ultracheck
سبتمبر في اليمن بين ذاكرتين (ميغازين).

ذاكرة سبتمبر في اليمن: بين هيمنة الجماعة وتوق الشعب

30 سبتمبر 2025

يُطل شهر أيلول/سبتمبر على اليمنيين كل عام وهو مثقلٌ بذاكرتين متناقضتين، تمثلان صراعًا على هوية الدولة ومستقبلها. الذاكرة الأولى، والراسخة في الوجدان الجمعي لغالبية اليمنيين، هي ذاكرة ثورة 26 سبتمبر 1962، تلك الثورة التي أسست للجمهورية وأنهت حكمًا إماميًّا استمر لقرون. هذه الذاكرة ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي رمز للتحرر والانفتاح على العصر، وتمثل عقودًا من التحولات السياسية والاجتماعية التي شكلت اليمن الحديث. إنها ذاكرة دولة، وذاكرة شعب سعى نحو المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية. أما الذاكرة الثانية، فهي ذاكرة 21 سبتمبر 2014، يوم سيطرت جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء. وهذا الحدث لم يكن مجرد تحول سياسي، بل كان نقطة فارقة أعادت تشكيل السردية الوطنية برمتها. فقد تحولت ذاكرة أيلول/سبتمبر من ذاكرةٍ جامعة إلى ذاكرةِ جماعة، تسعى لفرض رؤيتها الأيديولوجية وتاريخها الخاص على الدولة والمجتمع. فبعد أن كانت ذاكرة هذه الجماعة محجوبة وممارسة في نطاقات خاصة ومحدودة منذ ثورة 1962، خرجت من مخابئها لتستولي على الفضاء العام، مدعومة بقوة السلطة التي استولت عليها. ولم يعد سبتمبر شهرًا للاحتفاء بالجمهورية فحسب، بل أصبح موسمًا لفعاليات وبرامج تحتكرها جماعة واحدة، وتفرض من خلالها روايتها للتاريخ وتجبر الجميع على استذكار ما تريد لهم أن يتذكروه. وهكذا صار سبتمبر نفسه ساحة رمزية يتنازع فيها خطابان: خطاب الجمهورية وذاكرته الوطنية، وخطاب الجماعة وذاكرة الامتلاك.

توصف ثورة 26 سبتمبر بأنها اليقظة الأولى لليمنيين، لأنها جاءت تتويجًا لنضالات ممتدة منذ مطلع القرن العشرين، من مقاومة العثمانيين،إلى ثورة 1948 الدستورية، مرورًا بانتفاضة الثلايا عام 1955، وحركات تمرد في مناطق متعددة: المقاطرة وذمار وحاشد. لذلك اعتبر عبد الله البردوني أن سبتمبر لم يكن طفرة معزولة، بل ثمرة لتراكم طويل جعل ولادة الجمهورية حتمية تاريخية.[1]

هذه الثورة مثّلت أول قطيعة كبرى مع نظام الإمامة الذي احتكر الدين والسياسة معًا. لكن المفارقة أنها سرعان ما ولّدت بدورها نخبة جديدة استأثرت بالسلطة وفضاء الدولة العام، على نحوٍ يشبه ما حذّر منه ميكافيلي حين أشار أن الثورات تلد نبلاء جددًا يتزعمون السلطة.[2] فبينما تحرر اليمنيون من الإمامة، وقعوا في شبكة من التحالفات القبلية والنخبوية التي حجّمت إمكانات بناء دولة مؤسسية حديثة. ومع ذلك، ظل 26 سبتمبر رمزًا للتحرر ونافذة أمل، بل صار في المخيال الشعبي أيقونة تعيد اليمنيين إلى حلم الدولة المدنية.

وبعد أكثر من نصف قرن، جاء 21 سبتمبر 2014 ليعيد تعريف الذاكرة، فمع سيطرتهم على الدولة، تحولت تلك الذاكرة إلى خطاب رسمي، فما حدث مع الحوثيين يعكس ما يسميه فوكو بعلاقة السلطة بالمعرفة. فالسلطة لا تكتفي بالتحكم بالسياسة أو الاقتصاد، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الماضي نفسه عبر خطاب يحدد المسموح والممنوع من التذكر. وهكذا صارت الذاكرة أداة للهيمنة، لا وسيلة للتعدد أو الحوار.

