"لم تقع البتة من قبل أحداث أشأم مما وقع في عصرنا، ولا نزلت مصائب كالمصائب التي نزلت في هذه السنة، أجلس وحيدًا، تتملكني التعاسة، فلا أملك كلامًا كثيرًا أقوله. وهذا ما يجعل دمي ينشف ووجهي يصبح ناحلًا وهزيلًا، ووسط البؤس الذي يداهمنا، نقرأ، رغم عجزنا، كتب الحكماء، لكننا لا نعرف كيف نضعها موضع التطبيق، إن كل العصور مليئة بالآلام، والإنسان يعيش دومًا تحت الوطأة الداخلية للحزن والخوف. هذه هي مشاعري، أعبر عنها، لكي يعرفها كل العالم".
ياسين الحافظ: التجربة التاريخية الفيتنامية
هذه الكلمات كتبها الملك "تو-دوك" إلى الأمة الفيتنامية غداة احتلال فرنسا إقليمًا جديدًا من فيتنام عام 1867، أي منذ أكثر من 150 عام. وربما تتقاطع هذه الحالة مع كثير من مواطني منطقتنا العربية، بل ومن الممكن أن نزايد على هذا الملك، نظرًا لما وقع ونزل من مصائب، خصوصًا ونحن نرى البث المباشر للحرب، نتابع القصف تلو الآخر، الصراخ اليومي والاستغاثات المتكررة، نداءات إلى الأمة، وإلى القادة والحكومات، استجداء لقيم العدالة والإنسانية. المهم والأكيد والمختلف في أيامنا عن أيام الملك الفيتنامي، أنه كتب شعوره ليعرفه العالم فيما بعد، لكننا اليوم نعرف الكثير، بل ونراه أيها الملك، ورغم ذلك ما زال كثير منا يردد مثل كلماتك، أملًا في أن يرى العالم.
تستمر الحرب، بل تتوسع، ومعها حروب أخرى تُخاض للصراع حول المعنى. فمنذ الأيام الأولى في الحرب، توجد رغبة عند كثيرين في إظهار التضامن والتعاطف من ناحية، والوقوف من ناحية أخرى عند سؤالَيْ: ماذا يمكنني أن أفعل؟ وكيف أنجو؟ يحكم هذا التضارب والتناقض غالبية الأفكار، التي بينما تبحث عن ما يربطها بالآخر، وتحاول إظهار شعور بالمسئولية تجاهه، تجد نفسها واقعة في فخ فردانيتها، التي أصبح من الصعب أن يفكر الفرد بعيدًا عنها.
وبقدر ما يحاول أحدهم أن يُظهر كونه مُتألمًا وأن يضع نفسه في القلب من المأساة، ويستجدي التعاطف من الآخرين، ويلعن من يحاولون ممارسة التلاهي والانغماس في التفاهة واللامبالاة، فإنّ كل هذا يعود بنا من جديد إلى صيغة "ما يمكنني فعله" مقابل الآخرين. فلم يعد هناك "ما يمكننا فعله" أو بالأحرى لم يعد هناك داعٍ للحديث بـ"نون الجمع". والنتيجة أنه شتان ما بين "حجم" التعاطف والتضامن، وبين "تأثيرهما". وهذا ما يظهر بوضوح في مجريات الواقع، إذ لا يغدو التضامن أكثر من نشوة الفرح التي ترافق تعليقات استهداف ميركافا إسرائيلية أو كمين محكم لجنود الاحتلال، يتبعه تحسّر وحزن على ضحايا قصف مستشفى أو مجمعات سكنية. بهذه الصورة أصبح التضامن مقتصرًا على الشعور والانفعال لا أكثر، ويُكرس هذا باعتباره "أضعف الإيمان"، وإجابةً كافية للسؤال العويص: ماذا يمكنني أن أفعل؟ أما عن إجابة سؤال: كيف أنجو؟ فمن السهل جدا كتابة رثاء جديد لهذا العالم، على غرار ما فعله الملك الفيتنامي، الذي أرهقته التعاسة لدرجة أصبح معها "لا يجد الكثير ليقوله".
وفي نفس السياق تأتي حروب المعنى والصراع على إنتاج التفسيرات، ليس فقط صراع سرديات بين واحدة فلسطينية/عربية وأخرى صهيونية، بل ما يحدث داخل السردية العربية، وما تُحيل إليه من ذاكرة اجتماعية أو بناء تاريخي للأحداث والقضايا، المفترض منه أن يساعد على إيجاد معنى لما نعرّفه بـ"قضايانا المركزية". الأمر الذي نختبره في تجاور مفهوم مثل: "مركزية القضية الفلسطينية"، المتداول بكثرة حتى من قبل السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023، بجانب مفهوم آخر: "خذلان أو خيانة العرب"، ما يجعلنا نتساءل عن الكيفية التي تتشكل وفقها قضية ما، وما تختزنه وتراكمه من صراعات سياسية وثقافية واجتماعية، تُسهم بدورها في تشكيل المصالح ومن ثم تشكيل الوعي والذاكرة.
