أكبر التزام للكاتب بالنسبة لمحمد بنميلود هو كتابة نص جيد. يكرر هذا القول دائمًا، بعيدًا عن قبعة الواعظ أو المصلح الاجتماعي، فالأدب بالنسبة له هو الأدب: مساحة كبيرة لخلق الجمال والحقيقة والصدق. أما روايته الأولى، "الحي الخطير"، فقد لاقت صدى واسعًا منذ صدورها عام 2017 عن دار الساقي، ولا تزال تحظى باهتمام عدد كبير من القراء.
رواية عن الانتقام والهروب
تقع رواية "الحي الخطير" في 189 صفحة، ويتصدرها اقتباس لفرانز كافكا يقول: "الخروج من البيت مغامرة خطيرة"، وهي الحقيقة التي ستتضح خلال القراءة. تتكون الرواية من أربعة أجزاء، يحمل أولها عنوان "ما العمل؟" (كتاب لينين الشهير)، إلا أن هذا العنوان لا يجب أن يخدعنا طويلًا. بطل الرواية، مراد، لا يبحث إلا عن خلاصه الفردي، مشحونًا بالغل والرغبة في الانتقام والقهر الطويل، ومختليًا بنفسه في زنزانة انفرادية بعد عراك دامٍ أدى إلى فقدان عين مسجون آخر.
تفرض الرواية علينا إذن عوالمها السردية الخاصة منذ الصفحات الأولى، ويجب على القارئ أن يفهم أنه ليس أمام عمل خفيف يُسَرّي به عن أعصابه المشدودة قبل النوم. ينتشي البطل بذكر المشاجرة التي ضرب وضُرب فيها بلا هوادة، ويعرف أنه سيواجه غيرها بين السجناء كما فعل دائمًا خارج أسوار السجن، لكنه سيقاتل ويهرب وينجو.
هل هذا صفاء ذهني أم نوع أسوأ من الضياع وتشوش البوصلة؟
فهمنا أنه لن يسمح للآخرين بإخضاعه كما "استطاعوا كسر وإخضاع وتطويع ملايين الناس الذين يذهبون كل يوم مطأطئين رؤوسهم في الشوارع، خانعين راضين بالقسمة والنصيب، مرعوبين من القانون والدولة والله".
يلتبس علينا خطاب الراوي عند هذه النقطة مرة أخرى، إذ إن فهمه لآليات الإخضاع التي تنتهجها السلطة بمختلف مكوناتها لا يصدر إلا من رجل على قدر من الوعي السياسي، في تعارض تام مع شخصيته كمجرم عنيف. إلا أن الضباب سيتكشف عن سر هذا الالتباس في الصفحات التالية، وبانتظار ذلك نفهم أن مراد لا يكترث بهذه العدالة العرجاء التي قادته إلى السجن، إنها العدالة التي لا يتم تطبيقها إلا على أمثاله من "الحثالة"، ولذلك يلعن كل حراس القانون والأخلاق والنظام، ويشتمهم بشتائم قاسية مستمدة من رصيد الأحياء الخلفية حيث نشأ، وعايش الوجه القبيح لكل شيء.
هل هذه جرأة أكثر مما يجب؟ هل يمكن الحديث عن ما يجب ولا يجب في الأدب أصلًا؟ قال الكاتب المغربي محمد شكري: "أنا إنسان عاش التشرد، وأكل من القمامة، فهل ينتظرون مني أن أكتب لهم عن الفراشات؟". يحكي مراد عن حياته السابقة في حي "أبي رقراق" الصفيحي، فنفهم أنه وجد نفسه متورطًا في دائرة العنف منذ لحظة مولده في هذا المكان الفقير على هامش مدينة الرباط، عاصمة المغرب. اشحذ سكينك وخُذ حذرك! غير أن هذه الحروب المجانية سرعان ما ستقوده إلى أفكار أخرى عن اتخاذ الإجرام سبيلًا لتحقيق ثروة سريعة تمكنه من تحقيق الحلم: إنها أحلام الانتقال إلى الأحياء الراقية "المحترمة" التي تراود الجميع في المكان حيث وُلد، إلا أنهم لا يحققونها أبدًا. إذ إنه "لا أحد يخرج أبدًا من الجحيم ليلتحق بالجنة".
