"عندما تمشي وسط العاصفة،
ارفع رأسك عاليًا،
ولا تخف من الظلام"
في ليفربول، ليس هناك لاعبون، ليس ثمّة مدرّبون، ولا مشجّعون. ولا يُقاسُ الانتماء بعدد البطولات، بل بعدد الحناجر التي تهتف في الخسارة كما في الفوز، بعدد الأيدي التي ترفعُ التاريخ في المدرّجات، بعدد القلوب التي تعتنق آنفيلد روود مجتمعاً يوحدهم.
هناك، كرةُ القدم ذاكرة جمعية تُعاد كتابتها مع كل هدفٍ، مع كل بطاقةٍ حمراء تُشهر في وجه لاعبٍ رفض الاستسلام أمام استفزاز الخصم للمدرّجات الحمراء؛ في ديربي الميرسيسايد الأخير، لم يكن كيرتس جونز لاعبًا فقد أعصابه، كان ابنًا يُدافع عن إرث عائلته، كان امتدادًا لشعب نشأ على الهتاف في وجه السلطة، كان جسدًا يردد التاريخ الغاضب.
ربّما كان تجسيدًا لأسطورة "الرجل ذو اليد الحمراء" وأغنية نيك كايف الشهيرة المستوحاةِ من الفردوس المفقود؛ والتي لا تُشير صراحةً ما إذا كانت الشخصية ملاكًا أم شيطانًا، رجلًا عادلًا أم قاضيًا قاسيًا، تمامًا كما بدا تصرّف جونز في الديربي، هل كان مندفعًا أم مُدافعًا عن شيء أكبر؟ هل كانت البطاقة الحمراء عقوبةً، أم تكريمًا غير مقصود لمن رفض أن يكون موظفًا ينزل الملعب ببذلته ويغادره عند انتهاء الدوام، لمن بقيَ وفيًا لمبادئه ورفض أن يسيرَ جمهوره وحده؟ هل كان اليد التي تسعى للقصاص والعدالة لشعبها؟.
"في نهاية العاصفة،
هناك سماء ذهبية،
وأغنية عذبة تغردها الطيور"
لم يكن كيرتس جونز مجرّد لاعبٍ فقد أعصابه في مباراة ديربي الميرسيسايد، بل كان انعكاسًا لصراع أوسع، أعمق، يتجاوز حدود الملعب. لم يكن قراره بالاشتباك مع عبد الله دوكوري نابعًا فقط من لحظة انفعال رياضي، بقدر ما هو نتاج عقودٍ طويلة من التكوين الاجتماعي، من دروسٍ غير مكتوبة يتعلّمها كل لاعبٍ ينشأ في أكاديمية ليفربول عن الانتماء والولاء.
هذا اللاعب امتدادٌ لروح المدينة، لطبقتها العاملة التي رأت في النادي وجهها الأخير، معركتها الأخيرة ضدّ القوى التي تُحاول محو أرصفة المصانع القديمة الشاهدة على عصر ازدهار انتهى، وأرصفة الموانئ التي تحمل ذاكرة السفن التي لم تعد ترسو بكامل اقتصادها، مذ قرّرت الطبقة الحاكمة استبدال ميناءهم بآخر جديد في مانشيستر "الغريم التقليدي". جونز كان ابنًا لهذه الأرصفة والموانئ، خرج من الأزقّة الضيّقة التي أنجبت أولئك الذين لا يملكون سوى أصواتهم للدفاع عن أنفسهم.
ليفربول مجتمعٌ متكاملٌ شكّله عمال صمدوا في وجه الحروب والأزمات والسياسات النيوليبرالية، ووجدوا في كرة القدم ملاذهم الأخير في عالم تتحكّم فيه النّخب برزقهم وحياتهم. ولهذا، فإن كل بطاقة حمراء، كل احتجاج جماهيري، كل هتافٍ، هو بيان سياسي وتذكير بأن ليفربول ليسَ إلا وطنًا من أصوات ومطالب لا تخفت، ومحاولة كتابة هوية المدينة كآخر المساحات التي لم تتمكن الرأسمالية من تطويعها، إذ يُعاد رسم ميزان القوّة ولو لتسعين دقيقة.