والمعضلة الجوهرية في اليمن اليوم هي أن الذاكرة تحولت إلى موضوع للاستحواذ. فالجماعة التي وصلت إلى السلطة رأت أن الماضي يجب أن يُعاد صياغته ليتماهى مع سرديتها. وبذلك جرى تهميش ذاكرة سبتمبر الجمهورية، كما جرى فرض "تاريخ رسمي" يطابق بين ذاكرة الدولة وذاكرة الجماعة الواحدة. لكن التاريخ ليس خطًّا واحدًا، والذاكرة ليست كتلة صلبة. فهناك دائمًا ذاكرات متعددة في اليمن، منها على سبيل الذكر لا الحصر: ذاكرة الجنوب مع الاستعمار البريطاني والمقاومة المسلحة، ذاكرة 7 تموز/يوليو، ثورة شباط/فبراير 2011، ذاكرة الحروب الأهلية. وما إن تُفرض ذاكرة رسمية واحدة حتى يولّد ذلك مقاومة وتنازعًا، لأن الجماعات المهمشة ترفض التنازل عن ماضيها، وتعتبر محوه ضربًا من الإبادة الرمزية.

هذا الصراع الذاكراتي يطرح إشكالية عميقة حول سياسات التذكر والنسيان في مجتمع متعدد. فكيف يمكن لذاكرة جماعة واحدة أن تهيمن على الذاكرة الوطنية؟ وماذا يحدث حين يُفرض على الناس تذكُّر ما لا يمثلهم ونسيان ما يشكل هويتهم؟ إنها معضلة تجعل المواطن اليمني يعيش في غربة داخل وطنه، محاطًا بشعارات ورموز لا تعبر عن قناعاته، ومجبرًا على المشاركة في طقوس تَذكُّر قد لا ينتمي إليها. هذا المقال يسعى لتفكيك هذا الصراع، والغوص في نظريات الذاكرة الجماعية، وتحليل تجليات الهيمنة على الذاكرة في اليمن، وصولًا إلى استشراف سبل ممكنة للخروج من هذا النفق، نحو ذاكرة وطنية تتسع للجميع وتحترم التنوع الثقافي، ذاكرة تكون أساسًا لمصالحة حقيقية لا لهيمنة قسرية.

الذاكرة الجمعية من جانب نظري

يمكن للذاكرة أن تكون موضوعًا للاستملاك، وذلك حينما تكون هذه الذاكرة مشتركة بين الجميع، مما يسمح بتنشيط "طبائع الاستملاك"[3] بحيث تعمد جماعة ما إلى احتكار هذه الذاكرة ووضعها تحت نفوذ ملكيتها الخاصة. هذا ما حدث في اليمن، حيث لم يعد التنازع حول الذاكرة نفسها، بل حول استعمالات الذاكرة وسياسات التذكّر وسياقاته وفضائه العام الذي جرى احتكاره لتحديد ما يُسمح بتذكره وما لا يسمح لفعل التذكر أن يمتد إليه.[4]

ولفهم الصراع الدائر حول ذاكرة سبتمبر في اليمن، لا بد من الاستعانة ببعض المفاهيم النظرية التي حللت علاقة الذاكرة بالسلطة والهوية. فالذاكرة، كما يوضح الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، ليست مجرد استعادة بريئة للماضي، بل هي عملية بناء وإعادة بناء مستمرة،[5] وهي بذلك تصبح موضوعًا للصراع والاستملاك في المجتمعات التي تتألف من جماعات متعددة ذات تواريخ وذاكرات مختلفة، وبذلك يصبح السؤال المحوري: من يملك حق كتابة التاريخ وفرض الذاكرة؟

لا توجد عادةً ذاكرة مشتركة واحدة في المجتمعات ذات التعددية الثقافية، يُمكن للجميع الانتماء إليها بنفس القدر. لكل جماعة ذاكرتها الخاصة التي تشكل هويتها، وهذه الذاكرات قد تتطابق أحيانًا وتتناقض أحيانًا أخرى. المشكلة لا تكمن في هذا التعدد في حد ذاته، بل تنشأ حين تسعى جماعة ما، مستقويةً بالسلطة، إلى احتكار الفضاء العام وفرض ذاكرتها الخاصة باعتبارها "الذاكرة الوطنية الرسمية". في هذه الحالة يتحول التذكر من فعل شخصي أو جماعي إلى أداة سياسية للهيمنة والإقصاء. حيث يتم انتقاء أحداث وشخصيات معينة من الماضي، وإبرازها وتضخيمها، بينما يتم تهميش وطمس أحداث وشخصيات أخرى لا تخدم السردية المهيمنة. إنها عملية "اختلاق" لذاكرة "نافعة"[6]، كما يسميها إدوارد سعيد[7]، ذاكرة تخدم مصالح السلطة القائمة، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة التاريخية وتنوع الذاكرات الأخرى.

