبسي، وتأثير الدعاية لتلك المنتجات على العقول، فبعد أن فقد ميخائيل غورباتشوف، آخر الزعماء السوفييت، السيطرةَ على مفاصل الدولة، لجأ إلى سياسة الانفتاح على الغرب، وعند افتتاح فرع ماكدونالدز الأول بموسكو عام 1990، اصطف آلاف المواطنين السوفييت ليشاهدوا الحلم الأميركي مجسدًا أمامهم، في هذه اللحظة فقط أدركت الرأسمالية أنها انتصرت، وأن طريق النصر يكمن في الدعاية، لدرجة أنهم أدخلوا نمط الحياة الغربية في عقول ألدّ أعدائهم، وهذا هو النصر المؤزر، النصر الذي استمر حتى يومنا هذا.
ومع تطور الزمن، ووجود أرضية كبيرة لبيع تلك المنتجات ممثلة في "جمهور الرياضة"، ووجود مجموعة من الأشخاص (اللاعبين) المهووسين بالنجاح المادي، ومجموعة من المعجبين والمتابعين الراغبين في تقليد اللاعبين، أصبحت الصورة مكتملة، فلا يمكن أن تبني نظامًا رأسماليًّا ناجحًا دون وجود بشر مهووسين بتحقيق نجاحاتهم الشخصية، ووجود الرغبة الدائمة في التقليد الأعمى، ووجود حالات كثيفة لعبادة المشاهير المعبرين عن النظام الرأسمالي، ومع توافر كل العناصر، أصبح النظام الرأسمالي في أزهى عصوره، وبالتالي أصبحت أميركا سيدة العالم، بل وربما إلهة العصر الحديث.
ليست تلك سردية خيالية، بل هي حقيقة مكتملة الأركان، أصبحت أميركا إلهةً كلية القدرة لدرجة أن علاماتها التجارية ذائعة الصيت حوّلت الملاعب الرياضية من أماكن ترفيهية هدفها الاعتناء بصحة الإنسان، إلى مناطق نفوذ لشركات الوجبات السريعة المضرة بصحة الإنسان، لدرجة أن الدوري الفرنسي قد وقع رسميًّا عقود رعاية تمتد لمدة ثلاث سنوات مع شركة "ماكدونالدز الأميركية"، المنتشرة في أكثر من 1150 مدينة فرنسية، والمتهمة رسميًّا بتمويل الجيش الإسرائيلي في حروب الإبادة فلسطين ولبنان وسوريا واليمن.
ولذلك، فلو بُعث رولان بارت من موته اليوم، ورأى الرياضة تلهث خلف البراندات الأميركية القاتلة للإنسان، والمُدرة للربح، لأقسم أن بنيامين نتنياهو هو من هندس تلك الاتفاقات، بكل ما فيها من عوار وفُجور، وسرديات متناقضة، ومحاولات مستميتة لتبييض وجه صناعات الرجل الأبيض خلقةً، من أي دماء معلقة على أستارها، فالرأسمالية، كما تعلم، هي قمة التطور الحضاري، وهي من أنجبت لنا إسرائيل، وساعتها ربما يكتب: "لقد تبع موتَ المؤلف موتُ الله، وتبع موتَ الله ولادةُ أميركا، وتبع ولادة أميركا ولادةُ بنيامين نتنياهو، وذلك قبل لحظات قليلة سقوط كرة القدم والرياضة في بئر سحيق من الأطماع والشهوات، وتلك كانت نهاية الحضارة".