الذاكرة الاجتماعية وبناء السردية
يسأل عالم الأنثروبولوجيا الإنجليزي "بول كونورتن" في كتابه "كيف تتذكر المجتمعات؟" عن الكيفية التي من الممكن أن يبدو فيها شكل القرن العشرين، وينطلق من افتراض أنه لا يمكن التفكير في سردية هذا القرن، بالنسبة إلى الأوروبيين بشكل خاص، دون ذكريات الحرب العالمية الأولى (1914-1918). يظهر الأمر لأول وهلة باعتباره شيئًا غير قابل للجدال، باعتبار الحرب العالمية قضية مركزية، لكنه يقدم واقعة تشير لنا عن المدى الذي ترتبط به هذه "المركزية" مع الذاكرة الاجتماعية وتراكمها خلال الأجيال.
في عام 1935 كان الرسام والكاتب الإيطالي "كارلو ليفي" سجينًا سياسيًّا، حُكم عليه بالنفي إلى قرية نائية في "جاغليانو" جنوب إيطاليا. وعلى جدران قاعة البلدية كان هناك لوح رخامي منقوش عليه أسماء أبناء القرية الذين رحلوا في الحرب العالمية الأولى. كان هناك ما يقارب الخمسين اسمًا، حيث لم تنجُ أسرة واحدة من الخسارة سواء بشكل مباشر، أو من خلال روابط القرية، بالإضافة إلى من عادوا جرحى ومصابين. وبصفته طبيبًا، وجد ليفي الفرصة للحديث مع أهل القرية، وبصفته سياسيًّا، فقد كان حريصًا على معرفة وجهات نظرهم في فترة الحرب.
ورغم ذلك، ومن بين كل من تحدث معه من قرويي "جاغليانو"، لم يُشر أحد إلى الحرب أثناء حديثه عن الأعمال التي أنجزها، أو الأماكن التي زارها، أو الصعوبات التي عانى منها. لا يعني هذا أن الحديث عن الموضوع كان من المحرمات. فبحسب ليفي، عندما تستفسر عن الحرب لا تكون إجابتهم مقتضبة فحسب، بل فيها نوع من اللامبالاة أيضًا. فهم لم يتذكروا الحرب كحدث مهم، ولم يتحدثوا عن موتاها، بل تحدثوا باستمرار عن حرب أخرى، كانت حرب قطاع الطرق. والتي انتهت عام 1865، قبل سبعين عامًا؛ كان القليل من الفلاحين كبارًا بما يكفي لتذكر تلك الفترة، بصفتهم مشاركين فاعلين أو شهود عيان. إلا أن الجميع تحدثوا عنها كما لو أنها اندلعت البارحة. وفي الوقت الذي اخترقت مغامرات قطاع الطرق حديث القرويين اليومي بسهولة، وأحيوا ذكراها في أسماء العديد من المواقع داخل القرية وخارجها، فإنهم يكادون لا يعون أي شيء عن الدوافع والمصالح التي سادت الحرب العالمية الأولى، بالتالي لم تكن الحرب جزءًا حيويًّا في ذاكرتهم.
وفي سياقنا العربي، نجد وعد بلفور الذي استهل بدايات القرن العشرين بالدعوة إلى إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، ثم موجات الهجرة المنظمة لليهود بتسهيلات من الانتداب البريطاني مطلع العشرينيات، واستتباب الأمر لصالح إعلان دولة إسرائيل في منتصف القرن، وتدشين الصراع العربي-الإسرائيلي، وصولًا للربع الأخير من القرن، والذي شهد إخراج صياغة جديدة تحت اسم الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بعد إتفاقيات سلام -كامب ديفيد ووادي عربة-، وصولًا إلى إصدار فيلم وثائقي من إنتاج هيئة الإذاعة البريطانية مطلع العام 2025 بعنوان يتماشى مع منطق الإبادة: "إسرائيل والفلسطينيون".
باستعارة المنطق الذي يتساءل به "كونورتن" عن مدى تحقق مركزية قضية ما بالنسبة إلى "العرب" في سياقنا الخاص، علينا أن نتساءل أيضا عن الكيفية التي تتذكر بها مجتمعاتنا، أو كيف تتأسس الذاكرة الاجتماعية لاكتساب وعيها الخاص بها؟ ومن ثم قابلية هذا الوعي لكي يتطور إلى تضامن له معنى.