هذا الاستملاك للذاكرة لا يقتصر على فرض سردية معينة، بل يمتد إلى السيطرة على "سياسات التذكر"، أي تحديد ما يُسمح بتذكره وكيفية تذكره، وما يجب نسيانه. يتم ذلك عبر التحكم في الفضاء العام من خلال تغيير أسماء الشوارع والساحات، وإقامة النصب التذكارية التي تمجد رموز الجماعة الحاكمة، وتنظيم الاحتفالات والمهرجانات التي تعزز روايتها، والسيطرة على المناهج الدراسية ووسائل الإعلام. كل هذا يخلق بيئة ثقافية ورمزية تعكس ذاكرة واحدة، تجعل من الصعب على الذاكرات الأخرى أن تجد لها مكانًا للتعبير عن نفسها.

لذلك فإنّ إنشاء "ذاكرة وطنية رسمية" في دولة متعددة الثقافات هو في جوهره فعل إخضاع وهيمنة. فهو يفترض أن تاريخ جماعة واحدة هو تاريخ الوطن كله، وأن ذاكرتها هي الذاكرة التي يجب على الجميع تبنيها. والنتيجة الحتمية لذلك هي شعور الجماعات الأخرى بالتهميش والإقصاء، وبأن تاريخها وماضيها يتعرضان للمحو والتصفية. هذا الشعور يغذي الصراع ويزيد من الانقسامات، ويجعل من المستحيل بناء هوية وطنية جامعة تقوم على الاعتراف المتبادل والاحترام للتنوع. فبدلًا من أن تكون الذاكرة جسرًا للتواصل، تتحول إلى جدار للفصل والانقسام.

تجليات الهيمنة على الذاكرة في اليمن

تتجلى سياسات الهيمنة على الذاكرة في اليمن بوضوح منذ سيطرة جماعة الحوثي على السلطة. لقد عملت الجماعة بشكل ممنهج على استملاك الفضاء العام وتحويله إلى معرض دائم لذاكرتها ورموزها. امتلأت الشوارع والساحات في صنعاء وغيرها من المدن الخاضعة لسيطرتها بشعارات الجماعة، وصور قادتها، وراياتها التي تحمل لونًا واحدًا ورؤية واحدة. لم تكتفِ بذلك، بل عمدت إلى تغيير أسماء الشوارع والمدارس والمؤسسات، واستبدلت بها أسماء تخلد رموزها وأحداثها التاريخية الخاصة. كل هذا يخلق واقعًا بصريًّا ورمزيًّا يفرض ذاكرة الجماعة على الجميع، ويجعل المواطن يشعر بأنه غريب في مدينته. وكأن ضرورة التذكر لزامًا على الكبير ورهانًا على الصغير.

هذا الاستيلاء على الفضاء العام ليس مجرد تغيير في المظهر العام، بل هو جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الهوية الوطنية ومحو الذاكرة الجمهورية والتي تسميها جماعة الحوثي "الهوية الإيمانية". فالذاكرة التي ترعرع فيها غالبية اليمنيين، هي ذاكرة 26 سبتمبر، والتي أصبحت هدفًا لمحاولات الحجب والتهميش. حيث يتم التقليل من أهميتها، وتصويرها على أنها مؤامرة أو انحراف، بينما يتم تمجيد الأحداث التي تمثل سردية الجماعة، مثل يوم "الغدير" أو "ذكرى استشهاد الإمام الحسين"، وتقديمها على أنها المناسبات الوطنية الحقيقية التي يجب على اليمنيين الاحتفاء بها.

