"لبنان مش مدفع وسرّاقين، وعتمة ملاجئ وناس فزعاني
لبنان شلالات قلقانين، وأزهار بدها تنام نعساني
لبنان مش تجار جوعانين، ومش شايفين الناس جوعاني
لبنان عيد ولاد مهضومين، عم ياكلو من فرد قرباني".
عاش أوجاع وطنه وقهره، في الحرب كما في السلم، فكان شعره نبض الأرض والناس. حلم بوطن يشبه جوقته الزجلية، التي اختار لها اسم "الربيع" منذ العام 1976، منشدًا للزهور وغدير المياه وإطلالة الصباح واغتسال الشمس بخيوط كل غروب، أبطاله من ورق قصائده ووجوه ساحات القرى المرتمية فوق الجبال. لكن الواقع خذله مرارًا، فكتب بحسرة: "ما بكيت من إنسان بالتكوين لكن جرح لبنان بكّاني".
أمير المنبرين
ترجّل الشاعر طليع حمدان، مساء السبت الفائت، 25 تشرين الأول/أكتوبر، عن منبر الزجل اللبناني، بعدما اعتلاه شابًا ما بلغ بعد العشرين من العمر. ليغدو أحد أعمدة هذا التراث الشعبي العريق، الذي يشكل جزءًا من الموروث الثقافي في بلاد الشام، في لبنان وسوريا وفلسطين، لا سيما منذ القرن التاسع عشر ليتطوّر وينتظم بشكل أكبر مطلع القرن العشرين. فالزجل يُتداوَل على كل لسان كشعرٍ للفخر والتحدّي المنبري والارتجال، وكان طليع من شيوخه المخضرمين، وتشهد له مباراة دير القلعة في بيت مرّي عام 1971، يوم قال باكرًا: "بعد بتجي الأيام ليي... وأمير المنبرين بتقشعوني".
فالشاعر الزجلي يولَد بالفطرة أولًا، وهكذا كان طليع حمدان، أو "أبو شادي" كما يحبّ متابعوه أن ينادونه، شاعرًا من عمر الطفولة، متأثّرًا بأجواء قريته عين عنوب في قضاء عاليه، حيث وُلد في 19 كانون الثاني/يناير 1944، وكانت مشهورة بعيون مياهها البالغة 365 نبعًا للمياه، كما عيون الشعر بسبب كثرة الشعراء من أبنائها.
من هذا المنبت خرج طليع وأبدع في عمر مبكر. ليقف أمام، الأب الروحي له لاحقًا، الشاعر الجنوبي زين شعيب متحديًا في كازينو خلدة على شاطئ البحر في العام 1964، في باكورة حفلاته قائلًا: "إذا غنّيت طفل بتقشعوني، تا خلّي طفلة الإلهام تسهر، أكثر من قلق أم الحنونة".
اختزنت ذاكرته باكرًا ردّات الشاعرين الزجليين شحرور الوادي وعلي الحاج، وكانت انطلاقته إلى جانب قامات شعرية كبيرة في جوقة الشاعر زغلول الدامور (جوزيف الهاشم)، والتي ضمت أيضًا الشاعرين زين شعيب وإدوار حرب.
ركنٌ للحب
"للحب غنّي يا طليع حمدان... غناني عطش للجدول البردان.
دمّك جنوبي، قلبك شمالي... صدرك جبل، بيوحّد الأديان".
هكذا كان يعرّف عن نفسه شاعرًا للحب، للغزل، للطبيعة للوطن والجمال. عبّر بصدق اللغة وبساطتها ومن دون تكلّف، فجاءت صوره الشعرية ساحرة بعمقها وصورها، حين يكتب: "لمّا فتحتي الباب للزوّار، تا سلّم عليكي قربت ليكي. والباب حدِّك، مثل إيدي، صار. ينمّل ويتكمّش بإيديكي".
