في سنوات حربه على الثورة السورية التي خرجت مطالبة بإسقاط حكم ديكتاتوري عائلي فاسد دام لأكثر من نصف قرن، لم يوفِّر النظام السوري وسيلةً إلا استخدمها لوأد هذه الثورة، إمّا بالقوة العارية التي قتلت ونكّلت بعشرات الآلاف من المدنيين السوريين، أو بالاعتقال والتهجير الذي طال الملايين منهم.
ولتشويه هذه الثورة أمام مواليه والعالم، جنّد النظام البائد إعلامَه الرسمي وغير الرسمي والإعلام الدائر في فلكه، وساق سرديات عدة بدأت بالإرهاب ولم تنتهِ بالمؤامرة الكونية وغيرها من الأكاذيب.
اخترت في هذا المقال "نموذجًا مخفّفًا" لما تعرّض له أحد رموز الإبداع العربي للحديث عن كيف تعامل واستغل "حزب البعث" السوري ونظام الأسدين (الأب والإبن) نصوص هذا المبدع الحاضرة في وجدان القارئ العربي، وكيف حاول التشهير به.
وقلتُ "نموذجًا مخفّفًا" بمعنى أن هذا الأديب لم يتعرض للاغتيال أو التنكيل أو الاعتقال، مقارنةً بما تعرّض له المئات من أدباء سوريا وبعض أدباء البلاد العربية من اغتيالٍ أو نفي اختياري أو اعتقال دام سنين طويلةً على يد الأجهزة الأمنية لهذا النظام.
اخترت الشاعر الراحل محمود درويش ليكون هذا النموذج لسببين؛ أولهما: لما لهذا الشاعر من حضورٍ إبداعي فريد وجماهيريةٍ طاغية ومستحقة في الساحة الأدبية العربية والعالمية منذ بداياته الأدبية وحتى رحيله.
وثانيهما: تباين مواقف حزب البعث (السوري) ونظام الأسدين إزاء هذا الشاعر. فحينًا يَمنع أشعاره ويندّد بمواقفه الإنسانية، وأحيانًا أخرى حاول استخدام رمزيةَ هذا الشاعر في وجدان وذائقة الجمهور العربي، للّعب على بعض المواقف السياسية الضيّقة، ومستغلًّا نصوصَه الشعرية خارج سياقاتها بما يخدم آلته الإعلامية خاصةً في حربه على ثورة شعبه.
كان أوّل صدامٍ بين "حزب البعث" مع أشعار محمود درويش، حينَ كَتَب الأخير قصيدته الشهيرة "جنديٌ يحلم بالزنابق البيضاء" عقب هزيمة حزيران/ يونيو 1967، حيث قام كاتب سوري بعثي بمهاجمة قصيدة درويش تلك زاعمًا بأن الأخير "يُضلِّل الرأي العام العربي والعالمي".
يقول درويش في حوارٍ له متحدّثًا عن هذه القصيدة: "هاجمني أديب سوري، بشدّة، على هذه القصيدة. اتهمني بأنّني أُضلّلُ الرأي العام العربي والعالمي. وقال إن هذا الجندي موهوم. ولكنّني سررتُ عندما قرأتُ كتاب أحد النقّاد الشباب البارزين هو رجاء النقاش. في كتابه عنّي ردَّ على الكاتب السوري بأنَّ الصراع في المنطقة ليس مع اليهود كبشر، ولكنّه صراع بين العرب والصهيونية. وقال رجاء النقاش إنَّ العالم لم يفهم عداء العرب لإسرائيل، ولمّح إلى أنَّ العقبة بين تفاهم العرب واليهود هي الصهيونية والاستعمار. وأنا أستغرب لماذا لا يستخلص الضمير اليهودي النتائج الحقيقية من تأثير الأدب العربي الإنساني في إسرائيل".
