تعيش سوريا اليوم فترة عصيبة من تاريخها تهدد كيانها، وتُنذر بما لم يكن أكثر المتشائمين يتوقعون حدوثه. وفي الوقت الذي تحولت فيه البلاد لساحة صراع وتصفية حسابات إقليمية ودولية، وبلغت التدخلات مستويات غير مسبوقة، بقيت الغالبية العظمى من المثقفين المعتدلين غائبة عن المشهد السياسي والإعلامي في سوريا. ومع أن هذا الغياب ليس وليد اللحظة، وإنما يعود إلى ما قبل انطلاق الصراع عام 2011، إلا أن الصمت اليوم قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. فلماذا سكتت هذه الفئة الكبيرة طوال فترة الحرب؟ ولماذا استمر هذا الصمت بعد سقوط النظام ونجاح ثورة نادت بحرية الرأي والتفكير والتعبير؟ وهل سنشهد الوقت الذي يقول هؤلاء كلمتهم وأن يكونوا قادرين على تصحيح تراكمات الأخطاء التي أصبحت سمة لسوريا اليوم؟ أم أن الوقت قد فات وبصمت هؤلاء ذهبت البلد إلى غير رجعة؟
المعتدلون ليسوا مع الثورة وليسوا ضدها.. لماذا؟
منذ بداية احتجاجات عام 2011، استهدف نظام الأسد بشكلٍ مُمنهج المثقفين المعتدلين - من أكاديميين وصحفيين وكتاب ونشطاء - الذين دافعوا عن الإصلاحات الديمقراطية أو المقاومة السلمية. واعتقلت أجهزة أمن النظام وعذبت وقتلت الكثيرين، مع إخفاء أكثر من 150 ألف شخص قسرًا بحلول عام 2024، بمن فيهم أصوات معتدلة بارزة. على سبيل المثال، أُسكِت مثقفون، مثل أولئك الذين شاركوا في حركة ربيع دمشق بين عامي 2000 و2001، والذين سعوا إلى الإصلاح داخل النظام، بالسجن أو النفي قبل وأثناء النزاع.
كما خلقت سيطرة النظام الصارمة على الإعلام والخطاب العام بيئةً استُحيل فيها التعبير عن المعارضة داخل البلد. وواجه المثقفون المعتدلون الرقابة والمراقبة والتهديدات، ما أجبر الكثيرين على ممارسة الرقابة الذاتية أو الفرار إلى خارج البلد، حيث أتيحت لها فرص متفاوتة للتعبير عن أرائهم بما يتناسب مع سياسة الدول المضيفة لهؤلاء المعارضين، وإن غلب على أكثرهم الطابع أحادي الرؤى. ومع زيادة عنف النظام زاد خوف المثقفين ما دفعهم إلى الصمت أو النفي، لأن التعبير عن الرأي هدد بالانتقام من عائلاتهم. وقد وثّق المركز السوري للإعلام وحرية التعبير حالات عديدة لصحفيين وكتاب اعتُقلوا أو قُتلوا بسبب آرائهم المعتدلة، ما ساهم في تأثير مُخيف على الخطاب الفكري.
لقد أدى تصاعد الانتفاضة إلى حرب أهلية إلى استقطاب المجتمع السوري، ما أدى إلى تهميش الأصوات المعتدلة. صوّر النظام الصراع على أنه معركة ضد "الإرهاب"، بينما برزت جماعات المعارضة المسلحة، بما في ذلك الفصائل الجهادية مثل تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، و"جبهة النصرة" التي أصبحت لاحقًا "هيئة تحرير الشام"، بقوة، فطغت الخطابات المتطرفة التي هيمنت على خطاب كل من النظام والمعارضة على المعتدلين الذين يدعون إلى الحوار أو الديمقراطية العلمانية.
