ultracheck
الجزيرة السورية

لعنة الماء والنفط في الجزيرة السورية.. تاريخ كُتب بلا شعب

28 يناير 2026

عناوين تتكرر بإلحاح في الخطاب الإعلامي والاقتصادي، وتعيد إنتاج صورة براقة لمنطقة تُوصَف بأنها ركيزة الأمن الغذائي، الأغنى مائيًا، ومركز الثروات التي "تنبع من تحت الأرض وتنمو على الشجر". غير أن هذه اللغة، بكل ما تحمله من وعود وخيالات، تبدو مستفزّة لأي سوري عاش حياته فيما سُمّي طويلًا "المحافظات النامية"، ولم يرَ من هذه "الخيرات" سوى التهميش، والحروب، والصور النمطية، وانتشار الأمراض.

تكشف الجزيرة السورية الكبرى عمومًا مفارقةً تنموية صارخة: فعلى الرغم من مساهمتها الكبيرة في تشكيل الدخل القومي السوري، بوصفها قلب السهول الزراعية والرعوية، وخزان الحبوب والقطن، وحاضنة القسم الأكبر من الثروة الحيوانية، إضافة إلى النفط والغاز، وأكبر مساحة من الأراضي الزراعية المروية في البلاد، ومع ذلك فهي من أكثر الأقاليم فقرًا وحرمانًا، ماديًا وبشريًا، حيث تتركز أعلى نسب الفقر العميق، وتُسجَّل أدنى مستويات البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية والتنمية البشرية.

قد يبدو من المغري، بل من الضروري، العودة إلى التاريخ الطويل للمنطقة الشرقية لفهم جذور هذه المفارقة: من بدايات استقرار العشائر، إلى تعاقب السلطات، فالعهد العثماني والانتداب، ثم الدولة الوطنية وحكم حزب البعث، وصولًا إلى الثورة السورية وما تلاها. غير أن هذا النص لا يسعى إلى سرد تاريخي متسلسل، ولا إلى كتابة "تاريخ بديل" للمنطقة، بقدر ما يحاول تتبّع جذور بنية استغلال وتهميش متجذّرة، عابرة للأنظمة، ومشتركة بين سلطات مختلفة. لذلك، ستكون القفزات الزمنية هنا مقصودة، في رحلة لتفكيك لعنة النفط والماء والعيش بينهما.

لعنة الماء: فرات الخير والطمع

حاولت الدولة العثمانية منذ عام 1696 تأمين مصادر دخل جديدة في مرحلة بداية هزائمها الحربية أمام القوى الأوروبية الصاعدة، وبعد الكلفة الباهظة لحروب القرن السابع عشر (1683–1699)، وما رافقها من أزمة مالية ونقدية وارتفاع نسبي في النمو السكاني في هضبة الأناضول القاحلة. طمعًا في خصوبة الأرض ووفرة المياه، تبنّت الدولة سياسة إسكان العشائر الرحّل في الأراضي البور القابلة للزراعة في الأناضول الشرقي وبلاد الشام، وكان إقليم الجزيرة – الغني بالمياه والمُخرَّب بفعل الغزوات المغولية التي حوّلته من التحضّر إلى التصحّر – هدفًا مركزيًا لهذه السياسة.

تموضع هذا التحول في برنامجين عثمانيين أساسيين: الأول في أواخر القرن السادس عشر لتوطين العشائر التركمانية والكردية من مسكنة حتى منبج وتل قلقل، وقد أخفق؛ والثاني في مرحلة التنظيمات العثمانية الثانية منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، ولا سيما في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876–1909)، بهدف تعزيز الموارد القومية عبر تطوير الزراعة، في ظل تصاعد الطلب العالمي على القطن وزيادة الاعتماد البريطاني على قطن سوريا، إضافة إلى قطن مصر، وتعويض نقص الحبوب في شمال الأناضول بعد الحرب الروسية–العثمانية عام 1878. وقد حقق هذا البرنامج نجاحًا نسبيًا في وادي الفرات، حتى غدت الجزيرة في أواخر القرن التاسع عشر عنصرًا مهمًا في الاكتفاء الغذائي لولاية حلب.