هذا الإقصاء الثقافي والرمزي يولد شعورًا عميقًا بالاغتراب لدى قطاعات واسعة من اليمنيين. حين يجد المرء نفسه محاطًا بشعارات لا تعنيه، وألوان لا تمثله، وصور لا تعبر عن أفكاره ومعتقداته، فإنه يشعر بأن ذاته الحقيقية في منفى، وبأن وطنه قد اختُطف. إنه اغتراب لا يولّده البعد الجغرافي، بل يولده الإقصاء الفكري والثقافي، والشعور بأن هويته وتاريخه يتعرضان للمحو. في ظل هذه الهيمنة الشمولية التي لا تعترف بالتعدد ولا تقبل بالاختلاف، يصبح مجرد التمسك بالذاكرة الجمهورية فعلًا من أفعال المقاومة. وهذا يعيدنا إلى فكرة المخيلة الوطنية كما صاغها بندكت أندرسون فالأمة ليست مجرد مؤسسات وسياسات، بل هي سردية يتخيلها الناس عبر رموز وذاكرة مشتركة.[8] فإذا فُرضت ذاكرة أحادية، تلاشت إمكانية هذا التخيل الجمعي، وحل محلها تفكك وتمزق.

وفي خضم هذا الواقع، يأتي يوم 26 سبتمبر من كل عام نافذةً يتنفس منها اليمنيون ويستعيدون عبرها ذاكرتهم المختطفة. تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة للاحتفاء بالجمهورية ورموزها واستعادتهم عبر الذكاء الاصطناعي من خلال رسم صور متخيلة لهم، وتنتشر أغاني الثورة وصور أبطالها في مشهد يبدو تمردًا رمزيًّا على محاولات الهيمنة، وتأكيدًا على أن ذاكرة الجمهورية ما تزال حيّة في وجدان الشعب وترفض أن تموت. وكأنّ ثورة سبتمبر، بعد عقود من قيامها، لا تزال تنادي بأن الوطن يتسع للجميع، لا لون واحد ولا صوت واحد. إنها لحظة استعادة مؤقتة للذاكرة تذكّر بأن الصراع لم ينته بعد، وأن حلم الدولة المدنية لا يزال حاضرًا في المخيلة الجمعية.

هذا التذكر لا ينفصل عن الحنين، فكلما شعر الناس بتهديد لذاكرتهم، ازدادوا تمسكًا بها. وربما لهذا عادت ثورة سبتمبر إلى الواجهة بقوة بعد 2014، إذ إن محاولة محوها صنعت تمسكًا أشدّ بها. غير أن هذا الاستدعاء المكثّف للذاكرة قد ينطوي على مفارقة خطيرة، فهو ما يسميه بعض المفكرين "أمراض التذكر"، حين تتحول الذاكرة إلى أداة تعبئة دائمة تهدد السلم الأهلي. لكن في المقابل، يمكن للذاكرة أن تتحول إلى عامل إيجابي إذا وُجهت نحو قيم العدل والحرية، بدل أن تبقى أسيرة للتجييش السياسي.

وهكذا يبدو أن اليمن يواجه مأزقًا مزدوجًا، من ناحية هناك ذاكرة مثقلة بالصراعات المناطقية والسياسية التي تُستدعى كلما احتاجت الأطراف إلى التعبئة، وذاكرة "مفترى عليها" جرى توجيهها وتحريفها لخدمة أغراض سلطوية وأيديولوجية. وبذلك تحولت من وعاءٍ للتلاقي إلى مصدر للانقسام، في وقت يظل فيه استعادتها على نحو عادل وتعددي شرطاً لأي أفق وطني جامع.

كيفية التعامل مع الذاكرة المتنازع عليها

كثير من الهويات الثقافية تقوم على حدث مؤسس مثل يوم الثورة أو الاستقلال، فالذاكرة ليست مجرد استحضار للماضي، بل هي أيضًا بناء للهوية وتشكيل للمستقبل. ما يجعل بنية الهوية معرّضة للاهتزاز إذا جرى الاحتكام لقوانين التاريخ "الصحيحة". ولهذا، تميل الجماعات إلى مصادرة أي وجود لمثل هذه القوانين، وتستخدم الذاكرة لخدمة سرديتها الخاصة.

لكن في المجتمعات الحديثة، لم تتلاشَ القوميات والطوائف مع تقدم الحداثة، بل شهدْنا لها فورانًا قوميًّا وعرقيًّا وطائفيًّا مفاجئًا. فالذاكرة لا تنتعش إلا حين تواجه خطر النسيان والانقراض، وحين تذوب الاختلافات الثقافية، يتذكرها الناس بحنين ويعلقون عليها قيمة كبيرة. في هذا السياق، يصبح التوافق السياسي والاجتماعي ضرورة لتنظيم التنافس على الذاكرة، وضمان التعايش السلمي بين الجماعات.