كيف يُمكن أن يتجاور عالمان مختلفان إلى هذا الحد في مدينة واحدة؟ هذا يذكرنا بالمزاح الشائع عن الفرق بين العيش في المغرب أو "موروكو"، حيث يشير الثاني إلى مجتمع الطبقات الميسورة والمتعلمة التي يتعلم أولادها في أفضل المدارس ويرطنون باللغات الأجنبية، أما الأول فيحيل إلى المدن والأحياء الهامشية الهجينة التي تقطنها الطبقات المسحوقة من المجتمع؛ أولئك الذين نزحوا إلى المدن هاربين من الجفاف أو الجوع وامتهنوا على عجل كل المهن الممكنة، من حراسة أبواب المصانع ودُور الأغنياء إلى النشل والسرقة، حاملين السواطير وغارقين في الجريمة حتى النخاع. وهي المشاهد التي ستكشف عن نفسها مرة أخرى خلال الأحداث العنيفة التي شابت الاحتجاجات الأخيرة لـ"جيل زد". إنها لحظة العرض الدموية المرعبة لأبناء "الحي الخطير" في المغرب.
الاحتجاجات أيضًا تسير بسرعتين
اشتعلت الاحتجاجات الأخيرة في المغرب أواخر أيلول/سبتمبر الماضي إثر فاجعة موت ثمانية نساء حوامل في مستشفى عمومي بمدينة أكادير، وسرعان ما بدأت مظاهرات يومية لشباب "جيل زد"، كما يسمون أنفسهم، في كثير من المدن المغربية. جاء هؤلاء الشباب من منصة "ديسكورد" وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي الجديدة التي كانت مجهولة للكثيرين منا، بصفوف منتظمة ومطالب بسيطة تتعلق بإصلاح التعليم والصحة ومحاربة الفساد وإسقاط الحكومة الحالية التي يعتبرونها مثالًا صارخًا لزواج المال بالسلطة. غير أن هذه الهتافات قوبلت بقمع أمني رهيب، حتى أصبح أغلب المغاربة يقضون أمسياتهم في متابعة فيديوهات "الريلز" التي توثق الاعتقالات وتعنيف المتظاهرين.
بعض المشاهد كانت صادمة حقًا، وأخرى مضحكة بسوداويتها، مثل الشابين اللذين لم يتمكن عناصر الشرطة من إيجاد مكان لهما في السيارة، فاقترح أحدهما أن يُقِلاهما واقفين داخل العربة المكتظة بالموقوفين. وهكذا أصبح الإنترنت شارعًا خلفيًا يمكن أن يخرج منه كل شيء: شباب وشابات يحدقون في أعين رجال السلطة بجرأة، وهم يشرحون لهم أنهم لا يملكون الحق باعتقالهم، وأمهات وآباء يتلقفون أبناءهم من مراكز الشرطة بالعناق والهتاف، مع تأييد كامل لأفعالهم واحتجاجاتهم. إنه شرخ كبير في جدار الخوف المتوارث من المخزن/السلطة في المغرب، وسقوط مدو لسنوات طويلة كان يُحتوى خلالها على الاحتجاجات عن طريق ترهيب أعوان السلطة لآباء المناضلين حتى يضغطوا عليهم بدورهم. والأسوأ حصل بعد انضمام بعض الأحياء والمدن الهامشية للاحتجاجات.
جاء في خطاب الملك محمد السادس خلال الاحتفاء بذكرى عيد العرش في 29 تموز/يوليو الماضي أنه "لا مكان اليوم ولا غدًا لمغرب يسير بسرعتين"، في إشارة إلى التفاوتات المجالية بين المناطق، لا سيما القرى التي تعرف مستويات كبيرة من الفقر والهشاشة. واستثمر المحتجون هذه العبارة لإطلاق مقارنات بين التجهيزات الفخمة لبعض ملاعب كرة القدم استعدادًا لكأس العالم 2030، والتدهور الفظيع في جودة التعليم والخدمات الصحية، أو بين الإثراء السريع لبعض العائلات المتنفذة وتدهور الوضع المعيشي للجزء الأكبر من المغاربة تحت وطأة الغلاء والتضخم.
هاتان السرعتان المختلفتان طبعتا الاحتجاجات أيضًا، حيث ظهرت سواطير "الأحياء الخطيرة" معلنة عن فوضى وغضب قديم، ألقى بظلاله حتى على من كانوا يدعمون الاحتجاجات منذ البداية. فهل كان يمكن تجنب وصول الأمور إلى هذا الحد؟
بدأت المواجهات العنيفة بين المتظاهرين والسلطات في مدينة وجدة شرق المغرب. وانتشر مقطع لسيارة شرطة وهي تدهس أحد المواطنين في مشهد بالغ الأسى.