في الأربعينيات، شجّعت بعثة سبايزر البريطانية التوسع في زراعة القمح لمعالجة ندرة الحبوب خلال عامي 1940–1941، وما رافقها من اضطرابات وتظاهرات جوع في المدن السورية، وارتفاع الأسعار خلال الحرب العالمية الثانية، ضمن مشروع بريطاني أوسع لبناء اكتفاء ذاتي غذائي يخدم الاقتصاد والجيش. فبعد أن كانت سوريا مستوردة للقمح في ثلاثينيات القرن العشرين، حققت عام 1943 فائضًا كبيرًا فيما عُرف بـ"ثورة القمح"، التي مهّدت للثورة الزراعية في أوائل الخمسينيات.

شكّلت "ثورة القطن" أبرز محطات هذه المرحلة، مع دخول محركات الديزل والمضخات التي سمحت برفع مياه الفرات وتوسيع المساحات المروية. قادت شركة الأصفر هذا التحول، وتحول القطن من محصول ثانوي إلى المهيمن على التركيب المحصولي لحوض الجزيرة، بدعم سياسي من أديب الشيشكلي استجابة للطلب العالمي المتصاعد. حاول الشيشكلي توطين مزيد من الفلاحين، وفي إطار مشروع تنموي أوسع كان يأمل بتمويله من البنك الدولي مقابل توطين لاجئين فلسطينيين في الجزيرة، الأمر الذي قوبل باعتراض تركي بذريعة وجود ملكيات تركية، واستُخدمت المياه كورقة ضغط عبر تحويل مجرى نهر جعجع، في واحدة من أوائل الإشارات إلى توظيف المياه كورقة ضغط سياسي.

لاحقًا، بعد الوحدة مع مصر وانتهائها، اعتبر جلال السيد من حكومة العظم الثالث أن قانون الإصلاح الزراعي الذي نفّذه عبد الناصر يُشكّل تهديدًا للسيطرة العربية على الأرض في مواجهة "المدّ الكردي". فجاء "برنامج إصلاح الجزيرة" بوصفه الوجه الآخر للإحصاء الاستثنائي، الذي جُرّد بموجبه نحو 28% من سكان الجزيرة من حق تملّك الأرض بحجة اعتبارهم "أجانب"، وقاده سعيد السيد، شقيق جلال السيد، في الربع الأول من الستينيات. ورغم أن الجزيرة كانت تنتج آنذاك 44% من القمح السوري و14% من القطن، تضاعفت أهميتها مع إعادة تعريفها كإقليم نفطي عشية الإحصاء، بالتزامن مع اقتراب تسوية استثمار النفط مع شركة "كونكورديا" واتفاقية سد الفرات مع ألمانيا الاتحادية. هنا بدأت "لعنة النفط"، التي شكّلت الغطاء القومي لبرنامج الإصلاح باسم "سلامة الدولة"، بينما كانت وظيفته الفعلية تجريد الفلاحين الكرد من أراضي الدولة "الغنية بالثروات" التي حصلوا عليها سابقًا، وتصنيفهم في يوم واحد كـ"أجانب تركيا" أو "عديمي الجنسية".

عام 1973 أُنجز التحويل الأكبر لمياه الفرات مع نشوء "بحيرة الأسد". ومع رفض عشائر الغمر الانتقال إلى الحزام العربي، مورست عليهم ضغوط، إذ مُنِعَ عليهم البناء في السهول المتاخمة لقرى الغمر، ومُنع تسجيل أبنائهم في المدارس خارج الحسكة، وانتهت بترحيل قسري بدأ في آذار/مارس 1974، شمل نحو 5–6% من سكان الجزيرة، وهدف إلى إعادة التوازن الإثني وتعريب عشرات القرى الكردية، إلا أن العائلات المنقولة لم تكن لها علاقة بأيديولوجيا الترحيل والإسكان، بل فهموا أنفسهم كمرحلين مضطرين ومكرهين لا أقل ولا أكثر.

أما تركيا فاستمرت باستخدام الماء كسلاح، تُعامِل الفرات كنهر عابر للحدود لا دولي، متمسكة بحقّها في استثمار 28 مليار متر مكعب من إجمالي 32 مليارًا، رغم اتفاقية 1987 التي وعدت فيها بـ500 م³/ثانية لسوريا (58% للعراق، 42% لسوريا)، لكنها تهرّبت من الاتفاقية الدولية عام 1992 بسبب توترات حزب العمال الكردستاني، مستخدمة المياه كسلاح سياسي، كما هدّد مسعود يلماز بإغلاق سد أتاتورك عام 1998.

