بعد الحرب العالمية الثانية، تمحورت السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي حول الثنائية القُطبية، حيث سعى إلى تعزيز نُفوذه في مواجهة الولايات المتحدة، إلى أن انتهت تلك السياسة بالفشل نتيجة التهاون في المصالح الوطنية السوفييتية، وذلك نتاج اتحاد عوامل عديدة، أبرزها ضعف الاقتصاد السوفييتي ذاته، ووصول قادة غير قادرين على تلبية متطلّبات ذلك الوضع القيادي، ما أدّى إلى فقدان القدرة على مجاراة التحوّلات الدولية.
ومع تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، واجهت روسيا معضلة إعادة تعريف مكانتها الدولية في ظلّ نظام أحادي القطبية تهيمن عليه الولايات المتحدة.
وكما هو الحال مع القوى العظمى التي تفقد تفوّقها، لم يكن السؤال ما إذا كانت روسيا ستستعيد نفوذها، بل كيف وبأيّة تكلفة؟ فلم تكن الدول يومًا كيانات ساكنة. إنها تمضي، تتكسر، تتحوّر، ثم تعاود الظهور وتعيد تشكيل نفسها وفق شروط واقع جديد، وروسيا، بوصفها وريثة الاتحاد السوفييتي، لم تكن استثناءً لهذه الديناميكية.
في هذا الإطار، برز الشرق الأوسط كفرصةٍ استراتيجيةٍ لاستعادة الدور الروسي، ومع اندلاع ثورات الربيع العربي، رأت موسكو في تلك التحوّلات فرصةً لإعادة تثبيت نفوذها في النظام الدولي عبر تقديم نفسها كبديل موثوق به بدلًا من الغرب في المنطقة. وكان التدخّل العسكري في سوريا عام 2015 نقطة تحوّلٍ رئيسيةٍ في هذا المسار، حيث سعت روسيا إلى تأكيد دورها كقوّةٍ ضامنة للاستقرار ومنافس استراتيجي للولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن الحسابات الجيوسياسية ليست ثابتة، بل تتغيّر وفق المتغيرات الهيكلية. ففي 24 شباط/فبراير 2022، أدّى اندلاع الحرب الروسية‐الأوكرانية إلى إعادة ترتيب الأولويات الروسية، مما أضعف قدرتها على إدارة التزاماتها العسكرية في سوريا.
ومذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأوّل/ديسمبر 2024، وبروز إدارة انتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، يُصبح من الضروري إعادة تقييم الدور الروسي في سوريا. فهل كان التدخّل الروسي خطوةً ناجحةً في استعادة النفوذ، أم أنه شكّل عبئًا استراتيجيًا كشف حدود القوة الروسية في نظام دولي متغير؟
بدايةً، ولفهم الدور الروسي في سوريا خلال حكم نظام بشار الأسد، لا يكفي التوقّف عند الأحداث السياسية والعسكرية فحسب؛ بل يتطلّب الأمر العودة إلى الأطر النظرية التي تفسر سلوك القوى العظمى في النظام الدولي، فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي، لم تكن استعادة النفوذ الروسي مجرّد استجابة لحسابات آنية، بل امتدادًا لرؤية أوسع تتجذر في مفاهيم مثل (نظرية الدور، وتحول القوة كما صاغها أورغانسكي، والواقعية الهجومية وفقًا لميرشايمر).
إن هذه النظرّيات لا تقدّم تفسيراتٍ جامدة، بل تُساعد بشكلٍ ما على فهم ديناميكيات القوّة والصراع، خاصّة في السياقات التي تُحاول فيها دولة إعادة تموضعها في ميزان القوى العالمي، ولذا، لابدّ من معرفة ماذا يعني "الدور" في العلاقات الدولية؟
هذا المفهوم، الذي نشأ في علم الاجتماع الغربي، لا يقتصرُ على كونه مجرّد انعكاس لتصورّات النُخب السياسية عن موقع دولها، بل هو ظاهرة ديناميكية ومتعدّدة الأبعاد تتشكّل عبر التفاعل المستمرّ بين الفاعلين الدوليين أنفسهم. وكما أن الأفراد في المجتمعات لا يحدّدون أدوارهم بمعزل عن الآخرين، فإن الدوّل أيضًا لا تعمل في فراغ؛ فهي محكومة بالقيود الهيكلية للنظام الدولي، وبميزان القوى الإقليمي والعالمي.
