حين صاغ العسكري والدبلوماسي البريطاني، هاستينغز ليونيل إسماي، أوّل أمين عام لـ"حلف شمال الأطلسي" (الناتو) الغاية الوظيفية لهذا التحالف الوليد عند تأسيسه عام 1949، لخّص عقيدته الأمنية التأسيسية في ثلاثية شهيرة مفادها: "إبقاء الروس في الخارج" لصد التمدد السوفيتي، و"إبقاء الأميركيين في الداخل" لإنهاء الانعزالية الأميركية وربط واشنطن بنيويًا بأمن أوروبا، و"إبقاء الألمان في الأسفل" لكبح النزعة العسكرية الألمانية عبر دمج قدراتها وضبطها مؤسسيًا تحت قيادة الحلف المشتركة. ورغم تبدّل الخريطة الدولية وموازين القوى، لا يزال الناتو محكومًا بالبحث عن صيغة مُحدّثة لتلك العقيدة؛ صيغة تفرضها تعقيدات المشهد الراهن وتتمثّل في إبقاء الأميركيين مُلتزمين، والأوروبيين قادرين، والروس محتوين.
وعلى وقع هذا التحوّل، تنعقد القمّة السادسة والثلاثون للحلف في العاصمة التركية أنقرة يومي 7 و8 تموز/ يوليو 2026، في "مجمّع بِشتَبَه" الرئاسي، وذلك للمرة الثانية التي تستضيف فيها تركيا قمةً للحلف بعد قمّة إسطنبول 2004.
وتأتي القمّة في لحظة استثنائية تتشابك فيها أربعة مسارات بالغة الحساسية: استمرار الحرب الروسية–الأوكرانية في عامها الخامس، وتداعيات الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران التي انتهت بمذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية في منتصف حزيران/ يونيو 2026، وتصاعد الضغوط الأميركية على الحلفاء الأوروبيين لرفع إنفاقهم الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلًا عن إعادة هيكلة الانتشار العسكري الأميركي في القارة الأوروبية. وقد وصف الأمين العام للناتو، مارك روته، القمّة بأنها لحظة "تحويل الإنفاق الدفاعي المرتفع إلى إنتاج عسكري حقيقي"، وأشار إلى أن الحلفاء سيعلنون عن "عشرات المليارات من الدولارات" من العقود الدفاعية الجديدة على هامش أعمالها.
السياق الاستراتيجي للقمّة
تنعقد قمّة أنقرة في خضم واقع أمني أوروبي يختلف نوعيًا عن سابقاته. فمن جهة، لا تزال الحرب في أوكرانيا تستنزف القدرات العسكرية الروسية، وتُلقي بثقلها على البنية الصناعية الدفاعية الأوروبية. ومن جهة أخرى، تواجه أوروبا تحوّلًا جوهريًا في طبيعة الالتزام الأميركي تجاه أمنها منذ عودة دونالد ترامب للحُكم مطلع 2025؛ إذ تُشير تقديرات إلى أن واشنطن باشرت خفض حضورها العسكري المخصص لخطط الحلف الدفاعية، بما يشمل المقاتلات والقاذفات والغواصات والطائرات المسيّرة. ويأتي ذلك في سياق ما باتت إدارة دونالد ترامب تروّج له تحت مسمّى "ناتو 3.0"؛ وهو تصور لحلفٍ تتقاسم فيه الأعباء بصورة جديدة، يتحوّل بموجبها الأوروبيون من "متلقّي حماية" إلى "مستجيبين أولين" قادرين على إدارة الأمن في محيطهم القاري من دون انتظار التعزيز الأميركي بوصفه خيارًا تلقائيًا.
إلى ذلك، من غير الممكن فصل التحضيرات لقمّة أنقرة عن تداعيات الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران التي انتهت بموجب اتفاق وُقّع عليه بقصر فرساي بفرنسا. فقد أحدثت هذه الحرب توترات لا حصر لها، إذ شُنّت العملية من دون تشاور حقيقي مع الحلفاء الأوروبيين، الذين وجدوا أنفسهم أمام أمر واقع، فيما أعربت إدارة ترامب عن استيائها مما اعتبرته فتورًا أوروبيًا في دعم الحرب على إيران. غير أن ما كشفته الحرب يتجاوز التوترات الإجرائية حول التشاور المسبق؛ إذ أسقطت عن الحلف ادّعاءً أعمق طالما صانه من المساءلة.
ففي الخامس من آذار/مارس 2026، أعلن الأمين العام للحلف أن الناتو ليس مشاركًا في العملية"، مُؤسِّسًا بذلك تمييزًا بدا في ظاهره حدًّا فاصلًا بين حلفٍ دفاعي جماعي وحربٍ أميركية–إسرائيلية. لكن الأمر المُثير أن هذا التمييز لم يصمد حتى انتهاء الحرب. ففي الثالث والعشرين من حزيران/يونيو 2026، في مقابلته ضمن برنامج "Special Report" على شبكة "فوكس نيـوز" مع بريت باير، وقبل أسبوعين من انعقاد القمة، تخلّى روته عن لغة الحياد المؤسسي كليًا، مُعلنًا: "فيما يتعلق بإيران، أعتقد أن الرئيس يفعل بالضبط ما هو مطلوب لتجريد إيران من قدراتها النووية.. إنها مُصدِّر للفوضى والإرهاب.. أعتقد أن الرئيس ترامب يفعل بالضبط ما هو ضروري، وأنا أقف خلفه تمامًا في هذا الشأن".
