مش ناصري ولا كنت في يوم
بالذات في وقته وفي حينه
لكن العفن وفساد القوم
نساني حتى زنازينه
إزاي ينسينا الحاضر
طعم الأصالة اللي في صوته؟
يعيش جمال عبد الناصر.
- عبد الرحمن الأبنودي
حفل التاريخ الرسمي المدوّن بسرديات عن الشخصيات السياسيّة، والأحداث الكبرى، مغايرة تمامًا لتلك السردية التي نسجها المخيال الشعبي لذات الشخصية والأحداث السياسية الكبرى، ومرجع هذا التباين هو الأيديولوجيا الحاكمة، والنموذج الصارخ لهذا الاختلاف ما ذكره غالي شكري في كتابه "من الأرشيف السري للثقافة المصرية" (1975) عن شخصية الكاتب صالح جودت، وكيف أنه بمجرد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر أسرع وأصدر كتابًا بعنوان "قصة كفاح البطل" عدّد فيه إنجازات فقيد الأمة الراحل، ولم يكتف بطباعته، وإنما سجله بصوته في شريطيْ كاسيت، وما إن وقعت أحداث 15 أيّار/مايو 1971 حتى خلع ثوبه القديم، وأراد أن يلحق بالركب الجديد، ويقدم قرابين الطاعة والولاء، فبدأ بالفعل يضرب معاول هدم ثورة 23 يوليو، وفتح النار على جمال عبد الناصر وهيكل وإحسان عبد القدوس وموسى صبري، وعلي ومصطفى أمين، ووحيد رأفت، والناصرية بصفة عامة. وبكل جرأة قال ببساطة: "إن ثورة 23 يوليو لم تتمتع بالشرعية، طيلة العشرين سنة الماضية، نظامها لم يكن شرعيًّا، وكذلك إجراءاتها وقوانينها، ودساتيرها، وتشريعاتها. الشرعية تبدأ من 15 مايو 1971".
صراع الشركاء
لم يكن صالح جودت الذي هجم بمعوله على الثورة ورجالها وفلسفتها، مجرد كاتب أو شاعر فقط، بل كان من أبرز رجالات عبد الناصر، تسلّق أعلى المناصب القيادية، كما كان من أبرز أدوات السلطة السياسية في الثقافة. ما فعله صالح جودت فعله توفيق الحكيم وكتب "عودة الوعي" (1972)، وطالب فيه بفتح ملفات العشرين سنة الماضية، أي ملفات التجربة الناصرية. الفارق أن صالح جودت كتب بعد موت عبد الناصر كتابًا مدح فيه الفقيد وهو أحد خصومه، في حين اختار الحكيم وهو أحد دراويش ومؤيدي عبد الناصر كتابًا ضد عبد الناصر، وهو الذي أثناء تأبين الزعيم سقط مغمًى عليه وهو يحاول تأبينه، وبعد أن أفاق قال خطبة طويلة، منها: "اعذرني يا جمال. القلم يرتعش في يدي. ليس من عادتي الكتابة والألم يلجم العقل ويذهل الفكر، لن أستطيع الإطالة، لقد دخل الحزن كل بيت تفجعًا عليك. لأن كل بيت فيه قطعة منك. لأن كل فرد قد وضع من قلبه لبنة في صرح بنائك".
التناقض الذي ظهر به الأدب الرسمي تجلّى أيضًا في الشعر، فعلى فترتيْن متباعدتيْن كَتَبَ صلاح عبد الصبور قصيدة قدح في الزعيم جمال عبد الناصر بعنوان "عودة ذي الوجه الكئيب" هكذا:
هل عاد ذو الوجه الكئيب؟
ذو النظرة البكماء والأنفِ المقوّس والندوب
هل عاد ذو الظفر الخضيب
ذو المشيةِ التياهةِ الخيلاء تنقُرُ في الدروب
لحنًا من الإذلالِ والكذِبِ المرقّشِ والنعيب
ومدينتي معقودةُ الزّنارِ
عمياءَ ترقص في الظلام
ويصفر الدجالُ والقواد والقرّاد والحاوي الطروب
في عرس ذي الوجه الكئيب
وفي نهايتها يقول:
سيظلّ ذو الوجهِ الكئيبِ وأنفُه ونيوبُه
وخطاه تنقر في حوائطنا الخراب
إلا إذا
إلا إذا ما مات
سيموت ذو الوجه الكئيب
سيموت مختنقًا بما يُلقيه من عفنٍ على وجهِ السماء
في ذلك اليوم الحبيب
ومدينتي معقودة الزنار مبصرة سترقص في الضياء
في موت ذي الوجه الكئيب
ثم كتب القصيدة الثانية التي أظهرت حالة التحوّل من المدنس إلى المقدس، وهي قصيدة "الحلم والأغنية"، ويقول فيها:
لا، لم يمت..
