ultracheck
لماذا يتلذذ الصهاينة بقتل الفلسطينيين؟

سفر أستير وتوراة الملك.. لماذا يتلذذ الصهاينة بقتل الفلسطينيين؟

3 أغسطس 2025

في الفترة الأخيرة، انتشرت على تيك توك عشرات الفيديوهات لجنود صهاينة يطلقون النار على المدنيين في غزة، يركبون الدراجات عبر الأنقاض، ويصورون الملابس الداخلية للنساء، ويشعلون النار في إمدادات الغذاء والماء الشحيحة، منتشين، فرحين، مهللين، كما لو كانوا في ملهى ليلي، ليس الغريب أنهم يفعلون تلك الأفعال، فهذا ديدنهم منذ نشأة كيانهم المزعوم، بل وربما ليست تلك الأفعال في حقيقتها إلا إعلانًا عن ذواتهم، يكشف الأسس للصهيونية كفكرة عدمية، تدمر البيوت وتحرق المؤن وتدنس المقدسات، لا من أجل الانتصار العسكري، بل من أجل محو شروط الحياة نفسها. 

وهذا يتجاوز مفهوم "التطهير العرقي" إلى ما أسمته الفيلسوفة حنة أرندت، تفاهة الشر، أي تحويل الشر إلى روتين يومي مفرغ من معناه الأخلاقي، فالكيان الذي وُلد من رحم النكبة لا يرى بقاءه إلا باستمرارها، ولكن إذا كان الاحتفال بالقتل يشفي الهشاشة الذاتية داخل المجتمع الصهيوني، فلماذا يتحول إلى عرضٍ رقمي؟ 

هل نشر الفيديوهات على "تيك توك" يحول العار إلى وسام؟ هل تدنيس المساجد بطرح سجاد الصلاة في المراحيض، أو تصوير الملابس الداخلية للنساء، يخرِج الفعل من زمنيته العابرة ليحوّله إلى رمزٍ دائم، فيصبح عبر "الإعجابات" والمشاركات أداة تطبيعٍ جماعي؟ وهل هذا التوثيق هو ذروة مشروعهم الاستيطاني؟ 

عودة إلى الجذور 

تستند العقيدة الأمنية القومية الإسرائيلية بشكل أساسي إلى فرضية صراع وجودي من أجل البقاء، صراع ممتد تاريخيًّا مع اختلاف وجوه الأعداء. هذه الفرضية، التي تُعد جزءًا من "كذبة الصهيونية الكبرى"، تقوم على فكرة أن إسرائيل محاطة بأعداء يسعون لإبادتها، وأن بقاءها يعتمد على قوتها العسكرية المطلقة، هذه "الكذبة" صنعت جزءًا كبيرًا من المشهد الإسرائيلي، حيث تطور الاستعداء لكل ما هو "غير يهودي" إلى نظام تعليمي متكامل يحكي سردية موازية للتاريخ، تقسم العالم إلى فئتين: اليهود وأعدائهم.

هذه العقيدة الوجودية المبنية على الخوف المزمن تُحوِّل حالة الحرب الدائمة من استثناء طارئ إلى مبدأ وجودي، فتصبح الحرب، هي الآلية الوحيدة المحافظة على تماسك السردية الصهيونية الهشة أمام تناقضاتها التاريخية، حيث تلعب النصوص والتفسيرات الدينية دورًا محوريًّا في تشكيل السردية الإسرائيلية، لا سيما في تبرير العنف ضد غير اليهود والأعداء المتصورين، ولذلك تُستخدم كثيرًا كلمة "العماليق"، أعداء اليهود في التلمود، من قبل شخصيات بارزة في المجتمع والحكومة الإسرائيلية، إذ يُصور هذا السرد العماليق على أنهم أشرار بطبيعتهم، مما يبرر إبادتهم، وبما أن العرب هم "عماليق العصر الحديث" الذين يمثلون "الشر المطلق" فبالتالي يستحقون "تفويض الإبادة الجماعية".

