ultracheck
العشوائيات

ماذا حدث للمصريين؟.. طبقية وجرائم ودراما مستنسخة

8 مارس 2025

الطغيان والقهر السياسي هما أس وجذر الشخصية المصرية، ومصدر سلبياتها، وعيوبها وأمراضها.❞

 (جمال حمدان: شخصية مصر)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في منتصف التسعينيات أصدر الدكتور جلال أمين كتابًا ذائع الصيت بعنوان "ماذا حدث للمصريين: تطوّر المجتمع المصري في نصف قرن" (دار الهلال، 1997)، رصد المؤلّف من منظورٍ مقارنٍ واقعين متباينين لمجتمع واحد، باحثًا عن سؤال محوري: ما حدث لهما من تغيرات فككت هيراركية بنية المجتمع المصري بكافة طبقاته؟ 

ذهب في كثير من  الصفحات، إلى أن دخول المجتمع المصري إلى القرن العشرين صحبته تغييرات كثيرة هزّت البنية الاجتماعية، وسُلّم القيم، حيث اللهاث حول المجتمع الاستهلاكي الذي كان تأثيره فادحًا ليس على مستوى الطبقة المتوّسطة التي انهارت وانقرضت إلى غير رجعة، وإنما أثّرت أيضًا على الطبقة الجديدة التي سعت إلى عزل نفسها في كماوندات لكنها لم تسلم هي الأخرى من حالة الانهيار لسلم القيم وهي تصعد اجتماعيًّا واقتصاديًّا.

الحراك الاجتماعي

 فكرة الكتاب (في أصلها) كانت استجابة لدعوة أطلقتها سنة 1996 مجلة الهلال العريقة التي أسّسها جرجي زيدان، حول سؤال جوهري: "ماذا حدث للمصريين؟" ودعت كافة الكُتّاب من كافة التخصصات للمشاركة بآرائهم في هذا الموضوع الذي يرصد واقع المجتمع المصري في كافة مناحيه قبل الدخول إلى الألفية الجديدةت كنوع من محاسبة المصريين على ما اقترفوه من أخطاء، على أمل أن يبدؤوا صفحة جديدة في القرن الجديد، يحققون فيها ما فشلوا في تحقيقه من قبل. 

شارك في الكتابة تحت عنوان الملف أساتذة كبار من كافة التخصّصات، فكتب فاروق خورشيد متحدثًا عن متغيرات الشخصية المصرية، وألفريد فرج عن "بين الأمس واليوم"، ومصطفى الحسيني "نحن المصريون المحدثون"، وعلى فهمي "بانوراما التغيرات الاجتماعية في مصر الحديثة"، أما جلال أمين الذي جاء ترتيب مقاله الثاني فكتب عن "ثلاثة أجيال من النساء المصريات". كان الجامع المشترك للسبب التغيرات بين المقالات، هو الحراك الاجتماعي الذي كان بمثابة العامل الأساسي الذي حكم تطور المجتمع المصري خلال نصف القرن. 

استثمر جلال أمين المقالة وجعل منها كتابًا (ثم سلسلة تناول مواضيع مختلفة كالثورة المصرية، والثقافة، وعصر الجماهير الغفيرة) يتناول فكرة التطور من زوايا متعددة. جاء الكتاب من منظور عالم اقتصاد إلا أنه وظف أدوات الباحث الاجتماعي وهو يشرح أنماط التغيرات والسلوكيات التي طرأت على الواقع المصري، ومقارنته ما هو كائن بما كان، ومع الأسف مقارناته كانت تنسحب إلى ما كان رغم التغير الظاهر في بنية المجتمع شكليًّا على كافة مستوياته: ملابسه، أفراحه، احتفالاته، الموسيقى والغناء، السينما، الهجرة، الأسياد والخدم، ومكانة المرأة.. وغيرها من ظواهر أصابها الحراك الاجتماعي.

