لا يمكننا أن نكتب خارج حدود عالمنا الجغرافي، فحتى لو دفعنا الإبداع إلى الخيال سيظل واقعنا آسرًا لمخيلتنا. لكن من خلال البحث في العوالم الفنية نجد علامات من الواقع، ومن خلال إعادة قراءة إبداع الآخرين نصل إلى حقيقة واقعهم المَعيش.
في كتابها "عربية في إيران" تعرض لنا الكاتبة السورية "ندى الأزهري" جزءًا من سيرتها ويومياتها داخل إيران، كناقدة سينمائية، وكامرأة، وكعربية، وكأجنبية بحكم إقامتها في فرنسا أغلب حياتها. تحكي عن تفاصيل يومية، رئيسية وهامشية تخصها، ولكنها تتقاطع بشكل أساسي مع واقع معيش داخل دولة لا نعرفها بشكل كامل رغم رسوخها في الوعي الجمعي لقطاع كبير من العرب كعدو، أو بشكل أقل وطأة كنقيض عمومي للدول العربية. نعرف عن إيران نُتَفًا يسيرة من حوادث كبرى. حزب الله، ريحانة جباري، السينما الإيرانية، المذهب الشيعي، ولكن يخفى عنا الكثير والكثير.
"في الكتابات التي لا حصر لها عن إيران هم الغائبون فقط، أولئك الذين ليسوا سياسيين أو شخصيات من السلطة، ولا معارضين مشهورين أو ناشطين معروفين جيدًا لوسائل الإعلام الأجنبية، ولا نجومًا سينمائيين".
عربية في إيران | ندى الأزهري
تسعى الأزهري داخل كتابها لتسليط الضوء على أعمال سينمائية هامة، متحققة وحائزة على جوائز كبرى، وكذلك تفعل تجاه صُناع السينما الذين نجحوا في وضع السينما الإيرانية على الخارطة العالمية. في سيرها الدائم في شوارع إيران، وتنقُّلاتها خلال العطلة الأسبوعية أو الإجازات الرسمية والأعياد تنقل لنا من موضع صفري حقيقة هذا الشعب الإنسانية، مدى تناقضاته ومدى رضاه عن حكومته وعن نفسه. فعلى الصعيد السياسي تنقسم إيران ما بين محافظ وإصلاحي، ولكن في الداخل هناك انقسامات أكثر وأكثر.
في الشهور السابقة جمعني حديث ودي مع صديقي الكاتب الكويتي عبدالوهاب الحمادي في القاهرة، كنا نحكي عن الحرب والسياسية والثقافة والفن حينما باغتني بالسؤال: ماذا تعرف عن إيران؟ التزمت الصمت ثانيتين قبل أن أقول ما ذكرته بالأعلى، وقتها ابتسم وقال لي: أنت لا تعرف عن إيران، أنت تعرف ما يعرفه الناس عن إيران. وبدأ في سرد حكاياته الشخصية عن بلد جميل جغرافيًّا وشعب ودود اجتماعيًّا. فكرت وقتها فيما يمكن أن يقلل مساحة جهلي فوجدتني ألجأ إلى المكتبة!
المرأة في السينما والأدب الإيرانيين
بحكم الظروف الاجتماعية لا نعرف كثيرًا عن إيران، فبينما انتشرت السينما الإيرانية بفضل الاعتراف الأوروبي/العالمي بها ظل الأدب الإيراني بعيدًا عنا، في معزل بسبب اللغة ومشكلات الترجمة وسوء الظن الجمعي! لكن منذ سنوات بادرت "منشورات الربيع" في مصر بخوض تجربة طرح أعمال أدبية مختلفة من الأدب الإيراني، قصص قصيرة وأنطولوجيا وروايات لأجيال متعددة، وأصوات تكشف مدى تباين هذا المجتمع، وعمق التشابه بينه وبين المجتمع العربي.
يسرد الكاتب الإيراني "علي أشرف درويشيان | 25 آب/أغسطس 1942 - 26 تشرين أول/أكتوبر 2017" لمحات من طفولته القاسية. ويتداخل الذاتي مع المُتخيل في أعماله المستوحاة من سيرته الذاتية التي اكتسبت قيمتها بحكم الخبرات الحياتية الصعبة التي اختبرها.