ويُكمل درويش في الحوار ذاته قائلًا: "لأتحدث بسذاجة: أنا لا أعادي اليهود. وأقولُ لكَ بإدراكٍ تام إنَّ الإنسان – مهما كان لونه ومهما كانت قوميته – هو كنزي. وأريد أن أتباهى بإنسانيتي، بأنّني أول شاعر عربي عَرَضَ جنديًّا إسرائيليّا حتى بعد حرب حزيران، بجوهره الإنساني. كيف حدث ذلك؟ بعد حرب حزيران التي أعادت قتلِي، حافظتُ على انتمائي الإنساني. كتبتُ قصيدة (جندي يحلم بالزنابق البيضاء). والقصيدة هي حوار مع جنديّ إسرائيليّ عاد من الحرب خائبًا لأنّه فَقَدَ انتماءه الإنساني. شربتُ معه أربع كؤوس خلال حديثنا عن الحرب وعن حبّه الأول وعن همومه اليومية، بدون ظلّ من الكراهية القومية. لقد وَضَعَ الجنديّ قلبه أمامي، وأنا استقبلته كصديق قبل الحرب".(نُشر الحوار في مجلة "الجديد"، حيفا، عدد 11 عام 1969).
هذا الجندي الذي أشار إليه محمود درويش في قصيدته "جندي يحلم بالزنابق البيضاء"، هو شلومو ساند الذي سيترك إسرائيل بعد حرب حزيران/يونيو 1967، ويُقيم في فرنسا ويصبح مؤرخًا من أهم المدافعين عن الحقوق الفلسطينية، وله كتاب هام بعنوان "اختراع الشعب اليهودي" (الكتاب المذكور منشور وتُرجم إلى اللغة العربية).
في 25 تموز/يوليو ولغاية 2 آب/أغسطس عام 1968، شارك محمود درويش وسميح القاسم في المهرجان العالمي التاسع للشباب والطلبة الذي عُقِدَ في صوفيا/ بلغاريا، كممثلين للشبيبة الإسرائيلية تحت شعار: "تضامن، سلم، صداقة"، وكانت هذه أول رحلة لدرويش خارج فلسطين.
في هذا المهرجان، اتّهم بعض المشاركين العرب بفرية أن محمود درويش وسميح القاسم سارا تحت العَلَم الإسرائيلي، مع العلم أن بعض الوفود العربيّة شاركت في هذا المهرجان وبحضور "إسرائيل" فيه.
وكان ذلك سببًا لحملة تحريضية شديدة شنّها "حزب البعث" وصحفه في سوريا على محمود درويش وصلت إلى حدّ فصل الكاتب فيصل الحوراني من عضويّة الحزب الذي كان أحد أعضاء الوفد السوري إلى المهرجان المذكور، لأنّه تجرّأ والتقى محمود درويش وسلّم عليه، بل وصلت حملة التحريض إلى درجة منع نشر أشعار درويش بقرارٍ رسمي في الصّحف ووسائل الإعلام السّوريّة.
بعد رجوع درويش إلى فلسطين المحتلة كتب قصيدة "أنا آتٍ إلى ظِلِّ عينيكِ آتٍ"، بوصفها صدىً حزين لالتقائه أول مرة مع أشقائه العرب في ذلك المهرجان. يقول محمود درويش حين سُئل عن هذه القصيدة لمَن كانت موجّهةً قصيدة "أنا آتٍ إلى ظِلِّ عينيك آتٍ": "إنك تُحيي فيّ ذكريات ليست أليمة ولكنّها ذكريات القصيدة الأولى. كانت صدًى لأوّل التقاءٍ مباشر بيني وبين نصفي الآخر، نحن في بلادنا شُطِرنا إلى شطرين باعتبارنا جزءًا من شعب وجزءًا من أمّة واحدة نستمد الأب من الخارج، ولم نكن نعيش أوهام أنَّ في وسعنا أن نتحرر بمفردنا، ولم نكن نتعايش مع أوهام، ولم نترك التحرر على مسؤولية العرب بمفردهم وهذا كان مشروعًا قوميًا كبيرًا. إنه حلم الخمسينيّات والستينيّات حيث كان العمل الذّاتي في الدّاخل خطوةً نحو تحقيق المشروع الكبير، وكنّا نحقّق التّوازن في شخصيّتنا وفي هويّتنا وكنّا ننظر إلى وضعنا باعتبار أنّه وضعٌ مؤقت، لأنَّ هذا اللّامعقول لا يمكن أن يستمر، نحن كنّا نعيش حالة انتظار في نجاح المشروع العربيّ في التحرر والاستقلال والوحدة. وفي عام 1968 أُتيح لي أن ألتقي بقلبي الآخر وهو القلب العربيّ الذي يشكّل بالنّسبة إليَّ على عكس كلّ ما أعيشه، على عكس الاحتلال، هو العرب. ذهبتُ أنا وصديقي سميح القاسم إلى مهرجان صوفيا في بلغاريا، ففوجئنا بأسئلةٍ جرحتنا، لم يفهم الأشقاء العرب والرسميون منهم خاصّةً، وكان علينا أن نشرح لأنَّ أحدًا لم يفهم كيف نسير بوثيقة إسرائيليّة، هذه الوثيقة تجعلنا نمارس الصمود والبقاء في الوطن وبدونها ننضم إلى خارج الوطن إلى اللّاجئين، لم يكن الحوار والنّقاش هو الجارح، الجارح فيما بعد عندما اخترع أحدهم فريّة نذلة جدَّا تقول: إنَّنا رفعنا العلم الإسرائيلي في شوارع صوفيا أنا وسميح القاسم. وهذه مناسبة لأُعبِّر فيها عن مكبوت غضبي حول هذه التهمة لأنَّها أصبحت وكأنَّها حقيقة لا يمكن لنا أن ننفيها، ففي وسع أيّ إعلامي أو صحفي أن يُصفِّي حسابات شخصيّة معي، وهذا الاتهام ليس له أيّ شيء من الصّحة، ولا يمكن أن أُصدِّق أنَّ بعض الأجهزة الإعلاميّة تكرر هذه الفريّة التي تستبيح أصعب المحرّمات بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معان. فهذه الصدمة لمعرفة هذا الاتهام، فنحن نعاني من احتلال هناك ومن سجن دوريّ وإقامات جبريّة، ومن جهة أخرى نُقَابَل بهذا الاتهام ونتعايش، فكانت القصيدة ردًّا غاضبًا وصدًى لهذا الجرح" (أحلام يحيى، عودة الحصان الضائع: وقفة مع الشاعر محمود درويش).
يقول درويش في أحد مقاطع قصيدة "أنا آتٍ إلى ظِلِّ عينيكِ آتٍ" غاضبًا من أنظمة الهزيمة:
"أنا آتٍ إلى ظِلِّ عينيكِ.. آتٍ
مثل نسرٍ يبيعونَ ريشَ جناحهْ
ويبيعونَ نارَ جراحهْ
بقناعٍ. وباعوا الوطنْ
بعَصًا يكسرون بها كلمات المُغنِّي..
وقالوا: اذبحوا واذبحوا..
ثم قالوا: هي الحربُ كرٌّ وفرُّ..
ثم فرّوا..
وفرّوا..
وفرّوا..
وتباهوا.. تباهوا..
أوسعوهم هجاءًا وشتمًا، وأودوا بكلّ الوطنْ!
حين كانت يدايَ السياجَ، وكنتِ حديقهْ
لعبوا النَّرد تحت ظِلال النُعاسِ
حين كانت سياط جهنم تشربُ جلدي
شربوا الخمر نخب انتصار الكراسي!
حين مرّت طوابير فرسانهم في المرايا
ساومونا على بيت شِعرٍ، وقالوا:
ألهبوا الخيل. كلّ السبايا
أقبلتْ أقبلتْ من خيام المنافي
كذبوا ! لم يكن جرحنا غيرَ منبرْ
للذي باعهُ.. باعَ حطّين.. باعَ السُّيوفَ ليبني منبرْ.
نحو مجد الكراسي!" (نُشرت هذه القصيدة لأول مرة في ملحق صحيفة النهار اللبنانية الأحد 15 كانون الأول/ديسمبر 1968، ونُشرت لاحقًا ضمن ديوان "حبيبتي تنهض من نومها "1970").
في عام 1993، استقال محمود درويش من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية كموقفٍ من اتفاق أوسلو (امتنع درويش عن التصويت على هذا الاتفاق). ذلك الاتفاق الذي انتقده درويش انتقادًا رمزيًّا شعريّا في قصيدته الشهيرة "خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس"، وكان انتقد قبل ذلك عرفات ومؤتمر السّلام في قصيدة "للحقيقة وجهان والثلج أسود" 1992.