"سِرْ عبر الريح،
سِرْ عبر المطر،
مجتازًا بأحلامك التي ألقيت بعيدًا"
في 15 نيسان/أبريل 1989، تُرك 96 مشجعًا يلفظون أنفاسهم الأخيرة تحت وطأة التدافع في مدرجات "هيلزبورو". لم تكن مجرّد مأساة، بل نقطة تحول في العلاقة بين الطبقة العاملة والسلطة، بين الجماهير والدولة التي لم ترَ فيهم سوى حشود يجب ترويضها؛ لم تسمع مارغريت تاتشر للضحية حينها بل لطبقتها التي سارعت، ومعها إعلامها، إلى بناء رواية تجعل الضحية مجرمًا، وتحوّل الجماهير إلى عصابة فوضوية تسببت في موت أبنائها. رواية مناسبة لسلطة لا تطيق أن ترى الغضب في أعين الفقراء، ولا تتحمّل فكرة أن يكون لهم صوت يُسمع؛ لكنّ الجماهير ناضلت لأكثر من 27 عامًا، فلم تتوقّف الأمهات عن رفع صور أبنائهن، ولم يتوقّف المشجعون عن ترديد أسمائهم في المدرجات، ولم يتوقّف ليفربول عن كونه عائلة، وفي عام 2016، أُسقطت الأكاذيب، وعُرف أن الشرطة والحكومة والإعلام هم من قتلوا الأبرياء، لم يكن ذلك مجرّد انتصار قانوني، بل كان إثباتًا أن الجماهير، حين تقاتل، تستطيع أن تنتزع حقّها حتى لو استغرق ذلك عقودًا.
منذ ذلك اليوم، بات نشيد "لن تسير وحدك أبدًا" قسمًا جماعيًا، ووعدًا بعدم السماح للسلطة بإعادة كتابة الحقيقة، رفضًا لمحاولات رأس المال تحويل اللعبة إلى أداة سياسية تُدار من مكاتب الشركات الكبرى. هذا الفريق لم يُقهر، ليس لأنه لا يخسر، بل لأنه لم يسمح للهزائم أن تُعيد تشكيل هويّته. وبينما تسعى كرة القدم الحديثة إلى إنتاج فرق بلا ماضٍ، بلا ذاكرة، بلا جذور، يظلّ ليفربول استثناءً، لأنه يعرف أن هويّته ليست للبيع، وأن الماضي ليس شيئًا يُمكن طمسهُ مقابل رعايةٍ إعلانيةٍ جديدة، وأن الجماهير، حين تصرخ، لا تهتف فقط للاعبين، بل تهتف لنفسها، لوجودها، لحقيقتها التي لن تتمكّن السلطة يومًا من اختلاقها من جديد.
كرةُ القدم الحديثة تريد لاعبين مثل الروبوتات، يُديرون مشاعرهم كما يُديرون أرقام حساباتهم البنكية، لا يغضبون، لا يثورون، لا يشعرون، لكن ليفربول كان دائمًا استثناءً، لأنه يعرف أن العاطفة ليست ضعفًا، بل قوّة، وأن الولاء يُقاس بما تكون مستعدًا للتضحيةِ به حين يكون النادي "كمجتمع وشعب" في خطر؛ فاللعب لليفربول ليس مجرّد مهنة، بل آخر ما تبقّى من تقاليد كرّة القدم قبل أن تتشوه بقوانين البزنس والصفقات الضخمة؛ فهم جونز ما لم يفهمه كثيرون: حين ترتدي القميص الأحمر، فأنت لا تمثل نفسك فقط، بل تمثل جيلًا من المشجعين، تاريخًا من النضالات، مدينةً لا تزال تُكافح لتجد مكانها في عالمٍ لا يرحم.
بينما في ليفربول تتجسّد الجذور التقليدية لكرة القدم بتاريخ مرتبطٍ بالثقافة الأكثر ميولًا لليسار، فأشهر مدرّب في تاريخ النادي، بيل شانكلي، كان منظّرًا للاشتراكية، وقال ذات مرة: "أؤمن بأنّ الطريقة الوحيدة للعيش والنجاح الحقيقي هي الجهد الجماعي، فيعمل الجميع من أجل بعضهم البعض، يُساعد كل فرد الآخر، ويتقاسم الجميع المكافآت في نهاية اليوم. قد يكون هذا طلبًا كبيرًا، لكنه الطريقة التي أرى بها كرة القدم والطريقة التي أرى بها الحياة".
أما مدرّبه الألماني يورغن كلوب، فقال صراحة للصحفي رافائيل هونيجشتاين: "أنا على اليسار، أؤمن بدولة الرفاهية، و فهمي السياسي هو التالي: إذا كنت في حال جيد، فأنا أريد للآخرين أن يكونوا في حال جيد أيضًا. هناك شيء لن أفعله أبدًا في حياتي، وهو التصويت لليمين".
إلى جانب الشقّ الاقتصادي الطبقي، لو أسقطنا منظور نيكلاس لومان للمجتمعات، سنجد أنها لا تدار عبر الصراعات الطبقية فقط كما يؤمن ماركس، وأن الأنظمة الاجتماعية لديها ديناميكية تحكم تفاعل الأفراد والمؤسسات. وفقًا لهذا المنظور، فإن ليفربول نظامٌ متكاملٌ يتفاعل فيه اللاعبون، الجمهور، الإدارة، الإعلام، كشبكة من التوقعات الاجتماعية، إذ لا يُمكن فصل تصرفات الأفراد عن البنية الأكبر التي ينتمون إليها.
