ultracheck
المستشار الألماني فريدريش ميرتس

صورة مشوّهة ونقاء متخيل.. ما مشكلة وجه برلين مع وجوهنا؟

13 نوفمبر 2025

ما مشكلة وجه برلين مع وجوهنا؟ سؤال يعاود الظهور كلما قرّر مسؤول سياسي أن يُحمّل المهاجرين وزر ما لا يستطيع تفسيره. آخر هؤلاء كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس، حين صرّح مؤخرًا: "ما زالت لدينا مشكلة في صورة مدننا"، مشيرًا إلى ما اعتبره تأثيرًا سلبيًا للهجرة على الطابع البصري والاجتماعي للمدن الألمانية. ولم يكتفِ بذلك، بل أعلن أن وزارته تعمل على "خطط لطرد أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين"، في تلميح واضح إلى أن التخلّص من هذه "الوجوه الغريبة" هو السبيل إلى استعادة صورة المدينة المفقودة.

أثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة، وأعادت إلى الواجهة ليس فقط أزمة الهجرة والاندماج في ألمانيا، بل أيضًا استخدام هذه الأزمة كـ"شماعة جاهزة" يُعلّق عليها السياسيون إخفاقاتهم، من التضخم إلى السكن، ومن المناخ إلى الهوية.

في هذا المقال، لا أقدّم دفاعًا عن المهاجرين - فهم ليسوا ملائكة، كما أن سياسات الاندماج ليست مثالية - بل أحاول تتبّع هذا الخطاب بالعودة إلى جذوره التاريخية، وإلى تاريخ مدينة مثل برلين، التي لطالما تغيّرت ملامحها دون أن تتغيّر الشروط الصارمة لمن يُسمح له بأن يكون جزءًا من "صورتها". فما الذي تعنيه "صورة المدينة" أصلًا؟ ومن يملك امتياز أن يُرى فيها كما هو؟

مفهوم صورة المدينة

"صورة المدينة" ليست مجرد تعبير بلاغي يستخدمه السياسيون حين يريدون التذمّر من تغيّر شكل الأحياء أو تنوّع ملامح الشارع، بل هي مفهوم عمراني مركزي صاغه المعماري الأميركي كيفن لينش في كتابه "Image of the City" عام 1960.

وبحسب لينش، لا تتكوّن المدينة فقط من مبانيها وشوارعها، بل من الصورة الذهنية التي يحملها الناس عنها: كيف يرونها؟ كيف يتنقلون داخلها؟ كيف يتذكّرونها؟ وهذه الصورة لا تنشأ من فراغ، بل من عناصر متشابكة مثل المعالم البصرية، والشوارع والمسارات، والفواصل النفسية أو الجغرافية بين المناطق، ونقاط التجمّع والتفاعل، إضافةً إلى الأحياء المتمايزة بطابعها ووظيفتها.

اليوم تُوظّف "صورة المدينة" سياسيًا كمجال لإعادة إنتاج مفاهيم الانتماء والهوية والشرعية. فالمدينة، بوصفها الفضاء الأكثر كثافة للعيش الجماعي، تصبح المرآة التي تنعكس عليها السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشكل ملموس ومرئي. وعندما يُقال إن "المهاجرين شوّهوا صورة المدينة"، فإن ما يُفترض ضمنًا هو أن تلك الصورة كانت يومًا ما نقية، واضحة، محفوظة في متحف!

غير أن المدن ليست متاحف، ولا توجد "صورة نقية" للمدينة، لا في الذاكرة ولا في الواقع. وفكرة "المدينة النقية" ليست سوى أسطورة حضرية تشبه أساطير "الشعب النقي" و"الثقافة الأصلية"، وتُستخدم في الغالب لتبرير الإقصاء ومقاومة التغيير وفرض هوية واحدة مهيمنة تُخفي ما لا يناسبها. ومن يتحدث عن "هوية أصلية للمدينة" يتحدث غالبًا عن لحظة واحدة منتقاة بعناية من الماضي، يرغب في تثبيتها كقالب أبدي، ويقصي كل ما قبلها وما بعدها.

أما في الواقع، فإن المدن - ومنذ نشأتها - كانت دائمًا كائنات عضوية تولد من التفاعل: من الهجرة، والتجارة، والطبقات، والاضطرابات، والفنون، والمعتقدات، والقرارات السياسية، والمصادفات، وحتى من الكوارث الطبيعية والحروب والأخطاء. تتغيّر باستمرار، ليس لأن الناس يأتون ويذهبون فحسب، بل لأن الناس هم المدينة. يشكّلونها كما تشكّلهم، ويعيدون إنتاج ملامحها في كل جيل.