جعل طليع للحب ركنًا دائمًا في قصائده، وسيجد القارئ في كل قصيدة محبوبة يبحث عنها بين القوافي. وكانت قصيدة "نسرين"، من أشهر ما غنّى غزلًا، نظمها على وزن "الشروقي"، وهي من أنواع الشعر الشعبي اللبناني، وجاء في خاتمتها:
"عالأرض نمشي مثل حطّاب هالمسكين
بردان باقي معو قشة بكبريتي
للبرد قبلو تعي بريحة ورق تشرين
وبعطر أو شتي طلّي عا تشتيتي
يا بقول جيتي ندي وزهور وحساسين
يا بقول عزّي انتهى وعالوعد ما جيتي".
وكأن به يجيب على نفسه في قصيدة ثانية حين يقول: "رح نلتقي عا فرد مذبح شمعتين، وخلّي لهيب النار ياكلنا سوى".
العادات والتقاليد
أمانة التراث الشعبي التي حملها شعراء الزجل، جعلت منهم سفراء إلى العالم والمغتربين. فجال طليع حمدان دول الاغتراب على مدى مسيرته، حاملًا في جعبته قصائد الحنين للوطن والأهل والقرية اللبنانية.
لكن طليع بقي متمسكًا دائمًا بالعادات والتقاليد اللبنانية والأصالة، وواجه بالشعر المدّ الغربي إلى المجتمع اللبناني، وبطريقته الساخرة انتقد التأثّر بالانتاجات الغربية التي دخلت خلال التسعينات إلى لبنان، لا سيما المكسيكية آنذاك، والتي اجتاحت الشاشات اللبنانية. ويعلّق قائلًا:
"اليوم بدي تسمحيلي قول، نسينا الأصالة ورح بتنسانا
صار بأسامينا الوطن مخجول، صاروا غرب عنا بملقانا
صار الصبي اسمو خوان الغول، والبنت روزا وأختها جوانا
وتا "اندراس" بهالبلاد يجول، بكرا بيسمّو البنت سوسانا".
جولات التحدّي
أعطى طليع حمدان وجيله من الشعراء معنى مختلفًا للزجل، مع جولات التحدّي حول مواضيع محددة تكون عنوانًا للمبارزة الشعرية، وغالبًا ما تكون عناوين بسيطة جدًا حيث يتبنى كل شاعر وجهة نظر يدافع عنها في وجه الشاعر المقابل.
كانت حفلة المدينة الرياضية مطلع السبعينات أقوى تلك المباريات الارتجالية التي كرّست مجموعة من الشعراء مرجعية للزجل في النصف الثاني من القرن العشرين، لتليها العديد من المباريات الحامية، لكن أبرزها كانت مباراة عين سعادة بين طليع حمدان وموسى زغيب، التي جاءت بعد الحرب الأهلية وحملت الكثير من الرسائل السياسية وإعادة تقييم تجربة الفرقاء خلال الحرب، وكان التحدّي بين فكرة الكتابة التي تبنّاها زغيب والمحي التي دافع عنها حمدان.
أظهر طليع بلاغة كبيرة في هذه المباراة، وربما كانت فرصة ليدافع عن مواقفه خلال الحرب. وحين قال له زغيب "كنتو عم تمحّوا الوطن وزغيب كان عم يكتب الدستور من دم الشهيد"، ردّ طليع بعنف وبرسالة سياسية:
"الليلة لموسى بهالحكي لا تسمحو، مش وحدنا كنّا الشتي وكان الصحو.
ولا يقول كنتو يقول كنّا بنصحو، ما في حدا صك البراءة منمنحوا.
وإن فيّق جروح اللي كانوا ينضحو، مرة انفضحني ألف مرة بفضحو.
نحنا ما محّينا الوطن عا مذبحو، محينا الحكي اللي قال من هون انزحو.
محينا غلط دستورنا تا نصححو، بس الكتبتو حضرتك روح امسحو.
دمّك ودمي بيكتبو مجد الوطن، لمّا النوايا السود فيك بينمحو".