وتظل أشتات الحديث ممزقاتٍ في الضمائر
غافياتٍ في السكينة
حتى تصير لها من الأحزان أجنحةٌ،
تطير بها كلامًا مرهقًا، يمضي ليلقفه الهواءْ
يرده لترن في جدران دور مدينة الموت الحزينة
أصوات أهليها الذين بنت بهم سُرُرُ البكاء
يتجمعون على موائد السهر الفقير، معذبين
ومطرقين
الدمع سقياهم، وخبزهم التأوه والأنين
يلقون – بين الدمعتين- زفير أسئلةٍ،
تخشخش مثل أوراق الخريف الذابلاتْ
هل مات من وهب الحياة حياته
حقًّا أمات؟
ماذا سنفعل بعده؟
ماذا سنفعل دونه؟
حقًّا أمات؟ (صلاح عبد الصبور، الأعمال الكاملة، حياتي فى الشعر – الدواوين الشعرية، 489- 495).
تكشف القصيدة الثانية صورة الزعيم بعد إضفاء القداسة عليه، وكذلك تحول الشاعر من موقف الكاره إلى المحبّ. نفس التحوُّل الذي أصاب كثيرين، فبعد معارضتهم لعبد الناصر، وسعيهم لهدم أسطورته راحوا يمدحونه ويفتخرون بإنجازاته، وأسباب هذا التحوُّل مدعومة بمدى صعود البطل المخلِّص، الذي جسَّدته شخصية عبد الناصر، حتى وصلت إلى ذروتها يوم تأميم القناة في 1956، فما إن عاد من الإسكندرية، حتى أصبح ميدان التحرير زاخرًا بجموع البشر، وكأنها جاءت لتبايع البطل. وقد تبدَّلت وجهات كثيرة مثل الكاتب الماركسي عبد الله الطوخي الذي اعتُقل في سجون عبد الناصر، وكان يصفه مع أصدقائه المسجونين بـ"الوجه ذو الأنف الكئيب" وهو عنوان قصيد لصلاح عبد الصبور، قبل تحوله. وراح بعدها الطوخي يمدح هذا الأنف فيقول: "إنني أرى في ضخامة الأنف نوعًا من التميز والجلال"، وبالمثل الكاتب المعارض وقتها خالد محمد خالد فقد قال "إن هذا الرجل حدث تاريخي ضخم، هو الإطار الحي للمرحلة العظمى في تطورنا".
تُرى ما الذي دَفع عبد الصبور وهو الشّاعر الرّسمي في ذلك الوقت؛ لتكونَ له وجهتان مختلفتان في عبد الناصر؟! في ظني أنه نفس السّبب الذي دَفَعَ بالمؤرخين إلى أن يُقدِّموا عبد الناصر وفترته من منظوريْن متناقضيْن، أحدهما يعودُ إلى أبعاد أيديولوجيّة والآخر يرجع لمواقف ذاتيّةٍ. وقد يرجع السبب إلى فكرة تأليه الزعماء، التي هي فكرة قديمة بل موغلة في القدم، فقد جرت العادة بأن يكون الحاكم ذا طبيعة تختلف عن البشر، ومن ثم فالحاكم لابد أن يكون ذا طبيعة إلهية، أو ابن إله، وقد سادت هذه الفكرة عند قدماء المصريين، فالملك إله مثل الإله حورس، أو ابن الإله رع، وهي نفسها عند البابليين فالملك ينزل من السماء والملك هو حاكم المدينة، أو الكاهن الأعظم، وكذلك الأمر عند الفرس فكان الحاكم هو "ملك الملوك" وحاكم الأرض كلها، وقد كانت كلمته كفيلة بإعدام أي شخص دون محاكمة. وقد أخذ الأسكندر من الفرس عادة السجود للملك، وقد تحول السجود من شعار رسمي عند الفرس إلى عبادة حقيقية للملك عند اليونانيين كإله، وأخذت هذه الصيغ تختلف من ديانة إلى أخرى، وعرفتها المسيحية، وإن تطورت الفكرة فلم يعُد إلهًا، ولكن يختاره الله ليكون وسيطًا له، وليستمد سلطاته من الله، وهي الفكرة التي حاربتها المسيحية بعد ذلك.