في مجموعته القصصية "آبشوران" المنشورة عام 1975 والتي تحمل اسم الوادي الذي وُلد فيه، والتي صدرت بالعربية عام 2023 بعنوان"أمي العزيزة.. ما الأمر؟" عن "منشورات الربيع - مصر" من ترجمة المترجم والباحث المغربي د. أحمد موسى، يؤطر الكاتب دور المرأة في مجتمعه عن طريق استحضار صورة الأم الخارقة التي تقوم بكل المهام. في المتتالية القصصية نجد ملامح أساسية مثل الفقر والجهل. تعمل الأم طيلة الليلة لإطعام ثلاثة أطفال والإشراف على تعليمهم، بينما يخرج والدهم كل يوم ويعود خالي الوفاض إلا من المخدرات التي إن لم ينجح في الحصول عليها فستنقلب حياة الأطفال إلى جحيم. يروي الطفل قصته ويصف قرقرة المعدة من الجوع وشدة برودة الطقس في الليل، وسعي الأم لتفادي غضب الأب العاطل وفي الوقت نفسه لتفادي شر رب العمل الذي لا يتهاون في أي تأخير. في وثيقته لا يسعى درويشيان لوصف حياته باعتبارها شيئًا مأساويًّا خاصًا به فقط، بل إنه يؤكد في مقدمة المجموعة أن ما يعكسه أدبه من معاناة المرأة تحت وطاة السلطة الدينية والذكورية هو حقيقة ما يعيشه مجتمعه منذ سنوات.
على العكس تمامًا. نجد في أدب "محمود دولت آبادي - 1 آب/أغسطس 1940" انغلاقًا أكبر على الذات. ففي أعماله المعروفة، والتي صدر منها بالعربية رواية "طريق الذبح" عن منشورات الربيع في 2024 نجد الهم السياسي يمثل نواة الرواية التي تدور أحداثها خلال حرب العراق وإيران أو ما يُعرف بحرب الخليج الأولى -1980 / 1988- اشتهرت كتابات دولت آبادي بهذا النسق، الهموم السياسية ومشاكل الحرب وسؤال أزمة الفرد في مجتمع قامع لكل فئاته. في روايته القصيرة (160 صفحة) لا توجد امرأة واحدة داخل النص! عمل روائي كامل يناقش الحرب من وجهة نظر بطل النص الذي يعمل ككاتب لا يتوقف عن المسألة بشكلٍ أخلاقي عن الحرب ومدى فائدتها. يُقصي آبادي المرأة من النص باعتبارها لا تخوض الحرب ولا عمل لها في الشأن السياسي، ولكن هذا الإقصاء داخل نص أدبي ليس متعمدًا، لأن الهم الأساسي في إيران هو الهم السياسي الذي تتفرع منه فيما بعد كافة الهموم. في نفس السياق جاءت أعمال "سيمين دانشور 1920 - 2012" التي يعتبرها النُقاد أول روائية إيرانية كونها أول امرأة نشرت رواية وهي رواية "سووشون" عام 1969 في العاصمة الإيرانية طهران، وأول امرأة نشرت مجموعة قصصية وهي صاحبة صوت روائي فريد ساهم في تطوير فن الرواية الإيراني. في حياتها سعت سيمين لإنتاج الأعمال الناقدة لسياسة الدولة. ففي الرواية الصادرة في نسختها العربية عن دار "الرافدين" بالعراق ومن ترجمة د. إيناس شديفات، تستخدم دانشور الرمزية لنقد التاريخ والواقع الإيراني إبان فترة الحرب العالمية الثانية حينما كانت بريطانيا تُسيطر على الدولة وتمتص كل مواردها.