والمثير للاهتمام، والذي ينبغي التوقّف عنده، أن ما قيل اليوم عن "صورة المدينة" ليس جديدًا، ولا المهاجرون المعاصرون هم أول من طالتهم نظرات الشكّ والإقصاء. فهذا النقاش، بكل تفاصيله، أقدم من موجات اللجوء الأخيرة، وأحد أوجهه يعود إلى لحظة سقوط جدار برلين، حين انفتحت المدينة على ذاتها واكتشفت فجأة أنها متعددة أكثر مما تتحمّل. ويبدو أن ما نتعلمه من التاريخ هو أننا لا نتعلم من التاريخ.

من جدار برلين إلى صور ميرتس: ما الذي تغيّر؟

لنأخذ برلين مثالًا؛ ليس فقط لأنها تستقطب نسبة كبيرة من المهاجرين، بل لأنها شكّلت في الأسابيع الأخيرة مسرحًا حيًا للرفض والاحتجاج على تصريحات ميرتس. ولنسأل: هل يمكن أصلًا أن تكون "صورة برلين" نقية؟ وأي برلين يقصدها السياسيون حين يتحدثون عن "الطابع" و"الهوية"؟ هل هي برلين القرن الثامن عشر الإمبراطورية؟ أم برلين الهيبسترز؟ أم البرجوازية القديمة؟ أم برلين الفوضوية ما بعد الاشتراكية؟ هل هي برلين ما قبل المهاجرين؟ وأي مهاجرين بالتحديد؟ الأتراك؟ اليونانيون؟ الفرنسيون؟ أم السوريون؟

الحقيقة أن برلين ليست مدينة تتماسك حول مركز، بل حول صراعاتها. هي مدينة تُنكر الوحدة وتُفكّكها، وتحيا على حواف التوتر بين ماضٍ غير محسوم وحاضر لا يمكن احتواؤه. في شوارعها لا تُسمع لغة واحدة، ولا تُرى وجوه متشابهة، ولا تتكرّر واجهة محلّ قرب آخر. يقال بالشعارات الرنانة: "برلين مدينة تحتفل بتنوّعها"! وهذا أمر مربك، وجميل، ومحرّر في آنٍ معًا. وربما لهذا السبب تُعدّ برلين واحدة من أكثر مدن العالم الحديث "غير الأصيلة"، ولكن من هنا تحديدًا تأتي أصالتها وتفرّدها.

وخلافًا لمدن مثل باريس أو روما التي تتمحور حول مركز إمبراطوري يعيد إنتاج ذاته، أعادت برلين تشكيل هويتها باستمرار من خلال التصدعات. لم تكن برلين يومًا مدينة نخبوية خالصة، بل كانت دائمًا فضاءً تتجاور فيه طبقات متعددة من العاملين، والمهاجرين، والفنانين، والمثقفين، والعاطلين، والطلاب، ومجتمع الميم، إلخ.

ولا أتحدث عن واقع المدينة اليوم فحسب، بل عن تاريخها منذ نشأتها في العصور الوسطى باتحاد قريتي برلين وكولن، ومرورًا بتحولها إلى عاصمة بروسيا، ثم مركزًا للجيش والفن والإدارة. استقبلت المدينة لاجئين فرنسيين (الهوغونوت) ويهودًا من شرق أوروبا، ثم تطوّرت لتصبح في زمن جمهورية فايمار مركزًا ثقافيًا متفجّرًا بالحداثة والفن والحياة الليلية.

ثم، تحت الحكم النازي، جرى قمع هذا التنوع بقوة السلاح والدعاية. قُتل وهُجّر اليهود والغجر، وقُتل المعارضون، ودُمّرت أكثر من 70٪ من المدينة خلال الحرب العالمية الثانية. وبعد الحرب، قُسّمت برلين بين أربع قوى دولية، ثم شُطرَت بجدار عام 1961 إلى نصفين: شرقي اشتراكي بعمارة موحّدة، وغربي رأسمالي يركض نحو الحداثة. وهكذا نشأت هويتان بصريّتان متناقضتان في جسد مدينة واحدة. نقرأ في هذا التاريخ أن برلين لم تكن نقية يومًا، بل إن كل محاولة لتنقيتها جاءت من منطق عنيف.­