في السنوات الأخيرة، تَحَدَّثَ تقليل الضخ: عام 2021 انخفض التدفق، مُخْرِجًا سدّي تشرين والفرات من الخدمة الكهربائية جزئيًا، و2024–2025 وصل إلى 250 م³/ثانية، مُدْخِلًا تقنينًا للكهرباء بنسبة 40% في الشمال الشرقي، ومشكّلًا تهديدًا للأمن الغذائي لملايين السكان، مع خروج مساحات زراعية هائلة عن الخدمة واستنزاف بحيرة سد الفرات إلى ربع طاقتها.

لم تكن هذه السياسات استثناءات تاريخية، بل تحوّلت لاحقًا إلى نهج رسمي في دولة البعث.

من جانب آخر، تبنّت حكومة البعث مصطلح "المحافظات النامية" في سوريا رسميًا في السبعينيات خلال حكم حزب البعث، حيث صُنّفت بعض المناطق على أنها بحاجة لتنمية خاصة، لكن عمليًا كان هذا التصنيف يعني إهمالها وتجاهل تطويرها بشكل جدي.

واستمرّ فرض نموذج الزراعات الاستراتيجية – القمح والقطن – كخيار شبه وحيد لحوض الفرات، رغم تكلفته المائية العالية وعوائده المحدودة على السكان. فهي زراعات تستهلك كميات هائلة من المياه، لا تحقق أرباحًا مجزية للأهالي، وتتكبد خسائر سنوية كبيرة بسبب الحرائق، في مفارقة فادحة مع خصوبة الحوض التي تُقارن بخصوبة وادي النيل، ومعرفة سكانه بملاءمته لزراعة الأشجار المثمرة والنخيل والحمضيات والرمان، مثل رمان السوسة الشهير في المنطقة.

في عام 2016، استخدم نظام الأسد الساقط مصطلحًا أكثر فجاجة ووضوحًا: "سوريا المفيدة"، بما يعنيه ذلك تلقائيًا من تصنيف المناطق الشرقية والشمالية بوصفها "سوريا غير المفيدة"، مع الإصرار على إبقاء هذه الجغرافيا ضمن الهامش.

اليوم لا تغطي كهرباء السد حتى نصف احتياج المحافظات الشمالية. تعيش دير الزور على اشتراكات "الأمبيرات" الخاصة، وتُشترى مياه الشرب من الصهاريج المتنقلة، بينما تواجه الحسكة أزمة مياه أشدّ وطأة. أكثر من 80% من الأراضي الزراعية باتت خارج الخدمة نتيجة تهجير السكان لفترات طويلة، مما قلّل المساحات المروية.

ومع تدمير جميع جسور الفرات خلال حرب التحالف ضد "داعش"، تحوّل السكان مرة أخرى إلى كلفة صامتة للصراع: قُطعت الضفتان عن بعضهما، وحُرم الأهالي من الوصول إلى الخدمات، وفُرض عليهم عبورٌ مهين عبر عبارات بدائية بمحركات مكشوفة، مصنوعة من الصاج الذي يكوي الجلد صيفًا ويمتصّ الصقيع شتاءً، دون أرصفة تحميل، وبمخاطر يومية تهدد كبار السن والأطفال، وتحوّل المنطقة إلى جزيرة معزولة لـ15 عامًا حتى اليوم، حُرم خلالها الطلاب من الدراسة الجامعية، وعانوا ما عانوا من أجل امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية.

في المقابل، استخدمت السلطات المختلفة – ولا تزال – ورقة فتح المعابر أو إغلاقها أداة ضغط سياسي، متجاهلة تمامًا احتياجات السكان. وبينما تستمر هذه السياسات في إنتاج العطش والعزلة، لا تزال الأنظار والتعليقات القادمة من "سوريا المفيدة" تتحدث عن الثروات والزراعة، كما لو أنها جنة من النعيم!