مع دخول المجتمع المصري الألفية الثانية، لم يهتم أحد من القائمين بمراكز البحوث والدراسات الاجتماعية، بعملية رصد التغيرات التي حدثت للمجتمع المصري في هذه المرحلة، وقد حدثت تغيرات جذريّة إذْ غابت إحدى الطبقات المميزة لهيكلية المجتمع المصري، وكانت عنصر أمانه، ألا وهي الطبقة المتوسطة، وصار البون شاسعًا بين طبقة معدمة، ونقيضتها طبقة مخملية، تختلف عنها في الشكل ولغة الحديث والملبس وكذلك السكن. 

التفاوت الطبقي بين الطبقتين، ظاهر في عزل الطبقة الغنية في سياج أشبه بسور الصين العظيم، فصارت لها مجمّعاتها السكنية، ومدارسها الأجنبية وجامعاتها الخاصّة، ونواديها الرياضية ومناطق ترفيهه يصعب الاقتراب من أسوارها، وبصفة عامة صار لهم عالمهم (الخاص) المختلف تمامًا عن تركيبة المجتمع المصري المعروفة، وهو ما كان بمثابة فصل للهوية وتغريب كليّ رغم الإقامة في حدود المكان الكليّ. عالم أقرب إلى عالم يوتوبيا أحمد خالد توفيق، ونفيضه عالم الأغيار.

هذه التغيرات انعكست كلية على مظاهر الحياة بكافة نواحيها، وهو ما جسدته الدراما المصرية في الألفية الجديدة، بعدما كانت مسلسلات مثل "ليالي الحلمية"، و"الراية البيضا"، و"أولاد آدم" و"أبنائي الأعزاء شكرًا"، و"ضمير أبلة حكمت"، و"العائلة"، و"الشهد والدموع"، و"دموع في عيون وقحة"، و"ذئاب الجبل"، والليل وآخره... وغيرها من أعمال كانت تعكس الهوية المصرية، وترسخ لترابط النسيج الاجتماعي بين أطياف المجتمع، فصارت المسلسلات الجديدة تصوّر واقعًا غير مألوف لدى المشاهد، فحلّت جرائم القتل، والاغتصاب، وغسيل الأموال، وعصابات المافيا، وتجار المخدرات، والأدوية، والخيانات الزوجية، وكلها سلوكيات تتنافى مع طبيعة المجتمع المصري، لكنها عبر القنوات المتخصصة، والمنصات الجديدة كشاهد ونتفيلكس، صارت تعرض بإطراد وكأنها أمر واقع، ورغم أمنه لا يمكن إنكار أن مثل هذه الحوادث تتصدر صفحات الحوادث، لكن ليس بمثل هذه الصورة التي تعمل دراما الكمباوندات على ترسيخيها في عقل المشاهد، حتى صارت جزءًا من الحياة اليومية التي يعيشها سكان مثل هذه المجتمعات الجديدة.

المنصات الرقمية

عبر هذه المنصات ظهرت نماذج درامية بعيدة كل البُعد عن واقعنا المعروف، الغريب أن هذه الأعمال لم تثبت في الوعي الجمعي كما في حالات الدراما التي عبّرت عن واقع المجتمع المصري الحقيقي، فلم ينسَ أحد صمود عباس الضوّ في "المال والبنون" أمام جحافل الرأسمالية، وتجار غسيل أموال نهب الآثار، ولا قيم أبي العلاء البشري في "رحلة أبي العلاء البشري" التي انتصرت وهي تقاوم طواحين الهواء، ولا شهامة أبناء البلد ودفاعهم عن الوطن بكافة السبل في "ليالي الحلمية" كما تجلّى في شخصية سليمان غانم، وزينهم السماحي ولا معدن ومبادئ الدكتور أبو الغار في الراية "البيضا" أمام قوة وجبروت رأسمالية فضة المعداوي، ولا مثالية ورومانسية ناهد حافظ رضوان أمام أنانية وانتقام أحمد شوقي رضوان في "الشهد والدموع"، شخصيات مجتزأة من الواقع، فصارت أيقونة، ما زالت حوارات ناهد وأحمد تتردد على السوشيل ميديا كتعبير على الرومانسية المفقودة. 

