إذا كانت الحرب الإيرانية الإسرائيلية، أو "حرب الأيام الاثني عشر" كما وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثم تبنتها مراكز الفكر ووسائل الإعلام، قد أدت إلى حالة من عدم الاستقرار العميق في الشرق الأوسط في حزيران/يونيو 2025، فإن البيئة لم تكن بمنأى عن تداعياتها. ففي غمرة التصعيد العسكري الذي شهد مشاركة أمريكية مباشرة، لم تقتصر الآثار على الجوانب الجيوسياسية أو الأمنية؛ بل امتد الدمار ليشمل النظم البيئية التي تضررت بشدة بفعل التلوث الناجم عن العمليات العسكرية، والانبعاثات الكربونية الثقيلة، وتدمير البنية التحتية، والنزوح السكاني، في وقت يقترب فيه العالم بشكل خطير من نقطة اللاعودة في أزمة المناخ.
وفي هذا السياق، تتضاعف التكاليف البيئية والاجتماعية للحروب مع توسع مناطق النزاع، خاصة في ظل حرب الإبادة الأكثر ضراوة في التاريخ الإنساني في غزة منذ 7 أكتوبر 2023 – ما يُعرف الآن بحرب غزة الخامسة – والتي تفاقم التأثير التراكمي للكوارث البيئية الناجمة عن الهجمات الإسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين. وفي حين تتركز الأضواء السياسية والإعلامية على الحسابات الاستراتيجية والمخاوف النووية، تظل الطبيعة الأم "الضحية الصامتة"، تدفع ثمنًا باهظًا قد لا يتم تعويضه لعقود.
ولعل ما يعمق مأساوية هذا المشهد هو اختزال المفهوم البيئي في تغير المناخ وحده، دون الاهتمام بأبعاده الإنسانية والاجتماعية. ففي غزة، حيث يُحاصر أكثر من مليوني فلسطيني، تحولت الحياة اليومية إلى مسرح للمجاعة الجماعية واقتلاع أسس البقاء، في مشهد لا مثيل له في القرن الحادي والعشرين. فلم تعد البيئة هناك تعني مجرد الهواء والماء، بل أصبحت تجسيدًا لحق الحياة والكرامة، الذي يُنتهك يوميًا تحت وطأة حرب إبادة صامتة أمام أعين المجتمع الدولي.
لم تقتصر تداعيات هذه الحرب، التي امتدت لأكثر من 700 يومًا، على حدود القطاع، بل امتدت إلى الأراضي المجاورة، ولا سيما شمال سيناء، التي أصبحت نقطة اتصال مباشرة مع آثارها. أقول هذا ليس فقط من منظور تحليلي، بل من واقع تجربة شخصية. أقطن في شمال سيناء وشاهدت عن قرب كيف وصلت أصداء العدوان إلى مدينة العريش؛ سمعت دوي الانفجارات، ورأيت أعمدة الدخان تتصاعد في الأفق، وتابعت تدفق الضحايا إلى مستشفى العريش. وفي الوقت نفسه، ساد القلق في الأسواق والمنازل، وشهدت بعض المناطق انقطاعًا للمياه والكهرباء لعدة أيام، بالتزامن مع نقص حاد في بعض المواد الغذائية بسبب تعليق تحويل المساعدات نحو القطاع المحاصر. لم تكن هذه المؤشرات مجرد مشاهد يومية متفرقة، بل أدلة ملموسة على تدهور بيئي واجتماعي ممتد عبر الحدود، مما يطرح تساؤل العدالة البيئية في سياق النزاعات المسلحة.
تأكيدًا لعمق هذا البعد، تشير فرح الحطاب، الباحثة القانونية في منظمة السلام الأخضر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى أن مصر تشهد بالفعل تلوثًا بيئيًا في شمال سيناء وعلى طول ساحلها المطل على البحر الأبيض المتوسط، مما يهدد المخزون السمكي والحياة البحرية واحتياطيات المياه الجوفية، وسط انخفاض ملحوظ في جودة الهواء وتأثيره المباشر على الصحة العامة.
