ultracheck
فانوس رمضان

فانوس رمضان.. أسطورة المعز واحتفالات الميلاد والمماليك

10 مارس 2025

لا أحد يملك تفسيرًا عن سبب ارتباط الفوانيس بالميثولوجيا القديمة وحكايا الماورائيات والخوارق ؛ فالفانوس السحري في الفلسفة الهندية وحكايا "ألف ليلة وليلة"، يحتجز ماردًا قويًا ينفّذ أوامر مالكه، وفي بعض البوادي العربية سيكون أبو فانوس، تسميةً أسطورية لظاهرة ضوئية يشاهدها سكان الصحراء ليلًا، أمّا فوانيس رمضان في شوارع القاهرة، فهي ظاهرة مشهدية تشبه السحر.

ألوانٌ وأشكال متعدّدة لفوانيس مصنّعةٍ محليًا من الصاج المعشّق بالزجاج والمشغول بالنقوش والزخارف اليدوية، إذ تعد واحدة من أبرز مظاهر الاحتفال بشهر الصوم في مصر ومنها انتقلت هذه العادة إلى مختلف الدول العربية، وتعد أماكن مثل حي السيّدة زينب وتحت الربع والخيامية أبرز أماكن عرض الفوانيس في العاصمة المصرية، لكن هذه العادة الموغلة في القدم والتي ارتبطت بطقوس اجتماعية كرّست حضورها في المشهد القاهري، تطرح سؤالًا: متى بدأت هذه الظاهرة؟

رمضان والفوانيس

السؤال كان ملحًا لدرجة تبرّع العديد من الباحثين والصحافيين لتقديم إجابات عن كيفية ارتباط الفانوس بشهر رمضان في مصر، وتعدّ الرواية الأكثر شهرة تلك التي تربط الاستخدام الأول للفانوس بالفاطميين؛ إذ تعود احتفالات دينية كثيرة عند المصريين إلى الثقافة الفاطمية، لذا لم يكن من المستبعد أن يتم ربط الاستخدام الأول للفانوس بهم.

قصّة الفانوس والفاطميين، تعود تحديدًا إلى رمضان سنة 362هـ/ 973م، عندما خرج أهالي العاصمة المصرية لاستقبال الخليفة الفاطمي المعزّ لدين الله القادم من المنصورية (تونس حاليًا)، بعدما قرّر نقل مقر حُكمه منها إلى مصر، وعندما دخل الخليفة بموكبه مدينة القاهرة من باب زويلة، واستقبله الأهالي ليلًا بحمل الفوانيس، ومن هنا جاء ارتباط الفانوس بشهر رمضان في مصر. 

تحوّلت رواية استقبال المعزّ إلى ما يشبه سندًا تاريخيًا عند الحديث عن أصل استخدام الفانوس في شهر رمضان، إذ تتناقل القصّة تقارير صحافية على الجرائد والمواقع ومنصّات التواصل الاجتماعي، رغم أنه لا يوجد دليل تاريخي يثبت هذه الرواية أو ينفيها؛ وقد لا يعدو الأمر أن يكون محاولةً اجتهادية لسدّ فجوة تاريخية تتعلق بأصل استخدام الفانوس في احتفالات رمضان، خصوصًا أن هذه الظاهرة تشكّلت ملامحها في العاصمة المصرية في العصور الوسطى، ومنها انتشرت في مختلف البقاع المصرية.

الرواية والأسطورة

يبدو أن هناك تسعفًا تاريخًا في حصر انتشار الفوانيس بالعصر الفاطمي، ولا توجد علاقة بين الخروج لاستقبال الحاكم الفاطمي الجديد والاحتفال برمضان عبر استخدام الفوانيس؛ وقد كان أمرًا طبيعيًا جدًا أن يخرج الناس ليلًا في عصر ما قبل الكهرباء حاملين للفوانيس أو أيّة أدوات إضاءة متوفّرة، لذا فهذه الواقعة قد لا تكون سببًا حقيقيًا لاستخدام المصريين للفوانيس في الاحتفالات؛ بل إن الأمر غير ذلك كما تثبت الوقائع التاريخية، خاصّة أن المصادر المعاصرة لم تذكر أن المصريين خرجوا لاستقبال المعزّ باستخدام الفوانيس، ولم يثبت أنهم احتفلوا في القاهرة بعد ذلك بذكرى وصول المعزّ بأي شكل.

