لسنا بحاجة إلى مرور عام أو أكثر عليها، ولا إلى استئنافها مجددًا بعد هدنة هشة، ولا إلى رؤية أجساد تتطاير في الهواء من قوة القصف، ولا إلى عد المجازر المرتكبة منذ بدايتها؛ لندرك أن الحرب الإسرائيلية على غزة ليست مجرد حرب أخرى في سلسلة الحروب التي شنتها على القطاع سابقًا. كل ما يحدث، منذ يومها الأول، يوحي بأن هذه الحرب تتحول إلى شيء آخر أشد رعبًا: استراتيجية إبادة تُدار بوعي كامل.
وبينما تبدو بعض الأفعال الإسرائيلية العدوانية، مثل قصف المستشفيات ومراكز الإغاثة والمدارس ومراكز الإيواء؛ مجرد انفعالات مفرطة أو ردود فعل هستيرية على هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، فإن التكرار والنمط والتصعيد وتوسيع رقعة سياسة العقاب الجماعي التي امتدت من غزة إلى الضفة الغربية، بل تكاد أن تتجاوز فلسطين إلى محيطها؛ تؤكد أننا أمام شيء مختلف تمامًا يتجاوز الحرب العبثية: توحش يرتدي قناع الجنون!
جنونٌ يديره رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي يهوى إظهار نفسه بوصفه قائدًا لا يمكن التنبؤ بردود أفعاله لإرهاب خصومه وإخضاعهم، وهو ما يسمى في الأدبيات السياسية بـ"عقيدة الجنون"، التي استخدمها ريتشارد نيكون في فيتنام، ويستخدمها نتنياهو اليوم في غزة.
لكن الفارق ربما أن هذا الجنون لم يعد تكتيكًا تفاوضيًا بل سياسة خارجية دائمة، في الوقت نفسه الذي تتحول فيه الإبادة الجماعية إلى أداة هندسية ديمغرافية. أمام ذلك، لا بد من التساؤل عن كيفية فهم هذا السلوك الإسرائيلي من منظور استراتيجي بعيد عن العاطفة، وعما سيحدث حين يصير الجنون سياسة خارجية دائمة، والإبادة أداة هندسة.
من الرد إلى الإبادة
في العودة إلى هجوم 7 أكتوبر، والوقوف عند ما حدث من فظائع في قطاع غزة منذ ذلك اليوم وحتى الآن، ندرك أن الهجوم لم يكن سوى ذريعة منحت إسرائيل الفرصة لتفعيل استراتيجية اتضح أنها كانت جاهزة منذ زمن. فالعدوان الذي صوِّر في أيامه الأولى على أنه رد على الهجوم، تحوّل بسرعة إلى شيء آخر تمامًا: عملية تدمير مستمرة للمجتمع الفلسطيني في قطاع غزة لا بوصفه تهديدًا عسكريًا، بل باعتباره وجودًا بشريًا يجب التخلص منه.
على مدار عام ونصف، تعمدت إسرائيل استهداف كل ما يجعل من الحياة ممكنة: الأحياء السكنية والمدارس والمستشفيات ومحطات الطاقة والمياه، وحتى الطرق التي تسلكها سيارات الإسعاف، التي كانت هي نفسها هدفًا لضربات الاحتلال. ما يُقال ادّعاءً بأنه أهداف عسكرية تابعة لـ"حماس"، هو في الواقع بنية تحتية لمكان عانى من حصار خانق على مدار ما يقرب من 20 عامًا.
والحديث عن أهداف عسكرية لا يمكن أن يكون واقعيًا ونحن نشاهد مساحات مخيفة من الركام بما يكفي لنكون على قناعة بأن التدمير الذي بدا عشوائيًا في ظاهره هو في جوهره منظم لأنه الهدف الأول للحرب لكونه ما يضمن لإسرائيل ما تريد: تدمير المجتمع الفلسطيني وتدميره.
أمام ذلك كلّه، ببشاعته وفداحته، تبدو محاولات تفسير هذا التحول بمنطق العقاب أو الردع قاصرة لأنه - التحوّل - يعبّر عن نية أخرى مختلفة تمامًا، وقديمة تمامًا: إنتاج بنية من الرعب الدائم والخراب الكامل اللذين يجعلان من البقاء خيارًا غير ممكن، أو لا يُحتمل في أفضل الأحوال. لذلك، بوسعنا القول إنها حرب على الكرامة، على معنى أن تكون فلسطينيًا في غزة، على أن تبني بيتًا وأن تربّي أولادًا. إنها حرب على حق الإنسان في أن يستيقظ صباحًا من دون أن يُدفن ظهرًا.
تطرفٌ يُدار باسم الشراكة الاستراتيجية
عامٌ ونصف من الحرب مدة ما كانت إسرائيل لتتحملها من دون دعم الولايات المتحدة الأميركية السياسي والمادي. آلة الحرب التي تُمطر 365 كم مربع بالقذائف والغارات على مدار الساعة، لم تكن لتتمكن من ذلك لولا اليد الأميركية التي تغذيها من جهة، وتمنحها الغطاء السياسي الذي يحميها من المساءلة من جهة أخرى.
والتوقف عند هذا الغطاء ضرورة في أي قراءة لما يجري في غزة، خاصةً أنه لا يأتي من التفهم الأميركي التقليدي لـ"مخاوف إسرائيل الأمنية"، بل من تحول جوهري في العقيدة السياسية الأميركية تجاه الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية خصوصًا.
تعود بداية هذا التحول إلى الولاية الأولى لدونالد ترامب، لكنه تعمّق خلال ولاية بايدن الذي لم يأخذ مسافة من سياسات سلفه، الذي عاد إلى البيت الأبيض مجددًا ليواصل ما بدأه قبل خمس سنوات عبر "صفقة القرن"، لكن بشكل أكثر تطرّفًا.
فالصفقة التي كانت بمثابة إعلان نوايا استيطانية واضحة تُصنِّف الفلسطينيين على أنهم "مشكلة ديمغرافية" يُراد التعامل معها بأدوات دبلوماسية، تُنفّذ اليوم بأدوات عسكرية بحتة. والمشكلة الديمغرافية التي كان الإسرائيليون يبحثون عن حل لها، أو عما يبرّر هذا الحل، وجدوا لها مخرجًا خلال هذه الحرب يتمثل في تهجير الفلسطينيين، الخيار الذي طرحه ترامب سابقًا، لكنه يتبناه اليوم بصورة أكثر حدة، إذ بات يتعامل مع القطاع كما يتعامل مع العالم عمومًا: كرجل أعمال يرى في القضايا السياسية الكبرى صفقاتٍ وأرباحًا واستثمارات.
تصنيف الفلسطينيين على أنهم مشكلة ديمغرافية منح إسرائيل تفويضًا مفتوحًا لـ"حلّها" بالطريقة التي تراها مناسبة، وهي الطريقة التي تجلّت، أو أُتيحت لها الفرصة لتطبيقها، في قطاع غزة؛ الذي لم يحضر في صفقة القرن بوصفه مجرد قضية إنسانية أو أمنية، وإنما مساحة يُراد تنظيفها من سكانها، أو على الأقل دفعهم نحو خيار الرحيل، وهو ما بات اليوم أكثر قابلية للتطبيق مما كان عليه في السابق.
لم يعد الدعم الأميركي محصورًا في إرسال الأسلحة، بل تجاوزه نحو هندسة الخطاب الدولي بما يخدم مصالح إسرائيل، وتحييد مجلس الأمن لضمان استمرار حربها الوحشية، وشيطنة المحكمة الجنائية الدولية لتوفير الحصانة لها من المساءلة، والتغاضي عن كل ما تُجمع عليه المواثيق الحقوقية. ولذلك، ما تمنحه واشنطن لإسرائيل ليس مجرد "ضوء أخضر"، بل نظام إحداثيات كامل لتفكيك فلسطين سياسيًا وبشريًا.
