ندخل في ما بعد السنوية الثانية للحرب الإسرائيليّة على قطاع غزّة وعلى كامل فلسطين المُحتلّة. وعلى الرغم من انتهائها إعلاميًا، فإنها لم تتوقف على الأرض. الإبادة لم تعد مشهدًا مرئيًا فحسب، بل ممارسةً يوميّة، ممتّدة، تتخذ أشكالًا مختلفة كل يوم. وبعد ما رأته العين البشريّة من مشاهد الدمار الشامل الذي ألحقته المعدّات العسكريّة المختلفة للاستعمار الإسرائيليّ بالبشر والحجر والشجر والحيوانات؛ تطفو أسئلة صعبة فوق الركام: هل من جدوى لمواجهة آلة الدمار الشاملة؟ هل للمقاومة مكان؟ وماذا لو لم تكن هذه الحرب؟ وكيف يحتمل العقل البشري كلّ ما رآه من دمار وما يراه من خذلانٍ وسياسات ممنهجة لقتله في صمت؟
في فيلم "البيضة والحجر"، يسأل أحد التلامذة معلّمه مصطفى (أحمد زكي): "ماذا تفعل عند تَفسد البيئة؟" يجيب مصطفى بأن تحتمي بعقلك، ويُكمل بأن الاحتماء بالعقل يكون بالضرورة للنجاة من الفساد. هذا المشهد يقدّم تعريفًا واضحًا للعقل باعتباره الملاذ الأخير: عندما ينهار الخارج، لا يبقى للإنسان سوى الداخل، فيجب عليه – بحسب المعلّم – أن يجعله المُسيطر على شهواته والمُتحكِّم في رغباته لترويض ذاته على النجاة في وسط فوضى المجتمع.
يتناول فرانز فانون، الطبيب والمناضل والفيلسوف الجزائري الفرنسي، في كتابه "وجوه سوداء أقنعة بيضاء" مفهوم العقل بوصفه الوعي القادر على كشف الأقنعة التي يُلبِسها المُستعمِر للمُستعمَر، منها قناع "البدائيّة"، قناع "العنف الغريزي"، قناع "الذات التي تستحق العقاب"، وقناع "الجسد الذي يتم قتله بلا تبعات". هذه السياسات التي تحوّل المستعمَر إلى إنسانٍ بلا قيمة، وتُخلّ بمعيار الإنسانيّة حين تختزل البشر إلى أعداد وشظايا. الوعي هنا ضرورة مُحلّة حتى يكون الإنسان قادرًا على استعادة ذاته من الصورة التي صُنعت لتدميرها.
ها أنا اليوم أكتب عن فرانز فانون الذي كان ملاذي في هذه الحرب، عندما تساءلت عن الجدوى من ذلك كلّه، جاءتني كتاباته لتساعدني في حماية عقلي من كلّ ما يحدث. وبعد مرور الذكرى المئوية الأولى على ولادة فانون – الذي توفّي عن عمر 36 عامًا إثر مرض عضال – لا تزال كتاباته مفتاحًا لفهم علاقة المستعمِر بالمستعمَر: كيف يُسلب الإنسان وعيه، وكيف يُعاد تشكيل جسده وفضائه ووجوده، وكيف يصبح الاغتراب السياسي فعلًا مُمنهجًا يسبق العنف ويتجاوزه.
دورة حياة الاستعمار
يُقدّر عدد الشهداء والمصابين والمفقودين في قطاع غزّة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر أكثر من ربع مليون فلسطيني، حيث تنوّعت وسائل الموت ما بين القصف المباشر بالصواريخ والإعدام بالطائرات المُسيرّة والروبوتات المفخّخة والتجويع والحرق. دمّر الاستعمار في هذه الحرب أكثر من 88% من قطاع غزّة، وتجاوزت الخسائر الأوليّة المباشرة أكثر من 68 مليون دولار، بحسب المكتب الإعلاميّ الحكومي بغّزة في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
إضافةً إلى ذلك، احتّل المستعمِر أكثر من 50% من أرض قطاع غزّة، والمطلع على الصور والأرقام السابقة والأخبار لتجاوزات الاستعمار الإسرائيلي والخروقات اليوميّة بحُججٍ واهية، والاقتحامات المستمرة لمدن وقرى الضفّة الغربيّة، وتدمير أكثر من ثلاث مخيمات فلسطينيّة، والهدم المتواصل لمنازل الفلسطينيّين، وصولًا إلى اعتداءات المستوطنين المتكرّرة والمنتظمة في مختلف مناطق الضفّة الغربيّة، يرى أن الاستعمار الإسرائيلي في أوج قوّته وجبروته، حيث لا رادع له.