فالمجتمعات التعددية تجد نفسها أمام خيارات صعبة أمام معضلة الذاكرة المتنازع عليها، لذلك تطرح النقاشات الفكرية ثلاثة نماذج لعلاقة الدولة بالذاكرة، الخيار الأول هو محاولة فرض ذاكرة واحدة وإقصاء ما عداها، وهو ما تفعله جماعة الحوثي حاليًّا في اليمن. هذا الخيار، كما رأينا، يؤدي إلى الصراع وتعميق الانقسامات، وهو وصفة مؤكدة لتفكك النسيج الاجتماعي والوطني.

أما الخيار الثاني، والذي قد يبدو جذابًا للوهلة الأولى، فهو تبنّي "دولة بلا ذاكرة"، أي دولة تقوم على النسيان المؤسسي وتتعامل بحياد تام مع تواريخ وذاكرات كل الجماعات المكونة لها. هذا النموذج، على الرغم من أنه قد يبدو أهون شرًّا من نموذج الإقصاء، إلا أنه يطرح إشكاليات أخرى. فالنسيان الكامل قد يعني التغاضي عن جرائم الماضي وعدم محاسبة المسؤولين عنها، كما أنه قد يحرم المجتمع من الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من تاريخه. وفي هذا السياق تقول المفكرة الأمريكية سوزان سونتاغ: "إن التذكر الكثير جدًّا يُخلّف المرارة، وتحقيق السلام يعني النسيان. ولتحقيق المصالحة من الضروري أن تكون الذاكرة ناقصة ومحدودة"[9]. قد يكون في هذا القول بعض الحكمة، فالتمسك بجراح الماضي قد يعيق المصالحة، لكن النسيان الكامل قد لا يكون هو الحل الأمثل.

وهنا يبرز الخيار الثالث، وهو النموذج الأكثر صعوبة ولكنه الأكثر عدلًا واستدامةً وهو بناء "ذاكرة التنوع". هذا النموذج لا يسعى إلى فرض ذاكرة واحدة أو محو كل الذاكرات، بل يعترف بتعدد الذاكرات الموجودة في المجتمع ويعمل على خلق مساحة للحوار والتفاعل بينها. فإذا كان لا بد للدولة من ذاكرة، فلتكن ذاكرة التنوع الذي شكلها عبر التاريخ. في هذا النموذج، لا يصبح التاريخ الوطني ملكًا لجماعة واحدة، بل هو عبارة عن فسيفساء من ذاكرات كل الجماعات التي أسست الوطن وساهمت في بنائه.

إن بناء ذاكرة التنوع يتطلب تبني مجموعة من المبادئ التي تحكم كيفية تعاملنا مع الماضي. من أهم هذه المبادئ "التذكر المسؤول"، الذي يعني تحمل مسؤولية أخطاء الماضي والاعتراف بالظلم الذي لحق بالآخرين. ومنها أيضًا "التذكر المتسامح"، الذي يقبل بوجود روايات أخرى للتاريخ ويحترم حق الآخرين في تذكر ماضيهم بطريقتهم الخاصة، بعيدًا عن الإقصاء والتوظيف الأيديولوجي. وهذا بدوره يتطلب تحرير فعل التذكر من ضغوط الدولة وهيمنتها. فالتذكر، في نهاية المطاف، ليس شأنًا للدولة، بل هو شأن الناس أنفسهم. من حقهم أن يتذكروا ويتجادلوا ويختلفوا حول تاريخهم في فضاء عام مفتوح ومتحرر من أي محاولة للهيمنة أو الإقصاء. فذاكرة سبتمبر مثلًا، إذا احتكرتها الدولة أو فصيل بعينه، ستتحول إلى طقس باهت أو أداة للصراع، أما إذا استعيدت كذاكرة جامعة فإنها قادرة على أن تصبح جسرًا نحو مستقبل مشترك. فلا يمكن فصل الذاكرة اليمنية عن ذاكرة الألم والجراح. فهناك آلاف المعتقلين والمُخفَيْن قسرًا وضحايا التعذيب والانتهاكات يشكّلون طبقة أخرى من الذاكرة، وذاكرة التنوع لا تسعى إلى تمجيد ثورة أو تخليد زعيم، بل إلى الاعتراف والعدالة. هذه الذاكرة، إذا جرى استحضارها بصدق، يمكن أن تكون مدخلًا إلى مصالحة وطنية لا تقوم على النسيان السلبي، بل على الاعتراف المتبادل. وهنا يتقاطع البعد التاريخي مع البعد الأخلاقي، فالذاكرة، كما يقول ريكور، تحتاج إلى نقد تاريخي لتحقيق العدالة، وأن "فائض الذاكرة" يمكن أن يعيق تقدم المجتمعات، لذا يجب إيجاد توازن بين التذكر والنسيان.[10]