حتى بعد سقوط جدار برلين عام 1989 وتوحيد المدينة، برز الصراع على "وجه العاصمة". وكما أوضح ديفيد هارفي في كتابه "مدن متمرّدة" حول نقاش هوية برلين، لم يكن السؤال بعد التوحيد: كيف نعيد بناء برلين؟ بل: أي برلين نريد؟ وأي وجوه تعبّر عن "وجه العاصمة"؟

لم تكن هذه معركة معمارية فقط، بين من أراد عمارة تاريخية مستوحاة من شينكل، ومن دعا إلى جلب أسماء كبرى مثل نورمان فوستر لإعادة تصميم الرايخستاغ؛ بل حملت هذه التفضيلات، التي قد تبدو جمالية ونخبوية، معاني عميقة تتعلق بالذاكرة الجمعية والبعد الأثري والهوية السياسية للمدينة. وارتبط الأمر بالرأي العام الذي يحدد من يُعتبر من "أهل برلين" ومن لا يُعتبر كذلك، ومن له الحق في المدينة وفق الشروط الضيقة للأنساب أو القيم والمعتقدات السائدة.

ونتيجة للقرارات التي اتُّخذت آنذاك، تعرض بعض السكان الأتراك - حتى الأجيال المولودة في المدينة - للعديد من الإهانات، وأُجبروا على الخروج من وسط المدينة، وتجاهلت السياسات مساهماتهم في برلين كمدينة. من يقرأ تلك المرحلة لا يرى فرقًا كبيرًا عمّا يدور في النقاشات اليوم.

كيف نكون ضيوفًا جيّدين؟

يكتب جوزيف بان في مقاله "الشتات" ضمن كتاب "تأملات في العدالة المكانية" عن تجربته كمهاجر صيني في كندا، ويتساءل: كيف يمكن للمرء أن يكون "ضيفًا جيدًا" إذا لم يكن مدعوًّا أصلًا؟ ففي سياق الشتات، حيث تتقاطع محاور إعادة التعلّم والترميم والتضامن والمقاومة، يصبح سؤال الضيافة معقّدًا:

هل يعني أن تكون ضيفًا جيدًا أن تندمج بسلاسة في النموذج الأبيض المهيمن، وأن تلعب طوعًا دور "الأقلية النموذجية"؟

أم أن الأمر يبدأ بالاعتراف بموقعك كوافد جديد، يسعى لبناء علاقات عادلة مع المجتمع المحلي، دون الاكتفاء بلعب دور ثانوي في سرديات الدولة؟

يستحضر الكاتب الكلمة التي يستخدمها شعب الأنشينابي (Anishinaabe) للدلالة على "المجتمع"، والتي تُفهم على أنها "الوقت الذي يُقضى في مكانٍ ما"، وهو تعريف يقترب كثيرًا من مفهوم المواطنة المكانية كما نفهمه اليوم؛ أي ذاك الذي لا يُقاس بالأوراق الثبوتية، بل بالزمن المعاش، والمساهمة اليومية في نسيج المكان الذي نسكنه ونُسهم في تشكيله.

وتعني "المواطنة المكانية" قدرة الأفراد، بغضّ النظر عن وضعهم القانوني أو جنسياتهم، على التفاعل مع الفضاءات العامة، والمشاركة في تشكيلها، والمطالبة بحقهم في استخدام المدينة والعيش فيها.

يعيدني هذا إلى مقالٍ كتبه الصديق أحمد غالية مطلع عام 2024 بعنوان "نحن والمهاجرون العرب"، وفيه يتخيّل سيناريو: "ألمانيا بلا مهاجرين". يسأل: ماذا لو تحقق حلم "هاينريش"، ذاك الألماني اليميني الذي يريد بلدًا نقيًا خاليًا من الغرباء؟ هل ستنظف الشوارع؟ يزدهر الاقتصاد؟ تنتظم القطارات؟ أم تنهار البلاد قطعةً قطعة، كما يتخيّل أحمد بسخرية حزينة؟ يعرض المقال أرقامًا مهمة: مهاجرون، أو من هم من أصول مهاجرة، يشكّلون نسبة ضخمة من اليد العاملة، من عمّال النظافة إلى أطباء الطوارئ، من سائقي القطارات إلى نجوم الرياضة.