ومع عسكرة الصراع، افتقر المثقفون المعتدلون إلى الدعم العسكري أو الموارد اللازمة لمنافسة فصائل مثل "هيئة تحرير الشام" أو "داعش"، التي سيطرت على الأراضي والروايات الإعلامية. وضعفت جماعات مثل الجيش السوري الحر، التي كانت في البداية متمسكة بالمبادئ المعتدلة، بحلول عام 2014، تاركة المثقفين بلا منبر مؤثر. إن هيمنة الجماعات الجهادية من جهة والنظام من جهة أخرى على جزء كبير من المشهد الإعلامي، واستخدامهما الدعاية لإسكات الأصوات ذات الصبغة المتباينة، جعل المثقفين المعتدلين يكافحون يائسين لكسب الزخم في بيئة إعلامية تهيمن عليها الرسائل المثيرة أو الطائفية.
وفي هذا السياق انتقد محمد إدريس أحمد، دور الإعلام الغربي في تشكيل تصورات المعارضة السورية، مجادلًا بأن التغطية الأيديولوجية لبعض الصحفيين حجبت وجود الأصوات المعتدلة. ويشير أحمد إلى تأثير الصحفيين المستقلين والمواطنين الصحفيين، الذين ملؤوا الفراغ الذي تركه المراسلون المخضرمون الذين تجنبوا سوريا بسبب مخاطرها، مع أن العديد من هذه الأصوات الجديدة افتقرت إلى الدقة أو السلطة اللازمة لتمثيل وجهات نظر فكرية معتدلة، وغالبًا ما كانت تتماشى مع سرديات النظام أو المتطرفين بسبب مخاوف أمنية أو تحيز.
ونتيجة تصاعد حدة ووحشية الصراع فرّ أكثر من 6 ملايين سوري كلاجئين ونزح 7 ملايين داخليًا بحلول عام 2024، بمن فيهم العديد من المثقفين الذين التمسوا الأمان في تركيا أو لبنان أو الأردن أو أوروبا. وانتقلت شخصيات معتدلة بارزة، مثل الكُتّاب والأكاديميين، إلى مدن مثل إسطنبول أو برلين، حيث واصلوا عملهم لكنهم انفصلوا عن المشهد السياسي السوري. لقد أدى فقدان الطبقة الوسطى المتعلمة في سوريا، بما في ذلك المثقفين المعتدلين، إلى شلّ قدرة البلاد على الخطاب المتوازن. وكثيرًا ما واجه المقيمون في الخارج تحديات في الاندماج في وسائل الإعلام الأجنبية أو المجالات السياسية، ما قلل من تأثيرهم على الشؤون السورية. وحسب الناشطة الصحفية زينة إرحيم، التي فرت إلى تركيا، فإن تغطية الأحداث في سوريا من المنفى، ولا سيما مع سيطرة الجماعات المسلحة أو النظام على وسائل الإعلام المحلية، تجعل التأثير على الجمهور صعبًا للغاية.
اتسم عمل المثقفين المعتدلين بالتشرذم وافتقارهم لدعم منظمات أو منصات موحدة لإيصال أصواتهم. وعلى عكس الجماعات المتطرفة المدعومة من الخارج، مثل دول الخليج للفصائل الإسلامية أو روسيا/إيران للنظام، كانت موارد المعتدلين محدودة. واتسمت جهود مثل المجلس الوطني السوري (2011) وائتلافات المعارضة اللاحقة بالانقسام، وكثيرًا ما استبعدت المثقفين لصالح شخصيات سياسية أو عسكرية.
ومثلما استبعدت الشخصيات المعتدلة عن الخطاب الإعلامي استبعدت أيضًا من عمليات السلام، فقد أعطت محادثات السلام الدولية، مثل محادثات جنيف وأستانا، الأولوية للجهات المسلحة والقوى الأجنبية، ما أدى إلى تهميش المثقفين المعتدلين. وعلى سبيل المثال، لم يضم مؤتمر الرياض عام 2017، الذي كان يهدف إلى توحيد المعارضة، أي امرأة، وضم عددًا قليلًا من المثقفين المعتدلين، ما حدَّ من تأثيرهم.
ولعل الانقسامات الطائفية، التي ظهرت جليًا بعد سقوط النظام، وتنوع التركيبة العرقية والدينية في سوريا، بما فيهم السُنّة والعلويون والدروز والكرد وغيرهم، هي من أهم الأسباب التي أدت إلى تفتيت الخطاب الفكري. لقد كافح المعتدلون الذين يدافعون عن التعددية لسد الفجوات الطائفية، لا سيما وأن الصراع أجج التوترات الطائفية، ولكن صوتهم بقي ضعيفًا وغير ذي تأثير في الجماهير التي انقسمت قوميًا وعرقيًا وطائفيًا.