في التجارب العالمية، مثل جنوب أفريقيا بعد الأبارتهايد أو رواندا بعد الإبادة، لم يكن الهدف أن يمتلك طرف واحد الذاكرة، بل أن تُصاغ ذاكرة مشتركة تعترف بالضحايا، وتتيح مساحة للصفح. وفي اليمن نحن بحاجة إلى مثل هذا الأفق،كتابة تاريخ وطني لا يقف عند رواية المنتصر، بل يتسع لضحايا الحروب والانقلابات، وللتجارب المهمشة التي غابت عن كتب التاريخ الرسمية.

نحو ذاكرة تعددية 

إنّ الصراع حول ذاكرة سبتمبر في اليمن هو في جوهره صراع على روح الدولة ومستقبلها. إن محاولة جماعة الحوثي فرض ذاكرتها الأحادية ليست مجرد ممارسة سياسية، بل هي اعتداء على هوية الملايين من اليمنيين وتاريخهم. والرد على هذا الاعتداء لا يمكن أن يكون بفرض ذاكرة أحادية أخرى، بل يجب أن يكون بالسعي نحو بناء ذاكرة وطنية تعددية، تعترف بكل مكونات المجتمع اليمني وتحترم تنوع ذاكراته. فمنذ 1962 وحتى 2014، ظلّت الذاكرة ساحة لإعادة إنتاج السلطة، بين من يحتكرها ومن يقاوم. ومع ذلك، فإن استعادة هذه الذاكرة اليوم لا ينبغي أن تكون استعادة طقوسية أو إقصائية، بل استعادة نقدية تعترف بتعدد الأصوات. فالتاريخ لا يعود، لكنه يظل حاضرًا كصورة ومضة في أذهاننا، كما يشير والتر بنيامين.[11] والتحدي هو كيف نحول هذه الصورة من أداة انقسام إلى أفق للوحدة.

ويبقى النقاش حول ضحايا الماضي ومآسيه محصورًا بين السياسة والقانون، لكن الخلاص من ضغط الماضي لا يكمن في دائرة السياسة أو القانون، بل في دائرة النسيان والصفح إذا كان ممكنًا. فالعدالة الانتقالية قد تمهد للصفح، لكن الصفح الحقيقي لا يتطابق مع الأحكام القضائية أو التعويضات، بل هو فعل أخلاقي يتجاوز القانون، كما يقول جاك دريدا: "ليس في مقدور الدولة ككيانٍ غُفلٍ أو لأية مؤسسة عمومية أن تمنح الصفح. ليس لها الحق، ولا القدرة، ولن يكون لخطوتها هذه أي معنى".[12]

في حالات الجرائم الكبرى وغياب الضحايا، يصبح الصفح مستحيلًا، ويبقى النسيان هو الخيار الوحيد لتجاوز الماضي. كما يقول إدغار موران: "النسيان واجب، وإلا أصبحنا مجانين"[13]. في اليمن، حيث الذاكرة مثقلة بالصراعات والانقسامات، يصبح النسيان أحيانًا ضرورة لتحقيق المصالحة الوطنية وبناء مستقبل مشترك. وهذا يتطلب أيضًا تحقيق توازن دقيق بين التذكر والنسيان. حيث لا يمكننا أن ننسى جرائم الماضي، فذلك يعني خيانة للضحايا وتشجيعًا على تكرار الجرائم. ولكن لا يمكننا أيضًا أن نبقى أسرى لجراح الماضي، فذلك سيمنعنا من بناء مستقبل أفضل. يجب أن نتذكر لكي نتعلم ونحاسب، ولكن يجب أيضًا أن نتعلم كيف نصفح ونتجاوز، ليس بمعنى النسيان، بل بمعنى عدم السماح للماضي بأن يشل حاضرنا ومستقبلنا.