لكن وكما يشير فانون، يبلغ الاستعمار ذروته في اللحظة التي يقترب فيها من نهايته، ففي الوقت الذي يشعر فيه الاستعمار أن احتكاره للعالم يتصّدع، يتضاعف عنفه، إذ يرفع مستويات القمع ويحاول خنق أي وعي يولد عند الناس، ويعيد ترتيب الواقع ليظهر متماسكًا ومتفوقًا غير قابل للسقوط. هنا نشأت اللحظة الخطيرة التي توّهمت فيها أنّه أبدّي: مقاطع مصوّرة يروّجها بكثرة لعملياته من الميدان، التي تظهر القتل، الدمار والإعدام المباشر للمدنيّين؛ رأيت فيها الأجهزة الضخمة، والعتاد الكبير، ولغة القوة تكرّرت، لكن فانون يؤكد أن المُستعمِر كلّما ازداد قوّة وقسوة، دلّ ذلك على أن أدواته القديمة لم تعد كافية، حيث "الوعي ينتشر والبنية السياسيّة تتعرى"، والفلسطينيّ لم يعد يقبل دوره كضحيّة.
ويوضّح فانون أن هذا المسار ليس خاصًا بتجربة محدّدة، بل هي دورة حياة الاستعمار: من الجزائر إلى الهند إلى جنوب أفريقيا. والمفارقة التي يرّكز عليها فانون أن الاستعمار يبدو في لحظاته الأخيرة أكثر صلابة ممّا كان عليه في أي وقت، لكّنه يتآكل من داخله، عندما تزداد تكاليف فرض السيطرة إلى مستويات لن يكون قادرًا على تحملّها على المدى الطويل، وتتآكل قدرة السرديّة الاستعماريّة على الإقناع، ويتحوّل الخوف من جانبٍ واحد إلى خوف ذي اتجاهين، وكلما تحوّلت المستعمَرة إلى فضاء غير قابل للابتلاع، يُصبح المُستعمِر ضحيّة بنيته.
الدمار كوسيلة للاغتراب السياسي
شاهدت وخلال تنقلّي بين الصفحات والمقاطع القصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي وخلال العام الحالي، الكثير من المقاطع القصيرة التي ينشرها الغزيّون واللبنانيّون واليمنيون حول بلدانهم ومناطقهم وحتى بيوتهم وشوارعهم التي دمرّتها الصواريخ والروبوتات المفخّخة الإسرائيليّة، ولفتتني عباراتٌ مُعنونة لهذه المقاطع كعبارة "أنت منذ دمار غزّة غيرك" و"تغيّرت ملامح المدينة" و"ما عادت المدينة تشبهنا" "أين نحن" و"من نحن" و"من أخذ منّا الدفء والوطن"؛ بالمشاهدة فقط، شعرتُ بمرارة الفقد، كما هي مرارة تغيّر ملامح المكان.
يُركز فانون على الاغتراب السياسي الذي يُسبّبه الاستعمار، والذي يُغيّر فيه شكل الأرض المُستعمَرة، مُسبّبًا الفوضى والدمار المقصود في إطار تغيير ملامح الأرض وإخضاع المُستعمَر. وبحسب فانون، فإن الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على الناس، بل يسعى إلى تحويل كل شيء: المدن، القرى والطرق حتى الأرض نفسها تصبح أداة للسيطرة، وإن هذا التدمير المادي للأماكن، وتغيير شكلها لا يهدف فقط إلى التحكم في الإنتاج، بل إلى تحطيم الروابط بين الإنسان وأرضه، وفصل الشعب عن تاريخه من خلال تدمير قدرة الإنسان على التعرّف على نفسه داخل ذات المكان.
