رحل ماريو بارغاس يوسا. ليست هذه مجرّد وفاة لكاتب عظيم، بل أشبه بإغلاق صفحة طويلة من مغامرة الأدب. رحل الرجل الذي بحث عن الفردوس على الأرض، لكنّه وجده في الكلمات، وعاش في تناقضاته: بين الآمال والخيبات، بين الجسد والمبدأ، بين العبث والجدوى.
كيف يجتمع هذا كله في شخص واحد؟ هنا محاولة لفهم ما لا يُفهم، في حياة رجل صنع من "أكاذيب" الأدب حقيقة للوجود.
في عام 2006، جاء ماريو بارغاس يوسا إلى دمشق. ووقف أمامنا متحدثًا وكأنه شخص حقيقي مصنوع من لحم ودم وصوت. حدث ذلك في وقت لم نكن نصدّق فيه أن الكتّاب الذين فتنوا حياتنا قابلين لأن يكونوا واقعيين.
لكنه يوم ألقى تلك المحاضرة كسر صورته فورًا. إذ تحدّث عن أدب أميركا اللاتينية بالأشياء التي نعرفها جيدًا. كان يظنّ أنه يقدم أدب قارته إلى أناس لم يسمعوا به من قبل. بدا يوسا وهو يتعامل معنا كسذج وجاهلين ساذجًا وجاهلًا. فوق هذا كله، كانت الصورة التي رسمتها أعماله أقرب ما تكون إلى شخص نافر ومتمرد، لكنه في المحاضرة كان محافظًا في كل شيء، حتى في تسريحة شعره.
ربما لا تبدو هذه الصورة مهمة لو لم تكن للرجل ممارسات سياسية بائسة. ولهذا فهي تضعه في مكان يبدو فيه منشطرًا بين كاتب استثنائي وسياسي تعيس.
نقل يوسا الأدب الروائي إلى منطقة لم يسبقه إليها أحد، وقدم أعمالًا فريدة تجمع السياسي والإنساني، الفردي والجماعي، السخرية والمرارة والحقيقة، وفي الوقت نفسه كان ناقدًا أدبيًا من طراز رفيع.
تختصر رواية "الفردوس على الناصية الأخرى"، وهي من أجمل أعماله، عوالمه الكبرى وسؤاله الأثير: أين يقع فردوس الإنسان؟ في داخله، أم في العالم من حوله؟
لا يقدّم يوسا فردوسًا واحدًا، بل يجود علينا بفردوسين متقابلين لا يلتقيان: فردوس فلورا تريستان، المناضلة الاشتراكية التي حلمت بخلاص جماعي، وبجنة أرضية تُلغى فيها الفوارق؛ وفردوس حفيدها الرسّام بول غوغان، الذي هرب من أوروبا إلى هايتي باحثًا عن خلاصٍ فردي لا يخصّ أحدًا سواه.
تمشي فلورا وهي تنوء بثقل قضية العدالة، أما غوغان فيسافر خفيفًا، لا يحمل سوى الجسد والألوان والغواية. هي أرادت زمن "ما بعد"، وهو أراد زمن "ما قبل". هي طلبت الجدوى، وهو أراد العبث. وكلاهما لم يبلغ الفردوس. والرواية تقول: لا يوجد فردوس، بل خيبة تتكرّر بانكسار الأحلام. إلا أن هناك فردوسًا ثالثًا، خفيًا وحقيقيًا معًا: الأدب! صحيح أنه لا يخلّص العالم، لكنه يمنحه ما يكفي ليخفف من تعاسته.
ويوسا قالها في حوار صحفي في فترة صدور الرواية: "لا فردوس هناك.. ولا يمكن للإنسان أن يتخلى عن اليوتوبيا. فالأدب هو اليوتوبيا المتحققة. في الأدب، في الفن، في الموسيقى، يمكننا بلوغ الكمال".
هو أحد أكثر الكتّاب لعبًا وتجريبًا، وأشدّهم جرأة في اختراع تقنيات السرد وتقطيع الزمن، كأن الرواية عنده معجزة لا يلامسها إلا الألعبان، وعلى القارئ أن يعد الصفحات بالأنفاس والرجفان.
في أعماله المجونية: "امتداح الخالة"، و"دفاتر دون ريغو بيرتو"، و"الفردوس على الناصية الأخرى"، يثبت أنه سيد الإيروتيكا الحديثة. يفترق عن تراث الكتابة الشهوانية الكلاسيكية الذي يزاوج بين اللغة والأطعمة والتوابل والملابس بأنه يجعل من الفن التشكيلي المثير الحسيَّ الأول بلا منازع.
يزيل يوسا المسافة بين الكتابة والرسم، محوّلًا الرواية إلى مرسم، والفصول إلى لوحات، واللغة إلى ألوان وأشكال وكتل نابضة. يكتب بشهوانية تعي أن ما نحتاجه نحن البشر، في هذا العالم المقموع، هو أن نكون عراة.