وبهذا المعنى، يُعرّف ستيفن والكر الدور بأنه "بأنها تصوّرات واضعي السياسات الخارجية Policymakers لمناصب دولهم في النظام الدولي"، لكن هذه التصوّرات لا تعمل بمعزل عن الواقع، بل تتشكّل من خلال عملية تفاعل معقدة بين الطموحات الذاتية للدولة والاستجابات الخارجية من الفاعلين الدوليين.
من هذا المنظور، فإن الدور الروسي في سوريا لم يكن مجرّد مشروع سياسي تسعى موسكو إلى تنفيذه؛ بل كان عملية تفاوض مستمرّة بين تصورات روسيا عن مكانتها، وردود فعل القوى الأخرى تجاه هذه الطموحات.
التدخّل الروسي عام 2015 لم يكن فقط محاولة لإعادة تثبيت موقعها كقوّة عظمى؛ بل أيضًا اختبارًا لقدرتها على صياغة دور جديد في منطقة معقدة، حيث المصالح المتضاربة والتوازنات المتغيرة. وهنا تكمن المفارقة: الأدوار في السياسة الدولية ليست كيانات ثابتة، بل متغيّرة بطبيعتها، تتأثّر بالسياقات السياسية، والاقتصادية، والعسكرية.
لذلك، فإن تحليل الدور الروسي في سوريا لا ينحصر في تقييم نجاحه أو فشله فحسب؛ بل في فهم كيف تتكيف روسيا مع التحوّلات التي قد تُعيد تشكيل هذا الدور، أو ربما تجرّده من مضمونه بالكامل.
وفيما يتعلق بنظرية تحوّل القوة الذي تم تعريفها من قِبَل الأكاديمي الإيطالي أبرامو أورغانسكي، حيث وصف النظام الدولي بأنه قائم على التسلسل الهرمي. هذا الرأي كان نتيجة لتلك الطبيعة الهرمية والمعقدة للنظام الدولي، ولابدّ من وجود قوة مهيمنة تتحكم في مُجريات وسياسات هذ النظام، مؤكّدًا على أهمية رضا بقية الدول في هذا النظام الدولي عن القوّة المهيمنة كوسيلة لتحقيق الاستقرار والحفاظ على الحالة الراهنة للنظام الدولي.
كما أكّد أيضًا على العلاقة بين التسلسل الهرمي والوضع الراهن والسلطة في النظام الدولي؛ فالقوى العظمي تسعى بلا كللٍ لتحلّ محلّ القوي المهيمنة في النظام الدولي لا سيما إذا كانت غير راضية عن الوضع الراهن، وبالتالي، يجب أن يكون لدى تلك القوى العظمى مؤهّلات تضمن لها ذلك؛ كالقوّة الاقتصادية والعسكرية التي تساعدها على تحدي القوة المهيمنة وتغيير ميزان القوى لصالحها.
وفي سياق نظريات القوى العظمى والسعي للهيمنة، تبرز أفكار جون ميرشايمر في كتابه "مأساة سياسة القوى العظمى" (The Tragedy of Great Power Politics )، إذ يطرح ميرشايمر فكرة أن القوى العظمى تسعى باستمرار إلى زيادة قوّتها بهدف تحقيق الهيمنة، نظرًا للطبيعة الفوضوية للنظام الدولي وغياب سلطة مركزية تحمي الدول.
ومع ذلك، يشير إلى أن الهيمنة العالمية مستحيلة عمليًا بسبب العوائق الجغرافية والقدرات العسكرية، حيث يرى أن ما يسمّيه "قوة الماء العظمى" (The Stopping Power of Water)، أي "المحيطات الكبيرة" تمنع أي قوّة عظمى من بسط سيطرتها على العالم بأسره، ولذلك، فإن أقصى ما يمكن أن تطمح إليه القوى الكبرى هو الهيمنة الإقليمية، حيث تُحاول كل قوة عظمى تأمين نفوذها في منطقتها ومنع ظهور منافسين قادرين على تهديدها.
