لو كانت للمدن عواصم، لكان حيّ الرمال عاصمةً لغزّة.
قبل أن يُصبح حيّ الرمال امتدادًا راقيًا لغزة، كان مجرد كثبانٍ ساحلية لا تعني أكثر من فراغٍ رملي على أطراف البحر، ومن هنا جاء اسمه. غير أن عشرينيات الانتداب البريطاني شهدت بدايات العمران فيه، ومع الأربعينيات أخذ يتشكّل كوجه جديد للمدينة. لم يكن ذلك التطور وليد مصادفة، بل ثمرة نهضة مدينية شاملة: شوارع فُتحت، كهرباء ومياه امتدت إلى البيوت، وساحات خضراء وحدائق صغيرة غرسَتها البلدية لتعلن أن غزة تسعى لأن تكون مدينة حديثة على شاطئها الغربي.
وفي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، كانت غزة تحتل المرتبة الرابعة في فلسطين من حيث الضرائب وإيرادات البلديات، ما عكس ازدهارًا تجاريًا وعمرانيًا لا ينسجم مع الصورة النمطية عن "مدينة فقيرة". في تلك الفترة بدأ التحول من الكثبان الرملية إلى عمران حديث، وكانت الرمال البذرة الأوضح لهذا التوسع. وفي الخمسينيات، خلال الإدارة المصرية لغزة، ازداد الاهتمام بالحيّ وفتحت شوارعه، ليصبح مقرًّا لعدد من الضباط المصريين ومساحة عمرانية جديدة شهدت توسعًا متسارعًا عقدًا بعد آخر.
ظلّ الرمال طويلًا من أكثر أحياء غزّة حيوية وهدوءًا، مركزًا للطبقة الوسطى والمؤسسات التجارية والثقافية، ورمزًا للمدينة الحديثة. ولم يكن هذا الهدوء معزولًا عن سياق اجتماعي أوسع، إذ حمل الرمال في طياته بروز طبقة وسطى جديدة من موظفين ومتعلمين ومهنيين، إلى جانب العائلات التجارية التقليدية. كان الحي يعكس بدايات تغير أنماط العيش في غزة: تعليم البنات الذي اقتصر على بنات الأعيان أولًا، ظهور السينما والنوادي الرياضية والاجتماعية، وازدهار المقاهي والفنادق الصغيرة. كما غيّر البحر نفسه من ملامح الحياة، إذ بات الاصطياف على شاطئ الرمال نشاطًا منظمًا بقرارات بلدية تحدد أماكن الخيام وملابس الاستحمام، ما منح الغزيين شعورًا بأنهم جزء من ثقافة حضرية حديثة تتجاوز حدود الحصار.
تبلغ مساحة الحيّ نحو خمسة كيلومترات مربعة، ويقع بمحاذاة الساحل على بُعد نحو ثلاثة كيلومترات من قلب المدينة، ويقطعه شارع عمر المختار الذي يصل شرق غزة بغربها. وتمتدّ حدوده من الشيخ رضوان شمالًا إلى الشيخ عجلين جنوبًا، ومن منطقة سامر شرقًا حتى البحر غربًا، وينقسم إداريًا إلى الرمال الشمالي والرمال الجنوبي.
يعدّ السير في شارعه المسمى بعمر المختار حدثًا لا يمكن أن يمرّ دون أن تلتقي فيه بعدد من الأشخاص الذين سيبتسمون لك، أو يقفون لتحيّتك، كان ذلك أمرًا متعارفًا عليه في أيام غزّة العادية، حيث يعدّ من أكثر الأماكن قصدًا، ففي شوارعه الفرعية مثلما في الرئيسة يتوفّر عدد كبير ومتنوّع من المحال التجارية من جهة، المطاعم، ومقار الشركات التي تتركّز في عدد من البنايات المتجاورة.
يبدو أن مكانة هذا الحيّ الرفيعة وحظوته عند أهل غزة لم تشفع له، بل وربما كانت هي السبب الأهم لاستهدافه ابتداءً في مساء التاسع من أكتوبر 2023، بقنابل الألفي طن، لتمسح فيه مربّعات سكنية كاملة في قصف يوصف بالسجاديّ، أو سياسة الأرض المحروقة، ولتكون تلك علامة واضحة على ما كانت غزة مقبلة عليه.