تأتي رواياته كمداخلات مضادة، تستنجد بالخيال لا لهروب من الواقع، بل لاختراقه. وبالفانتازيا لتروي حيوات تتعذر روايتها بغير الخيال، فالخيال خرقٌ حرٌّ للواقع، كما هو أيضًا قبضٌ عليه.
وتقع في صلب أعمال يوسا رواية "حفلة التيس"، التي تُعد من أبرز روايات أدب الدكتاتورية في أميركا اللاتينية. وفيها يقدم مقاربة جريئة وعنيفة لنظام الدكتاتور الدومنيكانيّ رافائيل تروخيو، الذي حكم بالحديد والنار، وأخضع البلاد وكأنما يغتصبها بالكامل.
جسّدت الرواية هذا المعنى حرفيًا من خلال تصويرها حالة مقرفة، يقوم بها وجهاء المجتمع بتقديم بناتهم الصغيرات قربانًا للرئيس. تسير الرواية في خطين متوازيين: الأول يتتبع خطة اغتيال تروخيو على يد مجموعة من الضباط، والثاني يكشف جريمة اغتصابه للطفلة أورانيا، والتي تعود بعد عقود إلى البلاد لتواجه ذاكرة العار. الجريمتان السياسية والجنسية تنبعان من المصدر ذاته: سلطة تستبيح كل شيء.
ومن بين رواياته السياسية الأخرى، تبرز "من قتل بالمينو موليرو؟" التي تستعرض عمق الفساد والعنف الطبقي، من خلال جريمة غامضة في بلدة صغيرة. الرواية تقول ضمنًا إن الأسماك الصغيرة لا مكان لها بين الأسماك الكبيرة. أما رواية "بانتاليون والزائرات" فهي عمل ساخر بقدر ما هو مقلق. تتناول الرواية قرارًا عسكريًا بإنشاء وحدة سرية لتأمين خدمات جنسية للجنود في المناطق المعزولة. اللافت أن يوسا يبني الرواية بالكامل على تقارير بيروقراطية يرفعها الضابط المسؤول إلى قيادته، يتحدث فيها بلغة رسمية عن "احتياجات الزائرات"، وعاداتهن الشهرية، وما يلزم لضمان "انضباط الخدمة". والمفارقة أن اللغة الإدارية هنا لا تخفي العبث، بل تفضحه.
إلى جانب ذلك، لدى يوسا روايات أخرى تتناول الثورة والفساد وسوء فهم الدولة للفئات المهمشة، مثل "البيت الأخضر" و"قصة مايتا" و"ليتوما في جبال الأنديز".. وكلها تغوص في هشاشة السلطة وعجزها عن احتواء الهامش أو استيعاب التعدد.
هو أيضًا ناقد أدبي ذو حسّ فلسفي وتجريبي فريد. في كتابه "حقيقة الأكاذيب"، يقدّم ما يشبه مختبرًا حيويًا للرواية، حيث يعيد فتحها على مصراعيها، مخلخلًا يقيننا. هذا الكتاب بيان في مديح الكذب الأدبي الذي يقول الحقيقة بطريقته. فالحقيقة في الأدب، كما يقول يوسا، ليست أخلاقية ولا تاريخية ولا اجتماعية، بل هي جمالية، وجمالية فقط، فالأدب يخلق عوالم لا تدّعي أنها الواقع، بل تفترض أنها ممكنة، وهذا بالضبط ما يمنحها حقيقتها الخاصة.
في عمله البديع "رسائل إلى روائي شاب"، يضع يوسا خلاصة رؤيته للكتابة الروائية أنها تولد من الحدس والتجربة، ومن ولاءٍ عميق للكتابة بوصفها مصيرًا لا مهنة. فالإبداع، في نظره، لا يُعلَّم، بل يُكتسب عبر السقوط والنهوض، وعبر التعثر والمحاولة مرة أخرى، حتى يصل الكاتب إلى تلك اللحظة النادرة التي تغدو فيها الرواية أكثر إقناعًا من الواقع، وأكثر حياة من الحياة ذاتها.
ونظرًا لكونهما الروائيين الأبرز في أدب أميركا اللاتينية الحديث، ولما يجمع بينهما من تأثير عالمي واختلاف جوهري في الكتابة، تبدو المقارنة بين غابرييل غارسيا ماركيز ويوسا فرصة لفهم طبيعتين مختلفتين تمامًا للكتابة.
يبدو ماركيز أقرب إلى الشاعر الذي يعيش العالم في داخله، فيتأمله ويتذكره، ثم فجأة حين يأتيه الإلهام يكتبه دفعة واحدة، فتأتي رواياته مليئة بالخيال والرموز بطريقة قريبة من عالم الحلم. أما كتابة يوسا فتنتمي إلى الضفة الأخرى من نهر الفن. إنها كتابة الجهد والتخطيط. وصاحبها أشبه بعالم في مختبر: يجمع العينات ويراقبها ويسجل ملاحظاته إلى أن يصل إلى النتائج المرجوة، أو عالم أنثروبولوجيا في الميدان: يجمع المعلومات، ويقابل الناس، ويقرأ التاريخ، ويراقب التحولات السياسية والاجتماعية، ثم يبدأ ببناء روايته، كما يبني الباحث نظريته.