وعي أم جهل بالقضية الفلسطينية؟
في دراسة أصدرها مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية عام 1970، في شكل استبيان يتضمن مجموعة أسئلة متعلقة بجغرافية فلسطين وتواريخ القضية الهامة من حروب وانتفاضات ومؤتمرات، وشخصيات ومؤسسات كان لها أدوار تاريخية في القضية، نجد ثلاث ملاحظات نستطيع تضمينها في سياق البحث عن معنى لما نعنيه بقضايانا وما نعرفه بشأنها، وبالتالي برصد شكل التضامن ومدى التأثير.
الملاحظة الأولى أن هذه الأسئلة تم طرحها على "شباب جامعي" وتحديدًا في بيروت والقاهرة، وتخلص الدراسة إلى أن معدل المعلومات هو مجرد 17.8%، بمعنى أن المثقف الجامعي العربي يعرف أقل من خُمس المعلومات المفترض منه أن يعرفها عن قضية فلسطين.
أما الثانية تتعلق بما أبداه الطلاب من اهتمام كبير وتعاطف وإيمان بحق الشعب الفلسطيني، إلا أن اهتمامهم العابر يفوق بكثير اهتمامهم بتكوين معرفة علمية وتاريخية عن القضية، حيث انخفاض نسب قراءة الأوراق البحثية والكتابات التاريخية، والاكتفاء بمتابعة الأخبار بشكل عام.
الملاحظة الأخيرة والأهم هي ما ورد في المقدمة، عن الوظيفة التي ارتأى المركز أن يسلط عليها مجهوده منذ تأسيسه، باعتبار مهمته تتمثل في تعريف القاريء العربي وإمداده بمعلومات كافية عن العدو، جيشه وتنظيماته السياسية وأحزابه ومكوناتها الاجتماعية وحجم التسليح والدعم الخارجي وكل ما يختص به، مع الأخذ في الاعتبار أن التعريف بقضية فلسطين هي مسؤولية مفروغ منها، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا، حيث بينت جهل قطاعات وشرائح متعلمة من العرب أنفسهم بفلسطين وقضيتها.
بعد مرور ما يزيد عن نصف قرن منذ صدور هذه الدراسة، وبالتوازي مع ما يحدث منذ السابع من تشرين أول/أكتوبر، نتمكن من رؤية امتداد هذه الملاحظات وما فاقمها بما لحق بها من تغيرات جوهرية أصابت من ناحية "القضية الفلسطينية" نفسها، اتفاقيات تسوية كأوسلو وانتفاضتان وغزو بري واحتلال لغزة وتنامي استيطان في الضفة تمهيدًا لضمها - وافق الكنيست الإسرائيلي بالفعل على مشروع قانون لضم الضفة الغربية في 24 تموز/يوليو 2025- وصولًا لحرب إبادة لا نعلم بعد الثمن المقابل لوقفها. ومن ناحية أخرى تغيرات بنيوية لحقت بالدول والتوجهات والشعوب التي ارتبطت ذات يوم في مصيرها القومي، وفي ذاكرتها بما عُرف بـ"مركزية القضية الفلسطينية".
نستطيع تلمُّس توابع الجهل المُزلزلة والتي نختبرها في العقود الأخيرة في صياغات مثل: "تمويت" القضية الفلسطينية، أو تسوية القضية بصفقة قرن، أو تجاوزها بسلام اقتصادي ورشاوى مالية. بالتأكيد سمعنا وعايشنا ترديد هذه المقولات من قبل اندلاع الحرب الأخيرة، في الوقت الذي لا يتوانى فيه العديد عن ترديد مقولة أخرى: "فلسطين قضيتنا المركزية"، لكن كيف يكون هناك تضامن له تأثير بقضية نعتبرها مركزية ولا نعرف عنها الكثير؟ من المسؤول عن هذا التجهيل وبالتالي عن هذا التضامن الباهت؟ هل هي الدُّوَل التي لا تعمم المعرفة بقضاياها، أم المدرسة والكلية والجامعة، أم البيت والآباء والأمهات وتعليمهم الصغارَ أمورًا وفهلوات ضرورية لأكل العيش فقط؟ أم المؤسسات الإعلامية والقنوات المتخصصة ومواقع التواصل الاجتماعي والتي تفرد مساحات واسعة لبث كل أشكال الدمار والمعاناة ولا تسمح بتقديم تثقيف وخطاب حقيقي للأجيال الجديدة.