جدلية الشعر والسياسة
لا ينفصل الشعر والأدب عن السياسة والمجتمع، فكيف إذا كان هذا الأدب شعبيًا كالزجل، وفي بلد فسيفسائي تزدحم فيه الأزمات والصراعات والنزاعات كلبنان. فالزجل رفيق الناس في أفراحهم وأحزانهم، يواكب الجنازات ندبًا ورثاءً، كما الأعراس غناءً وحداءً.
وهكذا كان طليع حمدان، ملتصقًا بمجتمعه بكل أحواله. لا بل كان شعره في العديد من المحطات تعبيرًا عن ثقافة اجتماعية وسياسية، حين استحضر مثلًا الصراع التاريخي في جبل لبنان بين البشيرين، في المباراة التي أقيمت في قصر بيت الدين في العام 1985، متحديًا باني القصر الأمير بشير الشهابي قائلًا: "يجي بشير الشهابي اليوم يركع تحت عتبة بشير الجنبلاطي"، في إشارة إلى الشيخ بشير جنبلاط الذي قُتل في العام 1825.
وهكذا الحال في تصويره للأحداث السياسية، لا سيما خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حيث يتحدّى التدخّل الأميركي قائلًا: "ما بتهمنا نيوجرسي ولا الدبابات"، في إشارة إلى الصراع الذي خاضه الحزب التقدمي الاشتراكي في حرب الجبل 1983.
التأثّر بكمال جنبلاط
يتعدّى الزجل في لبنان كونه مباراة في الشعر، على طريقة سوق عكاظ، ليتحوّل إلى تحدٍّ ومنافسة لكل جوقة فيها مؤيدين وشعبية. لا بل تأثرت في حقبات عدة بالأحداث السياسية والأمنية القائمة، وكانت انعكاسًا للصراع القائم والقضايا المطروحة في السياسة والمجتمع.
وطليع حمدان كان إبن بيئته في العديد من المحطات. فلم يخفِ تأثرّه بالزعيم اللبناني كمال جنبلاط، قائلًا: "يا معلّم شعاعك شعر شعّ بي، وشفت الكون حدّك قد شعبي"، راثيًا إياه بعد استشهاده عام 1977: "يا معلّم قدر ما يطول بعدك، بعدك في ضمير الشعب بعدك". ويكتب لاحقًا: "يا أرز الرب من عنّا كمالك، وبلبنان الحلو إلنا كما لك. ويا لبنان لولا من كمالك، ما عادو يسمعو فيك العرب".
شاعر الجنوب
حضر جنوب لبنان في أعمال حمدان كقضية ثابتة، مدافعًا عن حق الجنوبيين بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، متغنيًا بصمودهم في أرضهم، كأن يقول: "إن عطيتوني جسور الغرب كلّو ما بعطيكن عن تراب المقاوم حجر من تحت جسر القاسمية".
حزن لكل المجازر التي ارتُكبت بحق أهل الجنوب، وعبّر عن غضبه بعد مجزرة قانا في العام 1996 بالقول: "تا نلبس ثياب الوفا عا طول، كل ما إجانا بنت يا لبنان، لا زم نسمّي بنتنا قانا".
وللجنوب يقول أيضًا: "رح بختصر كل الحكي المحبوب، وما يظل خلقي عالشرق طالع.
البعدو مش مطالع كتاب حروب، يا جنوبنا بكتابك يطالع.
مجد السما نازل عليك يذوب، ومجد الأرض منك إلك طالع.
المجدَين فيك تقمّصو يا جنوب، من خصرك ونازل مجد هالأرض، ومجد السما من خصرك وطالع".
نقمة على الواقع
لم يخفِ طليع حمدان في زمن السلم نقمته على الواقع اللبناني. فكانت صرخته حاضرة دائمًا منتقدًا الفساد والنظام والحكم، والتي تجلّت في قصيدة غنّاها في الكويت مطلع التسعينات يقول فيها:
"يا هالترى عا مين متكلين
عاللي ادّعوا بالديمقراطية
بيقدموا عشرة للمساكين
وبياكلو 90 بالمية.