الصّورة الذهنيّة التي رسختها الدراما الجديدة، مخيفة مع الأسف؛ لأنها ترسخ لصور البلطجة والعنف، والقوة الغاشمة التي يستخدمها رجال الأعمال، وتجار المخدرات، والأدوية المحظورة، وسرقة الأعضاء والاتجار في البشر، والترويج لقانون الغاب بعيدًا عن المؤسسات الأمنية والقانونية التي تقوم بتحقيق العدالة، وغيرها من أعمال منافية للدين والأخلاق، كما كرست هذه الأعمال (في معظمها) مع الأسف لصورة المرأة اللعوب، تلك التي لا تتعدى على القيم الزوجيّة وفقط، وإنما تتعدّى على قيم الأسرة والتقاليد العائلية، فالمرأة كما أظهرتها الدراما الجديدة، لا تتوانى أن تقيم علاقة مع زوج أختها، أو تجتهد لسرقته من أختها، أو من إحدى صديقاتها، هكذا صارت المرأة كل قضيتها الأساسية هي عمليات التجميل، وخطف الرجالة حتى من أقرب القريبات. إضافة إلى صورة رجل السلطة الانتهازي، الذي يستغل نفوذه للتربح المادي، أو شخصيات سيكوباتية تؤذي نفسها والآخرين، وكأن المجتمع ينقصه مثل هذه الشخصيات والترويج لها، دون الوقوف على مشاكل المجتمع الحقيقية.

حالة التغريب التي حلّت على بنية المجتمع انعكست على اهتمامات التركيبة السكانيّة الجديدة، فلم تعد حفلات الموسيقى التي كانت تقام لكبار الفنانين كأم كلثوم وعبد الوهاب ونجاة وغيرهم، ويحضرها صفوة المجتمع بزي يظهر الاحترام للفن والفنانين، بل صارت الحفلات تقام على حمامات السباحة وبملابس البحر، وما يصاحب هذا من (تنطيط) وصراخ بمجرد ظهور المطرب (أو المطربة) الذي يظهر هو الآخر بملابس شفافة وغير لائقة، بل يؤدي البعض حركات راقصة تبدو للبعض أنها منافية للآداب، هكذا تجرد الفن أيضًا من أصوله الراسخة، وتقاليده الصارمة كما عكستها ظاهرة أم كلثوم وكبار المطربين في ذلك الوقت، وصارت أغاني الفيديو كليب الوجه الآخر من الأفلام الساقطعة.

لم تنفصل الدراما ولا كتابها عن هذا الواقع الجديد بكل مساوئه، فبدأت الدراما تركّز على قاطني هذه المجتمعات، فحلّت الكمباوندات محلّ العمارات الفقيرة والشقّق في الحواري المصريّة، وكذلك حلت أنماط حياتية لا يعرفها المشاهد، فصار يُشاهد واقعًا لا وجود له فيه، أناسه لا يشبهونه في أي شيء، من قبل كان يتصل بالطبقة الراقية في الدراما والسينما بما يقوم به من أدوار هامشية كحارس أو طاه أو خادم، والعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل، دون تجاوز للحدود الطبقية، الآن صارت هذه الفئات أجنبية، حيث يتفاخر أصحاب القصور والفيلات بوجود مثل هذه الفئات في منازلهم، بل صار يُقاس مدى ثرائهم باقتناء المربية الفلبينية أو الآسيوية، والحارس من البودي جاردات، ومع الدفع لهؤلاء غابت الأمانة التي كانت ميزان العلاقة بين الطرفين، الآن حوادث السرقة، وجرائم القتل يكون الحارس أو الشغالة طرفًا فيها. 