التضامن والصراع على المعنى
ربما يُفهم من السرد السابق أن معضلة التضامن تكمن في "وعي الأفراد"، لكنّ الأمر لا يمكن اختزاله فقط في مجرد تجميع معلومات تكفي للتضامن، وليس بالصعب في زمن الوفرة المعلوماتية أن تصل إلى أي شيء بكبسة زر، إذن فأين المعضلة؟
المعضلة الرئيسية تكمن في المصالح والتوجهات التي تتحكم في صياغة الوعي، وتشكل بدورها ما هو مفيد وذو جدوى. فالأمر ليس مجرد "تضامن إنساني" من عدمه، ولكن السؤال الأهم: ما الأسس التي يتشكل وفقها تضامن ما؟ أو بمعنى آخر: كيف يمكننا الكشف عن شبكة المصالح الاجتماعية التي من خلالها نستطيع الوقوف على محددات التضامن؟
لبحث هذه الأسئلة علينا البدء من قصة ثلاثة أحياء فلسطينية في زمن الاحتلال، في كتاب أصدرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان "أمكنة صغيرة وقضايا كبيرة"، يبحث ثلاثة فضاءات اجتماعية متباينة، وإن كانت قريبة من بعضها بالمعنى الجغرافي، وما نجم من تحولات عميقة عقب الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000-2005)، وتناول أيضًا محددات الحراك الاجتماعي وديناميته، ووضع الأفراد والعائلات وعلاقاتها الاجتماعية، وبالتالي مدى إمكانية بلورة أسس ومعايير لمفهوم "التضامن".
أول هذه الأحياء هو "مخيم الأمعري" للاجئين، الذي يتميز بكثافة سكانية عالية، ويضم جماعة قديمة نسبيًّا ومستقرة من لاجئي المناطق الساحلية في فلسطين. ويمكن القول إن الفئة الغالبة بين سكان المخيم تتكون، وفقًا للمنظور الطبقي، من الطبقة العاملة، ومن شريحة دنيا من الطبقة الوسطى، إضافة إلى نسبة كبيرة من "المهمشين". أما ثاني الأحياء فهو "أم الشرايط"، وهو حي جديد نسبيًّا، ينمو بطريقة غير منتظمة، ويتكون من شقق في مبان سكنية متعددة الطبقات، نشأ القسم الأكبر منها في فترة ما بعد أوسلو، وسكنتها عائلات تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وعائلات نازحين من قطاع غزة، وعائلات أخرى أتت من مخيم الأمعري. وأما ثالث الأحياء فهو المصيون، وهو أقدم نسبيًّا، ويتكون في غالبيته من فيلات ومبانٍ سكنية راقية تقطن فيها شريحة عليا من الطبقة الوسطى، إضافة إلى عدد من المنشآت التجارية الفخمة، وفنادق ومطاعم وبعض المؤسسات.
من خلال مقابلات ومشاهدات يتم من خلالها بحث معنى "المجتمع" في كل من الأحياء الثلاثة، تشير اللمحات الواردة على مدار الكتاب إلى دلالات متباينة ومتغيرة؛ فيُعد "مخيم الأمعري" الاكثر تماسكًا ووعيًا لهُويته بين التجمعات السكنية المذكورة، حيث مشاعر الجماعة والتفاعل الاجتماعي في فضاء مغلق ومضبوط الحركة، صنعته قوى وهيئات أقوى من إرادة ساكنيه، وبالرغم من "الطبيعة المؤقتة" لمخيم اللاجئين، إلا أنه وخلافًا للتوقعات، يعتبر المجتمع المحلي الأكثر استقرارًا سكانيًّا، وهو ما تشير إليه التجليات الفريدة للتنظيم والتضامن الاجتماعي بين سكان المخيم.
في حي المصيون يظهر حرص الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات على حماية حياتهم الخاصة، وافتقارهم المعلن إلى مشاعر الانتماء إلى مكان سكناهم، إضافة إلى توسع الصراع والاستبعاد الاجتماعي، وذلك بحكم ما يشهده الحي من تغيرات عمرانية واجتماعية، كما تبرز ديناميات الفردانية المتزايدة، والقلق إزاء المكانة الاجتماعية والرغبات المعولمة التي تنامت بحسب الشهادات في فترة ما بعد أوسلو، والمتمثلة في رغبة حثيثة لبناء "مجتمعات مغلقة أو مسوّرة" تحمي ساكنيها من توسع الاضطرابات والصراع الذي يسم الواقع الفلسطيني.
