يُعَاد بعث وإحيَاء فِكْر وفلسفة الطبِيب النفسانيِّ والمفكر المارتيني -الجزائري فرانز فانون 1925 - 1961، بشكلٍ فورِي عِنْد كلِّ لحظة تاريخيَّة ومفصليَّة فِي حياة الأمم، ليعيد تذكيرَنا بأنَّ العالَم وإن نظّرت نخبه وصنَّاع قراره على مستوى عالٍ عن حقّ الإنسان بِأن يَكون حرًّا لا تُقَيده أغلَال المستعْمِر ولا عنصرية وجور قوانين الأنظمة الدكتاتورية، وحتَّى وإِن نادى فلاسفته ومفكّروه بالْحرّيَّات الفرديَّة والجماعيَّة، فهو يتشبَّث بِبنية قديمة متجذرَة، بِنيّة تواصل تقسيم العالم إِلى عُلوِي وآخر سُفلِي؛ عالم قَوِي يحتكر كلُّ مقومات التقدّم وآخر لا يزال رهينة، تارة للقوّى الاستعماريّة وتارة لأنظمة قمعِية تُخضعه إِلى مفاهيمها التعسفية وضوابطها وفلْسفتها حَول الحقوق وَحتى إِلى تصورِها لآليّات فرض قوانينها وبالتَّالي شرعنة استعمال العنف ضدّ المخالفين.
كتَب فرانز فانون فلسفته فِي خمسينيّات وبداية ستينيّات القرن الماضي في فترة عرفت استقلال دول فِي الوطن العرَبيِّ كانت قد شهدت حركات تحرُّر فِي حِين كَانَت أُخرَى لا تزال تعاني أعنف استعمار يمكن لِشعب ما أن يعيشه كاحتلال فرنسا للجزائر لما يزيد عن قرن، ولعل أهمَّ كتب فانون التي تُشخّص وتصف الحقيقة الاستعماريّة التي تتغذّى على العنف وتُضفي عليه الشرعية، جاعلةً مِن العنصريَّة أهمَّ محرّك لها وتكشف ازدواجيّة الغرب وتضع نظريَّاته محلَّ تساؤل، هما كتابا: "بشرة سوادء، أقنعة بَيضاء 1952"، و"مُعذبو الأرض 1961".
لكن الاقتراب من أفكار فرانز فانون قِراءةً وتحليلًا سيظل مَنقُوصًا إِنَّ اقتصر على سيَاق زمني شَهِد سَيطرَة الاسْتعْمار التَّقليديِّ على البلدان الضَّعيفة، فالْواقع أنَّ إِنتَاجه الفكري والفلسفي يؤكد جهوزيَّته التامَّة لوصف الحالات السياسيَّة الراهنة للعديد من الدول في العالم؛ سواء تلك التي لا تزال تحت سِيَاط المستعمِر أو تلك التي تَخلصَت منه سياسيًا وعسكريًا لتجد نفسها رهينة استعمار آخر وفِيّ فِي مَبادِئه للاستعمار القديم.
ويعد الواقع العربيُّ أَفضَل بيئة عكست فِكر فرانز فانون أولًا فِي مخرجَات استقلال الدولة الوطنيَّة الذِي بَقِي مرهونًا باتفاقيَّات تربطه بِمستعمِر الأمس ثمَّ بِتسلُّم زِمَام الحكم من طرف نخبٍ وطنية أعادتْ استنساخ التجربة الاستعمارية، والحراك العربي المنادي بتغير نظام الحكم أواخر 2010 ومآلاته، وأخيرًا الثنائية فلسطين - "إسرائيل" كوْنهَا حَالَةً استعمارية يحكمها الفكر الكولونيالي كالاستيطان والعنصرية والعنف والعنف المضاد.