وفي ضوء هذه التحولات، يصبح من الضروري إعادة تعريف البيئة ليس فقط كإطار مادي أو مناخي، بل كمساحة حيوية تضمن الكرامة الإنسانية والشعور بالأمن. وكما هو الحال في غزة، لم تعد البيئة في شمال سيناء تمثل الطبيعة وحدها، بل أصبحت انعكاسًا لواقع هش حيث تتقاطع الكوارث العسكرية مع الكوارث البيئية، ويتم اختبار صمود الإنسان أمام عالم تتراجع فيه القيم الإنسانية أو بالأحرى القول تنعدم.
البيئة كسلاح في غزة
في إطار الطبيعة المتطورة للصراع المسلح وأدواته وأهدافه المتغيرة، تمثل البيئة في قطاع غزة دراسة حالة معبرة عن أحد أخطر التحولات في أنماط الحرب المعاصرة. لم تعد البيئة مجرد حاضنة طبيعية لوجود الإنسان؛ بل تحولت تدريجيًا إلى ساحة معركة استراتيجية، تُستخدم ضمن منطق القوة، لا كخلفية للصراع، بل كواحد من أهدافه المباشرة. وبهذا المعنى، فإن ما تشهده غزة اليوم لا يمكن اختزاله في تدهور بيئي ناتج عن الحرب، بل يمثل نمطًا منهجيًا من الإبادة البيئية؛ أي التدمير المنهجي والمتعمد للنظم البيئية بهدف إخضاع أو طرد السكان، وهو ما يرقى، في ضوء المقترحات القانونية الدولية، إلى جريمة ضد الإنسانية.
وهكذا، يُعاد توظيف البيئة كأداة ردع وسيطرة، فيما يمكن تسميته بـ"الردع البيئي"، على عكس الردع النووي التقليدي. يقوم هذا الشكل من الردع على فرضية أن تدمير العناصر الأساسية للحياة، وفي مقدمتها البيئة، يؤدي إلى حالة من الإنهاك الجماعي تنتهي إما بالنزوح أو الاستسلام القسري، دون الحاجة إلى تدخل مباشر مستمر أو استخدام أساليب الإبادة الشاملة.
وقد تجلى هذا المنطق، في أحد مظاهره المتطرفة، في تصريح وزير التراث الإسرائيلي أميحاي إلياهو، الذي دعا في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 إلى قصف غزة بقنبلة نووية، وهو شعور كررّه بصيغة أكثر تطرفًا في تموز/يوليو 2025، قائلًا إن "غزة ستكون يهودية بالكامل". وعلى الرغم من أن هذه التصريحات لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية للدولة الإسرائيلية، إلا أنها تعكس اتجاهات فكرية متطرفة ضمن دوائر سياسية معينة، حيث تُصبح مفاهيم السيادة والكرامة الإنسانية قابلة للانتهاك، وتُستبدل بعقيدة ترى في الإبادة البيئية وسيلة ضمنية لإعادة تشكيل المشهد الديموغرافي. المسألة هنا لا تقتصر على كلمات عابرة؛ بل تتقاطع مع أنماط عمل عسكري منهجي على الأرض، محوّلة البيئة من إطار للحياة إلى سلاح استراتيجي.
وهكذا، تنتقل إسرائيل من منطق الردع النووي، القائم على تهديد "شتاء نووي" افتراضي، إلى ردع بيئي واقعي يعتمد على جعل الأرض غير صالحة للسكن. وعلى عكس الردع النووي المتبادل بين قوى متكافئة كما في الصراع مع إيران، حيث يظل التهديد افتراضيًا، فإن الردع البيئي يستهدف مجموعات سكانية محصورة تفتقر إلى القدرات الانتقامية المكافئة. وتفرض دمار سبل العيش النزوح أو الاستسلام دون الحاجة إلى قنبلة ذرية أو خوف من تداعيات الإشعاع العالمي. فالبيئة هنا تُختزل كوسيلة لطرد السكان وإعادة تشكيلهم ديموغرافيًا، كاشفة عن تحول استراتيجي في طبيعة الحروب الحديثة: الحصار البيئي نفسه يصبح جماعيًا، أطول أجلًا، وأقل تكلفة سياسيًا (إنذار) من ضربة نووية.