فماذا يعني أن تصطدم هذه المواطنة الفاعلة بعدم الاعتراف البصري والرمزي؟ إذا كان كل هذا الكمّ من المساهمة اليومية لا يكفي ليُرى هؤلاء كجزء من "صورة المدينة"، فما الذي يكفي؟ وإن كانوا قد نالوا، أو مارسوا، شكلًا من المواطنة المكانية، فلماذا لم تُترجم هذه المشاركة الفعلية إلى حقّ في "الانتماء البصري"؟ الذي لا يعني فقط أن تعيش هنا، بل أن تُرى. أن يُعترف بك في الفضاء العام. أن تعكس ملامحك ولغتك وثقافتك تنوّع المدينة بدل أن تُختزل كتشويشٍ لها، أو تصبح مجرّد مشهد دخيل في خطاب يسعى لإعادة إنتاج "طابع" مثالي لا وجود له.

لماذا لا يُسمح للفرد، مهما تفاعل مع المدينة وساهم في نسيجها، أن "يُرى" كأحد أبنائها؟ أم أن صورته، مهما أصبحت مألوفة، تظلّ غريبة في عين السرديات الرسمية؟

يبدو أن الجواب لا يكمن في الأرقام، بل في السرديات. فنحن اليوم أمام "مباراة خطابية" مفتوحة؛ تُعاد فيها صياغة مفاهيم مثل "الطابع" و"الهوية" و"الخصوصية" وفق حاجات السياسة والمصالح المتبدّلة. ولا يشارك في هذه المباراة السياسيون والإعلام فقط، بل أيضًا قطاعات من الأكاديميا والمؤسسات الثقافية التي تساهم في إعادة إنتاج هذه المفاهيم لتبرير السياسات التخطيطية والتمويلية.

في هذا السياق، تبدو محاولات تفكيك الخطاب السائد حول "صورة المدينة" من داخل تجربة المهاجرين ضرورة لا ترفًا. أحد هذه المحاولات هو مشروع "رؤية جديدة لبرلين" الذي نفّذته مؤسسة Syrbanism في برلين عام 2022، وركّز على توثيق تجربة القادمين الجدد — مهاجرين ولاجئين — عبر الرسم والكتابة والتصوير.

لم يهدف المشروع إلى "تمثيل" المدينة، بل إلى رؤيتها من جديد، بعين من لم يُمنح بعد حق المواطنة الكاملة، لكنه يسكن المدينة ويعيشها ويمرّ بشوارعها كل يوم. أكّد المشاركون أن القادمين الجدد لا يُعيدون فقط تعريف علاقتهم بالمكان، بل يُعيدون أيضًا إنتاج صورته، من مستوى الحيّ إلى مستوى المدينة ككل.

أصالة مُصنّعة أم تنوّع حيّ؟

تشير التقديرات إلى أن أكثر من 35٪ من سكان برلين اليوم ينتمون إلى خلفيات مهاجرة، وأن المهاجرين يشكّلون بين 20٪ و39٪ من السكان في مدن كبرى أخرى مثل ميونخ، فرانكفرت، شتوتغارت، وكولن، ونسبة بين 10٪ و20٪ في مدن مثل هامبورغ، نورنبيرغ، وبريمن، من بينهم الأتراك والعرب (خصوصًا اللبنانيين، الفلسطينيين، والسوريين)، إضافةً إلى الفيتناميين، والبولنديين، وبعض الجاليات الإفريقية. وقد تشكّلت أحياء كاملة تحمل طابعًا ثقافيًا ولغويًا مزدوجًا، كما في نويكولن وكرويتسبيرغ في برلين، حيث تتجاور العربية والتركية مع الألمانية في اللافتات والمقاهي ولغة الشارع، لتكشف عن طبقات متداخلة من الانتماء.

وهنا تزداد المسألة تعقيدًا حين نصل إلى النقاش القديم - الجديد: هل يُفترض بالمدن أن تحافظ على "أصالتها"؟ وهل التنوع يهدّدها أم يعزّزها؟

فقد أصبح هذا التنوع، رغم هشاشته، جزءًا من رأس المال الرمزي والجمعي لمدينة مثل برلين، وعنصرًا محوريًا في فرادتها، بل وفي اقتصادها أيضًا؛ لكن ورغم حضوره البصري والسكاني، لا يعني ذلك بالضرورة عدالة.

فرغم ما يُقال عن برلين من انفتاح وتسامح، تبقى المدينة تعاني من تهميش بنيوي، وفروقات حادة بين شرقها وغربها، وبين من يُنظر إليهم كـ"أصليين" والوافدين الجدد. فحتى ضمن خطاب التعددية نفسه، تستمر السياسات الحضرية — في مجالات السكن والتعليم وسوق العمل — بإعادة إنتاج أنماط من الفصل والإقصاء.