تقاطعات السينما والدولة والمجتمع
تُعرف السينما الإيرانية على نطاق واسع بكونها سينما الهموم، بالإضافة لكونها سينما إنسانية تتماس مع قضايا عامة بلا تمييز جغرافي. صحيح أن أبرز وأشهر أفلامها تم تصويرها خارج البلاد أو كانت بالاشتراك مع عناصر غير إيرانية ولكنها في الأساس هدفت لتسليط الضوء على المعاناة مثل فيلم "رجم ثريا 2008" المقتبس عن رواية تحمل نفس العنوان للكاتب الفرنسي الإيراني "فريدون صاحب جم" والذي يحكي فيها قصة حقيقية حدثت عام 1986 حينما تم الحكم بالرجم على السيدة "ثريا منوتشهري" بعدما تم تلفيق تهمة الزنا -بالباطل- من زوجها، وبمساعدة رجال الدين، والسبب كان رفضها لزواجه عليها أو تنصله من حقوقها بعد الطلاق. في الفيلم الذي يقارب ساعتين نجد بؤس الحكم الديني ومدى قسوته حينما ينفذه من يريدون خدمة النصوص الدينية لصالحهم، وبابتعادهم عن صحيح هذا الدين أو عن تطبيقه بشكلٍ عادل حتى يتحول بين أيديهم إلى سلاح قاتل لكل خصومهم، الذين عادة ما يكونون أقلية سواء كانت دينية أم عرقية أم جندرية.
في نفس السياق الذي يوضح مدى معاناة المرأة الإيرانية صدر فيلم "انفصال نادر وسيمين" عام 2011 من كتابة وإنتاج وإخراج "أصغر فرهادي" أحد نجوم الكتابة والإخراج السينمائي في العالم. يتحدث الفيلم في بدايته عن رغبة امرأة في الطلاق من زوجها لأنه لا يريد السفر وترك والده الذي يعاني من فقدان الذاكرة وحده، بل يرفض فكرة السفر في العموم حتى مع الوالد، ومع تصاعد الأحداث يناقش الفيلم تفاصيل حياتية أدق، كالحجاب المفروض على المرأة والذي نجده ملتصقًا برأس كل الممثلات في كافة المشاهد، أو الأزمة الاقتصادية التي تدفع زوج المرأة العاملة لمحاولة التربح من موت ابنه في بطن زوجته وذلك بمحاولة إثبات ضرب نادر -بطل الفيلم- لزوجته بكل الطرق للحصول على تعويض كبير.
في كتابه "من الصورة إلى الصورة" (كيف يُكتب السيناريو؟) الصادر عن دار الرافدين/ العراق ودار تكوين / الكويت عام 2024 بترجمة "أصغر علي كرمي" يتحدث فرهادي عن عقبات العمل السينمائي ومشكلاته داخل إيران، حيث الرقابة تمنع كل ما يمكنه أن يصنع فيلمًا سينمائيًّا.
"بعض العلامات لها مرجعيتها داخل الفيلم وبعضها لها مرجعيتها خارج الفيلم. على سبيل المثال، يتم إنتاج فيلم عن الحجاب بين النساء الإيرانيات ويتم عرضه في نيوزيلندا، ويشاهد الجمهور في ذلك البلد الفيلم، وإذا كانت هناك علامات على الحجاب في هذا الفيلم، فيجب على مجتمعنا أن يفهم ما هي. على سبيل المثال، معرفة أن الحجاب شيء فرضته الحكومة، وله خلفية دينية، وما إلى ذلك، وتصبح هذه الإشارة ذات معنى خارج الفيلم. أي أن نصفها خارج الفيلم، ويصبح لها معنى بجانب الإشارات الموجودة داخل الفيلم، إلا أن بعض الإشارات لها مرجعيتها داخل الفيلم. أفضّل العلامات المشار إليها داخل الفيلم".
ولا يبتعد الأدب الإيراني أبدًا عن الواقع السياسي الإيراني الملتبس، والذي يُعد أصل كل الشرور التي تصيب كل فئات المجتمع. للنساء في هذا المجتمع النصيب الأكبر من المعاناة بسبب القوانين غير المنطقية المفروضة على المرأة الإيرانية، بداية من غطاء الشعر للطفلة من عمر ست سنوات و"التشادور" الزي العام المرأة الإيرانية الذي يغطي كل جسدها، وصولًا لسن الزواج الذي يبدأ من 13 عامًا استنادًا لنصوص دينية لم يعد ممكنًا العمل بها.
