لم نعد نمت بالطريقة نفسها مع مواقع التواصل الاجتماعي. فباستثناء البعد البيولوجي للوفاة الذي ظل ثابتًا، وبعض الإجراءات الإدارية واللوجستية التي لا يمكن المساس بها، اكتست ثقافة الموت طابعًا جديدًا، سواء خلال الإعلان عن الموت أو وكتابة المرثيات، وتخليد ذكرى الموت، ونعي المشاهير، وتصوير مراسيم الدفن.
هذا التغيير ليس وليد بروز الشبكات الاجتماعية، فحسب الباحثين كلثوم بيبيمون ومريم نريمان نومار، حظيت النصب التذكارية السيبرانية (Cybermemorials) و"المقابر الافتراضية" باهتمام كبير في أدبيات الموت منذ عام 1996، إذ تم استخدام منتديات الإنترنت، والقوائم البريدية، والمواقع الإلكترونية، كأماكن لمشاركة قصص حول الموتى، ومن أبرز الأمثلة الموقع التذكاري للأميرة ديانا، الذي استقبل ملايين الزيارات، وصولًا إلى ''الحسابات التذكارية'' التي أطلقتها منصة "فيسبوك" منذ عام 2009.
وتشير الأبحاث الأكاديمية إلى تحوّل لافت أيضًا في ثقافة الإعلان عن الموت، فبينما كان النعي في الصحف في القرنين التاسع عشر والعشرين محجوزًا بشكل أساسي للنخبة المتعلمة بشكل خاص، فإن مواقع التواصل الاجتماعي تتيح قدرًا أكبر من الديمقراطية في إعلان خبر الوفاة. هذا التحوّل لم يقتصر على توسيع دائرة من يُنعى علنًا، بل غيّر أيضًا طبيعة النعي نفسه، إذ أصبح النعي أكثر شخصية وتفاعلية، ويشمل الصور والذكريات الجماعية، مما يعكس واقعًا أكثر شمولية لتجربة الحزن الإنساني.
نكتشف في هذا المقال، من خلال الأبحاث العلمية، وآراء متخصصين في مواقع التواصل الاجتماعي والأدب الرقمي، بعض أبرز التغييرات التي فرضتها مواقع التواصل الاجتماعي على ثقافة الموت.
إعلان الموت.. المنشور أولًا والحزن ثانيًا
يمتلك الإنسان القدرة على تكييف الطقوس التقليدية مع الأوساط الرقمية، ما أفرز "العزاء الرقمي"، و"العزاء الجماعي" عند وفاة المشاهير، من خلال الرموز التعبيرية و"الشموع الرقمية" ومقاطع الفيديو التذكارية. وحسب الباحثة الأميركية نيكول بينينغتون، فإن "الحداد الجماعي الرقمي" عند وفاة المشاهير يشكل مثلًا معاصرًا من التضامن الاجتماعي، إذ يشعر الأفراد بالانتماء لمجتمع أوسع من المحزونين يتشاركون الخسارة الرمزية نفسها، ما يعيد إنتاج وظيفة الطقوس القديمة في تعزيز الروابط الاجتماعية بأدوات تكنولوجية جديدة.
وفي هذا الصدد، أوضح الخبير في مواقع التواصل الاجتماعي، الوالي الداه، في حديثه لمجلة ''ميغازين"، أن نبأ الوفاة قبل بروز الشبكات الاجتماعية، كان يسري في مسارٍ بطيء متدرّج، إذ تَعلم الأسرة القريبة أولًا، ثم تُبلغ الأهل والأصدقاء، وهؤلاء بدورهم يُخبرون من حولهم. وتابع: "تستغرق هذه العملية التواصلية ساعات أو أيامًا، ما يجعله فعلًا مقصودًا ومشحونًا بالوجدان، يُتيح للمتلقّي أن يستقبل الخبر في جوٍّ من الحميمية".
ويضيف الداه: "جاءت الخوارزميات فبدّدت هذا الإيقاع، لأن منشورٍ الوفاةً أن يُبلغ مئات الناس في دقائق. فتقتحم الإشعارات الفورية الشاشات دون استئذان، في الشارع والاجتماع، على مائدة الطعام، كما يختلط موت القريب بسيل الإشعارات المتواصل: رسالة عمل، عرض ترويجي، ثم فجأةً نعيٌ، إذ لا تُفرّق الخوارزمية بين إعلان موت ومقطع فيديو ترفيهي".