ارتكزت أطروحات فانون على تشخيص سُعار ووحشية النظام الاستعماري وآليّاته بغية محو أمّة قائمة واستبدالها بأمة أخرى مشوهة، انطلاقًا مِن تدمير ممنهج للآخر، وتحليل نتائج الأعطاب النفسيّة والعصبية التي خلّفها المستعمِر على الأفراد، ثُمَّ العنف الأخلاقي لمقاومة الاستعمار وإحداث قطيعة راديكاليَّة بين المستعمِر والمستعمَر، بفَرض الرجل المستعمَر على المستعمِر بِكلّ خصوصيَّته الاجتماعيَّة والهوياتيَّة والثقافيَّة ثُمَّ التنظير بِإسهَاب لِموضوع الثقافة والمثقَّف ودوره، وبدءًا مِن هذه الأفكار التأسيسية لفكر فرانز فانون المدرجة ضمن خطاب مَا بعد الكولونياليَّة، كيف يُمكن مقاربة أفكار فرانز فانون في الحالة العربيَّة؟
العالم العربي وخطاب ما بعد الكولونياليّة في فلسفة فرانز فانون
لم تعرف أفكار فرانز فانون ما بعد الكولونيالية شيئًا كالواقع العربي، لتعبّر عنه بشكل بلغ من التطابق مبلغًا كبيرًا، فجلّ البلدان التي عرفت حركات تحرّرية ونادت ضمن مشروعها التحرري إلى القطيعة مع مستعمر الأمس، واتخذت من الإمبريالية عدوًا لها، إلا وسقطت في ما انتقده فانون في "معذبو الأرض" عن البرجوازية الوطنية، التي ما هي في الحقيقة إلا استنساخ للمشروع الاستعماري بفكر محلي ووطني عمدت فيه النخب المستعمرة إلى ضمان بسط نفوذها على مقدرات البلد، على سلم طبقي لا يختلف في جوهره عن فكرة المستعمِر.
إلى هنا، انتقد فانون انتقال الاستعمار التقليدي إلى استعمار اجتماعي استغلالي، ينشأ بعد التحرّر السياسي، وتتبنّاه النخب بالموازاة مع التحرّر الوطني؛ فالدول التي حازت استقلالها في الوطن العربي بعد حروبٍ مع المحتل كانت في الواقع تؤسّس لنظام يستمد شرعيته وديمومته من اعتقاد نخبته أنها الأحق والأقدر على تحديد ما ينفع الشعب، وهي بالتالي تقرّر نيابة عن غالبية الجماهير ما يصلح وما لا يصلح لمسار بناء الدولة الوطنية.
الحقيقة أن النخب السياسية التي حكمت هذه البلدان بشرعياتٍ مختلفةٍ ومتفاوتةٍ ارتكزت أساسًا على انتماء أفرادها إلى الجيوش التي حاربت المحتلّ، أو كانت ضمن النخب التي ناضلت سياسيًا وإعلاميًا ضدّه، وبالتالي إيمانها أنها مدينة بصنع الاستقلال، وبشكل مأساوي تقريبًا جعلت النخب التي نادت بتأميم الممتلكات تحت شعارات إعادة خيرات البلد المنتهكة، من نفسها وحاشيتها وريثةً شرعيةً لما كانت تناضل من أجل استرجاعه، أي أنها تقصد حيازة مقدّرات البلد المادية والبشرية والتحكم فيها من خلال نظام سياسي صارم، لجأت فيه الطبقة الحاكمة في أغلب مساراتها التاريخية إلى استخدام العنف من أجل بقائها على هرم السلطة.
ولأجل ذلك، فالنخب التي سعت من خلال تبني فكرٍ تحرّريٍّ أثناء الاستعمار لإعادة تدوير أساليب المستعمر القمعية وحتى العنصرية مرّة بشيطنة خصومها السياسيين من إسلاميين ويساريين ومثقفين غير منتميين إلى أطر سياسية معينة، ومرّات عديدة باستخدام العنف حتى تثبّط كلّ محاولة جماهيرية تنادي بتغيير نظام الحكم.
لقد أشار فانون في العام الخامس للثورة الجزائرية، إلى عدم جدوى الحصول على الاستقلال السياسي ما لم يكن مقررونًا بالاستقلال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي؛ فالمستعمرات الأفريقية على سبيل المثال لا الحصر التي حصلت على استقلالها السياسي، كانت ضحية اتفاقيات غير معلنة بين القوى الاستعمارية والنخب التي حكمت البلد عن طريق مقاسمتها خيراتها والسيطرة على اقتصادها.
لقد كان الوطن العربي مسرحًا واقعيًا لنبوءات فانون؛ إذ ما إن تحصلت الدول الوطنية على استقلالها السياسي حتى سقطت رهينة أنظمة قمعية نادت منذ بداية التحرير ولو ظاهريًا إلى النظام الاشتراكي والديمقراطية وتقسيم خيرات البلاد بعدل بين الشعب وتأميم الممتلكات.