في هذا السياق، تُعد الولايات المتحدة مثالًا على قوة مهيمنة إقليمية في نصف الكرة الغربي للعالم، إذ لا تواجه منافسين رئيسيين في الأميركيتين. وعلى الجانب الآخر، يرى ميرشايمر أن الصين تسعى إلى تحقيق الهيمنة الإقليمية في شرق آسيا، وهو ما يجعلها التهديد الأكبر للولايات المتحدة في العقود القادمة، مما قد يؤدي إلى تصاعد التوترات الاستراتيجية بين القوتين.
بالإضافة إلى ذلك، تُعرَّف القوة العظمى (Great Power) ، بأنها دولة تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية هائلة، مما يسمح لها بالتأثير بشكلٍ كبيرٍ على النظام الدولي، لكنها لا تستطيع فرض سيطرتها على العالم بأسره بسبب وجود قوى أخرى موازنة، أما "الدولة المهيمنة " (Hegemon)، فهي دولةٌ بلغت من القوّة ما يمكّنها من السيطرة على كل الدول الأخرى في النظام، بحيث لا تمتلك أيّة دولة أخرى الموارد العسكرية اللازمة لخوض حرب كبرى ضدها.
ونتيجة لذلك، فإن روسيا في الحالة السورية، تقدم لنا مختبرًا مثاليًا لتطبيق هذا الإطار النظري الذي تم تفصيله؛ فمؤهّلاتها كقوة عظمى، وقوّتها العسكرية والاقتصادية (وإن كانت محدودة)، تم توظيفها ببراعة ومرونة منذ 2015، في سعي لأداء دور مؤثّر في النظام الدولي، ولتعزيز نفوذها وتقويض النفوذ الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، وقد تجلى هذا السعي في ظل تصاعد التوتر مع الغرب، وفي التحولات الدراماتيكية التي تشهدها سوريا، وصولًا إلى سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024.
هذا السقوط لم يأتِ من فراغ، بل في سياقٍ إقليمي ودولي بالغ التعقيد، حيث في ظلّ التحديات التي تواجهها روسيا في الحرب مع أوكرانيا للعام الرابع على التوالي، والتي استنزفت جزءًا كبيرًا من قدراتها العسكرية وقلّصت قدرتها على دعم نظام بشار الأسد، وجدت هيئة تحرير الشام الفرصة سانحة لشن هجوم واسع بدأ في 27 تشرين الأوّل/نوفمبر 2024 تحت اسم "ردع العدوان"، مستغلّة انشغال روسيا على الجبهة الأوكرانية، وتمكنت الهيئة من تحقيق تقدم سريع في مناطق حلب وإدلب، ما أدى في نهاية المطاف إلى سقوط النظام السوري.
تعكس هذه التطوّرات مجتمعة تراجع النفوذ الروسي في سوريا، وتؤكّد تحولها التدريجي نحو موقع قوة إقليمية في النظام الدولي، بدلًا من كونها قوة عظمى مؤثرة عالميًا كما كانت في الحقبة السوفييتية. فبرغم احتفاظها بقدرات نووية وعسكرية كبيرة، فإن الاقتصاد الروسي يعاني من نقاط ضعف هيكلية، أبرزها التضخم المرتفع الذي بلغ 9.5% في 2024، وزيادة معدل الفائدة إلى 21% في تشرين الأّول/أكتوبر من نفس العام، مما أدّى إلى تراجع الاستثمارات وارتفاع مخاطر إفلاس الشركات، إضافة إلى تباطؤ نمو الاقتصاد. كما يعاني الاقتصاد من عجز في الميزانية وصل إلى 1,7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، والأصول الروسية المجمدة التي تُقدّر بحوالي 300 مليار دولار نتيجة العقوبات الاقتصادية الغربية. هذه المشاكل الاقتصادية تعيق قدرة روسيا على الحفاظ على نفوذها حتى في محيطها الإقليمي. إلى ذلك، يُستشهد بلجوء روسيا إلى استقطاب مقاتلين من كوريا الشمالية في الصراع الأوكراني كمؤشر واضح على تآكل قدراتها وتراجع مكانتها على الساحة الدولية.
الشرق الأوسط في السياسة الخارجية الروسية
لَعِبَ الشرق الأوسط دورًا هامًا في السياسة الخارجية الروسية منذ الحرب العالمية الثانية. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تراجعت أهمية الشرق الأوسط كأولوية للسياسة الخارجية الروسية بسبب عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي لروسيا سواءً على الصعيد الوطني أو الدولي.