إنها، عبر ضغطها لمنع وقف إطلاق النار، وصمتها عن التجويع الذي تستخدمه إسرائيل سلاحًا ضد الفلسطينيين، وإعادة تعريف الإبادة الجماعية بوصفها "حقًا في الدفاع عن النفس"، لم تعد متواطئة فحسب، وإنما شريكة في التخطيط لكل ما تعرض له الفلسطينيون في غزة. هكذا تحوّلت العدالة إلى ملف تفاوض، وأصبحت حقوق الإنسان امتيازًا يُمنح بناء على الولاء السياسي.
وهكذا أصبحت المجازر في غزة "تعقيدًا دبلوماسيًا" وليس جريمة، بل وصار يُطلب من الضحية أن يتفهم حرية القاتل في إنهاء حياته! وأمام كل ما سبق، لا تعود الحرب في غزة مجرد عمليات قصف وتدمير، بل نمط منهجي من تفكيك شروط البقاء الإنساني. إنها ليست حربًا ضد "حماس" أو المقاومة عمومًا، وإنما ضد: الحياة.
هي حربٌ ضد الحياة لأن استهداف المستشفيات ليست الغاية منه قتل المتواجدين فيها فقط، وإنما تجريد المجتمع من معنى الرعاية، وفكرة أن هناك من يضمد الجراح. ولأن قصف محطات الكهرباء والمياه ليس الهدف منه حرمان غزة من هذه الخدمات، بل كسر الروتين اليومي للحياة، وإدخال العطب إلى أبسط تفاصيل حياة الناس اليومية: غسل، أكل، شرب، نوم، وغيره. والهدف من استهداف الدفاع المدني وطواقم الإسعاف هو أن تُمحى آخر نقطة أمل للنجاة من بين الأنقاض بحيث لا يعود الموت محتملًا، بل مؤكدًا. أما قصف مراكز الإيواء، فالغاية منه أن يفهم الفلسطينيون أن: لا مكان لكم هنا، بيوتكم ليست آمنة، وكذلك البدائل.
التعامل مع كل هذا بوصفه جزءًا من سياسة "الضغط العسكري" لا يبدو أمرًا صائبًا، لأن ما يحدث هو تطبيق حثيث لما يمكن تسميته "سياسة القتل الممتد" التي تسعى دولة الاحتلال من خلالها إلى دفع الغزّي إلى "التآكل الذاتي". الأحرى أنها سياسة "الموت بالبطء" التي تضع الغزّي أمام خيار الخروج من بيته مجبرًا لا لأن القصف دمّره، وإنما لأن الحياة أصبحت غير قابلة للاستمرار.
ما تفعله إسرائيل، ببساطة، وبدعم أميركي مُطلق، بل وشراكة مباشرة؛ هندسة بيئة - نفسية للتهجير يُدمّر فيها النظام الصحي، والتعليمي، والإغاثي، والإعلامي؛ لتبدو غزة وكأنها منطقة مجرّدة من الحياة، بعيدة عنها، وأقرب إلى تجويف في الجغرافيا لا يصلح إلا للموت. كل هذا جزء من مشروع طويل الأمد تمضي دولة الاحتلال قُدمًا في تنفيذه.
حين يُصبح الجنون عقيدة دولة
السلوك الإسرائيلي في قطاع غزة ليس "اندفاعًا هستيريًا" تحرّكه انفعالات/ أمزجة متقلّبة، كما أنه ليس رد فعل عشوائي على صدمة مفاجئة. إنه، في أدق تعريفاته ربما، نظام دقيق للعنف "المقونن". فما يقوله نسق الأفعال وترتيب الضربات وهندسة الاستهداف وصمت العالم على كل ما سبق، أن ما يحدث لا يمكن أن يكون فوضى أو جنونًا. وإن كان جنونًا، فإن مصدره ليس غياب العقل، وإنما عقل يعمل خارج حدود الأخلاق انطلاقًا من الفكرة الصهيونية الأصلية: أرض بلا شعب، أو شعب يمكن تفريغه بالتدريج عبر الحصار والقصف واليأس والخنق والإبادة الجماعية كخيار أخير!