إن استدعاء هذه السرديات التوراتية من قِبل القادة السياسيين والدينيين يوفر تبريرًا قويًّا، ومُباركًا إلهيًّا، للعنف، فمن خلال وصف الفلسطينيين بأنهم "عماليق"، لا يصبح تدميرهم هدفًا عسكريًّا فحسب، بل واجبًا دينيًا، ما يزيل أي غموض أخلاقي أو حاجة للشعور بالذنب، كما يؤدي هذا التأطير الديني إلى رفع الصراع من نزاع سياسي إلى حرب وجودية مقدسة، ما يُنتج لاهوتًا للانتقام يجد شرعيته النهائية في نصوص مثل سفر أستير. 

حيث تُفسر قصة "عيد المساخر" (البوريم)، لا سيما نهايتها في سفر أستير حيث يذبح اليهود 75,800 من الرومان، من قبل بعض الصهاينة المتشددين على أنها "انتصار للقوة اليهودية" وسبب جيد للاحتفال، ولذلك تُعتبر القراءة الحرفية للعنف في سفر أستير تبريرًا "للتدمير الانتقامي في غزة" الذي أعقب وسبق أحداث 7 أكتوبر، هذا التفسير يعالج مباشرة جانب "الابتهاج بالقتل"، حيث يُصبح ذبح الآلاف، نموذجًا مُقدَّسًا منذ زمن بعيد يُعاد إنتاجه في غزة، بل ويُحوِّل المذبحة من فعل شنيع إلى طقسٍ ابتهاجي. 

حسنًا؛ هل سمعت عن كتاب "توراة الملك" الحاخامي من قبل؟ هذا الكتاب ببساطة شديدة يناقش الظروف التي يسمح فيها القانون اليهودي لليهود بقتل غير اليهود، بناءً على قراءة انتقائية للنصوص اليهودية، إذ يجادل بأن حظر القتل ينطبق فقط على اليهود، ويجيز قتل غير اليهود الذين ينتهكون قوانين نوح السبعة أوقات السلم والحرب. 

كما ينص صراحة على أنه في حالة الحرب، يُسمح بقتل الأغيار، العرب، ومن يساعدهم، وحتى من يدعمهم ويشجعهم، كما يسمح بإلحاق الضرر بالمدنيين الأبرياء، بمن فيهم الأطفال، "لأنهم عندما يكبرون سيؤذوننا"، هذا الكتاب أجازته الجامعة العبرية في القدس.

وللمفاجأة فإنه يدرس في الكليات والمعاهد العسكرية. حسنًا، الآن كل شيء ظهر وبان، وأصبح على عينك يا تاجر، ولكن إذا كان النص يخلق "شرعية دينية" للإجرام، فكيف يتحول إلى وقودٍ لحربٍ واقعية؟

تطبيع الكراهية 

بحسب ما ذكره البروفيسور توماس إلبرت، أستاذ علم النفس وعلم الأعصاب السلوكي بجامعة كونستانتس الألمانية، تقوم القوات العسكرية باغتصاب النساء وارتكاب المذابح ضد المدنيين بناءً على وجود معلومة مسبقة داخل عقل الجنود، أن الأعداء ليسوا إلا مجموعة من الحشرات ليس لهم قيمة، ومن هنا تأتي المفارقة بأن القادة العسكريين نادرًا ما يعطون الأوامر لجنودهم بارتكاب تلك الموبقات، بل يذهب الجنود لهذا الخيار طواعية، وبعد حدوثه يتغاضى عنه القادة أو يستغلونه لصالحهم فقط.

يُعد الانضباط ركيزة أساسية في التنظيم العسكري، مما يضمن القدرة على التنبؤ والكفاءة في العمليات. وقد أظهرت التجربة التي أجراها ستانلي ميلغرام في جامعة ييل عام 1961، أن ثلثي المشاركين أطاعوا السلطة في إلحاق الضرر بالآخرين، ومع ذلك، فإن "مجرد اتباع الأوامر" لم يعد دفاعًا كاملًا عن جرائم الحرب، حيث "طاعة الجندي ليست طاعة آلة أوتوماتيكية. والجندي هو انسان عاقل في النهاية، وقد يرفض الأوامر لو رآها تتعارض مع الكود الأخلاقي لديه، ولذلك كان لابد من زرع فكرة شيطانية داخل عقل الجنود، عن طريق تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم. 

وتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم ليس ظاهرة جديدة، ولكنه تضخم بشكل كبير بفعل الخطاب الرسمي الذي يصورهم على أنهم أقل من البشر ويبرر اتخاذ إجراءات متطرفة ضدهم، وقد صرح وزراء في الحكومة الإسرائيلية، بمن فيهم سموتريتش وبن غفير، صراحة بأن الفلسطينيين "حيوانات بشرية" أو "ليس لهم الحق في الوجود، ويجب إبادتهم". هذه التصريحات تذكر بالخطاب الإبادي التاريخي، مثل وصف التوتسي بـ "الصراصير" خلال الإبادة الجماعية في رواندا. تُستخدم هذه اللغة لتحميل جميع الفلسطينيين المسؤولية الجماعية عن شعور اليهود بالقلق، وبالتالي اعتبارهم لا يستحقون الرحمة. 

هذا الربط المباشر بين "التجريد من الإنسانية من الأعلى" و"تسربها إلى الجنود"  يمثل سلسلة سببية حاسمة، فعندما يستخدم القادة السياسيون والعسكريون مصطلحات مثل "حيوانات بشرية"، فإن ذلك يوفر ترخيصًا نفسيًّا قويًّا للجنود لرؤية المجموعة المستهدفة ومعاملتها على أنها دون البشر، هذا التجريد من الإنسانية من الأعلى يقلل من القيود الأخلاقية الداخلية ويسهل على الأفراد المشاركة في الفظائع أو التغاضي عنها دون الشعور بالذنب، وقد بدأ ذلك الخطاب منذ اليوم الأول لولادة هذا الكيان الاستعماري المارق. 

في آب/أغسطس عام 1949، أسرت وحدة عسكرية صهيونية متمركزة في مدينة "النقب"، فتاة بدوية في منتصف العشرينيات، حيث أخرجت إلى الخلاء وأجبرت على الاستحمام عارية على مرأى من الجنود، ثم تناوب ثلاثة من الجنود على اغتصابها لمدة لا تقل عن 5 ساعات كاملة. وبعد وجبة الجنس الأولى، اقترح قائد الفصيلة التصويت على ما يجب فعله معها، ليقرّر الجنود بالإجماع تحويلها إلى أداة للجنس، وبناءً على ذلك، نظم القائد مناورة لاغتصاب الفتاة بشكل جماعي خلال الأيام الثلاثة التالية، وعندما سئموا من مقاومتها، تقرّر قتلها وإحراق جثتها، ذلك الموقف حدث بعد النكبة بسنة واحدة فقط. 

ومن الشهادات التي نشرها المؤرخ الإسرائيلي آدم راز، الباحث في معهد أكيفوت لأبحاث الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في مقال في صحيفة هآرتس الإسرائيلية: "كنت قاتلًا، حين كنت أجد مجموعة من الجنود العرب يرفعون أيديهم، كنت أقتلهم على الفور، لم أحسب كم قتلت منهم خارج ميدان المعركة. كان لدي رشاش به 250 طلقة". حسنًا، هل شاهدت فيلم "الطنطورة" الوثائقي للمخرج الإسرائيلي ألون شفارتس؟

الفيلم يُسجل إفادات صادمةً لقدامى جنود لواء "ألكسندروني" الإسرائيلي، وهم يعترفون بتفاصيل مجزرة الطنطورة (1948) لأول مرة علنًا، كيف أطلقوا النار على مئات الفلسطينيين العُزّل في قرية قرب حيفا، ثم دفنوا الجثث في مقابر جماعية، المشهد الأكثر إيلامًا ليس في الاعترافات، بل في الضحكات المرتسمة على وجوه الجلادين وهم يسردون التفاصيل. 

وجوه ضاحكة، سعيدة أحدهم يقلد صوت الرصاص هازئًا، والثاني يبتسم وهو يتذكر كيف اغتصب زميله فتاة عمرها 16 عامًا، هذه الابتسامات ليست عرضية؛ بل هي الوجه الأصلي للعنصرية الاستعمارية التي تُجرد الضحية من إنسانيتها حتى في ذاكرة الجلاد، فهل ضحك الجنود لأنهم نسوا؟ بالطبع لا، ولكن لأن النظام علمهم ألا يندموا. 