يأتي تغيير السلطة والقيم مرافقًا لتغيير هويّة وشكل المكان، حتى يُحكم الاستعمار قبضته على عقل المُستعمَر، فيخلق خلال العملية داعمًا محليًا له، كما لو أنه ترجمة بشرية للاستعمار من داخل المجتمع نفسه، من خلال عصاباتٍ محلية تشبه الشعب وتتحدث بلغته، ولكنها تحمي الاستعمار بكل ما تملك – حتى بروحها – كما رأينا في عصابات "أبو شباب" وغيره، الذين يطلق عليهم فانون "البرجوازيّة الوطنيّة" المُفرَغة من انتمائها، وأخطر ما تفعله هذه الفئة هي أنّها تمنح الاستعمار وجهًا مألوفًا. عصابات قادرة على خطف واعتقال أبناء جلدتها وحتى قتلهم، المُستعمَر يرى شخصًا يشبهه ولكنه يتبّنى لغة المُسيطِر، وبذلك بدل أن يكون المُستعمِر واضحًا وصريحًا، يصبح مموهًا ويلبس أثوابًا أخرى "قوات الشعب الفلسطينيّ". ولا تقتصر هذه الفئة على حاملي السلاح، بل تمتّد منها لتشمل كلّ من يبّرر الحرب، أو يتعايش مع تجويع الناس أو يُروّج للحياة و"السلام" تحت الاستعمار وأكثرهم سوءًا من يصوّر ثمن التحرير بحجم الدمار والخراب، ويحاول خلق سرديّة تقوم على الخضوع للحفاظ على الأمان، فانون يلخّص هذه الفئات بقوله: "هذه النخبة لا تقود شعبها، بل توقفه، ولا تحرّره، بل تخدّره".
وبذلك تسعى هذه السياسات إلى إخضاع العقل الباحث عن الحريّة حيث إن "المستعمَر لا يعيش فقط في جسد مُقهور، بل في فضاء مقلوب، حيث القيم، الأماكن، وحتى المشهد المحيط تُصنع لتذكيره بأنه في حكم المستعمِر."
العقل كملجأ.. والفعل كتحرير
خلال الحرب، تكرّرت على مسامعي عبارة "حاسس رح أفقد عقلي"، حتى ردّدتها في كثيرٍ من الأحيان. كانت المشاهد المهولة والخذلان المستمّر يترسّخان في عقلي، حتى غدوت لا أرى ما يحدث إلا أرقامًا وصورًا، وكنت أترّقب الهدنة يومًا بيوم حتى لا يرتفع عداد الشهداء. في هذه اللحظة فقدت إنسانيتي وبدأت أحاول استِعادتها، من خلال حماية عقلي وتفكيك كلّ ما يحدث، والايمان بأنّ حماية العقل/الوعيّ خطوة أولى لاستعادة الذات وإنسانيّتها، يليها إعادة إنتاج الواقع الذي يرفض الاستعمار من جذوره.
نظّر فانون لمفهوم العنف الثوري – المقاومة – لتفكيك حلقة الاغتراب واستعادة الذات. هذا التحرير لا يأتي بمخاطبة المُستعمَر أو بالمفاوضات معه، فالعنف الذي لحق بالإنسان المُستعمَر وأحاط به من اللغة حتى الخريطة، ومن الاقتصاد حتى مخياله يسعى لتشكيله ليتلاءم مع موضع الخضوع. وحين يكون القمع بهذا الاتسّاع، فإن التحرير يأتي عندما يكسر المُستعمَرُ كل هذه المفاهيم بممارسة فعل المقاومة بأشكالها المختلفة، ويرى من خلالها قدرته خارج القالب الذي وضِع به الخضوع. في "معذّبو الأرض" يكتب: "في لحظة المواجهة، يستعيد المُستعمَر إحساسه بكيانه. يتحوّل الخوف إلى حركة، وتصير الحركة معنى".
المفارقة العميقة عند فانون أن استعادة الإنسانيّة لا تتّم إلّا عبر العبور من النقطة القصوى للصراع، لأن الاستعمار حين يُحكم إغلاق كل المنافذ لا يترك أمام الإنسان سوى الفعل الثوري ليخرج من كونه "شيئًا" في يد المُستعمِر إلى كونه إنسانًا يصنع مصيره.
فانون لم يواسِني تجاه ما أشعر، ولم يعدني بالحُريّة، بل وجّهني نحوها، وهنا اقتبس منه "الاستعمار لا يُقنعك أنك عبد، بل يقنعكَ أنك لست أهلًا لأن تكون إنسانًا"، وهذه أسوأ مخاوفي التي واجهتها بقراءاته، كيف تُنتزع الحُرية؟ كيف نفهم دورة حياة الاستعمار ومُمارسات الشعب المُستعمر في سياقه الاجتماعي والاقتصادي، لا لكي نتقبلها، بل لنرفضها عن وعي جملةً وتفصيلًا، كخطوةٍ أولى في تحرير الذات من الاستعمار".