وبينما احتكر نظام الأسد الإعلام الحكومي، مستخدمًا إياه لنشر خطابات الولاء أو إثارة الخوف الطائفي، ما ألغى أي مجال للنقد المعتدل. أُغلقت وسائل الإعلام المستقلة أو استُهدفت، وواجه الصحفيون الاعتقال أو الاغتيال. مالت وسائل الإعلام المعارضة، التي غالبًا ما تمولها جهات خارجية، نحو أجندات فئوية، ما أدى إلى تهميش الأصوات المعتدلة. وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي، ساحات معارك للدعاية، حيث غالبًا ما طغى الخطاب المتطرف على المناقشات الدقيقة. وفي هذا الصدد أشار تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان عام 2022 إلى أن وسائل الإعلام التابعة للنظام والمعارضة على حد سواء قمعت الصحافة المستقلة، ما أجبر المثقفين المعتدلين على العمل في المنفى أو في الخفاء، مع محدودية نطاق وصولهم.
وعود بحرّية الرأي لم تسمح ظروف الميدان بتطبيقها
بعد سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024 أطلقت الحكومة الانتقالية وعودًا كثيرة بالتعامل على قدم المساواة مع جميع المكونات مهما كانت أفكارهم ومعتقداتهم، ويمكن القول إن غالبية السوريين استبشروا خيرًا بما صدر عن الرئيس أحمد الشرع أو مسؤولي حكومته، لكن مع تحرك عجلة التعيينات في المؤسسات الحكومية بدأت هذه الأمنيات بالاضمحلال شيئًا فشيئًا، إذ عادت المحاصصة المقيتة التي انتهجها نظام الأسد إلى الواجهة، وغابت الأصوات المعتدلة عن المناصب الهامة والحساسة في البلد. كما زاد الشرخ في منصات التواصل الاجتماعي، واتهم كل ناقد بالعمالة أو الخيانة، حتى ولو كان من أشهر معارضي نظام الأسد السابق، وبينما بقي خطاب الرئيس وغالبية مسؤولي الحكومة عقلانيًا، كان متصدرو المشهد الإعلام والثقافي أشد شراسة في الهجوم على كل مخالف لهم بالرأي حالهم حال أبواق النظام السابق.
وفي مقالة للكاتب جيمس هاركين بعنوان "إعلام جيد وسياسة سيئة؟ الإعلام الجديد والصراع السوري"، حاول هاركين استكشاف دور الإعلام الجديد في الانتفاضة السورية، مشيرًا إلى أن التركيز على صحافة المواطن ومنصات التواصل الاجتماعي غالبًا ما صرف الانتباه عن بناء حركة سياسية معتدلة قوية. وجادل بأن الاعتماد على أدوات الإعلام الجديد لعرض الأزمة السورية عالميًا أدى إلى التشرذم، حيث أعطى النشطاء الأولوية للتواصل الخارجي على بناء التحالفات الداخلية. وقد همّشت هذه الديناميكية المثقفين المعتدلين الذين افتقروا إلى الموارد أو المنصات اللازمة لمنافسة الجماعات المتطرفة ذات التمويل الأفضل أو دعاية النظام.
وما زاد الطين بلّة العنف الذي بدأ مع أحداث الساحل ولم ينتهِ عند أحداث السويداء. لقد زادت الاشتباكات في اللاذقية وطرطوس من عمق الشرخ بين السوريين وأدخلت البلاد في نفق مظلم من الخطاب الطائفي المقيت، الذي لا يقبل إلا رواية واحدة، واتهم بـ"الخيانة" أي من المثقفين المعتدلين الذين دعوا إلى المصالحة من كلا الجانبين. ومع أن هؤلاء اتهموا الحكومة بالفشل في حماية الأقليات، إلا أن الأصوات المعتدلة واجهت صعوبة في كسب الدعم وسط اتهامات بالتأثير الأجنبي أو عدم الولاء. وفي السياق ذاته واجه المثقفون العلويون والدروز، الذين كان بإمكانهم تجاوز الانقسامات، تهديدات خلال أحداث العنف عام 2025، وسقط الكثير من النخب المثقفة قتلى في هذه الأحداث، وخاصة في السويداء.