وعندما وصل فلاديمير بوتين إلى السلطة في السابع من أيّار/مايو عام 2000، كان هدفه الرئيسي هو إعادة روسيا كقوة عظمى في المجال الدولي "فلقد تصرف الاتحاد الروسي في عدة سيناريوهات، ومنذ عام 2000، مع فلاديمير بوتين، كان هدفه الرئيسي هو تعزيز مكانة دولته كقوة عظمى، من أجل العودة إلى الحِقبة السوفييتية المجيدة؛ فتعظيم السلطة والسعي لتحقيق الأمن الداخلي أمران أساسيان لأن هناك نظامًا دوليًا في حالة فوضى دائمة".
ومن أجل تحقيق تلك السياسة الخارجية، عمل بوتين منذ وصوله للسلطة في أيار/مايو 2000 على التركيز على أهمية تحقيق التنمية الوطنية لضمان تحقيق سياسة خارجية طويلة الأجل "السياسة الخارجية في الفضاء الخارجي هي في النهاية امتداد وانعكاس للسياسة الداخلية حيث إن كليهما موجه بشكل أساسي للحفاظ على الاستقرار السياسي لروسيا".
وكان من أبرز نتائج تلك السياسة، هو السعي لتكريس النفوذ الروسي على دول أوروبا الشرقية سواءً عن طريق سياسة الترغيب أو الترهيب (الحرب الروسية الجورجية) أو كلاهما معًا. وبالتوازي مع ذلك، يُمكن تفسير العزوف الروسي مطلع القرن الحادي والعشرين عن الشرق الأوسط. فلقد وجهت روسيا تركيزها نحو أوروبا الشرقية لأنها شملت الدول التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفييتي كقوة دفع تُمكن روسيا من تحدّي ومواجهة الولايات المتحدة أثناء اندلاع ثورات الربيع العربي وتحقيق نفوذها عن طريق التدخل عسكريًا في الدولة السورية 30 سبتمبر 2015. إلا أن سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 يمثل تحولًا كبيرًا يفرض على روسيا إعادة تقييم استراتيجيتها في المنطقة بشكل كامل.
لقد شكلت الضربات الجوية الروسية في سوريا في عام 2015 نقطة تحوّل في سياستها الخارجية، وبالاستفادة الكاملة من الفراغ الذي أحدثته سياسة الرئيس أوباما في التدخل لإسقاط نظام الأسد بعد الحرب الأهلية السورية. ولهذا، فلقد تدخلت روسيا في المنطقة عبر البوابة السورية؛ بغية تعزيز نفوذها في المنطقة من خلال دعمها لنظام الأسد الخاضع لها من ناحية، ومن أجل تمكين القواعد الروسية من ترسيخ وجودها في القارة الأفريقية. ولكن مع سقوط نظام الأسد، تواجه روسيا تحدّيات جمة في الحفاظ على نفوذها ومصالحها في سوريا.
ولفهم الدور الروسي في سوريا في المرحلة الانتقالية وما بعدها سيتم التركيز على أربعة أبعاد هي: البُعد الأمني والاقتصادي والسياسي والعسكري.
● وفيما يتعلق بالبُعد الأمني، هدفت روسيا إلى الحد من التهديدات الأمنية التي تقوض استقرارها خاصة بعد الانتفاضة العربية التي أدت إلى عدم استقرار النظام الدولي؛ وبالتالي، فإنه يمكن أن يؤثر على الاستقرار الروسي الداخلي؛ الأمر الذي كان من شأنه توفير فرصة وبيئة ملائمة لتصدير تلك الثورات للداخل الروسي وتهديد الأمني القومي. فهناك شعور روسي تقليدي وغريزي بانعدام الأمن؛ حيث ينظر الرئيس الروسي بوتين إلى بقية العالم على أنه عدائي وهذا الإدراك المتزايد للحالة العدائية يوفر ذريعة ضرورية لتوطيد "الديكتاتورية" التي بدونها لا يستطيع إحكام قبضته على الوضع الداخلي في روسيا.
ومع الإدارة السورية الجديدة، تسعى روسيا إلى إعادة تعريف دورها الأمني في المنطقة، مع التركيز على مكافحة الإرهاب وضمان الاستقرار الإقليمي، ولكن في ظل واقع سياسي جديد.