الانفصال الأخلاقي

تلك المشاهد تذكرنا بما بدأنا به، الجنود الحاليون يرتكبون نفس الفظائع، وبنفس الدرجة من الاستمتاع، ما يعني أنهم تخرجوا من نفس المدرسة، إذ يلعب النظام التعليمي الإسرائيلي دورًا محوريًا في تشكيل التصورات عن العرب والفلسطينيين، غالبًا من خلال نظام تعليمي منفصل، يجهل العرب ككل، وينزع الإنسانية عن الفلسطينيين، ويتعامل معهم كآخر فقط، حيث يبدأ في مراحل مبكرة من الطفولة في نظام التعليم الإسرائيلي، وبخطوات تدريجية، ما يفسر التعصب الجنوني والعنصرية في الوقت اللاحق". 

تدير إسرائيل نظامين تعليميين منفصلين: أحدهما للأطفال اليهود والآخر للأطفال الفلسطينيين العرب، مع تمييز موثق ضد الأخير من حيث الموارد والمرافق وتدريب المعلمين وتطوير المناهج الدراسية، وتقديمها روايات مضللة للتاريخ، وإنكار وجود الشعب الفلسطيني، واستخدام الخوف، مثل الرحلات الميدانية إلى أوشفيتز، كأداة ترهيب لتشكيل الهويات الصهيونية. 

ويسهم هذا في استيعاب "هرمية القيمة الإنسانية" حيث تُعتبر بعض الأرواح أكثر قيمة من غيرها، ثم يُجرّد الفلسطينيون من هويتهم الأصلية ويُختزلون إلى مجرد كائنات يجب السيطرة عليها أو استيعابها، ولذلك أيضًا تُقدم الكتب المدرسية الإسرائيلية فلسطين على أنها كانت "فضاءً قاحلًا" قبل "الغزو اليهودي الصهيوني"، مما ينكر النكبة عام 1948. 

ووفقاً للكاتب لؤي فوزي، فإن كتب التعليم الإسرائيلية لا تذكر أي شاعر أو رجل أعمال أو ممثل أو أديب أو تاجر أو مهندس أو طبيب أو مُعلم فلسطيني، لأن هذه المهن تستدعي صورًا ذهنية إنسانية طبيعية، وتُظهر الفلسطينيين بوصفهم "مجتمعًا" يشبه أي مجتمع. لا يمكن أن تجد لهم صورًا طبيعية، دائمًا يظهر العرب في الكتب على هيئة رسومات كاريكاتيرية، هذه التقنية تهدف إلى محو هوية الفلسطينيين من الذاكرة الجمعية، وتقديمهم كـ"أقلية مزعجة من اللاجئين البدائيين"، مما يشعر الإسرائيليين بالتهديد طوال الوقت. 

كما تُدرس المناهج الإسرائيلية أن "كل الشعوب والحضارات عبر التاريخ كان لها هدف واحد فقط؛ قتل اليهود، حيث يُصوَّر الإغريق والرومان والفرس والعرب والنازيون كحلقات متصلة لـ "سلسلة اضطهاد واحدة" هدفها إبادة اليهود منذ بدء الخليقة، هذه السردية ليست خطأ أكاديميًا، بل أداة سياسية ممنهجة لصنع عدو خالد، تحويل الصراع السياسي إلى "حلقة أخيرة" في حرب وجودية ممتدة منذ 3000 عام، مما يبرر العنف الحالي كـ"دفاع عن النفس". 

إن نظام التعليم المزدوج والمناهج الدراسية التي تنكر الوجود والتاريخ الفلسطينيين تُعد أساسية في تنمية غياب التعاطف وتصور الفلسطينيين على أنهم مجرد كائنات مجردة من الإنسانية منذ الطفولة. هذا يهيئ الجنود المستقبليين للنظر إلى الفلسطينيين لا كأنداد لهم حقوق مشروعة، بل كعقبات أو كيانات غير موجودة، مما يسهل ارتكاب العنف دون الشعور بالذنب، ما يخلق مجتمعًا نرجسيًا، وساديًا بطبعه. 