والحقيقة أن هذه الأنظمة القائمة غذّت القمع كحجة لاستكمال الاستقلال، وتبنت بشكلٍ أو بآخر المنطق والخطاب الاستعماري وأخذت نندمج تدرجيًا في نظام عالمي تضع أسسه المستعمرات القديمة، قويضت فيه البرجوازية الوطنية بين استمرارها في الحكم والحصول على مزايا مقابل رهن الاقتصاد ضمن نظام رأس مالي استعماري، ومن ثم تبعية سياسية، ثقافية واجتماعية.
لقَدْ استيقظت الشعوب العربية بعد ما يقارب سبعين عَامًا مِنْ استقلالها السياسي، لتجد نفسها رهينة أنظمة لَا تَخْتلف في جوهرها عن جلاد الأمس؛ فالجيوش التي كان يُنظر لها بتقديس، تمّ توجيهها مرّات عديدة لقمع الأصوات المخالفة لنظام الحكم القائم في حين استولت الطبقة الحاكمة على إمكانات البلد المادية والبشرية، وكانت مجرد جسر بين النظام العالمي الاستغلالي والمستعمرات القديمة.
ويبدو أن النظام العربي السياسي متماثل سواءً كان ملكيًّا متوارثًا أو جمهوريًا – متوراثا- إما من عائلة إلى عائلة أو من نخبة إلى نخبة يعتنق أصحابها نفس الفكرة والمرجعية، فالبلدان التي حققت قفزة اقتصادية تعتمد واقع الأمر في الخلفية على القوى الاستعمارية، من خلال بسط نفوذها على أكبر الشركات وعلى مشاريع البلد، وتعمد لتمكين المستعمر في بلدان أخرى عربية ذات بنية اقتصادية وأمنية هشة بتمويل المشاريع الاقتصادية والثقافية والإعلامية والتعلمية أما البلدان التي تتبنى سياسة توحي بقطيعتها مع سياسات البلدان ذات النظام الملكي يعتمد نظام الحكم من أجل عمر أطول على قوى خارجية تضمن استمراره وتمكنه من شراء سلمه الداخلي على حساب تنمية اقتصادية حقيقية وديمقراطية حقيقة أي مقايضة الاستمرار في الحكم ببسط اليد على اقتصاد البلد.
لقد دافع فانون عن تبنّي النظام الاشتراكي في البلدان حديثة الاستقلال، وانتقد بشدّة النظام الرأس مالي، ذلك أنه يرهن فئة كبيرة من الشعب في يد فئة برجوازية تسعى إلى مصالحها وترهن بدورها البلد بكل مقوماته لسياسة خارجية إمبريالية وبالعودة إلى فجر استقلال الدولة الوطنية في الوطن العربي؛ فقد تبنت جل هذه البلدان النظام الاشتراكي وظاهريًا على الأقل، ثم تدريجيًا بدأت في الإذعان لمصالحها ومصالح الدول التي تقوي وجودها، فاتسعت الفوارق بين أبناء الشعب الواحد وتحولت البلدان إلى رأس مال لا يخضع للرقابة في يد مجموعة من الأفراد، تتقاسم فيما بينها أراضي ومصانع واقتصاديات البلد وحتى خيراته الباطنية وتُحوّلها لخدمة الدول ذات النزعة الاستعمارية من خلال عقود واتفاقيات.
"إن الاستغلال الرأسمالي والكارتلات والاحتكارات هي أعداء البلدان المتخلفة. واختيار نظام اشتراكي، نظام موجه بالكامل نحو الشعب يقوم على مبدأ أن الإنسان هو أغلى من كل الممتلكات، سوف يسمح لنا بالمضي قدمًا بشكل أسرع وأكثر انسجامًا، ويجعل من المستحيل حصر السلطة الاقتصادية والسياسية في أيدي قلة ممن ينظرون إلى الأمة بأكملها بازدراء واحتقار"[1]
شدَّد فانون فِي كِتابه "معذبو الأرض "، على أهميّة وإجباريَّة أن يُقرِّر الشّعب مصيره بنفسه وَدعَا بِوضوح إِلى رَفع الوعي حتَّى يُدرِك المواطن حقوقَه وواجباته، إِذ يَرفض فانُون الاستيلاء على السلطة وَتطوِيع القوانين لِصالح النخبة الحاكمة؛ بل يرى أنّه مِن الضروريّ إِشرَاك الشعب فِي هذِه القرارات المصيريَّة مِن خِلَال مسَارٍ دِيمقراطيٍّ شفاف، ويؤكِّد أن الديمقراطيَّة يَتعيَّن أن تكون شاملة، تَشمل حتّى حياة الأفراد اليوميَّة ولَا تقتصِر على نِظَام سِياسيٍّ يَحكم البلد، بِتعزِيز المسؤوليَّة عند الأفراد إِزَاء حَقهِم فِي أن يَحكُموا أَنفُسهم بِأنْفسهم وَهُم بِذَلك يتخلّصون مِن كلِّ أغلال استعمارية كانت أو طبقية بعد الاستقلال.