عبر هذه الموجه من الأعمال الدرامية الجديدة، انسحب تأثير القوة الناعمة الذي كانت تمارسها القاهرة بأعمالها التي تُصدّرها للمحيط العربي من خليجه إلى محيطه، فظهرت الدراما السورية واكتسحت الشارع، وبعد فترة انتشرت الدراما التركية فصار لها جمهورها العريض بعد موجة الدبلجة. الشيء الأخطر أن كتاب الدراما الآن راحوا يستنسخون قصصهم وحكاياتهم من أعمال أجنبية، في إشارة غير مباشر ولا خافية على أحد، لافتقاد إبداعات أساطين وملوك الكتابة الدراميّة كأسامة أنور عكاشة ووحيد حامد ومحمد جلال عبد القوي وبشير الديك وغيرهم.

في مقابل ذلك، كانت الدراما التي سعت إلى عكس واقع الحارة المصرية بعيدة كل البعد عن تلك الحارة التي شاهدناها في مسلسلات قديمة كمسلسل "شارع المواردي"، والمسلسل السوري الشهير "باب الحارة"، الحارة في أعمالهم تعج بالمخالفين والبلطجية، وتجار الصنف، وبنات الليل، وغيرها من صور ونماذج مشوّهة لا حقيقة لها في الواقع المرجعي. 

في ظل غياب صنّاع الدراما، ظهر ما يسمى بأعمال "ورش الكتابة"، أو ما يمكن تسميتها بـ"كتابة الإفلاس الدرامي" وهي مع الأسف أنتجت أعمالًا متواضعة، لا طعم لها ولا رائحة، أعمال متشابهة، لا خصوصية ولا رسالة، ولا حكاية مهمة؛ فالخطاطة الدراميّة واحدة باستثناء بعض التفاصيل في محاولة لإقناع المشاهد بأن العمل جديد، في حين أنه استنساخ من أعمال سابقة، أو تدوير لحكايات قديمة، الشيء الثاني الذي يؤكد غياب كتاب الدراما الواعين بالقضايا الاجتماعية والسياسية لأوطانهم هو إعادة تدوير الأعمال القديمة، فظهرت نسخ مشوّهة من أعمال قديمة، كانت اكتسبت جماهيرية عريضة بسبب رصانة الكتابة وأداء الممثلين وعمق الرسالة؛ وظهرت نسخ جديدة من أعمال مثل "الباطنية"، و"إمبراطورية ميم"، و"أنف وثلاث عيون"، و"الزوجة الثانية"، وكلها لم تكن بقدر المستوى الفني الذي ظهرت به هذه الأعمال من قبل، وهو ما يمكن ترجمته بإفلاس درامي.

وثمة عامل آخر خلق حالة الفوضى التي صارت عليها صناعة الدراما، ألا وهو غياب قطاع الإنتاج الذي كان يُشرف علي هذه الصّناعة، ويضع الخطط، ويوزّع الأدوار على الممثلين، الآن صار الأمر حكرًا على الشركات الخاصة، والمنتجين أصحاب الأموال الذين دخلوا سوق الإنتاج دون سابق خبرة، فقط لديهم المال الذي يتوهمون أنه يمثّل الركيزة الأساسيّة لمثل هذه الصناعة.

في ساعته وتاريخه

مازال الوقت مبكرًا للحكم على المشهد الدراميّ في رمضان الجاري، خاصّة أن هذا الشهر يشهد عادة تنفاسًا حادًا بين الأعمال الدرامية، فقد سبق عرضها على الشاشات، تسابقًا قاده فنانون وشركات إنتاج، لجذب واستقطاب الجمهور إليها، وكذلك من خلال محاولات نقّاد للفت الانتباه إليها، حتى وإن شائعًا الاعتماد على إحصائيات تبني تقاريرها على نسبة المشاهدات الأعلى، ورغم هذه الحالة الضبابيّة إلا أن ثمة بصيصَ ضوءٍ، في الحلقات التي تعرض تحت عنوان "في ساعته وتاريخه"، وهي حكايات ذات مرجعية واقعية، حيث اعتمد السيناريو على ملفات القضايا التي حققت فيها الشرطة، وأحالت مرتكبيها إلى المحكمة. 