إثر إتفاق أوسلو واستقالة درويش، توتّرت العلاقة بين الأخير وياسر عرفات. ووصلت أصداء هذا التوتر إلى دوائر الأمن السوريّة ومنها إلى حافظ الأسد. وفي عام 1994، تلقّى محمود درويش دعوةً من وزارة الثقافة السورية لزيارة دمشق وإحياء أمسيّة شعريّة فيها، المدينة التي أحبّها وكتب لها الكثير من قصائده الشهيرة. كان درويش حينها مقيمًا في باريس.
في دمشق، أبلغه وزير الثقافة أنَّ الرئيس حافظ الأسد يرغب في مقابلته. ذهب درويش إلى تلك المقابلة، وقال عنها: "بعد ساعات طويلة أنفقها الرئيس في الكلام عن الوضع، وتحليل ما يجري في المنطقة، شعرتُ أنَّ المقابلة انتهت، فطلبتُ الإذن بالانصراف. أصرَّ الرئيس على السير معي حتى باب القصر، وبعد عبارات الوداع التقليدية أدرتُ ظهري متجهًا إلى سيارة رئاسية في الانتظار. في تلك اللحظة، ناداني الرئيس، وكأنّه تذكّر شيئًا، فعدتُ أدراجي لأسمع منه ما يلي: أستاذ محمود، سوريا بيتك، أنتَ تعرف مكانتكَ في دمشق، وإذا أردتَ الانتقال للعيش هنا، فأهلًا وسهلا بك".
كانت تذكرة السفر في جيب محمود درويش من باريس إلى دمشق ومنها إلى باريس. ولكن بعد تلك المقابلة كان أوّل ما فعله تغيير الحجز من دمشق إلى تونس، ومنها إلى باريس. لماذا؟ يقول درويش: "أدركتُ خلال المحادثة القصيرة المفاجئة على الباب، أنَّ دعوة الإقامة في دمشق كانت جوهر المقابلة، وأنَّ كلّ ما سبقها من حديث في السياسة كان على هامش تلك الدعوة".
ولكن لماذا ذهبت إلى تونس؟ وماذا فعلت؟ يقول درويش: "ذهبتُ مباشرةً من المطار في تونس إلى مكتب ياسر عرفات، دخلتُ عليه قائلًا: أتيتُ لأصالحك" (حسن خضر، كلّ عام وأنتَ بخير يا محمود درويش!!). وكعادة حافظ الأسد ــ في كل ما يتعلق بالفلسطينيين وقضيتهم ــ حاول الاستفادة من ثِقل محمود درويش الرمزي والمعنوي في صراع النظام السوري ضد ياسر عرفات بعد اتفاق أوسلو. لكنّ درويش فهم دعوة الإقامة في دمشق ولهذا السبب قرر العودة إلى تونس ومصالحة عرفات.
في الحقيقة، لم تكن هذه المرة الأولى التي يتدخّل فيها حافظ الأسد في الشأن الفلسطيني، فقد مرت تجربة الفلسطينيين مع نظام الأسد (الأب) بمحطات مأساوية ومريرة: بدءًا من مذبحة تل الزعتر عام 1976 التي كان هذا النظام ضالعًا فيها، مرورًا بالأحداث التي أعقبت اجتياح بيروت عام 1982. ففي أيار/مايو 1983، قام كل من نظام الأسد الأدب ونظام معمر القذافي بدعم انشقاق فلسطيني داخل حركة فتح التي يقودها عرفات، عُرف باسم تنظيم "فتح الانتفاضة" ويُعرف بين الفلسطينيين بـ"المنشقّين". كما شهد العام نفسه، وتحديدًا في 23 حزيران/يونيو 1983، محاولة اغتيال عرفات أثناء سفره برًا من دمشق إلى طرابلس، لكن المفاجأة كانت غياب الأخير عن الموكب وظهوره سالمًا. عدا عن تغذية حافظ الأسد الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني في لبنان، أو ما عُرِف باسم "حرب المخيّمات 1985 ـ 1988"، ووقوف النظام المقاوم/الممانع مع طرف فلسطيني ضد طرفٍ آخر.