في الكتابات الرسميّة التي وثقت لثورة 23 يوليو والضباط الأحرار، لم تتطابق شهادة مع أخرى، لدرجة أن المؤرخ (ب. ج. فاتكيوس) الذي كَتَبَ كتاب "عبد الناصر وجيله" يقرّ في مقدمة كتابه أن "أي محاولة لرسم صورة سياسيّة لجمال عبد الناصر، ستثير قدرًا هائلًا من الجدل والخلاف"، بل يقر بحقيقة أنه "سيكون صعبًا إعادة كتابة سيرته دون الوقوع في خطأ تشويه صورته"، وهو ما يشي بتحذير ضمني بأن أي كتابة عنه ستكون غير منصفة ومنحازة. هذه الحقيقة التي ذكرها (ب. ج. فاتكيوس) ملموسة في كل الصيغ التي تناولت سيرة جمال عبد الناصر من كتابة السيرة الذاتيّة إلى المذكرات إلى الشهادة للتاريخ (أيًّا كان الاسم الذي خرجت به)، فهذه الكتابات جاءت لتكون نقيضًا للرواية الأولى، وتكذيبًا لما ورد فيها من أحداث. وهو ما يؤكد أن التاريخ الرسمي يُكتب وفقًا لأيديولوجيا بعينها، لكن في مقابل مرويات الأدب الرسمي هناك المرويات الشعبية، أو مرويات المهمشين، وهي التي خلقت من عبد الناصر بطلاً شعبيًّا، وأسطوريًّا وفي بعضها وليًّا من أولياء الله كما ترسّخ في الوعي الحمعيّ عند قطاع عريض من الجماهير الغفيرة التي آمنت بعبد الناصر، وغفرت له هزائمه، ونكساته، وأحالتها إلى أفعال قدَرية تارة، وتارة أخرى نسبتها إلى فساد رجاله وحاشيته، وهو منها براء. هل هذا الإيمان بالرئيس وتبرير الأخطاء هل كان فعلًا يستحقه أم هو نوع من التخدير وسلب الوعي الذي سعى إليه عبد الناصر كما زعم توفيق الحكيم في كتابه "عودة الوعي" 1972.
سرديات الثورة والثورة المضادة
ما بين الرواية الرسمية التي صاغتها سرديات الثورة، والثورة المضادة، عن صورة عبد الناصر الديكتاتور، المستبد، الباطش، ورجاله الذين أمعنوا تعذيبًا وتنكيلًا في الناس، يكفي أن تقرأ رواية نجيب محفوظ "الكرنك" (1974) لتنفر من مشاهد التعذيب المقزّزة التي قام بها الضابط خالد صفوان للطلاب إسماعيل الشيخ وحلمي حمادة، وزينب دياب، ورغم القسوة في التنكيل بهم فإنهم دافعوا عن هذه الإجراءات في بداية الثورة هكذا: "إننا نعيش ثورة يستوجب مسارها تلك الاستثناءات. وأنه لابد من التضحية بالحرية والقانون ولو إلى حين". أو تلك التي صوّرها فتحي غانم في "حكاية تو" (1987) عن المناضل شهدي عطية، وما حدث له من تعذيب انتهى به إلى الموت تحت مقاصل التعذيب، وبين تلك الصورة المقدّسة التي تكرّست في الوعي الجمعي لدى الجماعة الشعبيّة، وكذلك لدى هؤلاء الناس الذين تعذبوا في سجونه ومعتقلاته على يد جلاديه، وحالهم عند وفاته. مَن يصدق أن هؤلاء الذين اكتوت ظهورهم بسياط التعذيب، هم أنفسهم مَن يهتفون باسمه! وحكاية الشاعر أحمد فؤاد نجم التي رواها في سيرته "الفاجومي" خير شاهد على تناقض هذه الصورة؛ الكُره الشديد لدرجة المقت بسبب أهوال التعذيب، مقابل البكاء عليه عند موته واعتباره "حبيب الله"، وأن سقوطه هو "سقوط العمود الذي تستند عليه خيمة الوطن". فكما يروي نجم " أن والدته قد زارته في محبسه بعد وفاة ناصر، حيث كان معتقلًا منذ اعتراضه على نتائج حرب حزيران/يونيو 1967، فرأى في عينيها آثار بكاء، فسألها متعجبًا: أتبكين على رجل حبس ابنك؟ فأجابته، كما فسّر فؤاد حداد رثاءه لشخص اعتقله، إن هذا موضوع وذاك موضوع آخر، وأن موته يعني “سقوط العمود الذي تستند عليه خيمة الوطن ”، وهو نفس المعنى الذي عبر عنه عبد الرحمن الأبنودي في قصيدته بقوله:
مش ناصري ولا كنت في يوم
بالذات في وقته وفي حينه
لكن العفن وفساد القوم
نساني حتى زنازينه
إزاي ينسينا الحاضر
طعم الأصالة اللي في صوته؟
يعيش جمال عبد الناصر.
فالانحياز لناصر الإنسان، وليس الرئيس، وهو ما تجلّى في مواقف كثيرة، رفعه فيها العامة إلى مصاف الأولياء، لدرجة أن بهاء طاهر في إحدى قصص مجموعة "ذهبت إلى شلال" (1998) جعل السائق النوبي في قصته (ولكن)، الذي استقل العائد من خارج البلاد سيارته ليُقله إلى بيته في بولاق، يطلب منه عندما وصلوا إلى منشية البكري، واقتربوا من الجامع الأبيض المهجور أن يقرأ الفاتحة، لأن في اعتقاده "هنا أيضًا ولي من الصالحين" إشارة السائق تتجه إلى عبد الناصر، والعجيب أن العائد من الخارج عندما سأله السائق بنوع من الاستفزاز: "أو يمكن سعادتك مِن "بكوات" الانفتاح؟، ردّ عليه قائلاً: هل يبدو عليّ ذلك يا حاج؟ ثم يعترف له "أنا في حياتي ما أحببت أحدًا مثله، في يوم جنازته ظللت أبكي حتى ضاع صوتي لمدة أسبوع" (ص 79).