فيما بعد، أصبح من الصعب جمع الأخبار المتقاطعة: متظاهرون يحرقون البنوك والمحلات التجارية، يحطمون سيارات الشرطة، يرشقون القوات العمومية بالحجارة، أو يسرقون ويمرحون ببساطة وسط الخراب، محتفين بإظهار كل هذا القدر من العنف. أغلبهم ملثمون، وبعضهم يبدو عليهم أنهم قد تعاطوا أنواعًا من المخدرات قبل المشاركة في حفلة التخريب.
إنهم أبناء البطالة والهدر المدرسي والفقر في الأحياء الهامشية، يمشون بسرعتهم الخاصة غير مبالين بأي شيء، بما في ذلك أحكام السجن المستقبلية، ودعوات حركة "جيل زد 212" إلى السلمية ونبذ العنف. ألم يقرر مراد في رواية "الحي الخطير" أن يسلك طريق خاله، لكن بسكين كبيرة داخل ثيابه؟
إما قاتلًا وإما مقتولًا
تلعب شخصية الخال دورًا محوريًا في رواية "الحي الخطير"، ذلك المثقف الماركسي المناضل الذي قادته رؤاه إلى الاختطاف ثم الإعدام من قبل السلطة في المغرب. إنها صورة اعتيادية للشباب المتعلمين الذين جابهوا ما عُرِف بـ "سنوات الجمر والرصاص" خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، مع قصة الشعر الهيبية وحبيبة يشاركها أفكاره ورسائل الحب التي سيعثر عليها مراد وسط كرتونة الكتب التي ستحتفظ بها أمه كذكرى وحيدة من شقيقها المتعلم. إنها "صندوق العجب" الذي سيدخله البطل ويقلب حياته.
هل غَيَّرته تلك الكتب بالفعل؟ هذا ما أراد أن يؤمن به هو على الأقل، حتى يضع نفسه على مسافة من الحي وبقية "الحثالة" الجاهلين، بمن فيهم صديقاه عبد الرحمن ورشيد اللذين سيتشارك معهما كل شيء. لقد كان مراهقًا حين غادر مقاعد الدراسة كالآخرين، وبدأ يقضي نهاره في تعاطي الحشيش والسطو مع صاحبيه على المارة والفتيات العاملات في معامل النسيج، أما ليله فقد كان للغرق في تلك الكومة من الكتب الصفراء التي لم يكن يفهمها، لكنها كانت تلمس شيئًا ما في روحه الغاضبة: الفوارق الطبقية، الأغنياء والفقراء، الثروة والثورة، والظلم الاجتماعي.
إلا أنه لم يكن يريد أن يتخذ سبيل خاله مع ذلك، إذ أنه من ناحيته لم يكن يثق كثيرًا بهذا الشعب ولا يُعَول عليه.
لقد فهم في النهاية أن العالم "مقسم في حقيقة الأمر فقط إلى أغنياء وفقراء، أسياد وأقنان، أذكياء ومغفلين، نبلاء وحثالة"، كما عرف أن طريق الثورة والنضال كان متروكًا للحالمين من أمثال خاله الذي نشأ في ظروف أفضل، إذ تبنته في طفولته سيدة متعلمة وميسورة الحال من بيئة أخرى. أما "بِرْكة الضفادع" الموحلة التي كان يعيش فيها مراد فلم تكن لتنجب غير المجرمين، إلا أن الجريمة هذه المرة لم تعد تعني له العار والخطيئة، ولم تعد تثقل كاهله بمشاعر الذنب. لقد قرر أن يبحث عن خلاصه الفردي "بطريقة أبناء حيه لا بطريقة طلاب الجامعات".
إنها لحظة ميلاد حلمه الضبابي والمتهاوي قليلًا منذ البداية، إذ كيف يمكننا أن نثق بِرَاوٍ من طينة مراد الذي يضيع رأسه في سحابات المخدرات ويخنق الغضب القديم روحه؟ وهكذا نعرف أنه قد كَوَّن عصابة لبيع الحشيش مع صديقيه، وانخرطوا في حرب متواصلة عنيفة مع بقية العصابات الصغيرة في الحي والأحياء السيئة المجاورة. "قاتل أو مقتول" كما يقول المثل المغربي. أما ما كان يرضي حقده المتراكم فهو أن بضاعتهم الجيدة قد بدأت تغزو أحياء الأغنياء وأبنائهم الذين يجب أن "يذهبوا في ضلال عميم هم أيضًا".
