ultracheck
كيف يصنع الخوف في الضفة الغربية؟

فقاعة الأمان تحت الاحتلال.. كيف يُصنع الخوف في الضفة الغربية المحتلة؟

28 يناير 2025

كيف يُقرأ مفهوم "الأمان"، أو بالأحرى كيف يُقرَأ الشعور به في السياق الاستعماري؟ في هذا السياق، تتجلى ممارسات الاعتقال والموت والتحكم بالحيزين المكاني والزماني من خلال الإغلاقات والحواجز العسكرية الإسرائيلية، التي أصبحت أداةً تقاس بها المسافة والوقت داخل مدن الضفة الغربية المحتلة. وكذلك عنف المستوطنين على القرى، وحالة الانتظار التي يعيشها الفلسطيني لما هو آتٍ، بسبب حرب الإبادة التي يعيشها قطاع غزة والمشاهد القاسية التي تعكس فقدان الأمان، وتزايد ممارسات العنف في الضفة. 

لا ينتهي سرد القصص حول هذا الشعور، وحول متى شعر الفلسطيني بفقدان الأمان سواءً بعنف مباشر من الاحتلال، مثل الاستشهاد أو الاعتقال أو التعرض لاعتداءات المستوطنين وهدم المنازل، أو مجرد أن تعيش حياةً هناك من يتحكّم بمجرياتها ويراقبها. 

تروي أسماء (اسم مستعار)، أم لطفلين من مدينة جنين، تجربتها مع هذا الشعور في ظل الأوضاع التي تعيشها المدينة والمخيم قائلةً: "أشعر بفقدان الأمان بسبب عدم قدرتي على رسم مجريات حياتي اليومية، يوجد من يرسمها ويحدد أوقات الخروج من المنزل وإلى أين، لا سيما عندما يكون هناك اقتحام لجيش الاحتلال للمدينة ومخيمها. التعامل مع فقدان الشعور يكون أصعب مع وجود الأطفال، أحاول قدر الإمكان أن أرسم لهما حدودًا (طبيعية) بعيدًا عن الأوضاع، ومع ذلك يتساءلان عن أسباب صوت الزنانة (طائرات استطلاع إسرائيلية) فوق رؤوسنا، أو لماذا يمنع عليهما الخروج من المنزل عندما يكون هناك اقتحام؟".

أما سميحة مقبل، من قرية قريوت جنوب نابلس، فقد عاشت هي أيضًا شعورًا مباشرًا بعدم الأمان عندما تعرضت وزوجها لاعتداء المستوطنين داخل المنزل. تقول لـ"ميغازين": كانت الساعة قرابة الرابعة فجرًا عندما سمعت أنا وزوجي طرْقًا قويًا على باب المنزل وأصواتًا من الخارج ترغمنا على فتحه، مدعين بأنهم قوة من جيش الاحتلال، لكن تفاجئنا عندما قمنا بذلك بأفراد من المستوطنين اعتدوا علينا بالضرب وقاموا بتكسير البيت. كانت هذه المرة الأولى التي سببت لي لاحقًا حالةً نفسية وخوفًا من أي حركة قد أسمعها بالخارج، وأحاول على الفور نسيان هذه المشاهد عندما أتذكرها". 

إنّ مجرّد طرح مفهوم الأمان أو الإحساس به في سياق الاحتلال يجعلك أمام علاقة متناقضة، حيث يكفيك أن تتنقل من مدينة إلى أخرى لكي ترى حجم المراقبة والسيطرة وبنية الجيش والمستوطنين الأمنية، أو كيف يمكن لحاجز عسكري أن يحدد مجرى يومك أو حياتك لوقت زمني هو يقرره، كما حدث مع أحمد (اسم مستعار) من مدينة طولكرم، عندما فقد الشعور بالأمان لحظة اعتقاله على حاجز طيار قبل عدة سنوات خلال عودته من رام الله، واعتقل حينها لمدة عامين.

ويضيف: "لا أخفي اليوم شعوري بالقلق ضمن السياق العام الذي تعيشه مدن الضفة الغربية وحالة اللايقين أو الاستقرار تجاه ما هو قادم". 

أما آلاء (اسم مستعار) التي تقيم في إحدى القرى التابعة للمدينة، فتستذكر قصتها مع هذا الشعور: "شعرت بالقلق عندما وقفت بالشارع لنحو 15 دقيقة بانتظار وصول عائلتي، أكثر من شاب نصحني بعدم الوقوف هنا وأنه قد يأتي أي مستوطن ويعتدي عليّ. لا أخفي إحساسي بفقدان الشعور، حتى لو كان بطريقة غير مباشرة، خاصةً عندما أتنقل من مدينة لأخرى. يمكن تأكيد ذلك بالحواجز وكاميرات المراقبة وبنية الحماية الأمنية للمستوطنين، حتى وصل الأمر إلى تفقد الهاتف إن كانت عليه صور قد تؤدي إلى احتجازي لوقت ما أو الاعتقال".