عند هذه النقطة يستشعر السائق الرضا، فينفتح السرد على ذكر المآثر التي خلقها الوجدان الشعبي للرجل، هكذا: "ألف رحمة ونور عليه. كان رجلًا، هل تعرف يا أفندي أن أمريكا قالت له بعد النكسة خذ ألف مليون دولار وقصرًا لكل واحد من أولادك واترك لنا البلد، فقال لهم: لا أتركها للاستعمار ولا بمال قارون". واستكمل "كانوا يحسبونه من إياهم، لم يكونوا يعرفون أنه واصل. قلت بشيء من الدهشة: واصل؟ ماذا تقصد؟
فقال بشيء من التردد: سأقول لك يا أفندي، ولو أني لم أحكِ هذه الحكاية لمخلوق، لكنك ابن حلال، ولهذا سأقولها لك، كان لي قريب يشتغل في حرس السواحل بالإسكندرية، وكان يقف بالقرب منه في المنشية لما ضربوا عليه الرصاص، حضرتك فاكر؟
- ومَن ينسى؟ لما قال فليبق َكل في مكانه.
- عليك نور. وفاكر طبعًا لما الإذاعة قالت إن الرصاص طاش، ولم يصبه.
- طبعًا.
- قال وهو يهز رأسه لليمين واليسار: ما قولك إذن إنّ الرصاص أصابه بالفعل؟
ويستمر الحوار بين الطرفين، بين يقينية السائق بما روي له، وعدم تصديق الراكب، فيضطر السائق أن يحكي سردية أخرى تؤكد صدق الحكاية الأولى، ويكشف له عن سرّ طلبه قراءة الفاتحة له، ولماذا قال إنه ولي من أولياء الله الصالحين، فيقول:
- "كنا بعد منتصف الليل يا أستاذ. كان الطريق مظلمًا وكل أنوار الشارع مطفأة وأنا راجع من المطار إلى بيتي. أيامها كانوا قد (شطّبوا) هذا الجامع، وكأنهم يعرفون أن يومه قرّب. وقبل الجامع بالضبط أشار لي رجل طويل يلبس جلبابًا أبيض وعباءة بيضاء. قال لي: فاضي توصلني يا أسطى؟ قلت: اركب. شبّهت على الصوت، ولكنني استبعدت. وبينما كان يميل بجسمه ليركب في المقعد الخلفي رأيت على كشاف سيارة من ورائي جانب وجهه. ورأيت عينيه والجرح الذي في جبينه فعرفته على الفور. لكني لم أنطق. قال لي: السيدة يا أسطى. فمشيت دون كلمة، كنت أريد أن أقول له أنا معك. من وقت أن قلت ارفع رأسك يا أخي وأنا معك. من البلد وأنا معك. من وقت تنحيت وأنا معك. ولكني لم أنطق بحرف، ونزل عليّ سهم الله. كان له هيبة. بعد أن مشينا مسافة طويلة ربما ونحن في شارع بورسعيد، قلت له: أين في السيدة يا أفندي؟ قال: الجامع. قلت له: ولكن الجامع مقفول. يقفلونه بعد صلاة العشاء. قال: أعرف، ولكن خذني إلى الجامع يا أسطى من فضلك".
ويستمر السائق في سرد الحكاية إلى أن يصل إلى الذروة فيقول: "أنزلته عند باب الجامع الكبير، ومشيت بالعربة خطوتين ثم وقفت أنظر ما يفعله. رأيته يطلع السلالم الصغيرة، رأيته يقف أمام الباب الكبير، ثم رأيت الباب ينفتح ويخرج منه نور، وبعد أن دخل رأيت الباب يقفل عليه. وينهي الحكاية بقوله: ربما تكون فهمت، أما أنا فرأيت بعيني. كان يعرف أنه ماشي، فراح يسلّم على الست الطاهرة.. كان يعرف." (ص: 82)
انحياز النخبة لوعي الجماعة الشعبية وترديد مثل هذه الحكايات، لهو أكبر تأكيد أن وعي الجماهير الغفيرة، أو الوعي الشعبي أشد تأثيرًا من الروايات الرسمية، فبهاء طاهر الذي لام عبد الناصر في كثير من مروياته، وأدان فترة حكمه، وأظهر استبداديته في صورة سيد القناوي في رواية "قالت ضحى"، والذي راحت قدمه بسبب قراراته التهورية بالمشاركة في حرب اليمن. وما صاغه بصورة فريدة في مجموعة الخطوبة، وبيان توغل الأجهزة الاستخباراتية، وسطوة السلطة. هو نفسه نراه يتراجع عن مثل هذه الآراء إلى تقديم رؤية شعبية، حتى ولو أسندها إلى بطل قصته، الذي ينتمي إلى عامة الشعب، لكن وجهة نظر البطل هي جزء من وجهة نظر المؤلف الضمني العائد على المؤلف الحقيقي.
