"حدودُكِ يا إسرائيل من الفرات إلى النيل"، لم يُثبت وجودُ هذه العبارة على لوحةٍ في مبنى الكنيست، لكنّها محفورةٌ في ذهنيّةِ تيّار الصهيونية الدينية الحاكم، بكلّ جنونه وأساطيره ودمويته. لا مكان للنقاش في السياسة والتاريخ والحضارة، فهؤلاء مهووسون بنصوصٍ يُكسِبُونها قُدسيةً إلهيةً وشرعيةً دينيةً غير قابلة للنقض، حتى لو كلّفت آلاف الضحايا. والصوَر القادمة من غزة وتملأ السوشيال ميديا، تفضح حقيقة النيّات والمشاريع والهوس.
حرب القيامة
يحرص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خطى أسلافه، إلباس حربه ثوبًا دينيًا، مقدِّمًا نفسه كأحد ملوك بني إسرائيل الجدد. ويجدر التوقّف طويلًا عند اقتراحه، في الذكرى الأولى لعملية "طوفان الأقصى"، إعادة تسمية الحرب التي شنتها "إسرائيل" بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، من "السيوف الحديدية" لتصبح "حرب القيامة".
"هذه حرب من أجل وجودنا"، هكذا "يُدغدغ" نتنياهو الإسرائيليين، لا سيما التيار المتطرّف منهم، مدّعيًا أنه بهذه التسمية سيقودهم نحو "إسرائيل الموعودة".
وعلى هذا المنوال، يستغلُّ نتنياهو كل حدثٍ ليعود الى نصوص العهد القديم والتذكير بالنبؤات التي وردت في أسفاره، وبمقولة "شعب الله المختار".
تعكس هذه التسمية أبعادًا تتخطّى السياسة، تعبر الحدود إلى "وطن قومي ممتدّ لليهود"، مستعيدة وعدًا من الربّ للنبي ابراهيم في سفر التكوين في التوراة، جاء فيه: "لنسلك أُعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات". مع الإدعاء الدائم بأن المقصود من نسل إبراهيم هم بنو إسرائيل أو اليهود.
وتُعيد هذه التسمية صدى الأفكار التي تُؤمنُ بضرورة السيطرةِ على الأراضي التي تقع في نطاق الحدود التوراتية لأرض "إسرائيل" أو "إسرائيل الكبرى"، من أجل التعجيل بمجيء المخلّص الذي سيأتي ليخلّص شعب "إسرائيل"، وبذلك يستثمر الاحتلال بتبريرات دينية يوظفها الخطاب الإسرائيلي في حروبه، لا سيما في المرحلة الراهنة التي تتسم بانفجار أيديولوجي مفتوح على أكثر من جبهة.

مقتل المؤرّخ إيرلتش
تستغلّ الحركة الصهيونية منذ بدء التسويق لها مع مؤسّسها تيودور هرتسل، الذي أقام أوّل مؤتمر صهيوني عالمي سنة 1897، التاريخ والدين والكثير من القصص الخرافية في خدمة سياساتها، ومخططاتها التوسعية، وغالبًا ما يُرافق الجيش الإسرائيلي في حروبه وعمليات الاجتياح في فلسطين والدول المجاورة، ومنها لبنان، حاخاماتٍ ومؤرخين وباحثين. ومهمّة هؤلاء محدّدة وواضحة هي سرقة التاريخ وتزييفه، والدخول إلى المواقع والمعابد الأثرية، والتنقيب عمّا يسخّرونه زورًا لخدمة مشروعهم.
هذه المهمة كان ينفذّها منذ أشهر المؤرّخ والباحث الإسرائيلي زئيف إيرلتش، مواليد 1953، في جنوب لبنان، وهو المعروف بكتبه التي تناولت تاريخ المناطق المحتلة وركزت على المواقع التاريخية والتراث اليهودي، والحاصل على درجة الماجستير في "التلمود وتاريخ شعب إسرائيل" في إحدى جامعات الولايات المتحدة.
ادّعى الجيش الإسرائيلي بعد مقتل إيرلتش، يوم 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 بينما كان يتفحّص واحدة من القلاع التاريخية القريبة من مدينة صور، أن وجوده في تلك المنطقة يمثل انتهاكًا للأوامر العملياتية وفتح تحقيقًا. لكن هذا البيان التبريري يومها لا يُلغي حقيقة وجود إيرلتش بزيّ الجيش في منطقة عمليات تبعد عن الحدود بنحو ستّة كيلومترات لتنفيذ مهمة غير عسكرية.
وأكدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن هذه لم تكن المرّة الأولى التي يرافق فيها إيرلتش العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.
لم يكن إيرلتش الأول بطبيعة الحال، وذاكرة لبنانيين كثر عايشوا مرحلة الإجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، تروي الكثير من القصص عن مواقع أثرية في لبنان كانت هدفًا أساسيًا لفرق إسرائيلية متخصّصة قصدتها وحصلت على محتويات تاريخية منها.