يحكي الكتاب عن فترة الاجتياح الإسرائيلي في 2002 باعتبارها الفترة الوحيدة التي شعر فيها سكان "المصيون" بتأثير الانتفاضة والوضع السياسي في حياتهم بشكل كبير، والتي يعزو إليها -أي الانتفاضة- سكان الحي مسئولية التدهور الاقتصادي والمعيشي بشكل أساسي. فالمصيون لم يكن أكثر من مَعبر لقوات الاحتلال القادمة من المعسكر القريب "عوفر" في اتجاه رام الله.
وفق هذه الصورة نكون إزاء محركات ودوافع ومصالح متباينة للغاية، فسكان "المصيون" مثلًا يرون في نشوء السلطة الفلسطينية أثرًا إيجابيًّا أحدث تغيرات على مستوى المعيشة، بوجود مطاعم وفنادق وأماكن ترفيه، فضلًا عن توفير الحماية من "الزعران" والمهمشين. وعلى الجانب الآخر فسكان "مخيم الأمعري" لا يرون في السلطة إلا ذراعًا أمنية للاحتلال، بجانب تحميلها قدرًا كبيرًا من تردي الأوضاع وبؤس المعيشة والقمع اليومي. ولا يجب أن نتناسى حقيقة أن من يسكنون "المصيون" في النهاية فلسطينيون، وبالمثل سكان المخيم، إلا أن "فلسطينيتهم" لم تكن كافية لشرح ما يعنيه واقعهم ومعيشهم الاجتماعي، وبالتالي تختلف دلالات الوعي باختلاف المصالح التي يفرضها الوجود الاجتماعي، ومن ثم يظهر الصراع على المعني بصدد ما يعنيه "التضامن"، وماهية الأسس التي من الممكن أن يُبنى على قاعدتها أي تضامن.
مثال حي "المصيون" هنا لا يقف عند حدود الواقع الاجتماعي الفلسطيني، بل يتجاوزه بالقدر الذي يصبح معه "ظاهرة" تضفي دلالات مُماثلة، ولا سيما عند قراءته من خلال فيديو تظهر فيه وزيرة المواصلات الإسرائيلية من الهند وهي تشرح كيف تعمل إسرائيل على تأمين بضائعها واحتياجاتها بعد التهديدات المستمرة في البحر الأحمر من قِبل ميلشيا الحوثي، إذ تتحدث الوزيرة عن ممر جديد تتحول فيه ثلاث دول عربية إلى ما يشبه "المصيون".
أيضا مثال قرية "جاغليانو" ليس بغريب عن سياقنا العربي، إذا أردنا فهم معنى "مركزية القضية الفلسطينية" في الخيال السياسي والاجتماعي والثقافي، فالأمر الذي بدأ باعتبار إسرائيل بمثابة "العدو التاريخي" للعرب، بات اليوم يستدعي إسرائيل في ترسيم وترسيخ ما عُرف تحت عنوان: "الشرق الأوسط الجديد".
وفق هذه الصورة نستطيع تلمّس ما يعنيه أن يكون هناك "مفاهيم باقية ومعانى مفقودة" بصدد "مركزية القضية الفلسطينية"، وبقاء المفهوم وافتقاده للمعنى يحيلنا لتمييز الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بين التاريخ والذاكرة، فوعد بلفور، وما جرى وحدث من بعده، هو مجال التاريخ. أما حصيلة الممارسات والتصورات والقدرات الفاعلة، كل هذا هو مجال الذاكرة، التي تؤثر إما سلبًا أو إيجابًا في صياغة الأشكال التضامنية.
يساعدنا هذا السرد على فهم ما نعنيه بالصراع على المعنى بخصوص مفهوم "التضامن"، الذي يظهر أول وهلة باعتباره شيئًا مفروغًا منه، تحت دعاوى مثالية مغلفة بنزعة الإنسانية، تجعل العديد يرددون صيغًا مجردة وتعميمات مضللة مثل: "على الناس أن تتضامن/ أو أصبح العرب كذا وكذا"، لا تفيد بتحديد من هم الناس؟ وأين هم العرب الذين نخاطبهم؟ في السياق الذي تظهر فيه الذاكرة الفكرية والثقافية بصفتها "ذاكرة مجروحة" بحسب تعبير ريكور، تتوهم دومًا بأنه يمكن أن يكون للفرد أو الأمة الهويةُ نفسُها عبر الزمن، الأمر الذي في النهاية يُؤدي لتعميم أشكال للخطاب ومن ثم للذاكرة، لا تحظى إلا بالرثاء البائس أو العدمية المفرطة على شاكلة مأساة الملك الفيتنامي.