لقد مثّل الرمال، في جوهره، ذروة الحراك العمراني والاجتماعي الذي عاشته غزة منذ العشرينيات. ومن خلاله تبلورت ملامح ما يشبه مدينتين داخل المدينة: الأحياء القديمة مثل الدرج والشجاعية والزيتون، حيث تواصلت البنية التقليدية، والأحياء الجديدة مثل الصبرة والرمال، حيث تفتّح طموح الغزيين إلى حياة مدينية أكثر معاصرة. ولذا فإن استهداف الرمال في الحرب الأخيرة لم يكن قصفًا لحجرٍ فحسب، بل كان ضربةً لفكرة المدينة الحديثة ذاتها، وللمسار التاريخي الذي أراد أن يجعل من غزة فضاءً حضريًا حيًّا رغم كل القيود.
لم يكن استهداف الرمال سوى فاتحة لسياسة الأرض المحروقة التي تمدّدت شمالًا إلى بيت حانون وبيت لاهيا ومخيّم جباليا، وشرقًا إلى الشجاعية والزيتون والصبرة وصولًا إلى محيط مستشفى القدس في تل الهوى، وغربًا في مخيم الشاطئ وأبراج المخابرات. وفي الوسط مُسحت مدن حديثة مثل "الزهراء" و"الأسرى"، بينما تحولت "مدينة حمد" في خانيونس إلى ركام، قبل أن تُجرف رفح بالكامل وتُحتل خانيونس جزئيًا. هكذا تلاحقت الخرائط الممزقة لما صار يُعرف بخطط النزوح، لتكشف أن الهدف لم يكن مباني بعينها، بل البنية العمرانية والمدنية التي تشكّل حياة الفلسطينيين.
وبالعودة إلى الرمال، ذلك الحيّ المزدحم بالبيوت غير المتلاصقة، المتنوّعة في طرازها وسنوات إنشائها وارتفاعاتها، فيه أهم وأجمل الأبراج الحديثة ، وتلك التي ما زالت قيد الإنشاء، مؤسسات المجتمع المدني، المدارس والمساجد والبنوك، محلات الصرافة والاتصالات وكذلك أهم المراكز التجارية والثقافية التي صار أغلبها أطلالًا.
ما زال "كابيتال مول" ينجو، وحيدًا، وسط بحر الخراب. مركز تجاري صغير بحجمه، لكنه كان نافذة عادية يسترق منها الغزيون شيئًا من تنفّس الحياة. في مطاعمه المحلية، كانت وجبات سريعة تُقدَّم بجودة تبعث على الدهشة، وفي محاله التركية للملابس والحقائب كان الناس يجدون لحظة شعورٍ بأنهم جزء من معاصرة عالمية، ولو تحت حصار خانق. لم يكن مولًا فخمًا، بل فسحة قصيرة الأمد للاستمتاع بما يذكّرهم أنهم ما زالوا أهل مدينة حيّة، لا أسرى معزولين خلف جدران.
يشتهر الحيّ أيضًا بأن فيه بوظة وبراد كاظم الشهيرة، وحلويات أبو السعود، وفلافل السوسي. محلات تجارية بأسماء عائلات غزّة الكبيرة: العشّي والخزندار والشرفا والآغا، وغيرها. وفي بناياته كانت مكاتب معظم المؤسسات الدولية والمحلية والإعلامية. وهو الحيّ الذي سقط فيه "برج الجلاء" الذي احتضن وكالات أنباء عالمية، وكان قصفه عام 2021 على الهواء مباشرةً لحظةً فارقة في الوعي العالمي، حين دوّى صوت وائل الدحدوح: "انهار البرج". لم يكن الجلاء وحيدًا، بل لحقه "برج الشروق" في شارع عمر المختار، بطوابقه الستة عشر، ليفتح غيابه جرحًا في جسد المدينة، كأن شجرة عملاقة اقتُلعت من حقل صغير، فتركته قاحلًا مكشوفًا للشمس بلا ظل.
