"التكنولوجيا أداة استعمارية، والكهرباء تندرج في هذه الخانة، وهي أيضًا بناءٌ اجتماعي يتم من خلاله تنظيم التحول الثقافي وتشكيل الفضاء ونشر السلطة وأنماط الحكم، وخلق تفاوتٍ اجتماعي وتأكيده، الكهرباء هُنا أداة تحكم".
رونين شامير، "الكهرباء والإمبراطورية في فلسطين في عشرينيات القرن العشرين تحت الحكم البريطاني".
لا يصعب على المقيم أو المسافر، المتأمل من على الأرض أو عبر صور الأقمار الصناعية ملاحظة الفروق الحضرية بين المناطق العربية الفلسطينية والمناطق الإسرائيلية، على طول البلاد وعرضها. فهناك أسقف القرميد والشوارع الواسعة، والتخطيط الواضح، في مقابل انتشار نجمي عشوائي يبدو كانفجارٍ ثقب أسود تتشظى حوله المباني والمساكن. ليس ذلك وحسب، هناك خزانات المياه وهندسة التوزيع الحضري، أما ليلًا فهناك تلك الإنارة الساطعة، التي تبدو أقرب منها لإنارة معسكرٍ من تجمعٍ سكاني.
هذا الفرق الأخير كان قد لاحظه هربرت سيدبوثام، الصحفي البريطاني في صحيفة "The Manchester Guardian"، صحيفة "الغارديان" لاحقًا، ووثقه في مقالٍ له عام 1937، مشيرًا إلى أن "الأغلبية الفقيرة كانت محظوظة إن ملكت خرقة مبللة بالزيت للإضاءة، بينما تمتلك القلة الثرية الكيروسين لتوليد الكهرباء وإضاءة وتشغيل الأجهزة المنزلية والآلات الصناعية". ورغم عدم تصريحه بكينونة "الأغلبية الفقيرة"، إلا أن قوله إن "أكثر من 90 % من الكهرباء في فلسطين يستهلكها اليهود" كافية لمعرفة قصده.
من هذا التمييز الخفي تنطلق المادة، متتبعةً سياسات الإنارة والكهرباء في المناطق العربية الفلسطينية، منذ اللحظة الأولى لدخول التيار الكهربائي إلى البلاد، مرورًا بالنكبة فالنكسة، وما صاحبهما من استثمارٍ إسرائيلي في شبكات البنية التحتية – ومنها الكهرباء – كأدوات ضبط وهندسة، يتم من خلالها ترسيم الحدود الرمزية بين مناطق متحضرة وأخرى مهملة، مناطق خاضعة وأخرى مقاومة.
دار العتمة: شركة كهرباء روتنبرغ
ما إن وصل المهندس الروسي بنحاس روتنبرغ إلى فلسطين عام 1919، حتى انطلق في تأسيس ميليشيا "الدفاع اليهودي"، بالتعاون مع صديقه زئيف جابوتنسكي، ليُكرسا خبرتهما العسكرية المتأتية عن تأسيس الفيلق اليهودي التابع للواء الجيش البريطاني، في بناء قوة يهودية قادرة على الدفاع عن المستعمرات، ومن ثم ترسيم الحدود الشمالية لفلسطين الانتدابية وتقسيمها بين بريطانيا وفرنسا، حينها كان روتنبرغ مسؤولًا عن قوات "لواء تل أبيب".
هذه السيطرة العملياتية، أتاحت لروتنبرغ زيارات متكررة للممرات المائية والمجاري النهريّة في منطقة وادي الأردن، ثم ما إن استقر الوضع للانتداب، حتى أخرج المهندس الروسي من أدراجه مقترحًا لاستخدام الموارد المائية في فلسطين لإنتاج الطاقة الكهربائية، طرحه سابقًا في باريس 1919 على ديفيد بن غوريون، وتلقى دعمًا ماليًا بخصوصه من البارون إدموند روتشيلد وابنه جيمس، ليتمكن خلال مدة وجيزة، ودون وجود مناقصة منافسة، من الحصول على امتيازٍ حصري لإنتاج ومد خطوط الكهرباء لجميع مناطق البلاد، ما عنى أن روتنبرغ هو الشخص الوحيد المخول قانونيًا بتوليد الكهرباء لأغراض تجارية ضمن حدود الانتداب البريطاني، التي شملت حينها الأردن وفلسطين.