لا يقتصر موقف فانون على النِّظَام السياسي وَحسب بل يدعو إِلى المساواة بين الجنسين ويرفض أن تَكُون للمرأة مَكانَة هامشية أَمَام الرَّجل؛ فالمرأة اَلتِي كابدت عَنَاء الظلم الاستعماري إِلى جَانِب أخيها الرجل مِن حقّها أن يكون لَهَا نَفْس اَلحُقوق والْواجبات الجماعية، شأنها فِي ذَلِك شأن الرجل وهما بالتالي متساويان أمام سلطة الوطن، إذ يحرص صاحب بشرة سوداء أقنعة بيضاء على ضرورة استكمال الوعي الثوري لدى الجماهير مِن خلال كَسْر بنية النظام الاجتماعي فِي هذه البلْدان القائم على أساس أبوي.
غير أنه ولأسباب تتعلق دائمًا في الرغبة في الاحتكار وتحويل الوطن إلى إقطاعية في يد فئة، تبنت الدولة الوطنية بعد الاستقلال ظاهريًا الديمقراطية كنظام سياسي يحكم أفراد الشعب، وأقرت في حالات كثيرة أن الجنسين متساويان في الحقوق والواجبات، إلى أن فنّد الواقع هذه الادعاءات ولم تعرف البلدان نظامًا ديمقراطيًا حقيقيًا، بل كان على مدار عقود شبيهًا بالنظام الملكي الذي تعرفه جاراتها في الشرق والغرب، إذ يمكن لفئة واحدة أن تحكم البلد باستراتيجية واحدة بأن تبوأ أحد أفرادها على مدار سنوات ولا يمنع هذا من إجراء انتخابات احتراسيه ولكن بتدوير نفس الأشخاص، في حين بقي موضوع المساواة ورقة ضغط أو أحد الشعارات الانتخابية لاستمالة فئة من المجتمع لصالح الحاكم.
العنف الأخلاقي في فلسفة فانون
لم يكن فانون مفكرًا موارِبًا فِي قناعاته ولا مهادِنًا فِي فلسفَته حول العنف الذي يلجأ له الفرد المستعمر ضد الرجل المستعمِر، إِذ يرى فِيه آليَّة جوهرية تقود نحو الاستقلال وتحرِّر البلدان رافضًا أن تَقبَع أيّ أمّة تحت ظلم وهمجية المستعمرين ودافع سلفًا عن قناعَته حول استخدام العنف فِي مسار التحرّر الذي انتهجته الشعوب، ويرى فِيه ثورة متحدرة من عمق المجتمع المتضرِّر فِي كرامته وإنسانيَّته والمشوَّه فِي ثقافَته ، مُجتمع ذاق أقصَى أنواع العذاب على يد جلادِيه ، مجتمعًا يتوجب أن يتسلَّح بوعي وطني حول الحُقوق والواجبات، ومِن الضَّروريِّ أن يَحكم نفسه ينفسه بِوَعي جمعي تتساوى فِيه اَلفُرص والْحقوق لإتمام مسيرة اِستقْلاله.