وفي هذا السياق، تمثل الممارسات الإسرائيلية في غزة تناقضًا صارخًا مع ما دعا إليه الجغرافي الفرنسي بول فيدال دي لا بلاش من منظور الإمكانية البيئية، الذي أكد أن البيئة لا تفرض قدرًا محتومًا على البشر، بل تقدم لهم طيفًا من الإمكانيات التي تحددها وعيهم وأدواتهم وثقافتهم. ومع ذلك، فإن ما نشهده في غزة هو التعطيل القسري لهذه الإمكانيات، حيث تُعاد تشكيل البيئة ليس كمساحة حيوية تسمح للبشر بتطوير "أنماط حياة" متكيفة، بل كأداة للخضوع الاستراتيجي تهدف إلى كسر الإرادة الجماعية وفرض حسابات لا خيارات فيها. فتدمير عناصر الحياة، من البنية التحتية إلى النظم البيئية، لا يضيّق فقط هامش السكان، بل يقوض جوهر الإرادة البشرية التي تشكل أساس نظرية الإمكانية ذاتها.
وفي ضوء بيانات ميدانية، لا يمكن فهم حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية لغزة خارج هذا السياق. وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، خلّفت العمليات العسكرية أكثر من خمسين مليون طن من الأنقاض والحطام، بينما تشير بيانات الأقمار الصناعية إلى أن حوالي 66% من المباني في القطاع قد دُمرت أو سُويت بالأرض. ولا يقتصر هذا الدمار على المباني؛ بل يشمل أضرارًا واسعة النطاق للبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك 57% من مرافق المياه، إلى جانب محطات تحلية وتنقية الصرف الصحي، مما يساهم في خلق بيئة غير صالحة للسكن، ليس فقط ماديًا بل وجوديًا.
ويصبح المشهد أكثر تعقيدًا عند فحص مكونات الأنقاض. فهي ليست مجرد ركام من الخرسانة أو المعدن، بل تشمل مواد كيميائية خطرة، وذخائر غير منفجرة، ونفايات طبية وصناعية، بالإضافة إلى الأسبستوس، المصنف عالميًا كمادة مسرطنة.
وتشير تقديرات ReliefWeb إلى أن أكثر من 39 مليون طن من هذه الأنقاض ملوثة بمواد سامة أو متفجرة. وعليه، فإننا نواجه حالة تراكمية من التلوث البيئي ذات أثر زمني ممتد، بحيث لا تقتصر آثارها على المدى القصير، بل تخلق ما يمكن تسميته "منطقة موت بيئي بطيء"، تمتد آثارها إلى الأجيال القادمة، معيدة تشكيل العلاقة بين البشر وأرضهم من موقع ضعف بدلًا من تمكين. هنا، يكتسب مفهوم الإبادة البيئية أهميته الأخلاقية والسياسية، ليس فقط كتعريف تقني، بل كدعوة للاعتراف القانوني الدولي بهذا النوع من الإبادة. فالمأساة لا تقتصر على الجانب البيئي التقني، بل تمتد إلى الأبعاد الإنسانية والدينية. فالأنقاض نفسها تخفي في طبقاتها بقايا آلاف الضحايا، مما يثير قضايا قانونية ودينية وأخلاقية حول آليات التعامل مع هذه الرفات البشرية في ظل انهيار أنظمة الإنقاذ والخدمات. وفي هذا السياق، فإن دفن الموتى وفق الشريعة الإسلامية واجب ديني وحق إنساني لا يجوز انتهاكه، وانتهاكه خرق لمقاصد الشريعة المتعلقة بحفظ كرامة الإنسان. ففي التصور الإسلامي، الإنسان مُكرم في حياته وبعد مماته، ومثواه الأخير ليس مجرد إجراء إداري، بل امتداد رمزي لحقه في الانتماء إلى الأرض التي عاش عليها، وحق مجتمعه في حفظ هويته وذاكرته الجماعية.