هذه الرواية التي تحوّلت إلى أسطورة مؤسّسة لاستخدام الفانوس كعلامة على احتفالات شهر رمضان، تخلط بين استخدام مصابيح الإضاءة المستخدمة في الإنارة ليلًا في القاهرة وغيرها من المدن في العالم قبل اختراع الكهرباء، لذا ليس في الأمر خصوصية تدفع بالقول باستخدام الفانوس بشكلٍ حصريٍّ في الإنارة في شهر رمضان تحديدًا، لكن مراجعة المصادر التاريخية تكشف لنا عن قصة أخرى لدخول الفانوس قاموس الاحتفالات الدينية المصرية منذ فترة طويلة، ولكن الإجابة ليست عند الفاطميين بل نجدها في احتفالات المسيحيين المصريين الذين كانوا أوّل من استخدم الفانوس بهذا المسمّى في احتفالاتهم الدينية، ومنهم انتقلت هذه العادة ربما في العصر المملوكي مع تحوّل أغلبية المصريين إلى الإسلام، إلى احتفالات المسلمين بشهر رمضان.

 بداية فكّ اللغز نجدها في إشارة عند المقريزي (توفي سنة 845هـ/ 1442م) في كتابه "المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار"، ومنها يتطرق إلى دخول الفانوس في احتفالات المسلمين بشهر بالصيام، والنص يثبت أن استخدام الفوانيس في الاحتفالات الدينية كان مختصًّا بالمسيحيين في المقام الأول واحتفالاتهم بعيد الميلاد المجيد.

يقول تقي الدين المقريزي: "وأدركنا عيد الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر إقليم مصر موسمًا جليلًا، يًباع فيه من الشموع المزهرة بالأصباغ المليحة والتماثيل البديعة بأموال لا تنحصر، فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله. وكانوا يسمونها الفوانيس، وأحدها فانوس. ويعلقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئًا يخرج عن الحدّ في الكثرة والملاحة". 

يعطينا هذا النص الفريد القدرة على إعادة تأريخ عادة استخدام الفانوس في القاهرة بشكلٍ مختلف وأكثر قربًا للواقع التاريخي، فبناءً على المعلومات التي يمدنا بها المقريزي، والتي يتحدّث من منطلق كونه شاهد عيان على احتفالات المسيحيين بعيد الميلاد باستخدام الفانوس، وأنه دخل كعادة احتفالية ليرتبط بشهر رمضان في فترة متأخّرة ولا علاقة للأمر بالمعزّ الفاطمي ولا الفاطميين، بل إن المقريزي الذي عاش في القرن التاسع الهجري بعد نحو ثلاثة قرون من سقوط الفاطميين يتحدث صراحة عن استخدام الفانوس بشكلٍ حصري في أعياد الميلاد.

السلطان المملوكي

لا نعرف حقيقةً متى انتقل استخدام الفانوس من عيد الميلاد إلى شهر رمضان، لكن من الواضح أن هذا كان متأخّرًا جدًا ربما في نهاية العصر المملوكي أو العثماني أي القرن السادس عشر الميلادي؛ لأنّ المقريزي لم يذكره مرتبطًا بشهر رمضان، كما أن العصر المملوكي شهدّ تحوّل مصر إلى الإسلام بشكلٍ نهائي وتحوّل المسيحية إلى أقلية، فعلى ما يبدو أن المصريين المسيحيين الذين انتقلوا إلى الإسلام حملوا معهم واحدة من أجمل عادات شهر رمضان في مصر، وحولوا استخدام الفانوس من ظاهرة للاحتفال بعيد الميلاد إلى ظاهرة مرتبطة بشهر رمضان الكريم.