لذلك ينبغي تحويل ذاكرة سبتمبر إلى ذاكرة جامعة أي أن تتسع لتجارب الجنوب والشمال، للمهمشين والضحايا، للمؤمنين بالدين وللعلمانيين، للجمهوريين والإسلاميين على حد سواء. فالوطن ليس ذاكرة واحدة، بل نسيج من الذاكرات. وإذا كان النسيان أهون شرًّا من الذاكرة الإقصائية، فإن الذاكرة التعددية هي الخيار الأسمى، ذاكرة تُبنى على التنوع، وتمنح اليمنيين فرصة أخيرة للخروج من دوامة الاستبداد والحروب.

إن الطريق نحو هذه الذاكرة الجامعة يبدأ بتحرير الفضاء العام من هيمنة أي جماعة، وإعادته إلى أهله الحقيقيين (المواطنيين). وينبغي أن يكون هناك فضاء عام مفتوح، كما يرى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، يُمكّن فيه للجميع أن يناقشوا قضاياهم وشؤونهم العامة، بما في ذلك تاريخهم، بحرية ودون خوف أو إقصاء. في هذا الفضاء، يمكن للذاكرات المختلفة أن تتحاور وتتفاعل، وأن تتعلم من بعضها البعض. يرى ميشيل فوكو أن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة هو أن تدّعي احتكار الحقيقة.[14] وينطبق هذا تمامًا على الذاكرة، فأخطر ما تواجهه الأمم حين تتحول الذاكرة إلى قانون يحدد المسموح والممنوع، أو حين تحتكرها الدولة وتوظفها كأداة ضبط. فالتذكر ليس شأنًا قانونيًّا بل شأن الناس في فضائهم العام مثل النقاشات، الكتابات، الفنون، الاحتفالات الشعبية.

إن إعادة توجيه الذاكرة لخدمة المصالحة الوطنية هي مهمة أخلاقية ووطنية عاجلة. يجب أن ننتقل من ذاكرة الصراع إلى ذاكرة الحوار، ومن ذاكرة الإقصاء إلى ذاكرة الاعتراف المتبادل. يجب أن نختلق، كما يقترح إدوارد سعيد، ذاكرة "نافعة"، لا بمعنى تزييف التاريخ، بل بمعنى التركيز على الجوانب المشرقة والمشتركة في تاريخنا، تلك التي تعزز قيم التعايش والسلم الأهلي. إنها مهمة صعبة وطويلة، ولكنها السبيل الوحيد لبناء يمن جديد، يمن يتسع لكل أبنائه، بذاكراتهم المتعددة وأحلامهم المشتركة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] عبد الله البردوني، اليمن الجمهوري (بدون ذكر: دار الأندلس، 1997)، 55.

[2]  نيقولا ماكيافيللي، الأمير، ترجمة محمد لطفي جمعة (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2017)، 78-85.

[3] نادر كاظم، طياع الاستعلاء: قراءة في أراضي الحالة البحرينية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 2007)

[4] نادر كاظم، استعمالات الذاكرة في مجتمع تعددي مبتلى بالتاريخ (المنامة: مكتبة فخراوي، 2014)

[5] بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009). ص137

[6] هو منهج في استخدام الذاكرة الجمعية بشكل انتقائي من خلال التلاعب بقطع معينة من الماضي القومي، وذلك بطمس بعضها وإبراز بعضها الآخر بأسلوب توظيفي بكل ما في الكلمة من معنى. ومن هنا، ليست الذاكرة بالضرورة ذاكرة أصيلة، بل هي على الأصح، ذاكرة نافعة.

[7]  إدوارد سعيد، "الاختلاق، الذاكرة والمكان"، المسيرة، ترجمة رشاد عبد القادر، عن الأصل المنشور في Critical Inquiry شتاء 2000، تم الاطلاع في 12 سبتمبر 2025،  ‏http://www.al-maseera.com/2010/06/blog-post_9339.htm 

[8] بندكت أندرسون، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2009).

[9] Susan Sontag, Regarding the Pain of Others (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2003), 103

[10] بول ريكور، المرجع السابق.

[11] فالتر بنيامين، "مقالات مختارة"، ترجمة أحمد حسان (عمّان: أزمنة للنشر والتوزيع، 2007) ص197.