في الواقع، يتأرجح النقاش حول رأس المال الرمزي للمدن دومًا بين قطبين: فمن جهة هناك خطر التسليع الخالص، حين تفقد المدينة علامات تميّزها لتتحوّل إلى منتج استهلاكي قابل للتكرار. ومن جهة أخرى هناك خطر الخصوصية المغلقة، حين يُبالغ في صياغة طابع "أصيل" إلى حد يصعب تداوله أو الانتماء إليه.

ويحذّر ديفيد هارفي من أن التمسّك بالجماليات "الخالصة" للأصالة والتفرّد لا يُشكّل بالضرورة أساسًا لسياسات تقدمية، بل قد ينزلق بسهولة نحو سياسات محلية أو قومية ضيّقة لا تختلف كثيرًا عن نزعات الفاشية الجديدة التي بدأت تظهر معالمها في أنحاء متفرقة من أوروبا.

وبهذا المعنى، فإن الإدارة الحضرية التي تُوجّه طاقاتها ضد الكوزموبوليتانية تحت شعار "الحفاظ على الطابع"، تكون في الواقع بصدد تكريس قومية محلية متحفّظة، تُقصي أكثر مما تُدرج، وتُحصّن أكثر مما تنفتح.

عن مأزق المواطن غير المرئي

بعد كل هذا، لا يعود سؤال "من يملك المدينة؟" نظريًا، بل يتحول إلى سؤال شخصي جدًا: من يُرى؟ ومن لا يُرى؟ فحين يصرّح مسؤول بأن "صورة المدينة قد تشوّهت"، فهو لا يناقش واقعًا حضريًا أو جماليًا كما قد يوحي ظاهر الكلام، بل يطلق خطابًا هوياتيًا يحاول تغطية إخفاقات أعمق: في سياسات الاندماج، في العدالة الحضرية، وفي الاعتراف بالحق في المدينة.

وحين تُقارن هذه التصريحات بسياسات الماضي، نتساءل: هل كانت سياسات استقبال اللاجئين إنسانية حقًا؟ أم أنها كانت مشروطة منذ البداية، مؤقتة بطبيعتها، تنتظر أول فرصة لإعادة تقييم أهلية "الضيوف" للبقاء؟

وربما هنا يظهر التناقض الأكبر: إذ عليك أن تكون مساهمًا يوميًا في بقاء المدينة حيّة، دون أن يُسمح لك بأن تكون جزءًا من صورتها. كل ما عليك فعله هو أن تكون غير مرئي: مواطنًا شفافًا.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

سقوط الأسد

عام على سقوط الأسد.. سوريا بين إعادة تشكيل السلطة وصعود الدولة الجديدة

تكشف سنة ما بعد سقوط الأسد تحولات سياسية وأمنية عميقة تعيد تشكيل الدولة السورية وسط تحديات متصاعدة

مهيب الرفاعي

فانون في غزّة
فانون في غزّة

فانون في غزّة.. العقل كملجأ أخير

يُقدم هذا المقال قراءة في ممارسات الاستعمار الإسرائيليّ خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة من منظور فرانز فانون

هبة حمارشة

كريستيانو رونالدو

من طفولة ماديرا إلى رمزية القوة الناعمة: رحلة صعود كريستيانو رونالدو

تحوّل كريستيانو رونالدو من طفل فقير في ماديرا إلى أيقونة عالمية تجمع بين المجد الرياضي والتأثير السياسي والإنساني

محمد العربي

عملية بيت جن

اقتصاد الأمن وصناعة المُخبرين المحليين كبنية خفية لعملية جنوب سوريا

يكشف هذا المقال تفكك المنظومة الأمنية جنوب سوريا وصعود سوق معلومات معقّد يدمج الانهيار الاجتماعي بالاختراق الاستخباراتي

مهيب الرفاعي

الخبز والسلطة

سياسات الخبز: من القوت اليومي إلى هندسة الطاعة

الدولة لا تُشبع مواطنيها، بل تُبقيهم على حافة الشبع، في منطقة رمادية بين الاكتفاء والعوز، حتى تظل يدها ممدودة كمنّة لا كواجب

حسن زايد

المزيد من الكاتب

حنان الأحمد

مهندسة معمارية وكاتبة سورية

ذاكرة الماء والهوية الغنائية: هل يعيد الفرات الصوت لأهله؟

الأغنية الشعبية الفراتية هي مثال حي على علاقة الإيقاع الثقافي بالتكيّفات السلوكية مع النظام الطبيعي للأنهار