واستطرد الداه: "لهذا التسارع تبعات عميقة. فهو أولًا يُفلت زمام الخبر من يد الأسرة التي كانت تتحكّم تقليديًّا في نشره. فقد بات شائعًا أن يعلم أقاربٌ بالوفاة عبر الشبكات قبل أن يُبلَّغوا مباشرة تجربة قاسية تُضيف إلى ألم الفقد صدمة الاكتشاف اللاشخصي. وهو ثانيًا يضغط زمن الحداد إذ كان العُرف يمنح المفجوعين مهلةً، يُلزمهم الرقميّ بردّ فعل فوري تقريبًا. والأدهى من ذلك: هل ما زال المنشور الناعي يصدر عن منطق الحداد، أم بات يخضع لمنطق السبق الصحفي؟".
هذا التحوّل الرقمي لثقافة الموت لم يخلُ من مفارقات. فبينما تتيح وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للحداد الجماعي، فإنها تحوّل الموت أيضًا إلى محتوى قابل للاستهلاك والمشاركة، فعدد "الإعجابات" والتعليقات على منشور النعي قد يصبح مقياسًا ضمنيًا لقيمة الفقيد الاجتماعية، مما يُدخل منطق "اقتصاد الانتباه" إلى تجربة الحداد نفسها. هذا التغيير لا يقتصر على الجانب الشكلي فقط، بل يشمل أيضًا الجوانب اللغوية السيميائية.
من المرثيات إلى المنشورات.. أي تغيير لغوي؟
تغيّرُ أدوات إعلان خبر الموت أفرز تغييرًا لافتًا في لغة وأشكال التعبير عنه، فحسب المتخصصة في تحليل السرد الرقمي، كورينا جياكسوغلو، تشهد لغة الحداد تحوّلًا جذريًا في الفضاء الرقمي، إذ تُستبدل المرثيات الطويلة والمنظومة بـ"القصص الصغيرة" المجزأة والمرتبطة باللحظة الراهنة.
وتذهب الباحثة إلى أن الأفراد يشاركون الحزن من خلال منشورات تتسم بالعفوية والبناء التفاعلي، بدلًا من النصوص المكتملة والرسمية. أما الشكل، فقد انتقل من القصيدة المنظمة إلى منشورات تدمج النص بالصورة والرموز التعبيرية و"الهاشتاغات"، مما يخلق لغة هجينة تجمع بين الرسمي والعامي، الخاص والعام.
وأكد سعيد يقطين، أحد رواد دراسة الأدب الرقمي في العالم العربي، في حديثه لـ"ميغازين" أنه إذا كان التحوّل المديني الذي عرفه المجتمع قد ساهم في تقليص الكثير من الرموز والطقوس والعلامات المصاحبة للدفن والعزاء، فإن بروز الوسيط الرقمي لعب دورًا كبيرًا في إعطاء الموت حضورًا مختلفًا عما كان عليه الحال في الواقع الحقيقي، سواء عما كان في البادية، ثم في المدينة. صار الإعلان عن الموت يتم من خلال إحدى المنصات، وتكون التعليقات تعبيرًا عن المشاركة وتقديم العزاء".
وأضاف يقطين: ''ما يكتب في مواقع التواصل الاجتماعي عن الموت ليس سوى كلام عابر، ولا يكون له موقع في النفوس إلا في اللحظة التي يقدم فيها، لأن طبيعة الوسيط الرقمي تفرض ذلك. عندما نتابع ما يعلق به على نبأ وفاة نجده لا يتعدى عبارات مسكوكة، ومقتضبة. وهي كل الرثاء الذي يمكن أن نعبر به عن أحاسيسنا وانفعالاتنا حيال من نفقدهم، أو نقرأ عن وفاتهم".
لكن الباحث استدرك مستحضرًا تجربته الشخصية: "هناك مظهر إيجابي لهذا الوسيط الرقمي هو تسهيل طريقة التعرف على حدث الموت في إبانه وإعطاء كل من عاين الخبر تقديم العزاء، فقد جربت موت أبي أولًا، وأمي، وإخواني الأربعة، فوجدت في كل ما لقيته من مشاركة من المغاربة والعرب، ما جعلني أحس أنني لست وحيدًا، وأن هناك من يحزن لحزني".
واختتم يقطين حديثه لـ"ميغازين" قائلًا: "الخطابات التي يمكن أن تؤرشَف من خلال ما يمكن أن يكتب، فهي ما يقدم بخصوص بعض الشخصيات التي كان لها حضور في الواقع الاجتماعي والثقافي، وما يمكن أن يدرج ضمن التكريمات للأحياء الذين يقدمون أعمالًا جليلة تستحق الذكر، أو ما يكتب في تأبين الأموات الذين يجمع الكل على دورهم في الحياة، والتي يسهم فيها كتاب يسترجعون مناقب الميت، وعلاقتهم به، ودوره في المجتمع".