لكن المقريزي يقدم لنا تطورًا مهمًا في استخدام الفوانيس في المجتمع المصري في العصر المملوكي، إذ يُشير إلى أن السلطان المملوكي كان عند خروجه للاستجمام في منطقة سرياقوس (شمال القاهرة)، كان يتخفّف في موكبه من الأبهة الملكية، ويسير في موكب أكثر بساطة يتعمّد أن يتكون من مجموعة من الأمراء الكبار والصغار وجملة من خواص مماليكه، وأن يؤخّر موعد نزوله من قلعة القاهرة، مقرّ الحكم، إلى ساعة متأخرة من الليل "فإذا جاء الليل حملت قدّامه فوانيس كثيرة ومشاعل" في طريقه إلى سرياقوس، هنا نلتقي بالفوانيس التي دخلت في مواكب السلطنة، وهو يؤكّد أن استخدامها بشكلٍ احتفالي ظهر وترسخ في العصر المملوكي بالأساس، خاصّة أن المقريزي يستكمل في نصه الإشارة إلى أن السلطان المملوكي عندما ينزل سرياقوس، يدور حول قصره أحد كبار الأمراء في زفة من المماليك كل ليلة، وحوله "الفوانيس والمشاعل والطبول".

يمكن هنا إعادة تركيب تاريخ الفانوس بناء على ما لدينا من وقائع تاريخية، فهو بحسب اسمه مشتق من لفظة يونانية تعني الأداة المستخدمة في الإضاءة، والذي استخدم في مصر قبل دخول الإسلام، وأصبح مع الوقت من الأدوات الاحتفالية في أعياد المسيحيين المصريين، ثم مع التحول إلى الإسلام من قبل غالبية المسيحيين، نقلوا معهم عادة الاحتفال باستخدام الفانوس إلى الثقافة الإسلامية، خصوصًا أن الاحتفالات بليل رمضان يحتاج إلى أدوات إنارة ما رسخ من وجود وحضور الفوانيس في احتفالات هذا الشهر ربما بداية من نهاية العصر المملوكي أو بداية العصر العثماني بحد أقصى.

 نلفت هنا، إلى أن جملة "وحوي يا وحوي" المستعملة في احتفالات شهر رمضان عند المصريين، يبدو أنها انتقلت من المصرية القديمة، إلى العربية عبر الوسيط القبطي على ما يبدو، وهو ما يقوّي من رواية انتقال الفانوس ومظاهره الاحتفالية من المسيحيين إلى المسلمين المصريين.

ويمكن تعزيز هذه الرواية بالنظر إلى حقيقة انتشار تقاليد الاحتفال بشهر رمضان التي اكتملت في العصر المملوكي، إذ لدينا الكثير من النصوص التي تكشف عن ظهور عدة أشكال احتفالية في ما بات يعرف بإحياء ليالي رمضان،  ما يعني أن أهالي القاهرة كانوا يخرجون في الليل للاستمتاع بالاحتفالات الليلية فكان طبيعيًا أن يتم استخدام الفوانيس في هذه الاحتفالات، وتعليقها على الحوانيت كما كان يحدث في احتفال عيد الميلاد من قبل.

المستشرقون والفوانيس

ومع استمرار إحياء ليالي رمضان ثبت استخدام الفوانيس في ليالي الشهر بشكل أصبح متلازمًا معه، ولما كان الصبية يلعبون في حواري القاهرة ليلًا في شهر رمضان، كانوا في حاجة إلى الفوانيس لكي تنير لهم الطريق في عصر لم يعرف الكهرباء، فثبت الفانوس في يد الصبية في رمضان كما الكبار، فكان الجميع يستخدمه بكثافة وأصحاب الحوانيت يعلقونه على مداخل حوانيتهم من أجل إنارة الطريق أمام من يصلي التراويح والتهجد في قلب الليل.

أصبح الفانوس مظهرًا من مظاهر رمضان الاحتفالية الأساسية، حتى أن بعض المستشرقين رسموا صورًا في القرن التاسع عشر لمحال تباع فيها الفوانيس في شوارع القاهرة القديمة، فقد أصبح الفانوس جزءًا من تراث الشهر وميراثه الاحتفالي في ليالي القاهرة، حتى وصلنا إلى العصر الحديث، عندما دخلت الكهرباء لإنارة الشوارع، ولم تعد هناك حاجة لاستخدام الفانوس في الإنارة أو إضاءة شوارع المدينة القديمة في ليل رمضان، فاقتصر استخدام الفوانيس على الصغار من الفتيان والفتيات، وأصبح استخدامه احتفاليًا حصرًا.