● ويتمثل البُعد الاقتصادي في تأمين موارد الطاقة الروسية عبر الحصول على النفط السوري، والذي عزّز من النفوذ الروسي بشكل نسبي. إلا أن مستقبل الوصول الروسي إلى موارد الطاقة السورية في ظل الإدارة الجديدة يظل غير واضح، ويتوقف على المفاوضات بين الجانبين.
● ويشمل البُعد السياسي مخاوف روسيا من سياسات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الهادفة إلى تحجيم الصعود الروسي نفسه، وكذا السعي من جانب آخر إلى سد حالة الفراغ الذي تركته واشنطن في المنطقة بشكل نسبي بعد ثورات الربيع العربي. ومع سقوط نظام الأسد، تفقد روسيا حليفًا استراتيجيًا رئيسيًا في مواجهة النفوذ الغربي. تسعى روسيا الآن إلى بناء علاقات جديدة مع الإدارة السورية الانتقالية، ولكن في ظل شكوك وتحديات كبيرة.
● علاوةً على ذلك، فإن أهميّة سوريا بالنسبة لروسيا ممثلة في البُعد العسكري لأن روسيا لديها استثمارات تُقدر بحوالي 500 مليون دولار (القاعدة البحرية الروسية) في ميناء طرطوس، والوصول إلى المياه الدافئة، وكممر لوجستي للقارة الأفريقية. ونظرًا لكون هذه القاعدة تمكن روسيا من فرض نفوذها في المنطقة عسكريًا، بالتوازي مع قاعدة حميميم الجوية. إلا أن مستقبل هاتين القاعدتين أصبح غير مؤكد بعد سقوط نظام الأسد، وتواجه روسيا ضغوطًا لتقليص وجودها العسكري في سوريا. وبناءً على ذلك، فإن سوريا مهمّة للمصالح الجيوسياسية لروسيا. فقد قدمت سوريا من قبل الدعم السياسي لروسيا في الحرب في جورجيا والشيشان، وحديثًا قبل سقوطه، دعم نظام بشار الأسد للموقف الروسي بصدد المناطق الانفصالية في "إقليم دونباس الأوكراني".
بين ضرورات البراغماتية وإكراهات الجغرافيا السياسية
مع انتهاء عهد الأسد، تجد سوريا نفسها أمام لحظة تاريخية فارقة، حيث تواجه الإدارة الانتقالية تحدّيات معقدة تتعلق بإعادة بناء الدولة، واستعادة الاستقرار، وإعادة تعريف موقعها في المنظومة الدولية. فالتغيير السياسي يفتح نافذة فرص لإعادة هيكلة العلاقات الخارجية، إلا أن الواقع الجيوسياسي يفرض على دمشق خيارات استراتيجية صعبة بين القوى الدولية والإقليمية المتنافسة. تبرز أهمية التوجه نحو الغرب، ليس كخيار أيديولوجي، وإنما كضرورة براغماتية تفرضها العقوبات الاقتصادية الخانقة والحاجة الملحة لإعادة الإعمار.
إن رفع هذه العقوبات تدريجيًا وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة يمثلان عنصرين أساسيين في مسار التعافي الاقتصادي. ولذلك، يمكن للتعاون مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن يشكل رافعة اقتصادية قوية، لكنه في الوقت ذاته يحمل أبعادًا سياسية معقدة، إذ يستوجب من دمشق إعادة ضبط سياساتها الداخلية والخارجية وفقًا لمتطلبات الغرب، وهو ما قد يؤدي إلى ضغوط متزايدة على أيّة علاقة مرتقبة مع قوى أخرى، خاصة روسيا.
وفي مقابل الخيار الغربي، قد يتزايد الاهتمام بتعزيز العلاقات مع القوى الآسيوية الصاعدة، مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة؛ فهذه الدول تقدم نموذجًا بديلًا، وقد يوفر فرصًا للتعاون الاقتصادي والتجاري دون شروط سياسية صارمة، ومن خلال هذه العلاقات، يمكن لسوريا فتح أسواق جديدة لصادراتها في حال تعززت القطاعات الإنتاجية الحيوية، وتنويع مصادر الاستثمار، والحدّ من تبعيتها لأي محور دولي بعينه، علاوة على ذلك، قد يمنح هذا التوجه سوريا هامشًا أكبر للمناورة في سياستها الخارجية، مما يخفف من الضغوط الغربية ويعزز استقلالية القرار السوري.