[12] جاك دريدا، المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة، ترجمة حسن العمراني (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2000) ص22.

[13] المرجع نفسه، ص49

[14] مجموعة من المؤلفين، مسارات فلسفية (دمشق: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2004)، 37

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

اقرأ/ي أيضًا

الاتفاق الإطاري

العدالة المؤجلة.. كيف يعيد الاتفاق اللبناني الإسرائيلي رسم مرحلة ما بعد الحرب

أثار الاتفاق الإطاري الذي وقعه لبنان وإسرائيل في 26 حزيران/يونيو 2026 موجة واسعة من الجدل، ليس بسبب ترتيباته الأمنية فحسب، بل بسبب ما حمله من دلالات قانونية وسياسية تتجاوز وقف الأعمال القتالية

ميرنا محمد

فيفا
فيفا

فيفا في عصر القوة الدولية: النفوذ الأميركي وحدود استقلالية القرار الرياضي

يأخذ ملف اللاعب الأميركي فلورين بالوغون، بالإضافة إلى ملفات أخرى مثل قضايا "VAR" والأخطاء التحكيمية ومواضيع أخرى، بعدًا إضافيًا مع الجدل الذي رافق موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من القضايا المرتبطة بالبطولة

مهيب الرفاعي

كأس العالم 2026

صورة إفريقيا في كأس العالم وإرث التمثيلات الاستعمارية

يقف الاحتفال بالثقافة الإفريقية في أناشيد كأس العالم في تناقض مع الحقائق الاقتصادية والسياسية للقارة. أين تذهب أموال "فيفا"؟ كم من الإيرادات الناتجة عن هذه الأحداث العالمية يستفيد منها فعليًا تطوير كرة القدم الإفريقية؟

ماسة عورتاني

التنمية من القاع

حين يبطئ تركّز الثروة النمو.. التنمية تبدأ من القاع

لا تقف "التنمية من القاع" عند توزيع الدخل النقدي فقط، بل تبدأ أيضًا من جودة رأس المال البشري. فالفقر لا يُعاد إنتاجه عبر ضعف الأجور وحده، وإنما عبر ضعف التعلم المبكر

عبد الرحمن عاطف أبو زيد

متحف خوسيه ساراماغو

في بيت خوسيه ساراماغو الأخير: مخطوطات وذكريات كاتب غزا لشبونة

يفتح خوسيه ساراماغو أبواب ذاكرته في بيته الأخير بلشبونة، حيث تختزن المخطوطات والمقتنيات الشخصية مسيرة كاتب برتغالي شق طريقه من الفقر والعزلة إلى العالمية، تاركًا إرثًا أدبيًا خالدًا.

لبنى صويلح

المزيد من الكاتب

فوزي الغويدي

باحث يمني

كيف يُباع بؤس الشباب اليمني على جبهات الحرب الروسية الأوكرانية؟

استُدرج هؤلاء الشبان بوعودٍ كاذبة بالعمل والحياة الكريمة في روسيا، لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة في جبهات القتال، يعيشون وسط مخاطر حربٍ لا يعلمون عنها شيئًا

من بوينس آيرس إلى دمشق.. دروس العدالة الانتقالية ومواجهة إرث الدكتاتورية

تقدم تجربة الأرجنتين درسًا مهمًا في أن العدالة، وإن تأخرت، تبقى ممكنة عندما يتمسك المجتمع بحقه في معرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات

في حضرة ابن عربي.. أن نرى الله في كل شيء

إذا كان الغرب يعتقد بفلسفة ابن عربي فلماذا لا نزال نحن نختزله في عباءة التصوف أو نخوض معارك حوله بدلاً من استلهام رؤاه؟

نيتشه والتاريخ العربي.. حتى لا يستعبدنا الماضي

لا تدعونا الفلسفة النيتشوية إلى "قطع" مع التاريخ، بل إلى تحريره من التقديس والخوف. وفي عالم عربي مثقل بالهزائم لعل أول خطوة نحو المستقبل هي إعادة النظر في هذا الماضي، لا لنتنصّل منه، بل لنفهمه بشجاعة

تحولات الجسد.. من رمز للجاه إلى الوصمة المَرَضية

تحولت السمنة من رمز للصحة والرفاهية إلى علامة على الاضطراب الأخلاقي والنفسي والجسدي