 

مقاربات حول مفهوم "الأمان"

يمكن التدرج بصورة أكبر في هذا المفهوم عند قراءته بمدى درجة الانخراط بالفعل السياسي أو المقاوم، وتحكّم الاحتلال بسلطتيْ الاعتقال والموت. يرى عبد الجواد عمر، المحاضر في العلوم الاجتماعية في بجامعة بيرزيت برام الله، أن: "نظام الاستعمار لا يمكنه فقط أن يخلق شعورًا بعدم الأمان، بل يعمل أيضا على خلق إحياء بأن هناك طريقة للشعور به، كي لا يكون هناك تمرد جماعي عليه".

ويضيف: "سلطة الاستعمار لا تنحصر فقط في ممارسات العنف، بل تمتد لتشمل تحديد هوية من يقع عليه هذا الفعل، ومن يكون معرضًا للموت أو للاعتقال. فهذه السلطة تُقرّر من هو المستهدف بالعنف، وما إذا كان الانخراط في السياسة أو المقاومة يعني تعرّض الشخص لخطر الموت أو الاعتقال، مما يجعل الاستعمار سلطة تتحكّم بمصير الأفراد وتمنحهم شعورًا دائمًا بعدم الأمان". 

ومن الضروري، وفق حديثه، قياس ليس فقط شعور عدم الأمان الذي يخلقه الاحتلال، بل أيضًا إيحاءاته بوجود طريقة للشعور به، وأن هناك "منطقًا" لكيفية ممارسة السلطة. هذا المنطق قد لا يكون حقيقيًا، بل جزءًا من عملية "التكيف" مع النظام الاستعماري. لذلك، يمكن تفسير سبب اعتقال شابة ناشطة سياسيًا دون أخرى، أو التساؤل عند استشهاد شخص ما على الحاجز: ماذا فعل؟ لأن عدم وجود سبب يجعل السردية مخيفة أكثر. 

 

فقاعة الأمان في السياق الاستعماري

يرى الباحث والأكاديمي معز كراجة أن هناك "حياةً عارية" بالضفة، وإن وجد غطاء للأمان فهو وهمي وغير حقيقي، لأنه في نهاية المطاف يوجد من يتحكّم بمجريات الحياة الفردية والجماعية والتخطيط لها، مثل الحاجز الذي يعدّ أحد أدوات هذا التحكم.

ويضيف لـ"ميغازين": هناك خوف دفين معلن أو غير معلن من فقدان الشعور بالأمان، لذلك لا وجود له في سياق الاحتلال الإسرائيلي. وهذا ما يفسر حالة الانتظار عند الفلسطيني لما هو آت عندما بدأت الحرب في قطاع غزة، ولاحقًا مع تصاعد ممارسات العنف الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتحديدًا في جنين".

ويتقاطع معز كراجة هنا مع حديث المحاضر عبد الجواد عمر حول مدى العلاقة بين الانخراط بالفعل السياسي أو المقاوم الفلسطيني والشعور بالأمان، أو كما وصفها بعلاقة الوعي السياسي والعمل فيه بالشعور به، وكيف يمكن أن يمنح السلوك المنضبط تجاه ممارسات الاحتلال شعورًا وهميًا بذلك.

ويذهب في حديثه حول هذا الشعور في السياق الاستعماري إلى تقسيم أفرادها إلى فئتين: يعيش أفراد الفئة الأولى حالة حقيقية من عدم الشعور بالأمان نتيجة الواقع المعاش. أما أفراد الفئة الثانية، فيعيشون في وهم الأمان أو فقاعته وكأنهم بعيدون عن الخطر، لكن يدرك أفرادها هذه الحقيقة بمجرد التنقل عبر الحواجز العسكرية بالضفة الغربية.

يرى كراجة أن أفراد الثانية لم يختاروا هذا الشعور وإنما جاء نتيجة قرارات سياسية بوهم بناء الدولة الفلسطينية، تحديدًا بعد العام 2007، عقب انتهاء الانتفاضة الثانية. ساهم الاحتلال كذلك بصناعة هذه الفقاعة من الأمان بمنح بعض "الامتيازات" مقابل ضبط السلوك، لكن بالنهاية هو يمنح هذا الأمر أو يسحبه، وقد ينفس هذه الفقاعة أو يؤجل الشعور بها ولا يكون هناك تمايز أو درجات بشعور الأمان.