ورغم أن المقترح الأصلي لروتنبرغ، يقوم على بناء محطة توليد طاقة كهرومائية على نهر العوجا، إلا أن مستوى التيار لم يسعفه، فأطلق شركته عام 1923 لتُنتج الطاقة بمحركات الديزل، ثم أحاطها بدعمٍ انتدابي، فجعل وزير المستعمرات ونستون تشرشل، واللورد هيربورت صموئيل، واللورد ريدينغ، أعضاءً في مجلس إدارة الشركة، التي حملت اسم "شركة كهرباء فلسطين المحدودة"
أما المثير للسخرية هُنا، فهو أن روتنبرغ الذي عمل كقنبلة موقوتة للترويج للمشروع، وسعى لاستمالة البريطانيين للحصول على الدعم المالي والسياسي، لم يلبث أن استورد محركاته ومعداته من ألمانيا، ما أثار موجة سخط، بررها لاحقًا بالجدوى الاقتصادية للمشروع، وارتفاع أسعار المحركات البريطانية مقارنة بالألمانية، ليسترضي زعماء الانتداب بابتياع أسلاك النحاس فقط من بريطانيا.
بداياتها المتواضعة التي اقتصرت على إنتاج 300 كيلوواط من الكهرباء، بما يكفي لإنارة شوارع رئيسية في يافا وتل أبيب، لم تقف في وجه ارتفاع إنتاجها الذي سرعان ما وصل عام 1925 إلى 1 ميغاواط، إثر طلب حكومة الانتداب البريطاني آنذاك من الشركة تزويد قاعدتها العسكرية الأكبر في صرفند بالطاقة الكهربائية، ثم توسعها لتُزود المستعمرات اليهودية المتاخمة للقاعدة مثل "ريشون لتسيون" و"رحوبوت ".
حرص روتنبرغ على ترسيخ الطابع الصهيوني للشركة منذ بداياتها، بإنارته "شارع اللنبي"، الجنرال البريطاني الذي احتل القدس عام 1917، في تل أبيب بالكهرباء، إيذانًا بانطلاق نظام توزيع الكهرباء في فلسطين، مكرسًا سياسة داعمة للإنتاج اليهودي الصناعي والزراعي على حساب القرى والمدن العربية الصافية، بحجة أن التوجه نحو مناطق الطلب المرتفع هو أكثر ربحية للشركة، بينما تزداد كلفة التوصيل وأولوية الاستثمار في المناطق الأخرى.
أطلقت تلك السياسة وذلك الامتياز الغضب الفلسطيني من عقاله، لتخرج مظاهرات منددة حملت شعار "أعمدة روتنبرغ مشانقنا"، فيما انطلقت حملة وطنية في الصحف والخطب العامة تدعو لمقاطعة الشركة، معتبرةً أن "السياسة البريطانية سرقت من أبناء البلاد امتياز الكهرباء وسلمتها ليهودي صهيوني يعمل بكل قوته لتحويل هذا البلد إلى وطن قومي يهودي".
بدوره، دافع تشرشل عن قرار منح عقد كهرباء رئيسي في فلسطين لشركة يهودية، معتبرًا أن اليهود "وسطاء ومجتهدون ومنتجون، بينما لن يتخذ العرب في فلسطين خطوات فعالة نحو ريّ فلسطين وكهربتها ولا بعد ألف عام"، بينما أطلق روتنبرغ توسعة لشبكة يافا – تل أبيب بشكل سريع، لتصل إلى ستة أضعاف طاقته الإنتاجية، فيما ازداد الطلب في تل أبيب على الإنارة المنزلية بنسبة 260% بين تشرين الأول/أكتوبر 1923 وتموز/يوليو 1925، كما ازدادت إنارة الشوارع بنسبة 160%، وازداد الطلب على طاقة ضخ المياه بنسبة 290%، ووصل عدد المصانع إلى 160 مصنعًا داخل تل أبيب وحدها، جميعها بُنيت وشُغلت بأيدي المهاجرين اليهود، منهم 60 ألف مهاجر بولندي وصلوا عام 1924.
وإذا ما أريد اعتبار ذلك تكافؤًا بين المناطق العربية في يافا والمناطق اليهودية في تل أبيب، إلا أن الجزء الأكبر من النمو كان يحدث في مدينة تل أبيب، وليس في يافا، بينما سعت شركة الكهرباء للحفاظ على حصرية امتيازها، لتقوم بالتعاون مع سلطات الانتداب بمنع البلدات العربية من إنشاء شبكات كهرباء محلية خاصة بها، فيما قدمت رشى لمناطق أخرى متاخمة لتجمعات يهودية – مثل طبريا – لضمان حماية خط الإمداد، ووصوله إلى التجمعات اليهودية.