عا مين متكلين عا دكاكين
خلّوك يا لبنان يا بيي
موزّع مثل ركوة على فناجين
قهوة عا نار الموت مغلية.
كلنا بلبنان مظلومين
إسلام ودروز ومسيحية
ما عاد فينا كل 10 سنين
نعمل حرب كرمال شخصية
وتا نبطّل بلبنان مختلفين
العقلية اللي عنا خطر عالكل
لازم نغيّر هيك عقلية".
فأعمال حمدان بعد الحرب حملت بعدًا وطنيًا عابرًا للطوائف والمناطق، وكان يكرّر دائمًا أن "وطنّا لو وقع مدماك منو الخطر بيبلّش بمدماك ثاني".
وفاء القصيدة
خاض طليع حمدان معاركه الشعرية منحازًا لموهبته، فاعتبر أن "القصيدة وفية"، فليس هناك "أوفى للشاعر من قصيدته، ترافقه طيلة حياته حتى بعد موته".
تغنّى بمكانته على المنبر، بقوله في إحدى افتتاحياته: "بعد ما بلّشو أول وثاني، رفاقي اللي عطو الكلمة معاني. ندهلي الورد من بعد اللي غنّو، وينك يا حبيبي الأولاني".
رفض الظلم الذي تعرّض له في العام 2018، بعد إصدار الجامعة اللبنانية كتاب "روائع الزجل اللبناني"، وعدم إنصافه كما يجب. فكانت له قصيدة نارية هاجم فيها ناشري الكتاب ومدافعًا عن حقه، مطالبًا بسحب الكتاب وإعادة نشره مصحّحًا.
لحمدان عدة مؤلفات ودواوين شعرية منها "براعم ورد"، "جداول عطر"، "ليل وقمر"، "انطريني أنا جايي" و"افتتاحيات طليع حمدان".
وفي رصيده العديد من الدروع والأوسمة الرفيعة، أبرزها وسام الأرز من الرئيس إميل لحود عام 2001، درع تقديري من الرئيس رفيق الحريري عام 2002 وميدالية كمال جنبلاط في العام 2013 وسواها.
آخر ليل
صباح الأحد 26 تشرين الأول/أكتوبر سار المشيّعون خلف جثمانه، في قريته عين عنوب، يردّدون مع رفيقه الشاعر الزجلي عادل خدّاج:
"إنت اللي كنت رسمالنا
تغنّي الوطن بمجالنا
من بحورنا لجبالنا
من شمالنا لجنوبنا
باقي أبو شادي الحبيب
بعقولنا وقلوبنا".
وكان محبّوه يستعيدون الكثير مما غنّاه على مدى 60 عامًا، كقصيدته التي يبدو كمن يكتب فيها عن ليلته الأخيرة:
"يا ليل غنّي معي آخر مواويلي
حاسس طلوع الفجر بلّش يكاغيلي
ياما بعمري كنت غنّي إلك تا تنام
واليوم دورك إجى يا ليل غنيلي".
أو في وصيته بعد موته: "إن قالولك مات روحي الزهر نهدي
عا قبرو ضايعين الحب نهدة
وقفي وتنهدي عا القبر نهدة
يمكن قوم سلّم ع الحباب".
جبل يمشي على قدميه
نعاه لبنان الرسمي والشعبي، كما أهل الشعر والأدب، ونختم بالرثاء البليغ لوزير الثقافة اللبناني غسان سلامة: "كان ذاكرة ناطقة لجبل يمشي على قدميه، يحمل التاريخ والكرامة والتقاليد على كتفيه، ويزرع القصيدة مثل غرسة في أرض لا تموت. برحيله ينكسر غصن من شجرة الثقافة الشعبية اللبنانية".