لم يكن استهداف الأبراج مجرد "عمل عسكري" كما تدّعي إسرائيل، بل جزء من سياسة مركّبة. فالأبراج لم تكن مساكن فقط، إنما كانت مقار مؤسسات إعلامية، ومكاتب محاماة، وشركات اتصالات، ومصارف صغيرة، ومتاجر تحاول أن تمنح الغزيين ما يشبه حياة طبيعية في قلب الحصار. تدميرها يحمل رسالة مضاعفة: إخضاع الاقتصاد المحلي، وتحطيم البنية المدنية، وخلع آخر ملامح المدينة الحديثة. تقول إسرائيل إنها تُدمَّر لأن "حماس تستخدمها"، لكن الحقيقة أن تدميرها يخدم غرضًا أبعد هو نشر الرعب، ودفع الناس للنزوح، وإرسال رسالة رمزية أن غزة لا يحق لها أن تملك أفقًا عمرانيًا أو معالم حضرية. الأبراج العالية التي كانت ترسم خط السماء للمدينة، أرادت إسرائيل تحويلها إلى فراغ، فراغ يذكّر الناس بأن وجودهم نفسه مهدَّد بالاقتلاع.
ضمّ حيّ الرمال أيضًا مقر المجلس التشريعي الفلسطيني الذي صار الآن كومة من الركام فقد تمّ تجريفه بالاضافة إلى النصب التذكاري "للجندي المجهول" الذي تعرض للتدمير في حرب عام 1967، وأعيد بناؤه في عام 2000، قبل أن يختفي الجندي في ظروف غامضة في عام 2007.
يقع ميدان الجندي المجهول جوار المجلس التشريعي، وكانت تجري فيه الاحتفالات والمناسبات الوطنية وكذلك التظاهرات، ويشمل امتداد الميدان حديقة عامة تعرّض معظمها للتجريف. وعند الدخول من الجهة الغربية لشارع عمر المختار، وجوار المجلس التشريعي أيضًا، كانت تبرز لافتة ضخمة تحمل صورة الراحل ياسر عرفات لعقود طويلة، مكتوب عليها: "لن يكتمل حلمي إلا بك يا قدس". أمّا الآن، فلا لافتة، ولا جندي مجهول، ولا مبنى للمجلس التشريعي. لقد سُحق كلّ ما يشير إلى أي علامة سيادية في غزة.
ولم يكن هذا التدمير صدفة، فالسياسة الاستعمارية الإسرائيلية تستهدف المعالم التي تمنح الفلسطينيين شعورًا بالانتماء والدولة والرمزية الوطنية، بقدر ما تستهدف البيوت والأجساد. فالهجوم على الميدان والمجلس التشريعي لم يكن ضد "مبانٍ" فقط، بل ضد فكرة أن في غزة حياة سياسية ومدنية مستقلة، وضد رموز قادرة على تجسيد الذاكرة الجماعية. أرادت إسرائيل أن تقول بوضوح: لا علم، لا جندي، لا برلمان، لا حلم بالقدس. أي أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على المعنى ذاته، وعلى الحق في أن يكون للفلسطينيين مستقبل مرئي في مدينتهم.
ومما عرض بعد وصول جنود الاحتلال إلى هذه المنطقة صورة فيها عدد من جنود الاحتلال يرفعون العلم الاسرائيلي داخل المبنى، وصورة أخرى بالعلم الأزرق أمام بوابته بعد قيامهم بتدميرمبناه في بداية الحرب، بتاريخ الرابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وكأن في ذلك نوع من التباهي بالسيطرة وتثبيت القهر المعنوي، قبل أن ينسحبوا من المكان بعد الهدنة الأولى التي استمرت أربعة أيام بتاريخ الرابع والعشرين من الشهر نفسه. ويشار إلى أن تلك المنطقة صارت تعتبر واحدة من مآوي اللاجئين إذ تحوّلت إلى مخيّم كبير.
لا يمكن الحديث عن حيّ الرمال دون التوقف عند مركز رشاد الشوّا الثقافي، أحد أبرز معالم غزة الحضارية، الذي صمّمه المهندس السوري سعد محفل عام 1988 ليكون منارة إشعاع ثقافي. على خشبته وأروقته اجتمع الشعراء والممثلون، احتضنت قاعاته ورش الفن والمعارض التراثية، انطلقت منه المؤتمرات وعروض المسرح والدبكة والسينما، وكانت مكتبته ـ مكتبة ديانا تماري صباغ ـ نافذة على العالم.