طريق الحج
وعلى خطى المؤرّخ إيرلتش، يُمهّد الجيش الإسرائيلي طريقًا للحج في جنوب لبنان، مستغلًا بقاءه في نقاط استراتيجية أساسية هناك. حيث سمح في مطلع شهر أذار/مارس 2025 لـ800 من الحريديم، بالوصول الى مقام معروف بإسم "الشيخ العباد" في بلدة حولا، والذي تعتبره الطائفة الشيعية مزارًا دينيًا يضم رفات رجل دين إسلامي يحمل الإسم نفسه.
على تلك التلّة اجتمع الزوار من اليهود المتشدّدين، وأقاموا صلواتهم بحماية الجيش الإسرائيلي، مع ما تحمله هذه المشهدية من جانب آخر للاحتلال أخطر بكثير من الاحتلال العسكري، ليتخطاه إلى الاحتلال الثقافي والفكري، وتشويه التاريخ إن لم يكن سرقته.

"قبر آشي"
يدّعي اليهود الحريديم أن الحاخام آشي مدفون هناك، وهو شخصيةٌ بارزة في التاريخ اليهودي وكان أحد محرّري التلمود البابلي، ويُنسب إليه جمع وتحرير "الجمارا"، وهي جزء أساسي من التلمود. ويقال إن أبناءه دُفنوا بجواره في الموقع نفسه.
احتُلت هذه المنطقة في العام 1948، وبنى الإسرائيليون فيها قبرًا، على بقايا ثلاثة قبور قديمة، ونسبوه إلى هذا الحاخام. وبعد تحرير جنوب لبنان في العام 2000، بات هذا المقام من النقاط المتنازع عليها، وتقرّر تقسيمه إلى قسمين، أحدهما يخضع للسيطرة الإسرائيلية والآخر يقع ضمن الأراضي اللبنانية، وذلك وفقًا لاتفاق أُبرم بوساطة مبعوث الأمم المتحدة آنذاك تيري رود لارسن.
وللمرة الأولى منذ العام 2000، استغلّ الحريديم احتلال المنطقة للدخول إلى المكان وإقامة الشعائر الدينية حول كامل القبر بقسميه، في إشارة واضحة إلى الاستحواذ عليه ونسف الخط الأزرق، بمباركة رسمية.
صحيح أن الجيش الإسرائيلي منع في السابق، لا سيما في شهر شبّاط/فبراير محاولات اقتحام للمكان من قبل مستوطنين متطرّفين ينتمون لحركة بريسلوف الحريدية، لكنّه هذه المرة كان الراعي والمنظّم للزيارة، مانحًا لها الغطاء، مع كل ما تحمله من معانٍ ودلالات.

"إسرائيل الكبرى"
القصة أكبر من قبر نصفه الأوّل في فلسطين ونصفه الثاني في لبنان، إنما هي فصل من سيناريو قديم جديد، يرسم حدودًا أوسع لكيان "إسرائيل"، تتغيّر وفق مصالحها بالاستناد إلى سردية تاريخية جاهزة و"غبّ الطلب" كلما دعت الحاجة.
يحدث هذا، تمامًا كما تفعل اليوم بتوسيع حدودها إلى نهر الليطاني في جنوب لبنان بالمعنى الأمني، من خلال تحويلها إلى منطقة معزولة السلاح ومدمّرة، أو كما يحصل في الجنوب السوري من توغّل في القنيطرة وقمم جبل الشيخ، التي زارها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وصرّح من هناك أن الجيش الإسرائيلي سيبقى على جبل الشيخ في سوريا لمدّة غير محدودة، وكأن به يقول "سنبقى هنا إلى الأبد".
فـ"إسرائيل" لم تعد تُخفِ طموحاتها التوسعية، وقادتها يعلنون صراحة أن خريطة الشرق الأوسط ستتغيّر، وتصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لا تنفصل عن هذا السياق، وهي مدعاة جدل واستدعت ردودًا عالية النبرة من الأردن، لا سيما بعدما ظهر يقف على منصة تحمل شعارًا يشبه شعار منظمة الإرغون، وتحمل صورة الأردن وفلسطين معًا، مع الشمعدان اليهودي وعبارة "إسرائيل إلى الأبد".
كذلك دانييلا فايس، إحدى أكبر قيادات تيار الصهيونية المتدينة، تشكّل مثالًا صارخًا لهذه الذهنية، وهي التي تقول: "حدود دولة اليهود هي الحدود التي وعد الربّ بها إبراهيم: من الفرات إلى النيل. وبالطبع، تشمل أراضٍ من دول أخرى، لكن لدينا كتابنا المقدّس، وهو الوثيقة الوحيدة التي نحتاجها".
بؤر استيطانية
كل الممارسات الإسرائيلية توحي باحتلال طويل الأمد، وقدّمت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية دليلًا إضافيًا، حيث كشفت أن الجيش الإسرائيلي أنشأ شبكة من البؤر الاستيطانية والتحصينات في سوريا ولبنان، الأمر الذي أظهرته صور للأقمار الاصطناعية أيضًا.