في كتابها "السينما والمجتمع الإيراني" الصادر عن دار "المحرر" بمصر، تعرض الكاتبة والباحثة المصرية "إسراء عصام" تاريخًا طويلًا من صراع صُناع السينما مع الرقابة في إيران. إضافة إلى ذلك تتطرق للعديد من العادات والتقاليد الاجتماعية الخاصة بهذا الشعب الذي لا تغيب معاناته عن أحد. صحيح أن هذه المعاناة يتم الترويج لها لأهداف سياسية، ولكن الواقع الإيراني في عمومه غير رحيم بأحد، فنجد مثلًا "منظمة باسيج التلاميذ" التي ضمت بحسب إحصائيات عام 2022 أكثر من خمسة ملايين طفل يتم تطويعهم داخل صفوف الجيش والعمل كقوات نظامية داخل الدولة في انتهاك صارخ لحقوق الطفل.
"فالمجتمع كالنهر ينعكس منبعه على مصدره ليعود مصدره مرة أخرى ليتراكم في نواته ومنبعه، كدائرة تعود نقطة بدايتها بها دومًا إلى نهايتها."
السينما والمجتمع الإيراني | إسراء عصام
في الفيلم الإيراني «سجن النساء» (زندان زنان) للمخرجة «منيجة حكمت» (منیژه حکمت) والذي تم إنتاجه في العام 2002 نجد تسليطًا كبيرًا للضوء على قضايا عمومية داخل المجتمع الإيراني. يعرض الفيلم حوالي 20 عامًا داخل سجن النساء الإيراني الذي ظهر في الفيلم كفضاء سردي غير إنساني مكتظ بالمحكومات اللاتي يخضعن للعقوبة بسبب اتهامات تافهة مما يُشير لغياب العدالة التي تستخدم الحكم بالعصا والحديد على الأقليات. يبدأ الفيلم من حرب الخليج وبعد الثورة الإسلامية في إيران 1979 وتعرض المخرجة نتائج هذه الثورة وانعكاسها على السجن. في سعي لإبراز معاناة المجتمع تحت الحكم الديني الذي يتوجه بالاضطهاد نحو النساء بشكلٍ مستمر، مؤكدة في لمحات عديدة داخل الفيلم الذي يزيد عن ساعة ونصف أن نتيجة القمع المستمر لم تؤدِّ إلا لزيادة عدد السجناء. تدور أحداث الفيلم داخل إطار مزعج بصريًّا ما يعكس الشعور الكُلي بالإهانة والمعاناة، إضافة لتشديد إدارة السجن بضرورة الحفاظ على ارتداء الحجاب، ما يبدو أكثر من توكيد، وكأنه كل رغبة السلطة الحاكمة في إيران التي ترى أن المرأة كائن نصفي وليس كامل، يجب أن يخضع للسلطة ويطبق حدودها بلا أي نقاش لاستناد هذه السلطة في الأساس على الدين!
في كتابها، تتطرق "إسراء عصام" لمناقشة قوانين المرأة داخل المجتمع الإيراني. الزواج والطلاق، تبجيل الأسرة ونسب الزواج من القاصرات وارتفاع معدلات الطلاق ومشكلاته داخل المحاكم، العادات والتقاليد الاجتماعية، السينما التي تناولت وضع المرأة، ومشكلات هذه السينما التي يحاول صانعوها طيلة الوقت التحايل على الرقابة التي لا تتوقف عن منعهم من القيام بأبسط المهام كمنع التصوير في أماكن محددة أو تحديد إقامة صناع السينما بسبب تهم ملفقة أو غير منطقية، بالإضافة للعلاقة بين الرجل والمرأة التي تحظرها الرقابة تمامًا بأي شكل، مهما بدا الأمر عابر أو طبيعي داخل الفيلم السينمائي فإنه يجب أن يخلو من أي ملامسة بين الرجل والمرأة، إضافة لمنع وجود النساء الإيرانيات كأبطال لهذه الأعمال السينمائية في فترة من الفترات.
"مقتل 27 امرأة على يد أزواجهن أو آبائهن خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2023".