تدور الحلقات في إطار اجتماعي، حيث الكثير من القضايا التي يتعرض لها أفراد المجتمع، ومنها جرائم تعكس التغيرات التي حلّت على الواقع، وكان للهاتف وما يتعلق به من وسائل تواصل اجتماعي، دورًا كبيرًا في حدوث مثل هذه الحوادث، وأيضًا اكتشافها، ورغم أن الحلقات منفصلة، إذ أن كل حلقة لا ترتبط بسابقتها ولا تتصل بلاحقتها في وحدة الحدث، وكذلك باختلاف الأبطال الذين يقومون بالأدوار الرئيسية والثانوية، إلا أنها تتصل من حيث وحدة الموضوع، فجميعها تدور حول قضايا منتزعة من ملفات المحاكم المصرية، ويشرف على كتابة حلقاته ورشة كتابة، وكذلك كتيبة من المخرجين بقيادة المخرج عمرو سلامة. والمسلسل فكرته الأساسية تقديم الوجوه الشابه التي فازت في برنامج "كاستنج" الذي أشرف عليه المخرج عمرو سلامة، باشتراك نجوم من الصف الأول ظهروا في الحلقات كمساندة لهذه الوجوه الشابة التي نال كثير منها استحسان الجمهور، وأشادوا بموهبتهم وأدائهم أمام الكاميرا. 

المسلسل عبر حلقاته القصيرة التي وصل عددها إلى أكثر من عشرين حلقة تقريبًا، يرصد لسلسلة من الجرائم المتنوّعة التي حدثت في المجتمع المصري بعد الألفية الجديدة، حيث كان العامل المشترك في معظمها هو الإفراط في استخدام المحمول والإنترنت، فكانت الجرائم على اختلافها من ابتزاز وتحرش وتنمُّر وقتل ومخدرات وسرقة، وخيانة زوجية، وغيرها، مؤشرًا على التغيرات التي أصابت المجتمع المصري، ومع الأسف انهيار سلم القيم. فكثير من الجرائم يغيب عنها الوازع الديني والأخلاقي، على حساب الرغبات الشخصية، على نحو الحلقة الأولى من المسلسل التي كانت تجسيدًا لقضية هزت المجتمع المصري، ألا وهي قضية الطالبة نيرة أشرف التي قتلها حبيبها أمام الجامعة قبل عامين، ومع الأسف تكررت الحادثة بالطريقة نفسها في أكثر مرة.

يتطرق المسلسل إلى قضية الابتزاز التي تعرضت لها الفتاة، بمشاركة إحدى صديقاتها بتسهيل استدراجها من قبل العشيق السابق. أما الأسباب التي تعرضت لها الحلقات كدوافع للجرائم، فهي تكشف عن حالة من التردي التي أصابت المجتمع في وعيه، وسلوكياته؛ فالجريمة الأولى كان دافعها رفض الحبيب، وقصّة الخيانة الزوجية كان يقف خلفها زوج قتل زوجته لأنه يريد أن يتزوج أخرى، كان يريد تلفيق جريمة زنا ضدها، حتى يُطلقها دون دفع مؤخّر الصداق، وينتهي الأمر بقتلها، ففي قصة خيانة زوجية، بغض النظر عن أداء الممثلين وسوء الإخراج، إلا أن دافع الطلاق يدفع الزوج إلى تأجير شخص لاغتصاب زوجته، وهو ما ينتهي إلى قتلها، وهذا يشير إلى مستوى جديد من السلوكيات التي بدأت تمثل ظاهرة مع الأسف.