أسهب فانون في شرح مغبَّة أن تَسقُط البلْدان اَلتِي حَققَت استقلالها السياسيَّ تحت سَطوَة مُؤامرات النّخب التِي مِن الممْكِن أن تَتَورَّط فِي خِدْمَة مصالحهَا ومصالح مِن يدْعمونهَا، ولم يَغفُل جُزْئِية مهمّة تتعلَّق بِتصوُّره لِجدْوى اَلعُنف الأخْلاقيِّ كمَا وصْفه حِين يَتَعلَّق الأمْر بِاسْتعْماله مِن طرف الشُّعوب الواقعة تَحْت نِيران المستعمر ، مَوقِف لَم يسلم مِن الانْتقادات، فهو يُدين اَلعُنف المنتهج بِوحْشِيَّة مِن طرف المستعمر ويقِف إِلى صفّ العنف الذي تنتجه المجتمعات المحكومة بالأغلال كردِّ فِعل طَبيعِي فِي مُوَاجهَة عُنْف مُنظَّم تَقودُه جُيُوش نظامِيَّة ضدَّ شعوب تُدافِع عن حَقهَا فِي التواجد واسْترجاع كرامتْهَا والدِّفاع عن مُقوِّماتها الأساسيَّة فِي كلِّ أبعادهَا السياسيَّة والاجتماعيَّة والدينيَّة والثقافيَّة والهوياتيَّة .
دافَع فانون عن خيار الجزائريين في حمل السلاح ضد الاحتلال الفرنسي أثناء حرب التحرير الكبرى ورأى فِي الثورة خلاص الشعب من الظلم و إجابةً بالغة تشهَر فِي وجه مُستعمِر مُتَغطرِس كشف عن عجزه في فهم منطقٍ آخر غير مَنطِق القوة، وبالإشارة إِلى موقف فرانز فانون حول العنف تطفو إِلى السطح جدالِيَّة تتبنَّاها النّخب اللِّيبراليَّة إِزاء العنف المستعمل عند البلدان التي تعاني مِن استعمارات مختلفة، حَتَّى أنَّ بعْضهَا لا يتوانى فِي وصف أحقية حمل السلاح ضد مستعمر بارد باستعمال العنف الوحشي بالإرهاب والهمجية والتطرف.
يحيلنا هذا التفصيل ذِي الأهميَّة البالغة إِلى الوضع الفلسطينيِّ بشكل خاصٍّ، طالما أننَا نتناول فكر فانون وعلاقته بالراهن العربي، إذ أنّ أحداث السابع مِن أكتوبر/تشرين الأوَّل 2023 التي كانت موجهة مِن طرف حماس وفصائل أُخرَى ضدَّ "إِسرائيل"، كانت حدثًا مِفصلِيًا انقسمت فِيه النخب بكلِّ أيديولوجيَّاتها وانتماءاتها الفكريَّة والسياسيَّة إِلى موقفَين، الأوَّل تبنىّ موقِف فانون وآخَر مهادن ومتناسق تمامًا مع الرأي الذِي يتباهى به الغرب كقوَّة ضَخمَة تَتحكّم فِي المفاهيم وتحشد لهَا مشارِيع إِعلاميَّة وثقافيَّة تَهدِف إِلى شَيطنَة الطرف الضعِيف.
فعلى مرِّ التاريخ وُصمتِ حركات المقاومة بالإرهاب والشرِّ والهمجيَّة والتخلّف معيقَة لِتقدُّم الحضاريِّ لشعوب المستعمرة وَهذِه الحجة هي التِي سمحت لِلفكر الكولونياليِّ بِالتجذُّر، فَفِي الأمس اَلقرِيب كانت غاية الاستعمار المبيَّنة هِي نقل الشعوب المتخلِّفة إِلى مصاف البشريَّة المتحضِّرة وتعليمها أبجديَّات الإنسانيَّة وَفِي العصْر الحاليِّ، فَإِن لِلمستعمر أَسالِيب جَدِيدَة ومبْتكرة لَيْس أقلّها محاربة التطَرُّف مِن خِلَال صِناعة أَعدَاء فِي البلدان الضعيفة التِي ترى فيها تهديدًا لِأمنِهَا وأمن مصالحها، فتفاقمت فِكرَة الإسلاموفوبيَا وكانتْ ذرِيعة لِيعود مستعمِر الأمس إِلى البلدان التي احتلَّها فِي الماضي، والحجة هذه المرَّة محاربة التطرُّف الدينيِّ وحماية المصالح.
لم يكن التطرّف الدينيُّ هو الذريعة الوحيدة بل إِنَّ أَنظِمة اَلحُكم ذاتهَا شكلت عائقًا أَمَام الدُول الاسْتعْماريَّة، فكان نشر الدِّيمقْراطيَّة ومحاربة الديكتاتوريَّات أو فرض حَظر على حيازة أَسلِحة فرصةً لِمواصلة السَّيطرة على موارد وممتلكات البلدان، عن طريق إسقاط الأنظمة و إحلال الفوضى، ودَعم الانقلابات أو التدَخُّل فِي الحركات الاحتجاجيَّة المندِّدة بِالتعسُّف والْقَمْع والسلطة الدِكتاتوريَّة.