عبر هذه الشواهد، أستطيع أن أقول إن أصدق صورة يمكن من خلالها قراءة التاريخ الرسمي، بعيدًا عن الانحيازات الأيديولوجية، هي الصادرة عن المخيال الشعبي، والوعي الجمعي للجماعة الشعبية، ومن ثم كانت كتابات صلاح عيسى عن التاريخ المنسي والمهمشين هي أصدق كتابة يمكن من خلالها الكشف عن الأنساق المضمرة التي غلفتها الروايات الرسمية بأكاذيب تارة، وروايات فنتازية عن الشخصيات المروي عنها تارة ثانية. بل تأتي أهمية الروايات غير الرسمية أو الشعبية في ترميم الفجوات المفقودة في الروايات التاريخية.
ومن ثم أولت الدراسات الأنثربولوجية مؤخرًا أهمية لمثل هذه الكتابات، في محاولة لقراءة الصورة الأخرى للتاريخ عبر الرواة غير الرسميين، وفي الفترة الأخيرة ظهرت كتابات كثيرة تعتني بالمهمشين الذي عاصروا الثورات والحروب الكبرى، وتقدم وجهات نظرهم فيما حدث، ومن هذه النماذج كتابات محمد أبو الغار عن "الفيلق المصري: جريمة اختطاف نصف مليون مصري"، وكتابه عن الوباء: "الوباء الذي قتل 180 ألف مصري".
اللافت للانتباه أن الاعتراف بأهمية المادة الشفاهيّة واعتمادها مصدرًا للتاريخ لم يتوافر - كما يقول الدارسون - إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد اعتمد في بداياته على روايات شهود العيان، متدرجًا إلى الاستغناء عن المواد الأرشيفية والوثائق لصالح المواد الشفاهيّة كي تأخذ مساحة عند المؤلف. والتاريخ الشعبي مقصود به مساحة البسطاء والمهمّشين كي يعبِّروا عن أنفسهم ويُدلوا بآرائهم في الأحداث المختلفة، كما أنّه تاريخ يهتمُّ بالجماعات وليس بالأفراد وبالبسطاء وليس بالنخب، والفارق بينه وبين الرسمي أنه بدأ مع وجود الإنسان وليس مع الكتابة، وقد اعتُمد على الإلياذة والأوديسا في التأريخ لليونان، في ظل غياب مصادر التاريخ المدونة. ونفس الدور لعبه الشعر الجاهلي الشفاهي عند العرب، حيث وثّق الأحداث الكبرى مثل حرب البسوس وداحس والغبراء، وموقعة ذي قار.
ومع أهمية التاريخ الشِّفَاهي في تسجيل المهمل والمتروك في سرديات التاريخ الرسمي، فإنّه لا يخلو مِن انتقادات على رأسها عدم المصداقية في درجة التأريخ لهذه المادّة، وأيضًا الجهل بشهود العيان وحياتهم، ومنها إضفاء الطابع الشخصي للرّاوي على هذا التاريخ. كما يُعرِّج المؤلف على أدوات التاريخ الشعبي ومنهجيته، ومجالات التاريخ الشفاهي واهتماماته، مثل علاقته بالتاريخ الشعبي وتاريخ المهمشين، باعتبار أنه استكمال لنواقص التاريخ المكتوب، واهتمامه بتاريخ طبقة العمال، والتاريخ الشعبي العسكري، والتاريخ الشعبي وكتابة تاريخ القبائل، وكذلك تاريخ الأقليات، وقبل أن يُنهي فصله يتساءل عن مصداقية التاريخ الشِّفاهيّ! وهنا يعود إلى آراء المؤرخين في الانتقادات التي وجهوها للتاريخ الشّفاهي، وينهي الجزء الأول بالدراسات السّابقة في هذا المجال وأشهرها دراسة يان فانسينا: "المأثورات الشفاهية"، أما في العالم العربي فأهمّ هذه الدراسات دراسة الدكتور أحمد مرسى عن التاريخ والفلكور، ودراسة د. عبد الحميد يونس: الظاهر بيبرس في القصص الشّعبي.غيرها.