المجاعة كسياسة: من الاستنزاف البيئي إلى الإبادة البيولوجية
إذا كانت تسليح البيئة في غزة يعيد تعريف أدوات الردع في الحروب الحديثة، فإن المجاعة الجماعية تشكل الواجهة الحيوية لهذا الردع. هنا، يُستكمل التدمير البيئي باستراتيجية استنزاف بيولوجي منهجي يستهدف البنية الحيوية للسكان، لا مجرد بنيتهم العمرانية. فالتدمير البيئي لا يكون فعالًا إلا بتحويل شروط البقاء البيولوجي إلى معادلة مستحيلة؛ وبالتالي، تصبح الحياة اليومية صراعًا مستمرًا من أجل البقاء في ظل غياب المياه النظيفة، وانعدام الأمن الغذائي، وانتشار الأوبئة، وانهيار المنظومة الصحية. وفي هذا السياق، تُستخدم سياسات الغذاء والصحة كسلاح مركزي ضمن منظومة الإخضاع، حيث يُخضع السكان لوضع معيشي مشروط ومؤقت، يتحكم فيه آليات الحصار وتوزيع المساعدات، أشبه بحالة "مجاعة مُدارة".
لذلك، لا أتحدث هنا عن أزمة إنسانية طارئة ناتجة عن ظروف الحرب، بل عن سياسة ممنهجة تعيد هندسة البيئة الحيوية للسكان بطريقة تؤدي إلى تفكيكهم داخليًا. يجادل خبير العلوم السياسية البارز الدكتور حسن نافعة بأن إسرائيل نجحت في تدمير قطاع غزة، وجعله غير صالح للسكن. لقد قتلت وجرحت ودفنت ما يقرب من 10% من سكانه، واتبعت سياسة ممنهجة لتجويع وإذلال وإخضاع من تبقى، بهدف دفعهم إلى المغادرة. وبالتالي، يتجاوز العمل العسكري نطاق "الإبادة البيئية" ليصل إلى ما يمكن تسميته "الإبادة البيولوجية"؛ أي التدمير المنهجي للقدرات الحيوية للإنسان، جسديًا ونفسيًا، عبر التحكم في شروط الحياة الأساسية: الماء والغذاء والدواء. وهذا النمط من السياسات، في مضمونه ووظيفته، يخضع لتوصيف قانوني صارم بموجب القانون الدولي. في الواقع، ينص القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن "الاستخدام المتعمد للمجاعة كوسيلة للحرب" هو جريمة حرب، وهي نقطة أكدتها أيضًا المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، التي تحظر مهاجمة المدنيين أو تدميرهم أو تجويعهم عمدًا.
وفي هذا الإطار، لم يعد استخدام المجاعة مجرد ادعاء أخلاقي أو وصف إعلامي؛ بل أصبح جزءًا من لائحة الاتهام الرسمية التي قدمها المدعي العام كريم خان أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن السابق، يوآف غالانت، في 20 أيار/مايو 2024. استندت التهم إلى فرض حصار شامل وطويل الأمد على قطاع غزة، بدأ في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، من خلال الإغلاق التام للمعابر الحدودية الثلاثة (رفح، كرم أبو سالم، بيت حانون)، تلاه تقييد تعسفي للإمدادات الأساسية، وخاصة الغذاء والدواء، حتى بعد إعادة فتح بعض المعابر جزئيًا.
لتعزيز هذا الوصف الجنائي، يجب الإشارة إلى أن منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية ذات المصداقية، مثل بتسيلم (B’Tselem) وأطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل (PHRI)، قد وصفت، في بيانات نقلتها صحيفة الغارديان، السياسات الإسرائيلية في غزة بأنها "عنف منظم وموجه يهدف إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني أخلاقيًا وماديًا"، وذلك عبر "حرمان السكان من الحد الأدنى لشروط العيش الكريم"، وتدمير البنية التحتية الصحية والغذائية كجزء من استراتيجية إخضاع طويلة الأمد.
وهكذا، نواجه نمطًا معقدًا من الإبادة، لا يبدأ بتفكيك البيئة كحاضنة للحياة، بل يتوج بتفكيك الإنسان نفسه، ككيان بيولوجي ونفسي واجتماعي. لقد تحولت الحرب، في جوهرها، من صراع مسلح إلى هندسة بيولوجية لانقراض تدريجي، حيث تُعاد رسم حدود الوجود الإنساني عبر أدوات الحياة نفسها – الماء والغذاء والدواء – التي أصبحت أدوات قتل بطيئة ومنهجية، أكثر فتكًا من الرصاص. فهل من منقذ لغزة؟!