كيرتس جونز، في هذا السياق، لم يكن يتصرّف فقط بدافع شخصي، بل كان يستجيب لتوقعات الجماهير التي تفرض عليه دورًا معينًا في الانخراط معهم والدفاع عن مجتمعه؛ أن يستجيب لدورة تفاعل متشابكة بين الجمهور الذي يتوقع منه الحماس، المدرب الذي يريده لاعبًا مقاتلًا، والإعلام الذي يخلق سرديات عن الصراع بين الفرق.
هذه التفاعلات تشكّل ما يسميه لومان بـالتواصل المتكرّر بين الأنظمة، فيتم ضبطُ الأفراد داخل هياكل أكبر. لذلك، فإن عقوبة جونز بعد المباراة ليست مجرّد إجراء قانوني، بل هي استجابة النظام للحفاظ على توازنه الداخلي. ليفربول كنادٍ يعيش في حالة تطوّر مستمرّة، إذ يتغير تكوين الفريق والموارد الاقتصادية، لكن تظلّ بنيته كنظام اجتماعي قوي، تُعيد إنتاج نفسها مع كل جيل جديد من اللاعبين والمشجعين، مما يجعله مجتمعًا متكاملًا تحكمه قواعد داخلية تحافظ على استمراريته رغم كل التغيرات المحيطة.
"سِرْ، سِرْ بقلب مفعم بالأمل،
ولن تسير وحدك أبدًا".
يرى علماء الاجتماع، أمثال جان بياجييه، أن الهوية الفردية تتشكّل من خلال عمليات معرفية تدريجية تعتمد على التفاعل بين البيئة والتجربة الشخصية. وبيئة ثقافية واجتماعية مثل ليفربول تُعيد تشكيل الأفراد الذين ينتمون إليها، بدءًا من اللاعبين الناشئين وصولًا إلى الجماهير. جونز هو نتاج لهذه البيئة، إذا تشكّلت هويته الرياضية داخل أكاديمية ليفربول منذ طفولته، و تصرّفاته ليست عشوائية ولا ردّة فعل لحظيّة كأي شجار يقوم به أي لاعب محترف، وإنما استجابة لسياق تربوي طويل زرع فيه قيم الولاء والتضحية من أجل الفريق.
أما بالنسبة للجماهير، من منظور اجتماعي أيضًا، فتفاعلها مع الفريق له جذور تصل التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها المشجع منذ صغره، فتتكون لديه تصورات عن "العدو" و"الصديق"، وعن معنى الانتماء إلى مؤسّسةٍ كروية ذات تاريخ طويل. ولذلك، فإن ردّة فعل الجمهور -المحتفية بتصرف جونز- هي نتاج عمليات معرفية رُسّخت عبر سنوات من التجربة العاطفية مع الفريق.
أن تكون ناديًا يُقاوم، فهذا يعني أن تدفع الثمن. أن يُحاصرك الإعلام، أن تضغط عليك الأسواق، أن تُفرض عليك القيود. كرة القدم الحديثة لا تحب الأندية التي تعيش خارج منطقها، التي ترفض أن تكون جزءًا من الماكينة، ولهذا، فإن ليفربول لم يكن مجرّد فريق يُنافس، بل كان دائمًا ساحة معركة، حيث تتصارع الرؤى، وتقف الجماهير لا كمتفرجين، بل كجزءٍ من الفريق، إذ يكون اللاعبون أكثر من محترفين، بل جنودًا في حربٍ مستمرّة ضد التلاشي.
هذا ليس رومانسية فارغة، بل حقيقة يلمسها كل من سمع الجماهير تهتف دون توقف حتى حين تكون الهزيمة وشيكة، كل من رأى مدينةً تعيش مع ناديها وكأنه جزءٌ من نسيجها، لا مشروعًا تجاريًا. ونرى في فكر هانا أرندت، أن الفضاء العام يشكل حقيقة ساحة للفعل السياسي والتعبير الجماعي، فيتفاعل الأفراد خارج الأطر الرسمية للسلطة لخلق هوية جماعية. في هذا السياق، يمكن النظر إلى ليفربول كفعل الجماعي يُعيد تشكيل هويتهم.
فالمشجّعون مواطنون داخل مجتمع ولديهم القدرة على التأثير في قرارات النادي، كما حدث عند احتجاجهم ضد "دوري السوبر الأوروبي"، وهو مثال يعكس مفهوم أرندت عن السلطة كمنتج للفعل الجماعي. ولهذا، حين يُطرد كيرتس جونز لأنه رفض أن يكون مجرد لاعبٍ محايد، وحين ينتفض المشجعون ضد دوري السوبر الأوروبي لأنه مشروعٌ يسعى إلى تحويل هويتهم إلى سلعة، فإن الأمر لا يكون مجرد حدثٍ عابر، بل فصلًا جديدًا في ملحمة هذا النادي، الذي لم يكن يومًا مجرد فريق، بل فكرةً لن تسير وحدها أبدًا.