وأضاف أن أوروبا أثبتت أنها "منصة لإبراز القوة لصالح الولايات المتحدة"، مستشهدًا بما بين 4,000 و5,000 طلعة جوية انطلقت من قواعد أوروبية، وبـ500 طائرة أميركية أقلعت من إيطاليا وحدها. فضلًا عن اضطرار رومانيا إلى تقليص رحلاتها التجارية من مطار بوخارست لاستيعاب طائرات التزويد بالوقود الأميركية. ضمن هذا السياق، ردّت وزارة الدفاع الإيطالية في اليوم التالي مباشرةً، نافيةً أن تكون تلك الأرقام دليلًا على دعم قتالي، ومؤكدةً أن روما لم تأذن إلا بـ"رحلات تقنية ولوجستية غير هجومية"، وأنها رفضت كل طلب خرج عن هذا النطاق.
جدول الأعمال الرسمي وأولويات الناتو
هنالك أربعة محاور رئيسة لجدول أعمال القمّة: التخطيط الدفاعي والردع، وأهداف الإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء، وتقديم المزيد من المساعدات لأوكرانيا، فضلًا عن رسم الوجهة المستقبلية للحلف. ويحتلّ ملف الإنفاق الدفاعي صدارة هذه الأولويات؛ فقد توّجت قمّة لاهاي في حزيران/يونيو 2025 بتعهّد الحلفاء برفع الإنفاق إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، يتوزّع بين 3.5% للإنفاق الدفاعي المباشر، و1.5% للنفقات ذات الصلة بحماية البنى التحتية الحيوية، وتأمين الشبكات، وتعزيز الجاهزية المدنية. وتسعى الإدارة الأميركية إلى تسريع هذا الجدول الزمني؛ إذ يطالب ترامب بضرورة الوصول إلى هذا الهدف بحلول 2030، وهو ما يُلقي بأعباء سياسية وداخلية على عدد من العواصم الأوروبية.
التموضع التركي
تستثمر أنقرة استضافتها للقمّة بوصفها لحظةً لإعادة تموضع سياسي ودفاعي. فمدير الاتصالات في الرئاسة التركية اعتبر أن القمّة ستُظهر "النفوذ المتنامي لتركيا داخل الحلف"، وتمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في الحلف، وقاعدة صناعية دفاعية تُصدِر ما قيمته نحو 10 مليارات دولار سنويًاإلى دول الحلف وشركائه، وهو ما يمنحها ثقلًا تفاوضيًا متناميًا. كما يسعى الرئيس رجب طيب أردوغان لتقديم بلاده بوصفها وسيطًا محتملًا في الحرب الروسية–الأوكرانية، وقد أبلغ مارك روته في نيسان/أبريل 2026 بمساعي بلاده "لإحياء المفاوضات بين موسكو وكييف".
إلا أن الملف الأكثر حساسية في الأجندة التركية يتمثّل في صفقات السلاح مع واشنطن، ولا سيما عودة أنقرة إلى برنامج المقاتلات الشبحية "F-35" (إف–35)، ورفع العقوبات المفروضة بموجب قانون "كاتسا" (CAATSA) على وكالة المشتريات الدفاعية التركية إثر استحواذها على منظومة الدفاع الجوي الروسية "S-400" (إس–400) عام 2017. وقد لمّح ترامب، خلال لقائه مؤخرًا مع مارك روته في المكتب البيضاوي في 24 حزيران/ يونيو 2026، إلى احتمال "إنجاز اختراق" في هذا الملف، قائلًا عن الرئيس أردوغان: "سأقوم على الأرجح بشيء يُسعده كثيرًا".
كذلك أبلغت إدارة ترامب الكونغرس بمضيّها في صفقة بقيمة نحو 700 مليون دولار لتزويد تركيا بمحرّكات الطائرة النفاثة الأميركية "F-110" (إف–110) المخصّصة للمقاتلة المحلية "قآن" (KAAN)، متجاوزةً المراجعة غير الرسمية في الكونغرس، وهو ما أثار اعتراضات من الديمقراطيين، وفي مقدمتهم العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، غريغوري ميكس. وتُشير هذه الخطوات بدورها إلى محاولة إدارة ترامب اختبار مدى استمرار معارضة الكونغرس قبل قمّة الناتو، مع فتح نافذة محتملة لتحسين العلاقات الدفاعية بين واشنطن وأنقرة، في حين تبقى عودة تركيا إلى برنامج "F-35" مرهونةً بمعالجة ملف "S-400".