الجنون هنا أبعد ما يكون عن مجرد سلوك. إنه أداة لتبرير ما لا يمكن تبريره، وجعل كل ما يحدث في غزة قابلًا للتأويل، حتى المجازر. وهو أيضًا، في الوقت نفسه، ليس جنونًا طارئًا بل خطة ممنهجة لتفريغ غزة من سكّانها، أو من قدرتهم على المقاومة والبقاء فيها. هكذا لا نكون أمام إبادة جماعية، بل إبادة محسوبة لا يُراد منها قتل الجميع، وإنما كل ما يمكن أن يجعلهم قادرون على البقاء.
تتطلب منا مواجهة ما سبق، أولًا، أن نسمي الأشياء بأسمائها. أن نقول إن ما يجري في قطاع غزة ليس انفعالًا ولا حتى جريمة حرب، وإنما سياسة إبادة تُمارس بدم بارد لتفكيك وجود الشعب الفلسطيني. ولا يمكن مواجهة سياسة كهذه بالإدانات وبيانات العتب السياسي، وإنما عبر مشروع مضاد يمتلك لغة وقوة واستراتيجية بحجم الكارثة، ويتجاوز توثيق الإبادة الجارية إلى الوقوف عند ما يُنتجها والتصويب عليه: التواطؤ، الإفلات من العقاب، واحتكار المعنى والضحية.
الخلاصة أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع غزة على أنها مساحة لاختبار حدود القوة فقط، وإنما لإعادة تعريف ما يُمكن أن يُرتكب، بغض النظر عن فداحته وبشاعته وقسوته، دون أن يهتز العالم لأجله. هكذا تحوّل الجنون إلى سياسة خارجية تُدار بآلة متقنة للإبادة تنفي أن تكون هذه الحرب نتاج فقدان للسيطرة، وتؤكد بأن ما تتعرض له غزة، منذ البداية، هو محاولة كاملة للسيطرة على أصغر وأدق التفاصيل، حتى تفاصيل الدمار!
وبينما يصوّر البعض، لأغراض تبريرية أو غيرها، أن ممارسات إسرائيل في غزة مرتبطة بفقدانها لـ"رشدها" بعد 7 أكتوبر، تُثبت هذه الممارسات نفسها أن ذلك مجرد ادعاء يصرف النظر عن حقيقة أن إسرائيل قوة استعمارية تُعيد صياغة مشروعها بالعنف، أو عبر ممارسة الكثير من العنف، مدعومةً بغطاء سياسي أميركي، وحياد دولي مخزٍ، وعجز عربي قاتل.
لذلك، لم يعد السؤال المطروح هو: إلى أين تتجه الحرب؟ وإنما: ما الذي يمكن فعله حين تصبح الحرب ذاتها هي النظام؟ الإجابة ليست في وقف إطلاق النار، بل في وضع حد للمنطق الذي يجعل من القتل سياسة تُمارس بصورة يومية بحيث تصبح جزءًا من طبيعة الحياة اليومية للفلسطينيين سواء في غزة أو حتى الضفة؛ والذي يجعل من الصمت شراكة، ومن الهدنة فرصة للتخطيط لبدء إبادة جديدة. فما يمكن تعلّمه من الحرب على غزة أن الجنون حين يصبح قابلًا للتكرار، لا يعود جنونًا بل عقيدة دولة، واستراتيجية خراب لا بد من مواجهتها بالعقل، وبما تبقى من ضميرٍ في هذا العالم.