خاصة وأن تلك المفاهم تختلط مع الثقافة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، التي تتميز بالتركيز القوي على الانضباط والفعالية العملياتية، بالإضافة إلى نهج "الأسرع والأكثر دموية هو الأفضل"، والقدرة على تجاوز البوصلات الأخلاقية الفردية وتسهيل الأفعال التي قد تثير الشعور بالذنب في ظروف أخرى، حيث أعطت ثقافته العسكرية الأولوية للعمل، أي عمل، يسرع من وتيرة القتل، حيث تُقدر بيئته العسكرية وتكرس لبعض المفاهيم مثل الهيمنة والقوة والصلابة والمنافسة والعدوان.

علاوة على ذلك، يُضيف استخدام الجيش الإسرائيلي للقتل اللامركزي، عبر الطائرات المسيّرة التجارية والاستهداف الموجّه بالذكاء الاصطناعي بُعدًا خطيرًا للانفصال الأخلاقي: فزيادة المسافة النفسية بين الجندي وضحاياه تُقلص احتمالية تعرّضه للإصابة الأخلاقية أو الشعور بالذنب، هذه العزلة التكنولوجية تُحوّل القتل إلى عملية تقنية باردة، وتُكرّس العنف كـروتين إداري منزوع الإنسانية ضد بشر منزوعي الهوية، حسنًا، هكذا يرانا الصهاينة طبقًا لكتبهم وتعاليمهم وآلياتهم العسكرية المريضة والكريهة. 

الابتهاج بالقتل

يمكن فهم التعبيرات الملاحظة عن الفرح بالقتل والتدمير من خلال المفاهيم النفسية للشماتة، وفي بعض الحالات، السادية، والتي تتضخم بفعل تجريد العدو من إنسانيته، الشماتة هي المتعة المستمدة من سوء حظ الآخر، وترتبط بنظرية المقارنة الاجتماعية، أي تعزيز احترام الذات عندما يفشل منافس متصور، إضافة إلى مفاهيم مثل الحسد، والتنافس، والاعتقاد بـ "العدالة والاستحقاق الأخلاقي"، أي أن العدو، العربي في تلك الحالة، يستحق مصيره، لا لشئ إلا لأنه ولد عربيًا، وعاش أجداده في بلاد تمتد من البحر إلى النهر. 

فعندما يُجرّد الفلسطينيون، والعرب بالتبعية، من إنسانيتهم ويُصوّرون على أنهم "حيوانات بشرية"  أو "عماليق" أشرار بطبيعتهم، يُنظر إلى معاناتهم وتدميرهم على أنه "جزاء عادل"، مما يُثير الشماتة. وشعار "كل العرب متورطون" يوسع نطاق الأهداف المشروعة بالنسبة لهم، مما يجعل معاناة أي فلسطيني، بمن فيهم الأطفال، تبدو مبررة، بالنسبة للبعض، يمكن أن يصبح فعل إلحاق المعاناة نفسه، خاصة عند دمجه مع شعور بالقوة والانتقام، ممتعًا وساديًا، وهذا يتجاوز النفور البشري الطبيعي من القتل. 

كما أن العرض العلني لمثل هذه الأفعال الاحتفالية على وسائل التواصل الاجتماعي  يشير إلى غياب المساءلة الداخلية أو الخارجية داخل الدوائر الاجتماعية والعسكرية للجنود، حيث تُحوّل "الإبادة الجماعية المباشرة" الصراع إلى مشهد في مسرحية، مما يؤدي إلى فقدان الحساسية لدى الجناة والجمهور تجاه خطورة الفظائع. 

هذا التوثيق الرقمي، بينما يعمل كدليل للقانون الدولي، يعمل أيضًا كشكل من أشكال الحرب النفسية ضد الفلسطينيين وأداة للتماسك الداخلي والتمجيد ضمن السياق الإسرائيلي، مما يرسخ دورة العنف والإفلات من العقاب أكثر وأكثر، فكلما زادت وتيرة القتل، زادت معه قدرة الإسرائيلي على ارتكاب المزيد من القتل، في دائرة مفرغة تغذي نفسها بنفسها، لدرء أي صدع أو تنافر معرفي أو أخلاقي قد يحدث لدى الأفراد. 