بتتبع توزيع الشركة وخطوط أحمالها يتضح أن دورها تجاوز حدود مزوّد الخدمة، لتغدو منتجًا لنمطٍ خاصٍ من الاستيطان التمييزي المرتبط بها، والقائم على أعمدة عدة؛ أولها: تهيئة بنى تحتية للمزيد من الاستيطان، بتركيز الاستثمارات في المناطق ذات الأغلبية اليهودية، انطلاقًا من مبدأ أنها ستشهد نموًا اقتصاديًا أكبر.
وهو ما أدى لنشوء اقتصادين يهودي وعربي، متجاورين وغير متكافئين، فرغم أن المستوطنات اليهودية لم تشكل حتى نهاية 1947، سوى ثلث السكان، لكنها كانت تستهلك 90% من إنتاج الكهرباء، فيما ساهمت الشركة بقوة في إطلاقٍ عدد من الموارد والصناعات الاستراتيجية مثل بناء ميناء حيفا وتطوير المنطقة المحيطة به، ودعم أعمال شركة الإنشاءات "سوليل بونيه" وشركة "نيشر" للإسمنت ومطاحن القمح ومصانع الحديد والصلب ومصانع الغذاء والتعليب وغيرها، وهي البنى التحتية التي موّلت حرب 1948.
كما ارتبط ذلك بتطوير الاستيطان الزراعي، عبر أنظمة الري الكهربائية، ومن خلال امتياز الشركة في استخدام المياه للري وإنتاج الطاقة، ما جعل القطاع الزراعي يحتل حصة كبيرة من الاقتصاد اليهودي بلغت النصف بنهاية ثلاثينيات القرن الماضي.
أما ثاني الأعمدة، فهو التأسيس لاستيطانٍ دفاعي شبكي، يخترق الأراضي الفلسطينية، ويتيح أكبر قدرٍ من السيطرة على الموارد والسدود ومصبات الأنهار، وهو الاستيطان على شكل حرف N، حيث امتدت أسلاك الجهد العالي والقرى الجديدة من تل أبيب جنوبًا إلى حيفا شمالًا ونهر الأردن شرقًا، بالتوازي مع شراء الشركة لأراضٍ حول مواقع مخصصة لسدود كهرومائية وخطوط كهرباء، ومن ثم بناء مستوطنات يهودية لتكون بمثابة حصون دفاعية حول بنية الشركة التحتية.
العمود الثالث، هو تكريس التدهور الاقتصادي والتجاري العربي، بتحديد طبيعة إمداد كهربائي ذي طاقة استهلاك عالية، تشترطه عقود الشركة. ورغم أن سياسة الشركة صنفت مبيعات الطاقة لكلٍ من الإضاءة السكنية، والصناعية، وضخ المياه، وإضاءة الشوارع، والري، إلا أنها رفضت في حالات كثيرة مدّ مناطق عربية بالكهرباء، بحجة عدم الربحية، نتيجة قلة الصناعات وغياب الزراعة الميكانيكية واقتصار الحاجة على الكهرباء السكانية، ما دفع مناطق عربية، مثل الناصرة، لتوقيع اتفاقية خارجة عن السياسة العامة للشركة، تقوم فيها البلدية بدفع فوائد رأس المال المُخصص للمشروع بدلًا من شركة الكهرباء.
بانتهاء العقد الأول على تأسيسها، أصبحت شركة الكهرباء تُشغل أربع محطات توليد كهرباء، ارتبط ذلك بارتفاع إنتاجية القطاع الزراعي اليهودي، وبدخول المناطق العربية، زراعيًا وتجاريًا، في ظلمة دامسة، فبينما ارتفعت كمية الكهرباء المستهلكة للري في المستعمرات من حوالي 16 مليون إلى 28.5 مليون كيلوواط/ساعة، بينما سقطت المناطق العربية من مخططات الشركة، ما جعلها تظهر كفجوة من الفراغ محاطة بالأسلاك والخطوط من كل جانب.