حيث العنف هو بطل العرض
يشرح لنا مراد في بداية حكيه أنه وصديقاه كانوا في طريقهم لشراء كمية من "البودرة" حين كمنت لهم الشرطة. لقد جمعوا مبلغًا كبيرًا من تجارة الحشيش، وقرروا أن الانتقال لبيع أنواع أخرى من المخدرات سيخرجهم من الوحل وينقلهم إلى الضفة الأخرى من المدينة، إلا أن مثل هذه الأحلام عادةً ما يكتنفها الموت والنهايات السيئة: "لقد مات عبد الرحمن، ومات رشيد، أو بالأحرى قُتلا. عبد الرحمن قتلته الشرطة، ورشيد قتلته عصابة الشَّعْبَة، وأنا نجوت فقط كي أصل إلى هذه الزنزانة... ولم نجن مالًا، ولم نجتز الشارع الفاصل بين أكواخ حي أبي رقراق وبين فِلَلِ السويسي وقصوره".
غير أنه لا يتذكر كل ذلك بغرض التوبة، بل لشحذ روحه للهروب والانتقام، هذا الهروب الذي سيشغله طوال صفحات الرواية كتعبير أخير عن الكرامة والرفض. وبينما هو في انتظار ذلك، يستدعي ذاكرته ليستعرض الأسباب التي قادته خطوةً فخطوة إلى السجن حيث يقبع، وفي كل هذه الذكريات يظل العنف هو سيّد العرض.
يبدأ الأطفال حياتهم في الحي بمشاهدة المشاجرات بالسكاكين الكبيرة والسواطير بين السكارى وعصابات تجار المخدرات، وينتهي بهم الأمر شيئًا فشيئًا بتقليدهم. إنها بيئة ملعونة تمامًا، حيث يُمكن لرجل أن يُحرق كوخ الجيران متسببًا في مقتل عائلة بأكملها، ثم يخرج للتباهي بفعلته في اليوم التالي بعد أن أثقلته آثار السُّكر. وفي هذه البيئة، تصبح حوادث الاعتداء أو الاغتصاب الجماعي أمورًا عادية، تُذكر كأنها تفاصيل بسيطة، بينما ننتقل للحديث عن شيء آخر. وقد تصادف أحيانًا قاتلًا متسلسلًا رهيبًا أودى بضحاياه واحدة تلو الأخرى لسنوات دون أن يحرك أحد ساكنًا، بما في ذلك السلطات التي تحاول تبرير الأمر بالقول إن القتلى مخربون وأعداء للدولة والملك وقد نالوا جزاءهم.
يختار محمد بنميلود أن تكون لغته عنيفة وحاسمة كسكين، ولا شك أنه اشتغل على جمل روايته واحدة واحدة. إن قصص الهامش يجب أن تُكتب بلسان الهامش كما يبدو، وهكذا يُطلب من القارئ العبور وسط بحر من الشتائم الصريحة والعبارات الشائعة في الدارجة المغربية، التي تُسمي الأشياء بمسمياتها تمامًا، بلا ظلال أو غلالات أخلاقية لحفظ ماء وجه القبح والفقر.
أما أبرز لحظات هذا العرض المرعب فهما لحظتان يصل فيهما العنف إلى أقصى درجاته وأكثرها جنونًا وسخرية: الأولى مشهد العراك الدموي بين رشيد، صديق البطل، والغزواني؛ غريم له من عصابة أخرى، والثانية تصوير تدخل السلطات لهدم بيت أحد سكان الحي. إنه ذلك العنف الذي تمارسه أحيانًا "عصابة الدولة".
إنها الحرب بالنهاية
تبدأ المواجهة بين رشيد وغريمه بذكر سببها طبعًا: لقد شارك صديق البطل في حادثة اغتصاب جماعي لشقيقة الغزواني. غير أننا لن نسمع كلمة أخرى عن هذا الحدث المريع، كما لو كان أمرًا اعتياديًا؛ خطوة قليلة الأهمية في طريق "المعركة" بين الرجلين، وهذا يذكرنا بوضعية النساء كما يعشن في هذا الحي: عاهرات بماضٍ حزين، أو أمهات عازبات، أو عاملات فقيرات يتعرضن لمختلف أشكال الاعتداء كجزء من حياتهن اليومية. إنه "إحساس النساء الأبدي بالغبن"، كما يصفه مراد وهو يتحدث عن أمه، التي يكتشف في لحظة معينة أنها قد عملت بالدعارة في الماضي، إلا أنه يسامحها دون تعقيد كبير؛ إذ أنه لا يُدرَك صدفةً جرعات الحب والغفران وسط كل ذلك في الحي الخطير.