لكن هذا الصرح لم ينجُ من الاستهداف. فقد تعرض للتدمير الجزئي، فانهارت أجزاء واسعة من طوابقه الثلاثة: مطبعته الضخمة، قاعاته المفتوحة، مسرحه الذي يتسع لألف شخص. وما تبقى من مبناه تحوّل لاحقًا إلى مأوى للنازحين الذين فقدوا بيوتهم، في صورة مكثفة لكيف تُحوِّل الحرب فضاءً ثقافيًا إلى مأوى طارئ، ومكتبة إلى ملجأ.
كان ضرب مركز الشوّا جزءًا من سياسة استعمارية ممنهجة تستهدف رموز الحياة المدنية والفكرية. فالمجازر لا تكتفي بقتل الأجساد وتهديم البيوت، بل تسعى أيضًا إلى محو الذاكرة الجمعية وتجفيف منابع الخيال، عبر ضرب المسارح والمكتبات والمراكز الثقافية.
بمرور الوقت، لم تنتهِ حالة العبث والفوضى، بل ازدادت قسوة ولا منطقية، فكل ساعة إضافية في عمر هذا العدوان الذي شارف عامه الثاني تشهدُ الخراب تلو الخراب، ويعد استهداف خدمات بلدية غزّة الواقعة على الحدود الشرقية من حيّ الرمال واحد من أوجه الاعتداءات التي تتعمّد "اسرائيل" إحداثها. حيث تمّ قتل عدد كبير من العاملين في قطاع البلدية وتدمير الأرشيف بعد اندلاع الحرائق، مما أدى إلى خسارة وثائق تاريخية يزيد عمرها عن مائة عام، يضاف إلى ذلك قصف خزانات المياه، ومنع نقل النفايات الصلبة إلى المكبّات الرئيسية، مما سبّب تكاثر الفئران والحشرات وتحويل مناطق تجميعها في الشوارع عشوائيًا إلى مكاره صحية.
لم يقتصر الاستهداف على الأبراج والمنازل، بل طال كراج البلدية وورشة صيانتها، فدُمِّرت الجرافات والآليات الثقيلة التي كانت تُستخدم لفتح الطرق وإزالة الركام وإنقاذ الضحايا. أراد الاحتلال أن يشلّ يد المدينة عن لملمة جراحها، بعدما خبر في الحروب السابقة سرعة طواقم البلدية وقدرتها على إعادة فتح الشوارع. كان ذلك درسًا استعماريًا متقنًا: لا يكفي أن تُهدم البيوت، بل يجب تعطيل كل وسيلة تسمح بترميم الحياة.
تقترب الدبابات الاسرائيلية من حيّ الرمال ساعةً بعد ساعة، تقول الأخبار إنها عند دوار الصاروخ في آخر الجلاء، ثمّ تأتي صور توضّح أنها تهرس الرصيف وقبله القلوب في منتصف شارع الجلاء، هذا يعني أقل من كيلو متر بعيدا عن الحيّ العريق.
في حي الرمال لم يكن الناس يعيشون فقط في بيوت، بل كانوا يعيشون في وهم المدينة الحديثة: يمشون بين مقاهٍ ومكتباتٍ، يتذوقون البوظة ويشترون آخر صيحات الموضة التركية، يرسلون أطفالهم إلى مدارس تشبه مدارس العالم. وحين انهار كل ذلك في قصف واحد، لم ينهَر الحجر وحده، بل انهارت فكرة أن تكون غزة مدينة مثل غيرها.
الآن، حين ينظر النازح من بعيد إلى الركام، لا يرى بيته فقط، بل يرى مدينة كاملة تعود إلى أصلها الأول: الرمال.
ذلك المشهد لا يذكّره بالخراب فقط، بل يهمس له بحقيقة مريرة: أن الاستعمار لا يكتفي بقتل الأحياء، بل يصرّ على محو الذاكرة، على سحق كل ما يشير إلى أن الفلسطينيين أرادوا يومًا أن يعيشوا حياة طبيعية.
وهكذا، يصبح حي الرمال أسطورة معاصرة: مدينة تُمحى لتُعاد إلى صحراء، وناسٌ يتحولون إلى طيفٍ يتجول في خرائط النزوح. لكن حتى بين الركام، يظل في الشوارع صدى صوت يقول: كانت هنا مدينة.
لو كانت للمدن عواصم، لكان الرمال عاصمة غزة. أما اليوم وقد مُحي فصار شاهدة على أن الاستعمار لا يدمّر الحجر فقط، بل يلاحق فكرة المدينة حتى في الذاكرة.