1948-1967: عقودٌ من الظلام
خلال منتصف الأربعينيات تزايد سعي المناطق العربية للدخول في فلك "التنمية" عبر فتح المجال أمام إمدادات الكهرباء اليهودية، في بعض المناطق نجح ذلك، عبر اتفاقيات خاصةٍ ببعض النُخبٍ المحلية كما في طولكرم وجنين، في مناطق أخرى كان على البلديات العربية دفع استحقاقات أخرى للشركة، ففي نابلس مثلًا، ورغم الرفض الشعبي للاتصال بشبكة الكهرباء، إلا أن البلدية سعت للوصول إلى اتفاقٍ أصغر حجمًا من مستويات الاستهلاك المرتفعة التي تطلبها عقود شركة الكهرباء.
تحقق ذلك نهاية 1947، عندما وقعت البلدية وشركة الكهرباء اتفاقًا، بموافقة مقر حكومة الانتداب في القدس ووزير المستعمرات في لندن، يقضي باقتراض البلدية مبلغ 60 ألف جنيه فلسطيني، لتغطية تكاليف التوصيل الكهربائي وإنشاء محطة تحويل وخطوط ضغطٍ عالٍ، وبما يتناسب مع صعوبة تقديم ضمانات لمستوى استهلاك متدنٍ.
وقع الاتفاق رغم السياسة الانتقائية للشركة، التي لطالما غلبت البعد التنموي اليهودي على شروط الاستهلاك الفعلي، لكنه لم يدخل حيز التنفيذ نتيجة اندلاع أعمال عنف إثر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، الذي قسّم فلسطين وتصاعدت الهجمات اليهودية في إثره وصولًا للنكبة.
عشية نكبة 1948، كان واقع الإمداد الكهربائي في فلسطين، شديد التمايز عاكسًا فجوة واسعة بين الفلسطينيين واليهود، سواء من حيث الانتشار الجغرافي أو الاستهلاك الكمي، وحتى النفوذ المؤسسي للشركة، فرغم أن اليهود كانوا أقلية سكانية حينها، إلا أن استهلاكهم فاق بعشر مرات استهلاك المواطنين العرب، حيث وصل الاستهلاك الكهربائي إلى 232.4 كيلوواط للفرد اليهودي، مقارنة بـ11.5 كيلوواط للفرد العربي.
أما الانتشار الجغرافي، فقد توسعت الشركة في التجمعات اليهودية، وزُودت بخطوط ضغطٍ عالٍ وشبكات توصيل، ووحدات حراسة وقنص بمهارات قتالية عالية للحفاظ على استمرار التوصيل، في مقابل حرمان العديد من المدن والقرى العربية من الكهرباء، حيث حُرمت 80–90% من القرى والبلدات العربية في الجليل والمثلث، مثل إم الفحم والطيبة وقلنسوة وكفر قاسم. كما حُرمت مدنٌ عربية كاملة، مثل نابلس وقلقيلية والخليل، بينما مُدت الكهرباء جزئيًا إلى مقرات الحاكم العسكري البريطاني وبعض النخب في جنين وطولكرم والناصرة وطبريا.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أنّ غياب نصوص صريحة تربط ترسيم الحدود بالبنية التحتية في قرار تقسيم الأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947، لم يعن أن السيطرة اليهودية على شبكات الكهرباء خلال فترة الانتداب، كانت عفوية أو عبثية، بل إنها ساهمت بشكل غير رسمي في تعزيز الهيمنة الإقليمية لمستعمرات معينة، ما خلق أساسًا تقنيًا واقتصاديًا، عززته خرائط وإحصاءات الوكالة اليهودية، المقدمة إلى لجان الأمم المتحدة، مروجةً لدولةٍ قابلةٍ للحياة اقتصاديًا، لبنيةٍ فارقةٍ بين حدٍ وآخر داخل البلاد نفسها، لينتهي المطاف بأغلبية البلاد لصالح كيانٍ يهودي، انطلاقًا من مبدأ "الإبقاء على البنية الحيوية للطاقة في يد من أنشأها".
يُستدل على ذلك من بقاء شبكة النقل الكهربائي بكاملها داخل حدود الكيان الجديد، ومن ضمنها خطوط الجهد العالي التي بُنيت منتصف الثلاثينيات، وامتدت من نهر الأردن إلى تل أبيب، وحتى تلك القرى والبلدات العربية التي وُصلت بالكهرباء خلال سريان تيارها إلى تل أبيب (كوكب الهوى، دانا، كفرا، صرين، اللجون)، هُجر سكانها عام 1948.