ومن الكتب المهمة التي قدّمت الصُّورة الأخرى للرئيس عبد الناصر بعيدًا عما سجلته وسطرته كتابات المؤرخين الرسميين، كتاب الدكتور خالد أبو الليل "التاريخ الشعبي لمصر في فترة الحكم الناصري 1952 ــ 1970، رؤية جديدة من وجهة نظر المـُهمّشين)"، حيث يُقدّم الرواية الشفاهيّة للثورة؛ أي الرؤية الشعبيّة لهذه الثورة، وما أعقبها من أحداث، وكيف صاغها الوجدان الشعبي، ليقدِّم لنا تاريخ هذه الثورة عبر وجهة نظر غير رسمية للأحداث، بغض النظر عن تطابقها من عدمه في مَسعى نبيل لاستكمال فجوات التاريخ الرسميّ، الذي يكتبه المـُنتصر دائمًا.
الثورة بعيون المحبين
يعمد المؤلف إلى تقديم صورة للثورة من المخيال الشعبي، وفي مروياته لا يقف عند الثورة أو أسبابها بل يقدِّم هؤلاء الرواة الشفاهيون تفسيرات لتوقيت الثورة، فيرجّحون تاريخ تشرين ثانٍ/نوفمبر 1956. الموعد الأوّل الذي تمّ تحديده في البداية- لأنه الشهر الذي يُغادر فيه الملك القاهرة متجها إلى الإسكندرية، وقد تمّ تغيير الموعد بناء على مُستجدات كما تقول الرواية الشَّعبية ومنها حريق القاهرة الذي حدث يوم السبت الأسود في 26 كانون ثانٍ/يناير 1952، وهناك مَن يردها إلى اليوم السّابق حيث الأحداث التي حدثتْ في الإسماعيلية أو على حدِّ تعبيره "تمَّ بعد الدوشة دي اللى فى الإسماعيلية"، وهناك مَن ردّها إلى غضب الشعب بسبب أسبوع الأمير أحمد فؤاد، لكن ثمّة إشارات إلى الظروف الاجتماعية وقهر الفلاح حيث إن المجتمع المصري كان يُسمّى "مجتمع النصف في المئة" لأن 0.5% من المجتمع يمتلك نحو ثروة مصر، وهو ما أدّى إلى صراعٍ واحتقانٍ داخلييْن، ولا يقلُّ الضغط الذي مارسه الأغنياء على الفقراء عن الدور الذي مارسه الإنجليز تجاههم، من شراء منتجاتهم بأبخس الأثمان، إضافة إلى ما كانوا يفعلونه مِن انتهاكات، وأيضًا إلى شخصية الملك فاروق والفساد الذي كان يتناثر من حول القصر خاصّة أنَّ الملكَ ذاته ارتبطَ في المخيالِ الشَّعبي بنهمهِ للأكلِ وشدَّة جماله وفحولته الجنسيّة، وانصرافه عن أمورِ الناس والبلاد إلى تحقيقِ ملذاته الشَّخصيّة، والاحتفالات التي كانت تقام في القصر، وهو ما يعكس رفاهية وعدم مبالاة بالشعب ما زاد من الاحتقان، لكن بعض مواقف الملك الإنسانية أكسبت الملك صورة طيبة في نظر الشعب، مثل حزنه على عدم إنجاب الولد فصار الناس يردِّدون "مالك يا فاروق زعلان" في مشاركة لمليكهم حزنه، وما أن قامت الثورة وتولية نجيب مقاليد الأمور حتى ردّت الرواية الشعبية اختيار محمد نجيب ليرأس تنظيم الضباط الأحرار "حتى لا يقول عليهم عيال"، وهو ما انعكس على ردّ فعلهم بعد إلقاء السادات البيان الأول حيث "عمّت الفرحة الشّوارع".
لم تغبْ فترة صراع السُّلطة بين شركاء الماضي القريب، عبد الناصر ومحمد نجيب من طرف، ثم عبد الناصر والإخوان المسلمين من طرف آخر، نظرًا لما تميّزت به هذه الأزمة من حساسية أولًا لأنّها استمرت عامين وثانيًا لأن دماءً كثيرة سالت من المصريين. تعود الرواية الشعبية إلى بداية صِدام عبد الناصر مع نجيب بعد تزايد ارتباط الشعب به، حتى إنه راح يغني له "نجيب يا حِتة سكَّرة"، وبطولاته خاصة في انتخابات نادي الضباط، إضافة إلى أنه كان كما يصفه الشعب بأنه "شعبي وبسيط"، كلُّ هذه العوامل جعلت عبد الناصر يقول إنّ نجيب سَرقَ الثورة لنفسه، وَعمل على خلاف مبادئها، ومع هذا فكثيرون تعاطفوا مع محمد نجيب باعتبار أنه كان يريد الصالح للبلاد بعودة العسكر للثكنات خاصة بعد استقالته من جميع مناصبه، وإسناد منصب رئيس الحكومة لعبد الناصر. فخرجوا