ويفسَّر هذا التمايز في الشعور أيضًا بحالة التشرذم بالنضال الجمعي الفلسطيني، وعدم الاتفاق على شكل محددٍ له. ويمكن رؤية هذا الأمر في حالات المواجهة المقسِّمة في مدن الضفة الغربية وقراها، أو سؤال الفلسطينيين الذي ظهر مع حرب الإبادة على القطاع: ماذا نفعل؟

لذلك، يَرجع كراجة إلى حالة الانتفاضة الأولى التي امتازت بالانخراط الجمعي في العمل الوطني والاجتماعي، بحيث لم يكن هناك تمايزات أو تشرذم، وكانت الناس مشتركة في الفعل ودفع الثمن. كل ذلك خلق شعورًا عامًا بوحدة المصير، وهذا كان بمثابة مظلة أمان.

ربما هذا ما يدفعنا هنا إلى سرد تجربة عايد غفري من بلدة سنجل شمال رام الله، حول الشعور بالأمان، في ظل حالة التأهب المستمرة التي يعيشها، بسبب تكرر اعتداءات المستوطنين التي تجري بحماية من جيش الاحتلال. 

يروي غفري: "موقع المنزل في البلدة جعله الهدف الأول لاعتداءات المستوطنين، بقيت فيه وحدي لحمايته من أي هجوم بعد اضطراري لنقل أفراد العائلة لمنزل آخر وسط سنجل، شكلت أنا وجيراني المتواجدين حولي شبكة اجتماعية للتنبيه من أي اعتداء قد يقع علينا، هناك حالة مستمرة من التأهب والمراقبة". 

أما محمد الأسمر، من البلدة ذاتها، فيتحدث عن دور الحواجز والبوابات الحديدة في عزل القرى، حتى القريبة من سنجل، للحد من إغاثة الفلسطينيين لبعضهم حال التعرض لعنف المستوطنين، كما منعت هذه الحواجز أهالي البلدة من الوصول إلى أراضيهم.

وربط شعوره بفقدان الأمان بالأرض وتكرر اعتداءات المستوطنين عليها. يقول محمد الأسمر: "6 سنوات وأنا أعمل على إصلاح أرض ورثتها، قمت بزراعتها وتسييجها، والآن أرى أبقار المستوطنين ترعى فيها. ظننت أن التسييج قد يحميها ويمنحني شعورًا بالأمان، لكن لم يتحقق ذلك، خاصةً بعد إقامة بؤرة رعوية استيطانية تبعد نحو عشرات الأمتار عنها، ربما ما أحس به هو القلق والحزن على تكسير الأشجار التي زرعتها، وعدم القدرة على الوصول للأرض لا سيما بعد 7 أكتوبر 2023". 

دائمًا ما تُضفي التجربة حكمها على المعاني والمفردات، لذلك قد لا يذهب أحدٌ إلى تعريف "الأمان" كما ورد في معاجم اللغة، "طُمَأْنينة، حالة هادئة ناتجة من عدم وجود خطر"، بل أن يُعرّف بحياةٍ بلا اعتقال أو حواجز عسكرية أو هجوم على الأرض والحق في الوصول إليها. لذلك وحدها التجربة بإمكانها أن تُسقط المفاهيم أو تُعيد صياغتها.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

سقوط الأسد

عام على سقوط الأسد.. سوريا بين إعادة تشكيل السلطة وصعود الدولة الجديدة

تكشف سنة ما بعد سقوط الأسد تحولات سياسية وأمنية عميقة تعيد تشكيل الدولة السورية وسط تحديات متصاعدة

مهيب الرفاعي

فانون في غزّة
فانون في غزّة

فانون في غزّة.. العقل كملجأ أخير

يُقدم هذا المقال قراءة في ممارسات الاستعمار الإسرائيليّ خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة من منظور فرانز فانون

هبة حمارشة

كريستيانو رونالدو

من طفولة ماديرا إلى رمزية القوة الناعمة: رحلة صعود كريستيانو رونالدو

تحوّل كريستيانو رونالدو من طفل فقير في ماديرا إلى أيقونة عالمية تجمع بين المجد الرياضي والتأثير السياسي والإنساني

محمد العربي

عملية بيت جن

اقتصاد الأمن وصناعة المُخبرين المحليين كبنية خفية لعملية جنوب سوريا

يكشف هذا المقال تفكك المنظومة الأمنية جنوب سوريا وصعود سوق معلومات معقّد يدمج الانهيار الاجتماعي بالاختراق الاستخباراتي

مهيب الرفاعي

الخبز والسلطة

سياسات الخبز: من القوت اليومي إلى هندسة الطاعة

الدولة لا تُشبع مواطنيها، بل تُبقيهم على حافة الشبع، في منطقة رمادية بين الاكتفاء والعوز، حتى تظل يدها ممدودة كمنّة لا كواجب

حسن زايد

المزيد من الكاتب

بثينة سفاريني

صحافية فلسطينية

الاستيطان الرعوي بالضفة الغربية: نهاجم كي "نرث" الأرض

الاستيطان الرعوي من أخطر أشكال الاستيطان في الضفة الغربية لأن لا حدود له، فالمستوطن يستطيع بعدة رؤوس أغنام فقط الاستيلاء على أي أرض يريدها