لعنة النفط: اقتصاد حرب مستمرة

منذ عام 1922، شدّد الجنرال دو لاموت على القيادة العسكرية الفرنسية ضرورة إحكام السيطرة على الجزيرة السورية وعدم الاستسلام لمقاومة الكماليين، ليس فقط لأهميتها الزراعية والقطنية، بل أيضًا بسبب التوقعات النفطية التي جعلت منها، في المخيال الاستعماري الفرنسي، تعويضًا محتملًا عن خسارة الموصل. وقد احتلّ تعريف الجزيرة بوصفها مكمنًا نفطيًا واعدًا وزنًا حاسمًا في تحديد المواقف الفرنسية حيالها.

فقد شكّلت احتمالات اكتشاف النفط القابل للاستثمار في الشمال الشرقي من الجزيرة، ولا سيما في منطقة مثلث الحدود السوري–التركي–العراقي، أحد أسباب اشتداد الخلاف الفرنسي–التركي حول ترسيم الحدود، وهو خلاف تأخر حسمه حتى عام 1929، حين ضمّت فرنسا قسمًا من منطقة مثلث البلط إلى سوريا، استنادًا إلى تقديرات مبكرة منذ عام 1924 لاحتمال وجود النفط فيها.

بعد انتهاء مرحلة الانتداب الفرنسي، وتحديدًا في أواسط الخمسينيات، شهدت الفترة الممتدة بين 1957 و1962 تحوّلًا نوعيًا مع اكتشاف أولى الآبار النفطية، بوصف الجزيرة إقليمًا نفطيًا واعدًا تتنافس عليه الشركات المتوسطة والصغيرة، ويجتذب المغامرين ولوبيات النفط.

برز في هذا السياق مستثمر أميركي من أصل لبناني، متزوج من سيدة دمشقية، هو نجيب منهل، الذي مثّل نموذجًا لـ"الشخصية الصغيرة" الصنيعة لشبكات المصالح النفطية. فقد أبدى اهتمامه بنفط الجزيرة منذ عام 1947، وتمكّن عام 1955 – وسط حملة دعائية مكثفة – من الحصول على رخصة استكشاف بدعم من ممثل الجزيرة في الحكومة عبد الباقي نظام الدين، ورئيس الحكومة صبري العسلي، الذي كان قبل أربع سنوات وكيلًا لشركة "التابلاين" في سوريا. ولم تكن شركة منهل في حقيقتها سوى واجهة لشركتين نفطيتين: شركة "أتلانتيك" الأميركية، والشركة السورية العربية المحدودة للنفط، المتفرعة عن شركة نفط العراق. وقد سهّل هذا المناخ شراء ولاءات عدد من الصحافيين والسياسيين والوزراء، في ظل قناعة سائدة بقرب اكتشاف البئر الأولى.

حفّز هذا الواقع شركات نفطية ألمانية على تأسيس شركة "كونكورديا"، وهي كونسورتيوم نفطي شُكّل خصيصًا للاستثمار في الجزيرة. هكذا بدأت لعنة النفط، تزامنًا مع الإحصاء الاستثنائي وتوقيع اتفاقية سد الفرات مع ألمانيا الاتحادية، لعنة ستتخذ لاحقًا أشكالًا أكثر عنفًا، مع تغيّر اللاعبين وبقاء المنطق نفسه.

تسابقت الشركات على الحفر والاستكشاف، وخلال أقل من عامين حفرت "كونكورديا" عام 1957 اثنتي عشرة بئرًا، ثلاثٌ منها منتجة في منطقة السويدية، فيما حفرت شركة منهل ست آبار أفضت إلى اكتشاف حقل كراتشوك. وضعت هذه الاكتشافات سوريا عمومًا، والجزيرة خصوصًا، على خريطة المنتجين الثانويين للنفط. لذا لعب عامل النفط، مقترنًا بمكانة سوريا الجيوسياسية كبلد عبور لخطوط أنابيب الشركات الكبرى القادمة من الحقول العملاقة في السعودية نحو البحر المتوسط، دورًا أساسيًا في تفسير تطوراتها السياسية اللاحقة بين عامي 1957 و1963، وهي صفحة مهمّشة في الاستريوغرافيا السورية الحديثة. ففي عام 1962، ستبلغ معارك الشركات النفطية الصغيرة، بوصفها فروعًا لشركات عملاقة، ذروتها حول النفط السوري، بين شهيتها للتوسع والربح، وخطاب "الوطنية" الذي تبنّته الحكومات المتعاقبة. وستكون مصالح هذه الشركات، ولا سيما "كونكورديا"، حاضرة بشكل غير معلن في صفقات القروض مع صندوق النقد الدولي وفق نظام (Stand By)، وكذلك في المفاوضات السورية–الألمانية الغربية المتعلقة بتمويل سد الفرات وإنشائه.