سيدخل الفانوس في الفلكلور المصري من بابه الواسع، وتستخدم رمزيته المتينة بشهر رمضان في العديد من الأعمال الدرامية في السينما والمسلسلات التليفزيونية، وتُخّلد عدة أغاني رمضانية الفانوس، منها أغنية "وحوي يا وحوي" الشهيرة، إذ يقول المطرب أحمد عبد القادر من كلمات الأغنية: "هاتي فانوسك يا ختي يا إحسان"، لينجح الفانوس في استخدام أدوات الحداثة ليثبت من حضوره الطاغي ويصبح علمًا على واحدة من أشهر العبادات الدينية عند المسلمين. 

 

 

 

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الغسيل الوردي

الغسيل الوردي والمقاومة الجندرية في السياقات العربية والفلسطينية

يفكك المقال مفهوم "الغسيل الوردي" كخطاب يبرر الاستبداد والاحتلال، متتبعًا تجلياته في الأنظمة العربية والسياق الاستعماري الفلسطيني

إسراء عرفات

تفاهة الشر
تفاهة الشر

تفاهة الشرّ: كيف يتحوّل الامتثال إلى آلة قتل؟

يفكّك المقال مفهوم تفاهة الشرّ، كاشفًا كيف يحوّل الامتثال والروتين البشر العاديين إلى أدوات عنف منظّم بلا تفكير

محمد العربي

سقوط الأسد

عام على سقوط الأسد.. سوريا بين إعادة تشكيل السلطة وصعود الدولة الجديدة

تكشف سنة ما بعد سقوط الأسد تحولات سياسية وأمنية عميقة تعيد تشكيل الدولة السورية وسط تحديات متصاعدة

مهيب الرفاعي

فانون في غزّة

فانون في غزّة.. العقل كملجأ أخير

يُقدم هذا المقال قراءة في ممارسات الاستعمار الإسرائيليّ خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة من منظور فرانز فانون

هبة حمارشة

كريستيانو رونالدو

من طفولة ماديرا إلى رمزية القوة الناعمة: رحلة صعود كريستيانو رونالدو

تحوّل كريستيانو رونالدو من طفل فقير في ماديرا إلى أيقونة عالمية تجمع بين المجد الرياضي والتأثير السياسي والإنساني

محمد العربي

المزيد من الكاتب

حسن حافظ

كاتب وصحافي مصري

أرشيف مصر على قارعة فيسبوك.. بروميثيوس يسرق الوثائق

يرتبط الطلب على الوثائق القديمة عبر فيسبوك بالأزمة الاقتصادية التي تدفع الناس لبيع مقتنياتهم، وأيضًا بصرامة الأرشيف الرسمي في منع الوصول للمعلومات

استراتيجية هدم حكومية.. مستقبل مظلم ينتظر جبانات القاهرة التراثية

مع استمرار عمليات هدم الجبانات التاريخية، تقترب القاهرة من فقدان جزءٍ من هويتها لصالح مشاريع تجارية واستهلاكية تشوّه ثقافة المكان وتطمس معالمه

جذور العشوائية في القاهرة.. أنانية الناس ومزاج السلطة

العشوائية في القاهرة ليست نتاج العصر الحديث، بل هي ظاهرة تاريخية بدأت مع بناء مدينة الفسطاط، وتطوّرت في العصرين الفاطمي والأيوبي، وما زالت مستمرة حتى اليوم

ثلاثية الصعيد.. النيل والسكك الحديدية والموالد

الاحتفاء والاحتفال بموالد الأولياء، لا يقف عند المظهر الديني أو التدين الشعبي، بل يعكس حوارًا عابرًا للحضارات والثقافات

أساطير مصر القديمة.. حياة ممتدة في ممارسات شعبية معاصرة

أساطير مصرية قديمة بقيَت حية في الثقافة الشعبية، وغيرَت جِلدَها لترتدي ثيابًا مسيحية وإسلامية تُوائم التحولات الدينية

تيك توك.. كيف أصبح تلفزيون البسطاء والمهمشين في مصر؟

تحوّل تيك توك من مجرد تطبيق على الهواتف إلى ما يشبه "تلفزيون البسطاء" ومنصة لكل شيء. لكن السؤال الأهم يبقى: كيف حدث هذا التحوّل؟