وأما منظور علم الاجتماع فيمكننا القول إن المجتمع الأبوي السوري غالبًا ما همّش المثقفين، وخاصة النساء، الذين تحدّوا هياكل السلطة التقليدية. وواجهت المثقفات النسويات اتهامات بخدمة "أجندات أجنبية"، كما أشار اللوبي النسوي السوري في عام 2014، ما حدّ من نفوذهن. وفي صراعٍ مُستقطب كما هو الحال في سوريا، غالبًا ما كان يُقارن الاعتدال بالضعف أو الخيانة. لقد وُصف المثقفون الداعون إلى الحوار أو العلمانية بأنهم عملاء، من قِبل كلٍ من مؤيدي النظام والمتمردين المتشددين، ما أدى إلى إقصائهم عن الخطاب العام.
غالبًا ما تجاهل المجتمع الدولي الذي يركز على مكافحة الإرهاب والمصالح الجيوسياسية، المثقفين السوريين المعتدلين. وأعطى الدعم الغربي الأولوية للحلول العسكرية أو إدارة اللاجئين على حساب تضخيم الأصوات الداعية إلى الإصلاح الديمقراطي. وبعد سقوط النظام أدى خفض المساعدات الإنسانية إلى تقليص الدعم لمبادرات المجتمع المدني التي يقودها المثقفون المعتدلون، مثل برامج تمكين المرأة أو وسائل الإعلام المستقلة، ما حدّ من ظهورهم.
وفي هذا السياق يعتبر المراسل الحربي المخضرم، باتريك كوكبيرن، المعارضة السورية، التي غالبًا ما تُصنفها وسائل الإعلام الغربية على أنها "معتدلة"، هي في الغالب خيال. وفي كتابه "عودة الجهاديين" (2014)، يُجادل بأن دعم الغرب وحلفائه الخليجيين للانتفاضة السورية قد غذى عدم الاستقرار، وعزز الجماعات المتطرفة مثل "داعش" و"جبهة النصرة"، مع تهميش الأصوات المعتدلة. ويشير كوكبيرن إلى أن غياب طبقة فكرية متماسكة ومعتدلة في المعارضة ينبع من استهداف النظام المتعمد للنشطاء المدنيين وهيمنة الفصائل الإسلامية ذات التمويل الجيد.
الاعتدال ضرورة حتمية للملمة الجراح والعبور إلى دولة موحدة ناجحة
إن غياب المثقفين المعتدلين عن المشهد السياسي والإعلامي السوري منذ عام 2011، أدى إلى استقطاب الصراع، وهيمنة الخطاب المتطرف، ونتج عن النفي الجماعي للمثقفين، وغياب المنصات الموحدة، وقمع وسائل الإعلام، تهميش أصواتهم وضعف دعوات المصالحة والتعددية.
وقد سمح غياب الأصوات المعتدلة ذات المرجعية بازدهار السرديات المتطرفة، التي تفاقمت بسبب ضعف الخطاب الإعلامي الغربي الذي بالغ في تبسيط الصراع. وربما ساهم ميل وسائل الإعلام الغربية إلى تضخيم الروايات المثيرة، مثل فظائع "داعش"، على حساب التقارير الدقيقة عن النشاط المدني في خلق شعور بالفراغ الفكري.
ومع أن منصات التواصل الاجتماعي، وفرت منصة جديدة للتعبير، إلا أنها أيضًا ساهمت في انتشار خطاب الكراهية والتحريض. وهذا الأمر جعل المثقفين المعتدلين يشعرون بأنهم غير مرحب بهم في النقاشات العامة، حيث تهيمن الأصوات الأكثر تطرفًا.
وإذا ما استمر غياب الدعم الدولي لهذه الفئة المعتدلة، ومع القمع، والاستقطاب السياسي، والتأثير السلبي لمنصات التواصل الاجتماعي، فإن جهود المصالحة الوطنية لن تثمر، وستزيد حدة الانقسامات في المجتمع السوري حتى ندخل في طريق اللاعودة.