الشيء نفسه، يحدث مع قصة قتل الشاب المعنونة بـ "إكرام الميت دفنه" بسبب محاولته التصدي لتجار المخدرات، وتهديد الأب بسرعة دفن ابنه، إلى أن يكتشف الأمر، ويُثبت تورط صديقه الذي باعه وسلمه إلى التاجر الذي تخلص منه بكل برود أعصاب. وهناك أيضًا قضية مقتل الطالبة على يد صديقتها بعد تنمرها، ومحاولة الأب إخفاء جريمة ابنته، وكأن شيئًا لم يكن لولا السائق الذي فضح الأمر.

تعكس الحلقة التي عنونت باسم "عُمر الدم ما يبقى ميه" تطورًا خطيرًا في أخلاقيات القرية، فأحداث القرية تدور في إحدى قرى محافظات الدلتا، وتحكي عن صراع بين أخ وأخت على الميراث، عبر حيلة من الأخ بأن يسعى المحامي لإقناع أخته التي ترفض أن تعطيه الميراث، أن يكتب توكيلًا عامًا له، وبينما تناور الأخت في التوقيع، يأتي الأخ ويعلن عن وجهه القبيح في محاولة لابتزاز أخته، وإرغامها بالقوة عن التنازل والتوقيع له على ميراث العائلة، حيث يطلب من عامل مكتب المحامي أن يتصور مع أخته في أوضاع مخلة، حتى تضطر للتنازل، هكذا وصل الحال بالأخلاقيات بين أفراد العائلة، الأخ يتجرّد من إنسانيته وروابط الأخوة، ويصوّر أخته في أحضان رجل غريب لإجبارها على التنازل له عن الميراث.

واحدة من القضايا التي أثارتها الحلقات قضية الهيجان الجنسي عند الشباب، حيث يلتف الشباب حول الفتيات اللاتي يرتدين ملابس لافتة، وتحكي الحلقة عن إحدى الفتيات المشهورات على وسائل التواصل الاجتماعي (بلوغر) في ليلة العيد نزلت مع خطيبها إلى الشارع، فالتف الشباب حولها، وإذا بها تدخل إلى أحد المحلات المفتوحة، وينجح العاملون في المحلّ في غلق المحلّ، حتى وصلت الشرطة وتم إنقاذ الفتاة. القصة لها أبعاد في الواقع وقد تم معالجتها بما يتلاءم مع قيم الأسرة المصرية التي بدأت تتوجه إليه الدراما الآن.

الهيجان الجنسي صار ظاهرة مستشرية في المجتمع المصري، خاصّة في المناسبات والأعياد، وكثيرًا ما عرضت صفحات الحوادث لحوادث كثيرة راح ضحيتها فتيات صغيرات، مع الأسف لم يتوقف أحد من دارسي علم الاجتماع والنفس لتحليل دوافع هذه الظاهرة، وكيفية القضاء عليها أو تقليلها في المجتمع المصري المعروف عنه "مجتمع متدين بطبعه" وهو ما يعطي انطباعًا سيئًا مع الأسف للسائحين الذين يتعرضون لمضايقات شبيهة في أماكن الزيارة. 

ونظرًا لانتشار السوشيل ميديا، لم تعد مثل هذه الظواهر مجهولة ومخفيّة، فما إن يعود السائح أو السائحة (الذي تعرض للمضايقات) إلى بلده، حتى يخرج في بث مباشر أو يكتب عبر بوست طويل عن تجربته في الزيارة. وهو ما يكون بمثابة دعاية سلبية للسياحة في مصر، وأثرها في تسبب أضرار بالغة للسياحة في مصر، في وقت تسعى الحكومة جاهدة إلى استقطاب الوفود السياحية، وزيادة حصيلتها الدولارية من قطاع مهم لها.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

2

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

3

القطن المصري.. ذهبنا الأبيض الملطخ بالدماء

قاد توسّع زراعة القطن، في ظل بنية ري وصرف غير متوازنة وفوارق اجتماعية واقتصادية حادة، إلى تراجع ملحوظ في خصوبة التربة وتفاقم مشاكلها البنيوية في مناطق شاسعة من الريف المصري