فالأفراد يسعون جاهدين لتحقيق الاتساق النفسي بين معتقداتهم وأفعالهم، وعندما يواجهون تناقضًا بين ما يؤمنون به وما يفعلونه، فإنهم يختبرون انزعاجًا نفسيًّا يدفعهم لتقليل هذا التنافر، وفي حالتنا تلك، تلاعب النظام الصهيوني بهذه العملية النفسية لتبرير الأعمال اللاإنسانية، عن طريق تغذية دائرة العنف، وأسطرة كل شئ، ولنا في "عقدة الماسادا" دليلًا واضحًا على ودوراً حاسماً في هذا التنافر المعرفي.

فأسطورة الماسادا، التي تحكي قصة انتحار جماعي لـ 960 يهوديًا متطرفًا بدلاً من الاستسلام للرومان، تحولت من حادثة تاريخية إلى مثال يُحتذى به في الفكر الصهيوني المتطرف، هذا التحول، الذي غذته رؤى الحاخامات مثل أبراهام إسحاق كوك التي اعتبرت حرب 1967 "معجزة تحرير"، أدى إلى صعود شخصيات مثل بن غفير وسموتريتش. هؤلاء القادة، الذين يمثلون اليوم وجه الصهيونية الدينية المتطرفة، لا يخجلون من المجاهرة بعنصريتهم ودمويتهم، ويدفعون إسرائيل نحو سياسات أكثر شططاً وعنفاً.

فعندما يُصوّر الفلسطينيون على أنهم "حيوانات بشرية"  أو "عماليق"، فيعني أن هذا الخطاب يقلل من التنافر المعرفي الذي قد يشعر به الجنود عند ارتكاب العنف ضدهم، فإذا كان العدو لا يُعتبر بشرًا كاملًا، فإن الأفعال الموجهة ضده لا تُعتبر انتهاكًا للمعايير الأخلاقية المطبقة على البشر. هذا التبرير المعرفي يسمح للجنود بالمشاركة في أعمال عنف مفرطة دون الشعور بالذنب أو الندم، بل قد يؤدي إلى شعور بالرضا أو "الابتهاج بالقتل" لأنهم يعتقدون أنهم يؤدون واجبًا ضروريًّا ضد "الشر المطلق العربي. 

كما أن تفعيل "إجراء حنّبعل"، استخدام القوة المفرطة لمنع أسر المدنيين والجنود حتى لو هدد ذلك حياتهم، يعكس هذه العقلية "الماسادية" التي تفضل الموت على الاستسلام. هذا الإجراء، الذي يجسد مبدأ "كل شيء أو لا شيء"، يقلل من التنافر المعرفي لدى الجنود، حيث يُصبح القتل المفرط مبررًا ضروريًا للحفاظ على روح إسرائيل وأنفتها اليهودية، والأخطر من ذلك هو "خيار شمشون" (الماسادا النووية)، الذي يشير إلى استعداد هذا التيار المتطرف لاستخدام الأسلحة النووية، مما يعكس ذروة التطرف والتلذذ بالدمار الشامل. 

إن الإبادة الجماعية في غزة ولبنان وسوريا ليست حدثًا معزولًا، بل هي سمة أساسية في بنية الاستعمار الاستيطاني، عملية شاملة ودائمة وليست حدثًا اعتباريًّا، فمنذ عام 1947، رافق الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي عنف عسكري وقانوني وجغرافي واقتصادي وأيديولوجي ونفسي وثقافي لا هوادة فيه ضد الفلسطينيين والعرب، وهو مستمر ودائم وصفري، فمن مجزرة الطنطورة (1948) إلى غزة ولبنان وسوريا اليوم، يمتد خيطٌ دموي واحد يحول العنف إلى طقسٍ احتفالي، ويتلذذ بتجريد الضحية من إنسانيتها. 

فالكتب المدرسية الإسرائيلية التي تصوّر العرب "كحشرات"، والفتاوى الدينية مثل "توراة الملك" التي تجيز قتل الأطفال بحجة أنهم "أعداء المستقبل"، والثقافة العسكرية السادية التي تكرم الجندي "الأسرع دمويةً"، كلها حلقات في سلسلةٍ ممنهجة تنتج جيلًا من القتلة يرفضون رؤية العربي كإنسان أصلًا.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