كما يجري تداول مقترحات تقنية، من بينها نقل المنظومة إلى الجزء الذي تشغّله الولايات المتحدة في قاعدة "إنجرليك" أو إلى منشأة عسكرية تركية خارج البلاد، دون الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بشأن أي من هذه الخيارات. غير أن الدلالة الأهم لاستضافة أنقرة لقمّة الناتو 2026 لا تتبدى بوضوح إلا عند مقاربتها في سياق التنازع الإقليمي على أدوار النفوذ؛ إذ تتزامن القمّة مع حِراك إسرائيلي مكثف منذ 2024 يستهدف نزع الشرعية الأطلسية عن تركيا عبر استغلال "الفجوة الإدراكية والهوياتية" لدى بعض العواصم الأوروبية لتأطير أنقرة كفاعل غريب عن المنظومة القيمية للحلف وإخراجها منه.
وفي هذا السياق، لا يمكن تصنيف اختيار مجمع "بِشتَبَه" الرئاسي في أنقرة كإجراء تنظيمي بروتوكولي، بل هو "آلية استباق استراتيجي" ورسالة مؤسسية حاسمة تجهض مساعي العزل الخطابي؛ حيث تمتزج رمزية المكان ببراغماتية المصالح الدفاعية المشتركة، لتؤكد أن موقع تركيا داخل البنية الأمنية الغربية لا يحدده السجال السياسي، وإنما تحسمه "بنية الأمر الواقع المادي" وحاجة الحلف الوظيفية إليها كحارس للبوابة الجنوبية.
قضايا الخلاف الرئيسة داخل الناتو
تتمحور الخلافات داخل الحلف حول أربع قضايا متشابكة. تتمثّل أوّلها في الجدول الزمني للإنفاق الدفاعي؛ ففي حين تتمسّك بعض دول وسط أوروبا وشرقها بالمواعيد المتشدّدة، تواجه عواصم غرب أوروبا قيودًا مالية وسياسية تجعل الالتزام بهدف 5% بحلول 2030 أمرًا صعبًا.
وتتعلّق الثانية بمستقبل الانتشار العسكري الأميركي في أوروبا. فقد بدأت إدارة ترامب عملية مراجعة للوجود العسكري الأميركي، ما يستوجب تشكيل "فريق تخطيط انتقالي" داخل الناتو، يضمّ ممثلين عن واشنطن والعواصم الأوروبية وأوتاوا، لإدارة عملية نقل القدرات الحيوية، كالنقل الاستراتيجي وإعادة التزود بالوقود في الجو، من اليد الأميركية إلى اليد الأوروبية من دون إحداث ثغرات في الردع. وقد عبّرت نائبة وزير الدفاع الفرنسي، أليس روفو، في مقابلة مع مجلة "بوليتيكو"، عن قلقها من هذا التحوّل، داعيةً إلى "انسحاب أميركي منظَّم" يُتيح للأوروبيين الوقت اللازم لبناء البدائل.
أمّا القضية الثالثة، فهي مستقبل دعم أوكرانيا. فعلى الرغم من الإجماع على ضرورة الاستمرار في تقديم الدعم، فإن ثمة تباينات حول طبيعة هذا الدعم؛ إذ تميل الإدارة الأميركية إلى الضغط من أجل تسوية تفاوضية سريعة، بينما يصرّ معظم الحلفاء الأوروبيين على أن الدبلوماسية يجب أن تنطلق "من موقع قوة"، لا أن تُكافأ روسيا بمكاسب إقليمية مقابل هدنة مؤقتة.
وتطرح القضية الرابعة سؤالًا أعمق حول هوية الحلف ووظيفته؛ إذ يدور جدل بين رؤيتين: رؤية ترى أن الناتو حلفٌ أورو أطلسي يجب أن يقتصر على الدفاع عن المجال الأطلسي، ورؤية أميركية تسعى لتوسيع المظلة إلى ملفات خارج النطاق التقليدي، بما في ذلك تأمين مضيق هرمز والممرات البحرية في الشرق الأوسط.
في المحصّلة، تختزل قمة أنقرة 2026 لحظةً مفصلية في مسار إعادة تعريف وظيفة الحلف؛ فهي ليست مجرد قمة دورية لإقرار موازنات أو خطط دفاعية، بل اختبار لمدى قدرة الناتو على الانتقال من العقيدة التي حكمته منذ الحرب الباردة إلى نموذج جديد يقوم على تقاسم الأعباء، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية، وإعادة توزيع الأدوار بين ضفتي الأطلسي. وإذا كانت عقيدة إسماي قد صاغت وظيفة الحلف في عالم ثنائي القطبية، فإن ما بعد أنقرة يُرجَّح أن يشهد إعادة تشكيلٍ لوظائف الناتو وآليات ردعه، مع تعاظم المسؤولية الأوروبية عن أمن القارة مقابل احتفاظ الولايات المتحدة بدور القائد الاستراتيجي لا الضامن التنفيذي لكل تفاصيل الأمن القاري، تاركين لأوروبا عبء الاستجابة الأولى، ولتركيا حراسة البوابة الجنوبية، وللحلف بأكمله مهمة التكيّف مع بيئة أمنية أكثر غموضًا وأقل استقرارًا.