4

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

5

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

اقرأ/ي أيضًا

حرب النبوءات

حرب النبوءات: كيف تحوّلت التوراة إلى ساحة صراع بين إيران وإسرائيل

يحلّل المقال كيف تتحول النصوص التوراتية، خصوصًا نبوءات دانيال، إلى أداة رمزية في الصراع بين إيران وإسرائيل، حيث تُستخدم لإعادة تأويل التاريخ وسقوط الإمبراطوريات ضمن معركة الوعي والسرديات الدينية

مهاب محمد حسنين

الأضرار الجانبية
الأضرار الجانبية

الأضرار الجانبية.. شرعنة القتل وطمس الوجه الإنساني

يسعى المقال إلى تحليل مفهوم "الأضرار الجانبية" في القانون الدولي الإنساني، واستعراض استخدامه الأداتي في الخطاب العسكري والسياسي، وكشف العنف الرمزي الذي يخفي معاناة المدنيين

إسراء عرفات

جيفري إبستين

ملفات إبستين: لماذا لا يكفي العنف الجنسي لإثارة الغضب في النقاش العربي؟

يكشف تفاعل العرب مع وثائق إبستين ميلًا لتحويل الاغتصاب إلى مادة للسخرية السياسية، وتجاهل العنف الذكوري بوصفه نمطًا اجتماعيًا، عبر اختزاله في مؤامرة أو فساد غربي

ماسة عورتاني

الحركة النسوية الفلسطينية

نساء على خط المواجهة: مسارات الحركة النسوية الفلسطينية من التشكّل إلى الصمود

يستعرض المقال أثر النساء الفلسطينيات وأطيافهن في مسار القضية، متتبعًا تحولات الهوية بين النكبة الأولى والنكبة الأخيرة، باحثًا في سؤالٍ وجودي: هل أعادت الحرب تشكيل هوية المرأة الفلسطينية؟ أم حكمت عليها بالفناء؟

سجود عوايص

دونالد ترامب

دونالد ترامب: مشكلة العالم أم نتيجة أزماته؟

يناقش المقال صعود دونالد ترامب بوصفه نتاجًا لبنية الرأسمالية المعاصرة وأزماتها، محاولًا الإجابة عن سؤال: هل ننطلق من ترامب لفهم العالم، أم ننطلق من العالم لفهم ترامب؟

أحمد منتصر

المزيد من الكاتب

ممدوح النابي

كاتب وناقد

من التنوير إلى زمن السوشيال ميديا.. أفول المعارك الأدبية

معارك التنوير في النصف الأول من القرن العشرين، سياقات مشتعلة ونتائج باقية

رؤوف مسعد.. حكاية لم تخضع للسلطة

رؤوف مسعد جعل من الكتابة فعل مقاومة، فواجه بالحرية والقلم قيود السلطة، والطابوهات، وسجون الجسد والفكر، والرقابة

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

يوميات أورهان باموق.. البحث عن ذات ضائعة

يُعدّ التدوين عند باموق تمرينًا أساسيًا على الكتابة، إذ يُنشّط الذاكرة تارةً، ويتيح تأمّل الكتابات الجديدة مقارنةً بالقديمة تارةً أخرى

صورة الزعيم.. بين الأدب الرسمي والمخيال الشعبي

هنا بحث في صورة جمال عبد الناصر كما رآها التاريخ الرسمي والأدب والنخب من جهة، وكما صاغها المخيال الشعبي والذاكرة الجمعية من جهة أخرى

صنع الله إبراهيم.. الروائي كاذب كبير ولو صدق

رجل الروائي صنع الله إبراهيم، بعد أن شكّل حالة استثنائية في الأدب العربي والمصري، خاصة ضمن "جيل الستينيات"، حيث تبنى كتابة صادمة وصادقة