صحيفة الشرق الإيرانية
سينما وأدب الهموم الشخصية
منذ فوز فيلمه "طعم الكرز" بجائزة السعفة الذهبية عام 1997 في مهرجان كان تم تلقيبه بالعالمي، ولكن من غير المعلوم أن "عباس كياريستمي 1940- 2016" هو أيضًا شاعر انطبعت أشعاره على أعماله الفنية جميعها، وانتقلت بصمته الهادئة من الشعر إلى كتابته السينمائية المدهشة.
"في حوار لي معه في طهران، قال: إن ناقدًا كتب عنه يومًا أنه كان يركّز باستمرار في مجمل أعماله على العلاقات الإنسانية ويبحث بوجه خاص في أفلامه عن وسائل لإلغاء ”سوء الفهم والتفاهم“ بين الأفراد وبين الإنسان ومحيطه؟ علّق بأنه حين يفكر جيدًا في مقولة الناقد يجد أنه ربما كان محقًّا! فهناك دراسات نُشرت عام ألفين ذكرت أن القرن العشرين كان بامتياز قرن ”سوء التفاهم“ بين البشر!"
عربية في إيران | ندى الأزهري
في طعم الكرز لا نجد أكثر من رجل يقود سيارته. نفهم فيما بعد من خلال تثبيت الكاميرا عليه مدى شعوره بالحزن، لا نعرف دافعه للموت ورغبته في الانتحار، ربما غياب المرأة، الحرب التي لا يخلو أي عمل أدبي أو فني منها، بالإضافة إلى الثورة. لا نعرف السبب. رجل يريد أن يموت ويبحث عن من يدفنه بعد موته
"حين خرجت من المنزل
لم يكن هناك أحد
سواي
والقمر.
***
سلّموا جذوع الأشجار
للمنشرة،
الثلاثاء القادم
ستكون ألواح الخشب
جاهزة".
عباس كيارستمي | ديوان "ريح وأوراق" منشورات المتوسط 2017 من ترجمة "محمد الأمين الكرخي".
تتجلى الفردية داخل أعمال عباس كياريستمي. فهي محاولة لفهم النفس البشرية والنظر إلى داخلها وتفسيرها أكثر من تفسير العالم، لذلك لا نجد أكبر من بطولة ذاتية ومحورية في أشعاره وأعماله باختلاف لمساته فيها.
"في إيران يقولون إن الانسان عندما يهتم بشيء ما فإنه يراه بعينين غير عينيه العاديتين، أردت في أفلامي أن أسجل ما تراه تلك العينان من مشاعر، من معاناة إنسانية، أردت أن أظهر في أفلامي ما لا تراه العين المُجردة من صراع وأتمنى أن اكون نَجحت في ذلك". عباس كيارستمي
في سياق مختلف، ويعود أيضًا إلى التضييق الرقابي الذي يدفع المهتمين بالسينما إلى التحايل بشتى الطرق على الرقابة، أخرج "جعفر بناهي 1960" السيناريست والمخرج الشهير فيلمه "تاكسي طهران" عام 2015. من خلال كاميرا مثبتة على لوحة القيادة ترصد حواراته كسائق مع رواد التاكسي، يعكس بناهي صورة حية من قلب الشوارع، مليئة بالدراما والكوميديا. ولا يغيب عن السينما أو الأدب الإيراني الازمات الأساسية المتعلقة بالحكم الديني أو قضية الهوية السياسية منذ نشأة الدولة الحديثة، فتتضاعف الأزمات ويرصدها الأدب أو السينما بحسب الهوية الدينية / الجندرية / أو العرقية، ولكن بنظرة فاحصة وشاملة لا تغيب المعاناة عن نساء إيران باختلاف طبقاتهن الاجتماعية أو العرقية، وكذلك أيضًا كافة الأقليات، الأمر الذي يشير إلى الأزمة الكبرى التي تشمل هذا العالم الكبير الذي لا يخرج من أزمة كبرى كالاحتلال الأجنبي حتى يغرق في أزمة أخرى كالحكم الثيوقراطي أو الاقتتال الطائفي.