في روايات مثل "حرب نهاية العالم" أو "حفلة التيس" أو "حلم السلتي"، نشعر أنه أمضى وقتًا طويلًا في الدراسة قبل بدء الكتابة. كل تفصيل مدروس، وكل شخصية مبنية على واقع ملموس. وكأننا أمام مشروع بحثي كبير تحوّل إلى رواية. إنه نموذج الروائي المهندس، الذي يصنع أدبًا من الاشتباك مع الواقع.
بهذا المعنى، قدّم ماركيز صورة الكاتب الكلاسيكي، الموهوب الذي ينفجر العالم في داخله. أما يوسا، فهو الروائي الحديث الذي ينظم العالم خارجه ثم يكتبه. الأوّل يكتب كمن يتنفس، والثاني يكتب كمن يعمل.
إذا أردنا تشبيه العلاقة بنموذج مألوف، فكرة القدم تقدم اقتراحًا مهمًا، ماركيز هو ميسي، الكاتب الذي وُلد وفي داخله موهبة نادرة، لا تحتاج إلى إثبات أو صناعة. ومثلما يلعب ميسي الكرة كما لو كانت امتدادًا لجسده، يكتب ماركيز السرد كما لو أنه جزء منه. في المقابل، يوسا هو كريستيانو رونالدو، الكاتب الذي لم يُولد بالسرد في دمه فقط، بل درّبه وصقله، وبنى أسلوبه قطعةً قطعة. رواياته ثمرة انضباط شديد وبحث وتدريب متواصل. وكما صنع رونالدو من نفسه أسطورة عبر العمل المستمر، صنع يوسا من كل رواية مشروعًا قائمًا على إعادة بناء الواقع بطريقة فكرية وشبه علمية.
لا ينتقص هذا الفرق من أحدهما، بل يعكس مدرستين متكاملتين؛ الأولى تؤمن بالإلهام، والثانية تؤمن بالبناء. الأولى تُراهن على انفجار اللحظة، والثانية تعتمد على تراكم الجهد.
ولأنه يُجسّد النموذج القابل للتكرار والإلهام، يبدو يوسا مثالًا عمليًا لكل من يريد أن يصبح كاتبًا، فالوصفة هي جمع الثقافة العالية بالاتقان بالمسؤولية بالصبر. أما ماركيز فعبقريته الخارقة تجعله أقرب إلى المعجزة. إنه من أولئك الذين لا يمكن تقليدهم، ولا تكرارهم.
ماركيز هو المستحيل، وأما يوسا فهو الممكن!
خاض يوسا معركة الانتخابات الرئاسية في بلده البيرو عام 1988، وامتدت تلك المعركة ثلاث سنوات حتى انتهت بفشله في 1991، بعد حملة تشهير دنيئة استخدم فيها خصومه ما تيسر من الأسلحة ضده، حتى أنهم استلّوا من إحدى شخصياته الروائية تهمة عقد فرويدية. وكذلك تعرض موكبه لإطلاق نار. لكنه رغم ذلك كتب مذكراته "السمكة في الماء"، راويًا بأسلوبه الروائي وقائع تلك الهزيمة.
ومع ذلك، يظل يوسا السياسي لغزًا مؤلمًا. فهو يمينيٌّ رثّ، صغير إلى درجة التقزم أمام العالم الذي صنعه خياله. وكم يبدو شاحبًا حين يغادر الرواية إلى المنبر، وحين يستبدل النصوص بالخطب. ولا يزال محيّرًا كيف خرج من جوف الكاتب العظيم ذلك السياسي القميء؟
الحقيقة أن يوسا كلما ابتعد عن الرواية خسر شيئًا من نفسه. فهو في الأدب حرّ ومتمرد أصيل، أناركيّ بعمق، يكتب بيدين مبللتين بالشهوة والاحتجاج والعِناد. وأما في الممارسة السياسة فكان مقيدًا، ومشحونًا بعنصرية لا تشبه نصوصه.
لم يُنقذ يوسا من يوسا سوى الأدب. وربما يكون هذا هو جوهر الأدب نفسه: أن يهذّب صاحبه، ويكبح نوازعه القبيحة، ويعيده، ولو عنوة، إلى إنسانيته. فالأدب لا يحتمل اليمين، ولا يُطيق القمع، ولا يستوي مع الكراهية. الأدب لا يكون إلا حرًّا، ولا يصل إلا حين يكون نزيهًا.. تمامًا كما كان يوسا، حين كتب، لا حين أراد أن يحكم.
لعلّ أجمل ما في الأدب أنه يحوّل حتى الكُتّاب اليمينيين إلى يساريين دون أن يشعروا. وهذا، في النهاية، هو انتصاره الأكبر.. هذا هو فردوس الكتابة.
ومثل أصحاب الأثر جميعهم سيغيب يوسا اليوم، لكنه غياب سيظل دائمًا قادرًا على أن يتكلم.