عمومًا، لم يختلف الحال كثيرًا ما بعد النكبة، بل ظل التفاوت الأساسي قائمًا، لكن طبيعته تغيرت، ليتحول من تمييزٍ استعماري، لتمييز قوميّ في التخطيط الحضري والاستثمار البنيوي والاعتراف الحكومي، تمثل ذلك في كلٍ من مستوى الخدمة، وسرعة الربط، وقوة التيار، وحجم الاستثمار في الإنارة العامة، ومخططات التوصيل طويلة الأمد، وغيرها من الفروق.
فبينما كانت المناطق اليهودية تنعم بتيارٍ ثابت، بجهدٍ عالٍ واستقرار لا تذبذب فيه، وبإنارة شوارع ساطعة ومنتظمة، وتنوعٍ كبير في الاستخدام الكهربائي، من تطوير الصناعة فالزراعة المروية، فخطط الاستيطان الجماعي، تأخر ربط كثير من المناطق العربية بالكهرباء حتى أواخر الخمسينيات والستينيات، وللمفارقة فقد وصلت الكهرباء بقدرة متدنية، وفترات انقطاعٍ طويلة، بينما غابت إنارة الشوارع أو كانت محدودة في المناطق "المرضيّ عنها أمنيًا"، فيما ظلت مصابيح المنازل والمولدات الخاصة المصدر الأساسي للكهرباء، وارتبط ذلك طبعًا بغياب المناطق العربية عن مخططات التطوير الحضري، وانكفاء دولة الاحتلال عن الاستثمار البنيوي، ما أفضى لعتمة متواصلة في الفضاء العربي العام.
أما في الضفة الغربية والقدس الشرقية، اللتان أصبحتا ضمن الإدارة الأردنية، فقد تولت 12 شركة – أقرب للتعاونيات – هذا الدور، لكن أبرزها شركة كهرباء يونانية (Jerusalem Electric & Public Service Corporation)، عُرفت لاحقًا بشركة "كهرباء القدس"، بدأت العمل خلال فترة الانتداب، وفق اتفاقية سابقة له مع السلطات العثمانية تختص بالقدس وبلداتها، ثم توسعت أعمالها إبان النكبة لتقوم بتزويد رام الله وبيت لحم بالكهرباء، بينما سمحت السلطات المصرية للفلسطينيين في القطاع بشراء مولدات كهربائية.
رغم ذلك، ظلت المناطق الريفية والقرى الصغيرة في الأراضي الفلسطينية في الظلال، فالكهرباء غير المنتظمة، والمولدات الصغيرة، كانت السمة العامة لهذا الإمداد، وما بين 1948 وحتى 1967 استطاعت الكهرباء أن تغذي فقط 23% من المناطق الريفية، ولبضع ساعات فقط.
هذا الحال، امتد لما بعد النكسة واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء وهضبة الجولان، حين صبت الكهرباء تياراتها في المشاريع الاستيطانية الجديدة، بينما اضطرت القرى الفلسطينية لتكرار نموذج الناصرة قبيل 1948، عبر جمع رأس المال اللازم بنفسها، اللافت هُنا أن بلدية نابلس التي فقدت 60 ألف جنيه لصالح الشركة عشية النكبة، استطاعت نتيجة وقوع كامل الأرض الفلسطينية في قبضة الاحتلال، رفع دعوى قضائية ضد الشركة، التي أصبحت شركة "كهرباء إسرائيل"، مطالبةً برد الـ60 ألف جنيه، وفوائدها السنوية 9%، لأن الشركة لم تنفذ جانبها بتوصيل الكهرباء، بل رفضت العقد بعد توقيعه وتوثيقه.
في المحصلة، أنهى الفلسطينيون عقدهم الأول بعد النكسة، ولما تصل الكهرباء ربع القاطنين منهم داخل حدود النكبة، وثلثي القاطنين في الضفة، وثلاثة أرباع القاطنين في القطاع، أما أولئك الذين وصلتهم الكهرباء فقد أصبحت مرتبطة بالأمر العسكري 159، الذي أتاح للحاكم العسكري وصل وقطع التيار بضغطة زر، بينما فرض على الشركات المحلية الفلسطينية البيع بأسعارٍ يحددها، ومنعها مرارًا من توسعة منشآتها إلا إذا رُبطت بالشركة الإسرائيلية، ما أثقل كاهلها نتيجة افتقارها للدعم الحكومي وترك الباب مشرعًا أمام سيطرة كهربائية إسرائيلية لا تهدأ.