هنا، رافعت نخب كثيرة عن حقِّ "إِسْرائيل" فِي الدِّفَاع عن نفسهَا أَمَام الإرْهاب الإسلاميِّ المتمثِّل فِي حَمَاس، ووُصمت هجمات السابع مِن أكتوبَر بِـ "الفِعل الحيوانيِّ"، وَهذَا مَوقِف مُتَناسِق تمامًا مع مَوقِف السلطات الإسرائيليَّة اَلتِي كررت فِي أكثر مِن مرة وصمها لِلفلسطينيِّين بـ"الهمج" و"الحيوانات"، وَلكِن جُلّ مِن تبنَّوا الموقف الراديكاليّ من حماس اجْتزؤوا مَا حدث عن سِياقه التاريخيِّ والْواقعيّ، وصمتوا عن القول إِنَّ حقيقة اَلعُنف الذي تبنَّته المقاومة كخيار لِمواجهة الحصَار والتَّجْويع هُو ردٌّ فعل طَبيعِي فِي وجه مُستعمِر ماضٍ تَحْت أَنظَار العالم فِي مُمَارسَة وحْشيَّته.
يَتَجلَّى مَوقِف فَانُون بعد أكثر من ستين عامًا شفافًا مِن دُون لبس، فهو يدين العنف والوحشيّة التي يعتمد عليها المستعمِر ويحمله آثام مَا يترتّب عن غطرسته وبرْبريَّتة، إِذ يرى أنَّ المستعمر الذِي يستعمل اَلعُنف وَالذِي يَدعِي أَنَّه حَضارِي يَخُون مَبادِئه فِي أن يَكُون حَضارِيًا وإنسانيًّا، فِي حِين أن المستعمَر اَلذِي يُوصَم بِالتخلف عُنفه مُبَرر، ذلك أنَّه يُؤكِّد أن لا حلول لديه، فالعالم المتحضِّر لَم يَسمَح لَه بالتعامل بِأساليب أُخرَى؛ فلا طاولات المفاوضات أنصفت المظلومين ولا أعادت لهم أراضيهم المسلوبة، كما أنه من غير اللائق أن يُفاوض صاحب الحَق على حُقوقه، ذلك أن المحتل مَنْح لِنفْسه أَحَقيَّة التنكيل بالمستعمَر ولم يَتبَق أَمَام هذا الأخير إِلَّا أن يُمَارِس حقه في "اَلعُنف اَلمُضاد" لأن الاسْتعْمار لا يَرفَع يده، إِلَّا إِذَا جعلت السِّكِّين فِي رَقبَتِه"[2]
لم تَختَف تمامًا الظُّروف التِي دوّن فِيهَا فَانُون أُطروحاته؛ فعربيًّا لازالت البلدان العربيَّة تُعيد اِسْتنْساخ الماضي فِي كثير مِن جَوانِبه، ولازالت فَلسفَته تجِد لها مكانًا فِي عُقُول الباحثين والمثقفين والثوريين والجماهير المتطلِّعة للحرِّيَّة فِي كلِّ المعمورة وإعادة الاهْتمام بِفكْر فَانُون أُوروبِّيًّا وَأمريكيًا وحتى عربيًّا وإن كان على استحياء يَعكِس أهميّة فكره المناهض للاستعمارات بشتى أنواعها.
بالنسبة للواقع العربي، تكمن أهمية فلسلفة فانون في التطابق بينها وبين مسار قيام الدولة الوطنية وإلى أين آلت، وفي استمرار وجود الاستعمار سواءً كان مباشرًا متمثلًا في ثنائِيَّة مُستعمِر ومستعمَر فلسطين و"إسرائيل"، أو غير مباشر مثلما حدث في سوريا والعراق وأيضًا في علاقة الحاكِم والمحكوم - الحرَاك العرَبيُّ ومخاضاته وإرْهاصاته، فإنّ إسهامات فرانز فانون ذات الطَّبيعة الزِّئبقيَّة تَسمَح بِأن تُؤول على أَكثَر مِن صعيد وَيمكِن أن تُوظّف فِي أَكثَر مِن مَجَال.