لكن إعادة تشكيل المشهد السوري لا تتوقف عند التوازنات بين الشرق والغرب، إذ يبرز فاعل إقليمي رئيسي يسعى لترسيخ حضوره في سوريا ما بعد الأسد، وهو تركيا. فمنذ بداية التراجع النسبي للدورين الإيراني والروسي، اتخذت أنقرة خطوات استراتيجية لتوسيع نفوذها، عبر الجمع بين الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، في مقاربة تعكس فهمًا عميقًا لتعقيدات المرحلة الانتقالية في سوريا.
في هذا الإطار، جاءت الزيارة الرسمية للرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى أنقرة في 4 شباط/ فبراير 2025، حيث التقى بنظيره التركي، رجب طيب أردوغان، في اجتماع يتجاوز بروتوكول العلاقات الثنائية ليكشف عن تحولات جوهرية في موازين القوى داخل سوريا. وفقًا لوكالة رويترز، فإن هذه الزيارة تعكس توجهًا استراتيجيًا نحو تعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري مع تركيا، التي تضع ضمن أولوياتها نشر قاعدتين جويتين في وسط سوريا وإعادة هيكلة الجيش السوري الجديد. ومن المثير للاهتمام أن هذا المشروع قد يتجاوز مجرد إعادة التنظيم العسكري، إذ يشمل برنامجًا تدريبيًا مكثفًا يهدف إلى دمج الفصائل المعارضة ضمن هيكلية موحدة تخضع لإشراف مباشر من أنقرة. هذا التوجه لا يمثل فقط مجرد إعادة تموضع تكتيكي، بل يعكس مقاربة تركية أكثر طموحًا بسوريا.
وبالتوازي مع هذه التوجهات العسكرية، تتزايد الاهتمامات التركية بشكلٍ ملحوظٍ في ملف التعاون الاقتصادي مع سوريا، حيث يُنظر إلى السوق السورية التي يتجاوز عدد سكانها 24 مليون نسمة على أنها سوق واعدة لاستقبال المنتجات التركية. هذا التوجه يعكس بُعدًا استراتيجيًا في ضوء ضعف قدرة الإنتاج المحلي السوري في الوقت الراهن، مما يزيد من الاعتماد على الواردات الأجنبية. ومن جهة أخرى، يسهم تداول الليرة التركية في العديد من المناطق السورية في تسهيل التبادل التجاري بين البلدين، خاصّة في ظل التقلبات الاقتصادية التي تواجهها العملة السورية. يشير هذا إلى تحول تدريجي في العلاقة النقدية بين البلدين، حيث أصبح لليرة التركية دور متزايد في تعزيز الاستقرار النسبي في التعاملات الاقتصادية، على الرغم من محدودية استخدامها في بعض المناطق التي لا تزال تشهد تداول العملات الثلاث: الدولار الأميركي، والليرة السورية، والليرة التركية معًا!
في هذا السياق، تعكس العلاقات التجارية الارتفاع الملحوظ في الصادرات التركية إلى سوريا، حيث سجلت زيادة بنسبة 20% في كانون الأوّل/ديسمبر 2024، و38% في كانون الثاني/يناير 2025. هذا التحسن في التجارة بين البلدين يعكس تنامي العلاقات الاقتصادية التي تستفيد من عامل القرب الجغرافي، والذي يُعد بمثابة ميزة تنافسية حاسمة لتعزيز حضور المنتجات التركية في السوق السوري.
وبناءً على ذلك، يبرز التعاون العسكري التركي-السوري كعاملٍ حاسمٍ في إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في المنطقة. إذ إن احتمالية بلورة هذا التعاون في إطار اتفاقية دفاع مشترك بين الدولتين لا تقتصر تداعياته على الداخل السوري فحسب، بل تمتد لتشمل الديناميكيات الأوسع للشرق الأوسط، خاصة في ظل التوازنات الإقليمية الهشة والمخاوف الإسرائيلية المتزايدة بشأن التحوّلات المحتملة في موازين القوى.