كان لهذه الأحداث وغيرها صدى حزين وعميق في النص الدرويشي، فنذكر من هذه النصوص على سبيل المثال: قصيدة "أحمد الزعتر" (عن مذبحة تل الزعتر) عام 1977، ومقاله النثري "ياسر عرفات والبحر" عام 1983، وقصيدة "يعانق قاتله" عام 1984، وقصيدة "ذَهَبْنَا إلى عَدَن" عام 1984، وقصيدة "يُمثِّلُ دَورِي الأخيرَ" عام 1984، وقصيدة "بَكَى الناي" عام 1986، وغيرها من القصائد والنصوص والمقالات.
لم يُخفِ درويش حنقه وغضبه، في مناسباتٍ عدة، من إجرام الأجهزة الأمنيّة السوريّة وما تنشره من رعب بين السوريين وغير السوريين. فقد حكم حافظ الأسد سوريا من خلال هذه القبضة الأمنية لمدة ثلاثين سنة.
يقول الشاعر الفلسطيني الراحل نائل بلعاوي عن زيارة قام بها إلى منزل محمود درويش، أواخر خريف عام 2000: "رحتُ أستدعي، فجأة، تلك الدقائق الأخيرة من اللقاء الذي جمعني بدرويش في بيته الأنيق الصغير جنوب العاصمة الأردنية أواخر الخريف من العام ألفين.. كانت الزيارة قد شارفت على الانتهاء حين وقفتُ حينها، لأبادلهُ السّلام والقليل من الكلام الوداعي أمام باب البيت، ولكن نسخةً كبيرة وشديدة الأناقة من القرآن فوق مسند خشبيّ على الجهة اليسرى قرب الباب، أخذتني بسرعة إليها، فاقتربت لتأمُّل الخط اليدويّ الفاتن وتقليب الصفحات المذهبّة.. إِنْ أَذِنَ صاحبها؟ موافقًا أشار درويش إليَّ وقال: ستصاب بالرعب حين تعرف مصدر هذه الهديّة؟ أجبتُ: مصادر الرعب كثيرة في العالم العربي. من حافظ الأسد شخصيًا أجاب درويش… هل تشعر بالرعب الآن؟ ثم تابع دون أن ينتظر جواباً مني: يبدو النظام الأمني متأثرًا إلى حدٍّ بعيد في سوريا بشخصية الأسد.. مرعب هو وكذلك أجهزة الأمن لديه.. هو مرعب فعلًا كررت من خلفه، ثم غادرتُ، بعد دقائق قليلة وللمرة الأخيرة، بيته" (نائل بلعاوي، الثورة السورية ومحمود درويش).
بلغ استغلال المتن الشعريّ الدرويشي في إعلام الوريث المخلوع (بشار الأسد) ذروتَه خلال سنوات الثورة السوريّة على نظامه، حيث عمدت الآلة الإعلامية لهذا النظام إلى بثّ أشعار درويش طيلة سنوات القتل التي مارسها على شعبه، فقام بانتزاع هذه الأشعار (المصوَّرة والمُسَجَّلَة بصوت الشاعر) من سياقاتها وحشرها ضمن مقولات النظام وأكاذيبه في الممانعة ومقاومة المؤامرة الكونيّة والعدو.
هذا العدو الذي لم يرمهِ هذا النظام بحجرٍ طيلة أكثر من خمسين عامًا هي عمر الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان المحتلة. والذي كان من بين أهدافه لبثّ أشعار هذا الشاعر هو أن يوحي إلى مواليه: لو كان درويش حيًّا بيننا لكان إلى جانب النظام السوريّ ـ العروبيّ وضدّ المؤامرة الكونيّة التي تُحاك ضدّنا.
لكنَّ النظام سقط وسقطت أساطيره وأكاذيبه التي دامت لأكثر من خمسين عامًا، بعد تضحيّات وعذابات قدّمها الشعب السوري لينال الحريّة والانعتاق والخلاص. وبقي الشِّعرُ الشِّعرَ، شِعر درويش ونزار قبّاني وفرج بيرقدار وغيرهم، وبقيت أغاني المنشدين الثوريين في وجدان الشعب السوري طيلة سنوات هذه الثورة تؤنسهم وتقوّيهم في درب الجلجلة، حين تخلّى العالم عن هذه الثورة اليتيمة التي انتصرت.