تبدأ المواجهة فنشعر مباشرة أننا أمام حدث جلل بالنسبة للرواية والروائي. إنها لحظة سينمائية حيث نلمح الطيور تحلق فوق الهضبة، والمشجعون يرددون الهتافات بتركيز شديد ويحيطون بالمتبارزين في حياد تام. كيف يمكن تصور مشهد بدائي كهذا في مدينة من هذا الزمن؟ يدور الغريمان "حول بعضهما كالناعورة" وهما لا يرتديان شيئًا سوى السروال، ويلوحان بسكينيهما بانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض. تتكشف "حيويتهما" شيئًا فشيئًا مع مجريات العراك، وهما يهيجان بسبب الطعنات على الأذرع والأعناق، أو يلهث أحدهما كالثور إثر ضربة تلقاها على البطن خوفًا من أن تندلق أمعاؤه خارجًا. عندها يتدخل قانون العصابات فيتراكض الحاضرون لإيقاف المبارزة بعد استسلام أحد المتبارزين، غير أن قانون الدولة، على النقيض من ذلك، لن يحمي صاحب البيت المهدم مهما أبدى من توسل وتذلل.
يُردد المتظاهرون في أغلب الاحتجاجات بالمغرب منذ سنوات شعارًا يقول: "الله الله يا بابا، دولة هادي ولا غابة؟ حكومة ولا عصابة؟". يُصرُّ مراد الحانق إذن على اعتبار الدولة "عصابة" في أكثر من مقطع خلال الرواية، مُصورًا مؤسسة الشرطة كمؤسسة فاسدة ومرتشية ومحابية، يجب الحذر منها تمامًا كما نحذر "العصابات الأخرى". ويركز على رسم صورة مفصّلة لشخصية "المقدم"، عون السلطة الذي يلعب دورًا أساسيًا في الدواليب السفلية لبناء السلطة في المغرب: إنه عين الدولة التي لا تنام، والتي قد تتسلل إليك من كل الشقوق، فارضة على كل الساكنة واجبات الخضوع والتذلل، باعتبارها واحدة من أذرع المخزن الطويلة. أما لحظة دخول سيارات الشرطة إلى الحي، فهي مشهد غريب يختلط فيه الخوف المتوارث بأشكال الحقد المكبوت والتمرد الأخرق، حين يرمي الأطفال والمراهقون الحجارة دون سبب على وجه التعيين.
"بعد ساعة، تقتحم الحي شاحنتان خضراوان من شاحنات القوات المساعدة، مليئتين بالمخازنية بثيابهم الخضراء النظامية المتشابهة وسحناتهم القروية المتجهمة، وزراويطهم ومينوطاتهم تتدلى من أحزمتهم، بالإضافة إلى جرافة برتقالية وسيارة القايد، وإلى جانبه المقدم". إنه ما يبدو كاستعراض نصف ساخر ونصف جاد للسلطة، خاصة عندما تليه مراسيم هدم بيت الرجل الذي تجرأ على بناء منزل إسمنتي مكان كوخه الصفيحي دون استصدار رخصة للبناء، أو دون دفع الرشوة المقررة للقايد والمقدم في الحقيقة.
زوبعة من الجنون التام، الصراخ، والغبار، يتخللها استجداء الرجل، صراخ زوجته وأطفاله، تمرغه بالتراب وتهديده بالانتحار، ثم كلمات الجيران الذين يتدافعون لثنيه عن ارتكاب هذا "الكفر". أما السلطة فتبدو صماء خرساء تمامًا في شخصية عون السلطة، الذي يصبح عسير الإقناع عند هذه النقطة من الأحداث، ويسعى لجعل المتمرد عبرة لكل سكان الحي الآخرين.
يطيب للراوي أن يتحدث مباشرة بعدها عن التوقير والاحترام اللذين تحظى بهما العائلات الكبيرة والغنية في الحي، مثل عائلة "الصحراوي". ذلك هو سحر المال والنفوذ: كبير الأسرة يتناول شايه في مكتب القايد بأريحية تامة، ويغض الأخير النظر عن تجارة الأسرة الكبيرة في المخدرات على مرأى من رجال الدولة والمسؤولين المتواطئين. إنه عالم بلا أخلاق تحكمه، ولا محاذير محددة، ولا قوانين، ولذلك يوقن مراد منذ البداية من أنه في حرب.
إنها الحرب ضد الجميع، حتى يحظى بالغنى ويحقق الصعود الطبقي باتجاه الأحياء الأفضل في مدينة الرباط، لأن الثراء وحده هو من سيمكنه من أن يصبح إنسانًا في عيون الدولة والمجتمع. ومن أجل ذلك يمكن التضحية بأي شيء ألف مرة، مغامرًا بكل جزء من روحه في سبيل الهروب من سجنه المعنوي والمادي، إذ أن "من يفكر بالهرب عوض الاستسلام يُعَد هاربًا حتى وهو داخل الزنزانة".