يأتي هذا التوجه ضمن استراتيجية تركية أوسع نطاقًا، تقوم على مبدأ "الفاعلية الاستراتيجية"، حيث لا تقتصر أنقرة على مجرد سد الفراغ الذي خلفه تراجع نفوذ كلًا من روسيا وإيران، بل تسعى إلى إعادة صياغة المشهد وفقًا لأولوياتها الخاصة. هذه المقاربة، التي تجمع بين البراغماتية السياسية والطموح الجيوسياسي، لا تنفصل عن السياقات التاريخية للعلاقات التركية-السورية، لكنها في الوقت ذاته تعكس وعيًا تركيًا لافتًا بضرورة تشكيل دور قيادي في المعادلة الإقليمية، سواءً عبر النفوذ العسكري أو التعاون الاقتصادي المتنامي مع دمشق. ولذا، فإن تأثيرات التعاون العسكري لا تتوقف عند حدوده المباشرة؛ بل تمتد لتعيد رسم الخطوط الفاصلة بين القوى الفاعلة في المنطقة. فمع تصاعد الانخراط التركي في الشأن السوري، تتزايد التساؤلات حول قدرة أنقرة على تحقيق توازن بين مصالحها الأمنية والجيوسياسية من جهة، وبين التحديات التي قد تنشأ نتيجة الاصطدام المحتمل مع الفاعلين الدوليين والإقليميين من جهة أخرى.
وسط هذا المشهد المتغير، تجد روسيا نفسها مجبرةً إلى إعادة تقييم دورها في سوريا، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة من تركيا. فقد أرسلت موسكو وفدًا رفيع المستوى إلى دمشق في 28 كانون الثاني/يناير 2025، برئاسة ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية، والممثل الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف، وذلك لبحث مستقبل الوجود الروسي في سوريا بعد سقوط الأسد. تدرك موسكو أن فقدان موقعها المميز في سوريا يعني تراجعًا كبيرًا في دورها بالمنطقة، ولهذا تسعى للحفاظ على هذا الدور عبر وجودها العسكري من خلال مفاوضات مع الإدارة السورية الجديدة حول مستقبل قاعدتي طرطوس وحميميم، اللتين تمثلان حجر الزاوية في استراتيجيتها الإقليمية.
ولكن السؤال الجوهري هو: هل ستتمكن روسيا من التكيف مع الوضع الجديد عبر بناء شراكة استراتيجية جديدة مع الحكومة السورية الانتقالية، أم أنها ستواجه تآكلًا تدريجيًا لنفوذها لصالح تركيا وقوى أخرى؟
وفي ظلّ هذه التغيرات الجذرية، تجد سوريا نفسها أمام تحديات استراتيجية معقدة، فالسؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى تستطيع سوريا تحقيق توازن دقيق بين القوى الكبرى المتنافسة على أرضها؟ هل يمكنها تبني نهج مستقل يخدم مصالحها الوطنية، أم أنها ستجد نفسها مضطرة إلى الانحياز إلى أحد المحاور الإقليمية والدولية؟ أما بالنسبة لروسيا، فإن مستقبل دورها في سوريا يعتمد إلى حد كبير على قدرتها على إعادة صياغة استراتيجيتها، وتحويل خسارة حليفها الاستراتيجي (الأسد) إلى فرصة لبناء علاقة جديدة قائمة على المصالح المشتركة. فهل ستتمكن موسكو من الحفاظ على وجودها كفاعل رئيسي في سوريا، أم أن "سيمفونية القوة الروسية" قد وصلت إلى نهايتها؟
تستمر التساؤلات حول فرص تجاوز عقبات المرحلة القادمة في الشأن السوري، فهناك تحديات كبيرة وملفات شائكة أمام قيادتها الانتقالية خلال الأشهر القادمة؛ ففي عالم متعدد الأقطاب، حيث تتنافس القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ، لن يكون تحقيق الاستقرار والازدهار ممكنًا دون تبني سياسة خارجية متوازنة تضع المصالح الوطنية فوق أي اعتبار، وتُجنّب البلاد الوقوع في فخ الاستقطاب والتبعية. لكن في نهاية المطاف، يبقى نجاح السياسة الخارجية مرتهنًا بمدى قدرة سوريا على تلبية تطلعات الشعب، وترسيخ دولة مستقرة وقادرة على حماية سيادتها وصياغة قراراتها وفق إرادتها الوطنية.