في مظاهرات 27 شباط/فبراير 1954، ورغم أن كواليس الصِّراع كانت داخل دائرة الحكم، فإن الشعب -وفقًا للكتاب- توصّل إلى ما يدور مِن صراعٍ وصاغه عبر مخيلته وفق أيديولوجيته التي كانت تؤمن بنجيب رغم حالة التشويه التي مارستها الآلة الإعلامية لجمال تجاه صورة نجيب، ووصفه بالمستبد والتشهير بأصل أمه السودانية وغيرها. ونظرًا للحشد الذي قامت به جماعة الإخوان في موقفها المــُؤيِّد لنجيب بعد الصِّراع المـُـستتر على السُّلطة بدأَ التفكير في التخلُّص من الإخوان خاصّة أنّ عبد الناصر وجد له شعبية يستندُ عليها مِن خلال عمّال النقل في مقابل شعبية نجيب التي كانت مدعومة من الإخوان، ومثلما نجح عبد الناصر في تشويه صورة نجيب، استفاد أيضًا من حادثة اغتياله في المنشية في تشرين أول/أكتوبر 1954، ليزيد من شعبيته. وقد تعدّدت الروايات الشعبية لحادثة المنشية حتى قد ذهب كثيرون إلى قرنها بالأسطورة، ومثلما لم يتفقوا حول صيغة واحدة لرواية الحادثة لم يتفقوا أيضًا حول تفسير محاولة الاغتيال التي ردوها إلى الإخوان ومحاولتهم التخلُّص منه، وبعضهم زعم أنها مدبرة من عبد الناصر ذاته لتزيد شعبيته، ويتخلّص بها من الإخوان، وبعضهم يرى أنّ المخابرات وراء هذه الحادثة، وهو ما كان ذريعة لحملة اعتقالات بالجملة لكلِّ مَن ينتمي إليهم أو حتى وردَ اسمه بالخطأ في سجلات ندواتهم الدينيّة التي لا علاقة لها بالسّياسة.
ربما كان للتحديات الخارجية الكبرى مثل اتفاقية الجلاء وتأميم القناة والعدوان الثلاثي وبناء السّد العالي الأثر الكبير في توطيد الصورة الذهنية للزعيم عبد الناصر في المخيال الشعبي، وهو ما وصل إلى أقصى تفاعل لها بعد التنحي وحالة الغضب العارمة التي لاقت بها الجماهير والحشود الشّعبية هذا القرار الصّادم رغم المحنة التي تعرَّضت لها البلاد بالنكسة، لكن قرار التنحي فاق تأثير النكسة على هذه الجماهير، وهو ما يُفسِّر عمق صورة الزعيم في وجدانهم.
وعلى الرغم من أهمية قرار إنشاء السد العالي (1961-1970) الذي عُدّ واحدًا من أهمّ المشروعات الكبرى آنذاك، بالإضافة إلى الفائدة التي جُنيت مِن وراء تنفيذه فإنّ الرؤية من قبل المـُهجّرين حملت النقيض؛ بعضها رأى في المشروع خيرًا كثيرًا والآخر لم يتذكر سوى مشاكل التهجير وما حاق بالمــُهجّرين من أضرار بالغة، بالإضافة إلى الرؤية السّلبية للاتحاد السوفيتي وموقفه من تمويل السّد حيث كان ينظر لمصالحه، ودلّلوا على موقفه مِن القطن المصري، ثم موقفه من حرب 1973، حيث أكَّدوا على أن هواري بومدين هو الذي دَفَعَ الشيك لهم. أما الرؤية الأكثر إيلامًا فهي الضّرر الذي وَقَعَ على الفلاح حيث وقعت عليه المعاناة والتي تمثّلت في قلة المياة وهو ما أسهم في زيادة الأرض البور.
زلزال النكسة وتوابعه
يربطُ المخيال الشعبي بين حرب اليمن وهزيمة 67، فيرى أنّ إسرائيل نصبتْ شَركًا لمصر هناك، بإضعاف جيشها وإنفاد عتاده، ثم قامت بالهجوم على مصر، والحقيقة حسب ما قدَّم المؤلف في كتابه أن أسباب الهزيمة تنوَّعت في الوجدان الشعبي ومنها إنهاك الجيش وعدم استعداده للحرب فقد عبّر أحد المبحوثين ساخطًا (جابوهم من الدار للنار)، وهناك مَن يردّ أسباب الهزيمة لوجود بعض الاعوجاجات التي كانت موجودة في الجيش، أو باتهام عبد الحكيم عامر وصلاح نصر بالخيانة، أو ما يتعلّق بالمرأة خاصّة (كما في حالة عبد الحكيم عامر). وآخر يردُّها لحجم المساعدات التي قدمتها أمريكا لإسرائيل. وقد تأتي وفاة المشير لتتطابق مع حالة الرواية الرسمية في الحيرة وردّها مرّة للانتحار وأخرى لقتله.