الرغبة بتوسيع الاستيطان ليست وليدة التطوّرات الأخيرة، إنما كانت دائمًا متلازمة مع المخططات القائمة على توسيع حدود "إسرائيل". منها "مخطط نفو" الذي أجراه الجيش الإسرائيلي في العام 1953 بهدف "التأسيس لفكر عسكري إسرائيلي تجري وفقه إعادة تشكيل حدود إسرائيل في جميع الاتجاهات". ولا تتردّد الأوساط الإسرائيلة المتطرّفة بطرح تهجير السكان واستبدالهم بمستوطنين، وما حصل إبان نكبة 1948 هو تنفيذ هذا النهج بحذافيره، وما زال قائمًا حتى اليوم.
صراع على المكان والهوية
السياسة الاستيطانية الإسرائيلية الآيلة إلى اتساع كما تُظهر كل ممارسات الاحتلال، لا تنفصل عن السردية الدينية اليهودية التي تقوم على ادّعاء امتلاكهم للأرض، وأن بلاد كنعان هي أرض آبائهم وأجدادهم.
فالصراع على المكان يتلازم بشكلٍ مباشر مع البحث عن الهوية، التي أقنع هرتسل العالم في أواخر القرن التاسع عشر أنها في وطن قومي لليهود في فلسطين.
وبالاستناد إلى نصوصٍ دينيةٍ كالذي جاء في سفر اللاويين من التوراة الإصحاح 23:25 الذي يقول: "والأرض لا تباع بتّة، لأن لي الأرض، وأنتم غرباء ونزلاء عندي".
وعلى هذه القاعدة انطلق المشروع التوراتي التوسّعي، الذي ما زال يحضر كلّما أراد المستوى الأمني والسياسي الإسرائيلي السيطرة على أرض جديدة، كما فعل عند "قبر آشي" في جنوب لبنان.
الأرض المحروقة
وانطلاقًا من هذه الخلفية الفكرية، لا تُوحي مشاهد الدمار الهائلِ في قطاع غزّة أو في جنوب لبنان سوى بحقيقة النوايا الإسرائيلية، بعدما تحوّلت غزة إلى منطقة غير صالحة للعيش. وكذلك في حوالى 60 قرية حدودية في جنوب لبنان باتت مدمّرة بالكامل وغير صالحة للسكن.
آلاف اللبنانيين من أبناء الجنوب لن ينسوا مشاهد تفخيخ بلداتهم وتفجيرها، لتصبح قرى بأكملها غير موجودة على الخريطة، وتحتاج إلى إعادة مساحة وتخطيط، والمصطلح الذي ينطبق عليها هو إعادة البناء لا إعادة الإعمار.
هذه القرى لم تفقد المنازل والبنى التحتية فقط، إنما خسرت الذاكرة والمواقع والمعالم، كما ولو أريد لها أن تخرج من الزمن بالكامل، لا سيما وأن كل الحديث عن إعادة إعمارها ما زال حبرًا على ورق فقط ودونه عقبات عدّة.
مخاوف كثيرة تُثيرها التصريحات الإسرائيلية، ومنها ما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي بأن "القرى المدمرة تمنع المدنيين من العودة لجنوب لبنان لخمس سنوات".
لا يواجه لبنان، كما كل المنطقة، حربًا عادية، إنما هي حرب أيديولوجية مصيرية بمثابة معركة بقاء لإسرائيل. لا بل باتت تمثّل فرصة لها لتحقيق حلمها القديم بالتوسّع، مدججة بكمّ هائل من النصوص التاريخية التي تستغلها لمصلحة هذا المشروع، مستجدية عطف العالم من خلال سردية الشعب المظلوم منذ فجر التاريخ، ولو على حساب مظلومية شعب آخر.
"ألون ولبنان"
يحلم المستوطنون بامتلاك لبنان، والفيديو الذي انتشر في صيف العام 2024 اختصر مئات السنين من المخططات، إذ يُظهر مستوطنًا يقرأ لابنه "ألون" قصة بعنوان "ألون ولبنان" تدعو لغزو لبنان باعتباره أرضًا لهم،. ويكفي في ختام هذا المقال أن نستعيد بعض ما ورد في هذه القصة:
"يعيش ألون في مستوطنة مسكاف عام مع عائلته. صباح أحد الايام أشار إلى الغابة وسأل والده: هل هذه الغابة لنا؟
قال والده: هذه الغابة جميلة أليس كذلك؟
واستمرّ في القول: هذه لبنان..
قال والدُه: لا يُمكنك الذهاب إلى هناك، هذا خطير جدًا، لا يمكنك الذهاب إلى هناك، لم نحصل على الأرض بعد. ولكن ألون اعتقد أن هذه الأرض ولبنان ملك لنا".