من صفحات المشاهير إلى الحسابات المخلّدة
في عام 2022، "هنّأ" دييغو مارادونا منتخب الأرجنتين بالفوز بكأس العالم عبر منصات التواصل الاجتماعي، رغم رحيله قبل عامين. تجسّد هذه الظاهرة مقولة الكاتب الفرنسي جان دورموسون: "هناك شيء أقوى من الموت: وجود الموتى في ذاكرة الأحياء". فمواقع التواصل الاجتماعي أصبحت الفضاء المعاصر الذي يُترجم فيه حضور الراحلين في وعي الأحياء، مانحةً الموتى حياة رقمية مستمرة.
وحسب الباحثة ميليسا دي. إيروين، هناك أربع استراتيجيات للحفاظ على هوية الموتى في مواقع التواصل الاجتماعي: إعادة تفسير الأفكار أو الذكريات أو الأشياء الدنيوية، تمثيل المتوفى بشكل مثالي من خلال إعادة تعريف الصفات السلبية، الاستمرار في أنشطة الترابط السابقة للموت مثل الإجازات السنوية وتذاكر المسرح، وتقديس الرموز مثل مواقع القبور.
وتستكشف دراسة إيروين كيف تحوّلت صفحات "فيسبوك" إلى مساحات رقمية للحداد والتذكار، إذ حللت الباحثة 1,270 منشورًا على 12 صفحة تذكارية. أظهرت النتائج أن المستخدمين يحافظون على روابط مستمرة مع موتاهم من خلال مشاركة رسائل موجهة لهم، والإيمان بأن المتوفين يزورونهم أو يرسلون لهم إشارات من العالم الآخر، وهو ما أطلقت عليه الباحثة "الحضور الماورائي".
وتؤكد الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت طبيعة الحداد التقليدي من خلال تجاوز القيود الزمانية والمكانية، إذ أصبحت صفحات التذكار على "فيسبوك" طقوسًا عامة جديدة للحفاظ على العلاقة مع الراحلين سواء كانوا مشاهير أو أشخاصًا عاديين، مما أفرز شكلًا معاصرًا من "الحداد 2.0" يتيح للثكالى التعبير عن مشاعرهم وإحياء ذكرى أحبائهم بشكل مستمر في الفضاء الرقمي.
ولم تسلم مراسيم الدفن من رقمنة الموت، ففي تموز/يوليو من عام 2025، توفي اللاعب البرتغالي ديوغو جوتا وشقيقه أندريه سيلفا في حادث سيارة مأساوي، لكن زميله كريستيانو رونالدو قرر عدم حضور مراسم الجنازة لتجنب تحويل اللحظة الحزينة إلى "سيرك" إعلامي، إذ كان حذرًا من أن يطغى حضوره على وداع زميله في الفريق.
موقف النجم البرتغالي قوبل بتفهم كبير، وهذا مانجد له تفسيرًا في أبحاث جون شراتون، الذي ذهب إلى أن بيئات وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الجماهيرية توفر فرصًاً متزايدة لتحويل الموت إلى مشهد استعراضي، لأن العلاقات الاجتماعية تُعاش بشكل متزايد كمشهد فرجوي.
هذا التحوّل يعكس ظاهرة أوسع في المجتمعات المعاصرة، حيث أصبحت اللحظات الشخصية الأكثر عمقًا – من الولادة إلى الزواج وحتى الموت – موضوعات للعرض والاستهلاك البصري. الموت، الذي كان تقليديًا حدثًا يُواجه بالصمت والتأمل الداخلي، تحوّل في العصر الرقمي إلى "محتوى" يُنتج ويُتداول ويُعلّق عليه، ما يطرح أسئلة عميقة حول حدود ما ينبغي أن يظل حميميًا في عالم شديد الاتصال والشفافية.
لكن في النهاية لا يمكننا أن نغفل أن هذا التحوّل الرقمي العميق الذي طبع ثقافة الموت لن يغير أبعاده الفلسفية والوجودية، وهذا ما ذهب إليه الوالي الداه في ختام حديثه لـ"ميغازين": "يصير الحداد الحميم علنيًّا ومُشاعًا، وتتأكد اللارجعة رغم الاستمرارية الظاهرة: تصنع الآثار الرقمية وهم البقاء، لكن حدث الموت يظلّ بلا رجعة، إذ ما يبقى بيانات، لا الشخص. ويواجه اللامُقال طوفان الكلام: آلاف عبارات الرحمة والغفران "أرقد بسلام"، لا تقول شيئًا عن الموت ذاته، إنما تحوم حول فراغه. تكرارها بالذات يفضح عجزها. أما زمن الحداد فيُضغط بوابل الإشعارات، ويُمدّ ببقاء الحسابات".