قبل عام 2011، شكّل النفط مصدر دخل رئيسيًا للنظام السوري، إلا أن جزءًا كبيرًا من عائداته لم يُدرج في الميزانية الرسمية، بل ذهب إلى دوائر السلطة. ولم تحظَ المناطق المنتِجة بأي خدمات إضافية، ولا بأولوية في فرص العمل، ولا بأي عائد تنموي يُذكر، على الرغم من أن القانون يفرض على الشركات المستثمرة في النفط أن تؤدي خدمات تنموية للمناطق المضيفة.

ومع اندلاع الحرب، دخلت المنطقة في مرحلة جديدة من لعنة النفط، فقد كانت مطمعًا رئيسيًا جعلها تمر بسياق متسارع جدًا من تتابع السلطات المسيطرة.

مع سيطرة الأهالي والجيش الحر على آبار النفط، بدأت المعاناة من انتشار الحراقات للتكرير البدائي، التي لوّثت الهواء والتربة، وساهمت بخروج الكثير من الأراضي الزراعية عن الخدمة، بالإضافة إلى الإصابات والحرائق للعاملين في هذا المجال، وانتشار الأمراض والسرطانات التي تفشّت على نطاق واسع. وتشير إحصائيات مستشفى البيروني في دمشق إلى أن أكثر من 70% من مرضى السرطان هم من المناطق الشرقية.

في الوقت نفسه، تحوّل النفط إلى ساحة صراع بين الفصائل المختلفة، وأصبح مصدرًا رئيسيًا لتمويل القوى المسيطرة على الأرض. فكان من نصيب "داعش" والنظام، ثم "قسد"، التي باعته للنظام والمناطق المحررة عبر شركة القاطرجي وغيره، وللخارج عبر العراق، كما منحت بعض الحقول بعقود استثمار مؤقتة مقابل آلاف الدولارات. ومع تغيّر الأطراف، بقيت أساليب التكرير البدائية والحراقات قائمة، واستمرّت آثارها البيئية والصحية تطارد السكان كأضرار جانبية لهذا الصراع.

خلال هذه السنوات، غرقت المنطقة في الدم والعنف بكل مستوياته. عاشت مدينة دير الزور، غرب الفرات، واحدة من أقسى فترات الحصار في الحرب السورية؛ حوصرت المدينة حتى أكل أهلها العشب، ودفنوا شهدائهم في الحدائق العامة وملاعب الأطفال، ودمّر النظام معظمها. وفي شمال وشرق الفرات، وتحت سيطرة تنظيم "داعش"، عُلّقت المشانق في الساحات العامة، ونُفّذت الإعدامات العلنية، وقُطعت الرؤوس على مرأى الإعلام والشاشات. شكّلت مجزرة الشعيطات عام 2014، ثاني أكبر مجزرة في سوريا، ذروة هذا العنف، ولم يظهر أول توثيق رسمي لها إلا بعد أكثر من عقد، بجهود شخصية لمتحف سجون "داعش"، الذي وثّق 22 مقبرة جماعية مرتبطة بالمجزرة.

لاحقًا، وخلال الحرب ضد "داعش"، دُمّرت الرقة بالكامل وأُعيد بناؤها جزئيًا، فيما دُمّرت مدينة الميادين، واستُكمل تدمير مدينة دير الزور ولم تُستعد للحياة، إذ بقيت تحت سيطرة النظام حتى سقوطه، لتتحوّل إلى مصدر رزق لميليشيات الفرقة الرابعة وحلفائها من الإيرانيين وحزب الله، الذين استثمروا في الإتاوات المفروضة على المعابر، ونقل البضائع، وفتح خطوط تهريب عبر النهر. وقد صرّح المحافظ الجديد بعد سقوط النظام بأن حجم الدمار في المدينة بلغ حدّ التفكير ببناء مدينة جديدة قربها.