لا تقف الرؤية الشعبية عند الأسباب الرئيسية للهزيمة، بل تتجاوزها لتفسِّرَ بعضًا من الأسرار العسكرية خاصة لقاءات الجبهة، وأيضًا تُحمِّل الإعلام المــُضلِّل تأثيره على إصابة المصريين بالصدمة النفسية، وهو الإعلام الذي أجمع عليه المبحوثون بأنّهم كذّابون خاصّة بعدما عاش المصريون نشوة الانتصار الوهمي الذي صنعه أحمد سعيد، حتى أفاق على صدمة قرار تنحي الرئيس في الثامن من حزيران/يونيو 1967.
وجاءت ردود أفعال الوجدان الشعبي عاطفية فكثيرون رفضوا قرار التنحي حتى لا تشمت إسرائيل فيهم، لكن الكثيرين رأوا أن المظاهرات التي خرجتْ لرفض التنحي لم تكن تلقائية بل كانت مدفوعة، وهو ما يؤكِّد ما جاء عند بعضهم أن خطاب التنحي كان "تمثيلية عشان يرضى الشّعب".
الغريب أن الجميع أجمعوا على أن تأثير نكسة يونيو كان شاملًا لجموع الشعب التي رأت أن الحزن عمّ أرجاء البلاد، وهو ما تساوى مع الرؤية الشعبية لخبر وفاة الرئيس ذاته، حيث "الناس بقت تصوِّت عليه في كل حتة" ومع فداحة الخبر فإنه هو الآخر لم يخلُ من الخيال، حيث ذهبوا مذاهب متعدِّدة منها ما أرجعه إلى التسمم من خلال أحد الأطباء الروس الموالين لإسرائيل، وهناك رؤية لا تخرج الوفاة من المؤامرة الإسرائيلية التي دَسّت له السُّم، الشّيء اللافت هو حالة الإجماع على تسمّم الرئيس والخيانة طرفًا لتحقق الجريمة. كما لا تتوقف الرؤية الشّعبية عند خبر الوفاة وإنما ذهبوا إلى تتبع آثار الخبر، وقاموا بوصف مشهد الوفاة، في كافة أرجاء المعمورة وعلى الأخصِّ قرية بني مر مسقط رأسه، وعن أنواع الهتافات التي جعلت من رأس السلطة أبًا للجماهير كما تجلت في نداءاتهم أثناء الوداع، وكذلك وصفهم للوفود التي جاءت لتشييع الجنازة من رؤساء وملوك وسلاطين وقادة، كل هذا لسبب بسيط، أن عبد الناصر اختُزل وفق رؤية العامة كأحد الأنبياء، ومن ثمّ رَحَلَ كرحيلهم.
على الرغم من تباين الصورة التي عكستها كتابات النخبة والسياسيين، مقارنة بالصورة التي رسمتها المخيلة الشعبية، فإن صورة الزعيم في المخيال الشَّعبي (ولدى بعض النُّخْبَةِ) ما زالت مُقَدَّسَةً لم يصبها مُدَنَّس نكسة حزيران/يونيو 1967، حتى بعد إعلان الرئيس نفسه مسئوليته عنها، وما أَعْقَبَها من خِطَاب التنحي، وهو ما قوبل برفض شعبي جامح على وجه التحديد، بخروج المظاهرات التي تطالب بالعدول عن هذا القرار، وهو ما استجاب له الزعيم بالفعل (ومع تأكيد كثيرين على أن البطل سقط بالفعل جريجًا، وبدأ الناس يبحثون عن منطق آخر غير منطقه)، وظلَّ في الحُكْمِ حتى وفاته في أيلول/سبتمبر 1970، ثم يأتي مَشْهدُ الوفاة ليؤكِّد - في مفارقة عجيبة - أن صورة الزعيم المُقدّسة والخالية من أىِّ مُدَنَّس لأَثر النكسة السِّياسية والفضيحة المدوِّية في 1967، ما زالت باقية على طهارتها ونقائها، العجيب أنّهم بعد وفاته استسلموا لسحر الانفتاح وغواية الحُلْم الأمريكي، وهو ما يُعَدُّ انقلابًا صَريحًا على ما آمنوا به في وجود البطل الفرد، كما أُزِيل الغِطَاء عن تجربته كاملًا، لتتلقفها مَعَاول الهَدْمِ مِمّن تربّصوا بها قديمًا، ويا للعجب من رفقاء الأمس! هم أوَّل من قادوا معسكر الانقلاب والسعي للقضاء على أيديولوجيا يوليو فكانت أحداث 15 مايو 1971، دون أن يشعروا بأن سياستهم (رغم ما بدا للرائي أنها على النقيض) كانت قائمة على ذات الأيديولوجية، والمدهش أنهم ورّثوها لخَلَفِهم فأصابت بنية الدَّوْلة بالترهُّل والشيخوخة والتكلُّس. فكان ما كَانَ في الخامس والعشرين من كانون ثاني/يناير 2011، بمثابة الانقضاض على هذا الإرث العقيم، والانتفاضة على أجهزة الدولة التعبوية، التي مارست ضخَّ الأكاذيب طوال هذه العقود بمختلف توجهاتها.