اقرأ/ي أيضًا

الاتفاق الإطاري

العدالة المؤجلة.. كيف يعيد الاتفاق اللبناني الإسرائيلي رسم مرحلة ما بعد الحرب

أثار الاتفاق الإطاري الذي وقعه لبنان وإسرائيل في 26 حزيران/يونيو 2026 موجة واسعة من الجدل، ليس بسبب ترتيباته الأمنية فحسب، بل بسبب ما حمله من دلالات قانونية وسياسية تتجاوز وقف الأعمال القتالية

ميرنا محمد

فيفا
فيفا

فيفا في عصر القوة الدولية: النفوذ الأميركي وحدود استقلالية القرار الرياضي

يأخذ ملف اللاعب الأميركي فلورين بالوغون، بالإضافة إلى ملفات أخرى مثل قضايا "VAR" والأخطاء التحكيمية ومواضيع أخرى، بعدًا إضافيًا مع الجدل الذي رافق موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من القضايا المرتبطة بالبطولة

مهيب الرفاعي

كأس العالم 2026

صورة إفريقيا في كأس العالم وإرث التمثيلات الاستعمارية

يقف الاحتفال بالثقافة الإفريقية في أناشيد كأس العالم في تناقض مع الحقائق الاقتصادية والسياسية للقارة. أين تذهب أموال "فيفا"؟ كم من الإيرادات الناتجة عن هذه الأحداث العالمية يستفيد منها فعليًا تطوير كرة القدم الإفريقية؟

ماسة عورتاني

التنمية من القاع

حين يبطئ تركّز الثروة النمو.. التنمية تبدأ من القاع

لا تقف "التنمية من القاع" عند توزيع الدخل النقدي فقط، بل تبدأ أيضًا من جودة رأس المال البشري. فالفقر لا يُعاد إنتاجه عبر ضعف الأجور وحده، وإنما عبر ضعف التعلم المبكر

عبد الرحمن عاطف أبو زيد

متحف خوسيه ساراماغو

في بيت خوسيه ساراماغو الأخير: مخطوطات وذكريات كاتب غزا لشبونة

يفتح خوسيه ساراماغو أبواب ذاكرته في بيته الأخير بلشبونة، حيث تختزن المخطوطات والمقتنيات الشخصية مسيرة كاتب برتغالي شق طريقه من الفقر والعزلة إلى العالمية، تاركًا إرثًا أدبيًا خالدًا.

لبنى صويلح

المزيد من الكاتب

محمود ليالي

كاتب وصحافي مصري

سياسة واستعمار: تجارة الجنس في مصر من العثمانيين إلى البريطانيين

ساهمت السياسة والاستعمار في صياغة ملامح تجارة الجنس في مصر بهدف تحويلها إلى أداة تخدم المصالح السياسية والاقتصادية على حساب الفئات المهمشة

من فعل مشين إلى فن نبيل.. كيف حوّل البشر العنف إلى مادة للتسلية؟

يرفض البشر العنف ويعتبرونه فعلًا مشينًا حين يمس حياتهم اليومية، لكنهم يحتفون به بوصفه فنًا نبيلًا في الرياضة والعروض الترفيهية

بين صافرتي البداية والنهاية.. كرة القدم كاستعارة للحياة

إنها لعبة معقدة، تحمل العديد من التشابهات مع الحياة اليومية، ففيها يمكنك أن تعمل ضمن مجموعة واضحة المعالم، وأن تقدم التضحيات على صخرة 'الكورفا' المقدسة، وأن تتحمل المسؤولية

بيب غوارديولا.. من الهوس إلى إيذاء النفس

هوس غوارديولا بالنصر يُظهره في صورة "الفيلسوف" بالنسبة للبعض، و"السيكوباتي" بالنسبة للبعض الآخر.

"هركبه وألفّ بيه مصر كلها".. القاهرة التي تصنع لغتها

الشارع المصري يتلقف كل جديد بشغف، يغربل ويشد كل شيء على مقاسه، مع الاعتماد على التكثيف واختزال المواقف والأفكار في كلمة واحدة أو كلمتين

الجيش الإسرائيلي وهندسة الإبادة.. الذكاء الاصطناعي آلة عمياء

كشفت تحقيقات متعلّقة باستخدام الجيش الإسرائيلي لأنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي عن عيوب تشغيلية خطيرة أدت إلى سقوط آلاف الضحايا الأبرياء في غزة