وإلى اليوم، ما زال ملف النفط يشكّل أحد أهم محاور التفاوض بين حكومة دمشق و"قسد". وفي الوقت الذي يقف فيه سكان المنطقة على أعصابهم خوفًا من حرب أو تهجير جديد، تستمر السياسة في إعادة إنتاج لعبتها القديمة على النفط. فقد طلبت شركة "شل" مؤخرًا الانسحاب من حقل العمر ونقلت حصتها إلى الحكومة السورية، فيما لا تزال مفاوضات التسوية المالية جارية، بالتوازي مع خطط لشركات أميركية أخرى، من بينها "شيفرون"، لدخول السوق السورية للمرة الأولى. وكما في كل تاريخ المنطقة، لا يزال النفط هو اللعنة التي تُدار فوق رؤوس أهلها.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

جيفري إبستين

تسريبات جيفري إبستين: بُنى السلطة والمال والجيوبوليتيكس

يقدّم المقال قراءة تحليلية قائمة على ملفات جيفري إبستين، تكشف كيف تُنتج الشبكات المؤسسية المعقّدة فراغًا ممنهجًا في المساءلة، دون افتراض تواطؤ شامل، عبر تداخل المسارات القانونية والمالية والاجتماعية والإعلامية

مهيب الرفاعي

هندسة العتمة
هندسة العتمة

ضوء على المقاس: الكهرباء الإسرائيلية بوصفها هندسةً للعتمة في فلسطين

يتتبع المقال سياسات الإنارة والكهرباء في المناطق العربية الفلسطينية، منذ اللحظة الأولى لدخول التيار الكهربائي إلى البلاد، مرورًا بالنكبة فالنكسة، وما صاحبهما من استثمارٍ إسرائيلي في شبكات البنية التحتية كأدوات ضبط وهندسة

سجود عوايص

ثورة بلا إنترنت

ثورة بلا إنترنت في إيران: من قمع الشارع إلى إدارة الذاكرة

يتناول المقال فكرة قطع الإنترنت خلال الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، منطلقًا من أن الشبكة لم تُطفأ خارج إيران، إذ الدولة التي تتحكم بالجغرافيا لا تتحكم بالزمن العالمي، لتتشكل ظاهرة موازية: ثورة بلا إنترنت في الداخل، وثورة فائضة بالإنترنت في الخارج

حسن زايد

مرثيات وخوارزميات

مرثيات وخوارزميات: ثقافة الموت على منصات التواصل الاجتماعي

يناقش المقال من خلال الأبحاث العلمية وآراء متخصصين في مواقع التواصل الاجتماعي والأدب الرقمي، بعض أبرز التغييرات التي فرضتها مواقع التواصل الاجتماعي على ثقافة الموت

أحمد مستاد

تترقب شعوب القارة السمراء ما ستحمله القمة المقبلة للاتحاد الإفريقي (ميغازين)

تجريم الاستعمار في إفريقيا.. صراع قانوني أم مواجهة سياسية؟

يناقش المقال بحث قمة الاتحاد الإفريقي إصدار قانون يجرّم الاستعمار ويطالب بالتعويض، في خطوة تاريخية لمحاسبة القوى الاستعمارية واستعادة حقوق الشعوب الإفريقية المتضررة من جرائمها التاريخية القديمة

عبد الحفيظ سجال

المزيد من الكاتب

حنان الأحمد

مهندسة معمارية وكاتبة سورية

ذاكرة الماء والهوية الغنائية: هل يعيد الفرات الصوت لأهله؟

الأغنية الشعبية الفراتية هي مثال حي على علاقة الإيقاع الثقافي بالتكيّفات السلوكية مع النظام الطبيعي للأنهار

صورة مشوّهة ونقاء متخيل.. ما مشكلة وجه برلين مع وجوهنا؟

المدن ليست متاحف، ولا توجد لها "صورة نقية" في الذاكرة أو الواقع. ففكرة المدينة النقية ليست سوى أسطورة حضرية تُستدعى كلما أُريد تبرير الإقصاء