خريطة ضوئية على هامش العتمة
بضغطة زر أخرى، قطعت دولة الاحتلال التيار الكهربائي عن أكثر من مليوني فلسطيني، بُعيد أيامٍ من 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. يختصر هذا الفعل الاستعماري المسافة الفاصلة بيننا وبين النكبة والنكسة، لتتوقف الحياة عند الارتهان الكامل للمستعمر وشروطه وبنيته التحتية، لا يُحلّل ذلك الكهرباء كتقنية بل يبدأ من نوعيتها (محركات ديزل ومعدات كهربائية بدلًا من طاقة كهرومائية) التي تُخضع المعرفة التقنية الكاملة شرطًا أساسيًا لوجودها، ومن ثم يمتد إلى خطوط توسعها، وزوايا إضاءتها، وأهداف استخدامها.
يتقاطع ذلك في حقل دراسات البنى التحتية، مع مبدأ "التحول الثقافي"، الذي يفترض أن كل تقنية هي بناء اجتماعي يخلق شروطًا وظروفًا وسياقات ثقافية واجتماعية محددة، وعليه يغدو امتداد الشبكة الكهربائية تعبيرًا عن ضبط الأنشطة الليلية وتنظيم الفضاء العام، وإنتاج علاقات من المساواة والتمييز.
لا تُعتبر فلسطين هنا حالة استثنائية، بل هي جزء من سياق استعماري تاريخي، ففي زيمبابوي (روديسيا سابقًا) خُصصت الإنارة المنزلية للمستوطنين البيض، بينما استُخدمت إنارة الشوارع كوسيلة لمراقبة السكان الأفارقة. وفي إندونيسيا، اقتصرت على المناطق ذات الكثافة السكانية العالية للمستوطنين الهولنديين، إلى درجة أن الكهرباء كمفهوم، أصبحت تقاطعًا لغويًا بين الضوء والتنوير. يتكرر ذلك عبر الاستعمارين الألماني والإيطالي أيضًا، بما يجعل الخطوط الكهربائية الإسرائيلية خلاصة لهذه التجارب وتتويجًا لها.
فالخارطة الضوئية للمستوطنات في مواجهة العتمة الفلسطينية، تكشف أن الكهرباء انتقلت من كونها عمودًا لتحقيق المشروع القومي اليهودي، لتغدو ممارسة تخطيطية سياسية تُرسخ لفضاء استعماري بصري فجّ في اختلافه عن كينونة المكان، فإضاءة المستوطنات بيضاء عالية الشدة، موزعة ضمن شبكة متصلة بما يخلق استمرارية ضوئية واضحة، كما تواجه زواياها المنازل وباحاتها، ما يحول الليل إلى امتداد للأنشطة اليومية ويعزز الإحساس بالأمان وسط انكشافٍ ضوئيٍ عالٍ.
في المقابل، تُعرف البلدات العربية بأنوار شوارعها الصفراء المتقطعة، وزواياها التي تلقي الظلال على الحركة لا على المكان، بينما تتكاثر الفراغات المظلمة والانقطاعات البصرية، بما يوحي بالفوضى والضعف، ويعيق شروط العيش الليلي، تاركًا أي مجال خارج البيوت فريسة للعتمة، فيما تتموضع إضاءة الشوارع كأداة لكشف ومراقبة المارة، هذه الفوارق البسيطة في القوة والاستمرارية الضوئية وزوايا التوجيه، تكشف الفرق بين فضاء يُضاء ليُعاش، وآخر يُضاء ليُراقب.
لكن.
يحتفظ الفلسطيني دائمًا، بـ"لكن" في مكانٍ ما.
أليست الحاجة لانكشاف ضوئي عالي الشدة تأكيدًا لفزعٍ داخلي يجد في الضوء ملاذًا له؟
أليست تلك الإضاءة الفاقعة الفجة إشعارًا بالفرق بين المستوطن والأصلاني؟
ثم أليس صاحب الأرض والمكان، المنغمس بها بحواسه، غنيًا عن إضاءة لا تضفي على محيطه أكثر من ظلال الشك والتتبع؟
أليس هو الذي حوّل تلك العتمة الباهرة إلى مساحة خاصة بها وبمقاومته، وصاغ من ظلالها قواعد ظهوره وغيابه؟
فكيف إذًا يظن ذاك العابر، أن ابن الشمس بحاجة لضوئه كي يصل إلى باب الشمس، فيستريح؟